ما وراء بيان المبعوث الأممي – عـبدالله علي صبري

بعد أن أرجأ إحاطتَه إلى مجلس الأمن الدولي، أطل المبعوثُ الأممي إلى اليمن مؤخّراً ببيانٍ سياسيٍّ بدا فيه كمبعوثٍ سعودي وهو يستنكرُ بشدة ما أسماه بالتصعيد العسكري والأعمال العدائية المتزايدة في محافظتَي مأرب والجوف، متجاهلاً مطالبَ الشعب اليمني برفع الحصار وضرورة تدخل الأمم المتحدة؛ لإنهاء أزمة المشتقات النفطية في ظل إمعان تحالف العدوان، الذي يواصل احتجازَ السفن النفطية المتجهة إلى الموانئ اليمنية منذ ثلاثة أشهر في سياسة عقاب جماعي استمرأ تكرارها، وقد رأى أن مواقفَ المنظمة الدولية وكبار اللاعبين في مجلس الأمن تُباع وتشترى من خلال صفقات علنية، يستأثر الجانب الأمريكي بحصة الأسد منها.

ولأن أداءَ مارتن غريفتث متوازٍ مع حسابات اللاعبين الكبار في الملف اليمني، فإن الحس الإنساني للمبعوث الأممي لا يستيقظ إلا حيث المصلحة المشتركة لدول التحالف السعودي الأمريكي، وإذ لا آذانَ صاغيةً هنا تستجيبُ للمأساة اليمنية جراء التأزيم الاقتصادي الذي يعصف بحياة الملايين، فإن صوت غريفيتث ورهافة موقفه تظهر في الجهة الشرقية لليمن، حيث معقل القاعدة وداعش وكبار لصوص النفط، ومليشيات الارتزاق والخيانة.

تذرفُ الأممُ المتحدة دموعَ التماسيح على أهداب بيان مبعوثها المدلَّل، الذي يزعم فيه أن مأرب “تعتبر ملاذاً آمناً لمئات الآلاف من النازحين اليمنيين وقد كانت مكاناً هادئاً ومستقراً نسبياً خلال سنوات الصراع الخمس، وهي غنية بالموارد الحيوية لاستمرارية وعيش اليمنيين في العديد من المحافظات الأُخرى”. والمطلوب بحسب بيان غريفتث: أن يعدلوا (….) عن الاستمرار في الإصرار على كسب مزيد من المناطق بالقوة الذي لا يمكن إلّا أن يعرِّضَ اليمن إلى المزيدِ من العنف والمعاناة.

وإذا كان الجيشُ اليمني التابع لحكومة صنعاء هو المقصودَ هنا، وهو ما لم ينص عليه البيان بالاسم، فإنه بهذا المطلب يخلط الأوراق مجدّدًا حين يضع كُـلّ الأطراف في سلة واحدة، ويدعوها إلى “خفضٍ جديٍّ للتصعيد وإعطاء فرصة للسلام والاستمرار في الانخراط بشكل بنّاء في جهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصّل إلى اتّفاق”. في عبارة ملغومة تماماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فبدلا من إيقاف الحرب والعدوان على اليمن، يروج المبعوث لمصطلح “خفض التصعيد” على الطريقة التي نشهدها في سوريا، ما يعني استمرارَ الحرب والحصار تحت مسمى جديد ومختلف.

ومن جهة أُخرى تحاول الأمم المتحدة الترويج لنفسها كوسيط جاد، حين يزعم البيان أن مبعوثها يعمل على ابرام اتّفاق بين الأطراف اليمنية؛ بهَدفِ إعطاء فرصة للسلام، وأن التصعيد يهدّد الجهود المبذولة في هذا المضمار. غير أن البيان لا يكشف عن طبيعة هذه المحاولة، وإلى أين وصلت؟ بل لعلَّه يخفي أن الوسطاء الدوليين -وآخرهم السفير البريطاني- هم من يعمل على تمرير اتّفاق سلام ضمن شروط أَو اشتراطات طالما رفضها الوفد الوطني المفاوض، علما أن وتيرة هذه الضغوط تتصاعد مع كُـلّ إنجاز عسكري لصالح حكومة صنعاء.

حاطبُ ليل

ربما كان على المبعوث الأممي أن يضاعفَ جهودَ فريقه باتّجاه مساعدة اليمنيين على تجاوز وباء كورونا وتداعياته على القطاع الصحي وحياة الآلاف من الناس، لكنه لم يفعل، مكتفيا بالتواصل “أونلاين” مع بعض الأطراف من باب إسقاط الواجب. وحين اشتدت الجائحة، ونشب الخلاف بين صنعاء ومنظمة الصحة العالمية، بشأن سياسة الإعلان عن الضحايا وأرقام الإصابات والوفيات، ولما هدّدت المنظمة بسحب أنشطتها من اليمن، وأوقفت العديد من أنشطتها، ومن أوجه الدعم التي كانت تقدمها، لم يحرك غريفيتث ساكناً، بل لعله والوسطاء الدوليين أرادوا لصنعاء أن تظهر وكأنها عاجزةٌ تماماً في مواجهة ” كورونا “، ليسهل الضغط عليها في ملف المفاوضات غير المعلنة.

أما وقد أمكن لصنعاء التعاطي الإيجابي مع أزمة صحية زلزلت العالم، وبعد أن تبين أن آثار الجائحة على اليمن لم تعطل حركة الجيش واللجان الشعبيّة ومقدرتها على التقدم والهجوم رغم كثافة الغارات الجوية السعودية، ولما تبخرت فتنة “العواضي” في البيضاء، وغدت مأرب على مرمى حجر من الجيش اليمني، أفاق غريفتث لينذر صنعاء إن هي واصلت تقدمها العسكري.

كان بإمْكَان الرياض أن تباشر التهديد أَو التفاوض بنفسها، لكنها أوكلت للمنظمة الأممية هذا الدور، في تأكيد على التناغم بين تحالف العدوان والمنظمة الأممية، ومبعوثها البريطاني إلى اليمن.

قبل ذلك كان المبعوث نفسه منخرطاً في محادثات “نسوية”، كما أعلن بيان صادر عن مكتبه في صنعاء، وإذ لم يفصح كالعادة عن حقيقةِ هذا النوع من التواصل الديكوري، فقد أوحى لسيدات السلام اليمنيات، بضرورة إشراكهن في المفاوضات المزمعة، وتمكينهن من لعب دور فاعل في المشهد السياسي اليمني. وكحاطب ليل لا يدري ماذا جمع بالضبط، أعلن المبعوث أَيْـضاً عن مشاورات “فيسبوكية” مع عشرات الشخصيات اليمنية، معلناً أن الغالبيةَ منهم قد شدّدت على ضرورة إيقاف الحرب قبل استئناف المفاوضات السياسية المزمعة، في اكتشاف مفاجئ، ما كان يمكن التوصل إليه لولا عكوف غريفتث وفريقه على الشبكة العنكبوتية؛ بهَدفِ استطلاعِ آراء 500 يمني ويمنية ظهر أنهم في حالة نشطة على “فيس بوك”.!!

مواقفُ مريبة

غير أن هذا الأداءَ التعيسَ للمبعوث الأممي ليس منفصلاً عن مواقفَ مريبةٍ سجلتها الأمانةُ العامة للأمم المتحدة خلال الأيّام الماضية، فمع بداية الشهر الجاري منحت المنظمة الدولية الرياض الضوء الأخضر لاستضافة مؤتمر المانحين لليمن، في تواطؤ مكشوف، إذ أن المساعداتِ الإنسانيةَ التي جرى الإعلان عنها في المؤتمر الافتراضي على شحتها، كانت؛ بهَدفِ دعم برامج الاستجابة التي تديرها الأمم المتحدة في اليمن؛ بهَدفِ تخفيف الكارثة الإنسانية التي صنعتها الرياض وحلفائها بفعل العدوان والحصار.

أضف إلى ذلك أن الأممَ المتحدة توظِّفُ نسبةً كبيرةً من أموال المانحين في ميزانية تشغيلية لموظفيها باليمن، وعلى رأسهم المبعوث الأممي نفسه الذي يتقاضى راتباً سنوياً كَبيراً، بالإضافة إلى ميزانية ضخمة لفريقه ومكتبه السياسي بصنعاء، وهذا يعني أن هذا الدعم الذي يأتي باسم اليمن ومأساة شعبه وأطفاله إنما يتحول الجزء الأكبر منه إلى أرصدة كبار موظفي الأمم المتحدة في البنوك.

والأغربُ أن الدعمَ الكبيرَ يأتي من السعودية نفسها، وهو ما يجعلها تتحكم في أنشطة الأمم المتحدة، وتلوح بوقفها إن صدر من الأخيرة صوتٌ أَو موقفٌ لا تستسيغُه الرياضُ وحُكَّامُها.

وفي سياقِ التواطؤِ الأممي، أعلن الأمينُ العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش مؤخّراً، عن سحب السعودية من القائمة الخَاصَّة بقتل وانتهاك حقوق الأطفال في اليمن، في خطوة لاقت استهجان العديد من المنظمات الحقوقية ومنها منظمة العفو الدولية، التي استنكرت استبعاد قيادة التحالف من قائمة العار، وقالت: إن “شطب السعودية من تقرير الأمم المتحدة السنوي عن الأطفال في النزاعات يضع الآلية برمّتها موضع تساؤل”، وألمحت العفو الدولية إلى ضغوط دولية رضخ لها غوتيريش، فأقدم على هذه الخطوة السياسية، معتقداً أن الإعلام منشغلٌ ولن يلاحظَ ذلك. وتزامن الموقف الأممي مع ارتكاب التحالف السعودي مجزرة جديدة بحق المدنيين في مديرية شدا بمحافظة صعدة، أسفرت عن استشهاد 13 مدنياً، بينهم أطفال ونساء.

وسبق أن اقترف الأمينُ العام السابق، بان كي مون، نفسَ الخطيئة بحق الطفولة في اليمن، حين أقدم على شطب السعودية من القائمة السوداء لمنتهكي حقوق الأطفال للعام 2016م، تحت مبرّر أن المنظمة تلقت تحذيرا سعوديا بتجميد تمويل أنشطتها. وهذا يكشفُ لكل ذي لُبِّ أن الدمَ اليمني غدا مُجَـرّد رقم في “بورصة” المنظمات الأممية التي احترفت مهنة التباكي على الضحايا، والسير في جنائزهم، وقد اقتسمت معهم المعونات التي سجلت وأرسلت بزعم إنقاذهم. 

بين بومبيو وغوتيريش

على أن هذه المواقف المريبة للأمم المتحدة لا يمكن فصلها عن التدخلات والضغوط الأمريكية التي لم تعد مخفية، فقد بادر وزير الخارجية الأمريكي في مارس من هذا العام إلى زيارة الأمم المتحدة والاجتماع بأمينها العام؛ لمناقشة عدد من القضايا. ورشح عن الاجتماع أن مايك بومبيو بحث مع الأمين العام مِلَفَّ المساعدات الإنسانية إلى اليمن، والحؤول دون وصولها إلى الشمال حتى لا يستفيد منها أنصار الله أَو “الحوثيين” بزعمهم. وفي رد على سؤال بهذا الخصوص، ألمح ستيفان دوجريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إلى قيود وضغوط تحول دون وصول المساعدات الإنسانية إلى شمال اليمن، لكنه تجنب ذكر الجانب الأمريكي؛ لأَنَّه لا يمكنه التحدث بالنيابة عن واشنطن، حَــدّ قوله.

لاحقاً، ستعلنُ واشنطن إيقاف مساهمتَها في دعم برنامج الغذاء الإعلامي؛ بحُجَّـةِ أن المساعدات الأممية لا تصل إلى مستحقيها، ثم تتراجع عن قرارها بزعم أن طرف صنعاء قد استجاب لبعض الملاحظات الأممية بشأن ما تزعمه الولايات المتحدة من قيود يفرضها “الحوثيون” على المساعدات الإنسانية.

وما يزال وسيطاً

بالرغم من كُـلِّ ما سبق لا تزال الأممُ المتحدة تقدم نفسَها كوسيط في الحرب اليمنية، وكذلك يفعل مبعوثها الذي لا يرى في المهمة سوى وظيفة يمرر من خلالاها مشاريع أربابه في واشنطن ولندن، فإن لم يتمكّن، فإن رضاهم عنه – كما يعتقــد- كفيلٌ باستمراره في عمل يدر عليه ما لم يكن يحلم من أموال.

بيد أن هذه الوضعيةَ لا يمكنُ أن تسكتَ عنها صنعاء، وهي التي نبّهت مارتن غريفتث أن العاصمة اليمنية لن تستمر في استقباله ما لم يأت بجديد، وما لم يعبر عن جدية في تعاطيه مع الملفين السياسي والإنساني. ويعلم غريفيتث أن صنعاء أمكن لها توقيف سلفه ولد الشيخ بعد أن ضل الطريق، وتصرف كممثل لتحالف العدوان وقوى الهيمنة الكبرى. بل إن صنعاء اليوم أصبحت في موقع من يمكنه رفض التعاطي مع الأمم المتحدة حتى وإن غيرت وبدلت مبعوثيها، وهذا عينُ ما ألمح إليه رئيسُ الوفد الوطني محمد عبدالسلام، وهو يعلّق على موقف الأمين العام للأمم المتحدة آنف الذكر.

فقد وصف عبدُالسلام رفعَ الأمين العام للأمم المتحدة تحالفَ العدوان ومملكةَ الإجرام من لائحة العار بالخطوة المُدانة التي تؤكّـدُ أن المنظمةَ الدوليةَ متواطئةٌ مع القاتل المعتدي، وأنها فوقَ ذلك “غيرُ جديرةٍ برعاية أي حَـلٍّ سياسي لا في اليمن ولا غير اليمن”..!

هل في هذا الكلام تمهيدٌ لخطوة مرتقَبة يُنتظَرُ أن تقومَ بها صنعاء، وتقلب من خلالها ظهرَ المجنِ على الأمم المتحدة ومبعوثها؟.

المصدر: موقع المسيرة نيوز 25/06/2020