كورونا مفتاح ما يخبئه المستقبل..حقائق وتساؤلات – فيوليت داغر

تطورات كثيرة ومتلاحقة جرت مؤخراً في منطقتنا والعالم أخذت بنا وباهتماماتنا بعيداً. مع ذلك بوصلتي ما زالت مصوبة على الفيروس التاجي المستحدث، كونه المفتاح لأبواب مشرعة على ما يخبئه لنا المستقبل القريب. وقد يكون لنا من الحظ مقداراً هاماً أننا نعيش في خضم مرحلة مفصلية هامة في تاريخ البشرية يقول مختصون بالشأن أنها تحدث كل 550 سنة تقريباً.

ما كان طارئاً وبدى كارثياً أصبح حائلاً دون الهدوء والتفكير الموضوعي، وبات الادمان على التلفزة وما ينقل الأخبار من مواقع تواصل وغيره ملازماً للمرحلة. لكن الإعلام لم يساعد البتة على إدراك الحقائق، كونه يعلن الشيء ونقيضه وبعضه يتلاعب بالمعطياتً. فهو ليس سوى صدى لإرادات من يموله ومن يسيطر على القرار السياسي، وغالبهم يدور في فلك واحد، والثمن المدفوع الابتعاد عن الموضوعية والمهنية.

لاحظنا أن المشاهد والسيناريوهات المتعلقة بالفيروس التاجي تكررت نفسها تقريباً في غالب البلدان التي اصيبت به. وكأنهم ينقلون عن بعضهم أو كمن يتحرك ضمن جوقة موسيقية يتعدد فيها العازفون وتختلف الآلات، لكن قائد اوركسترا واحد يدير اللعبة. المعزوفة الأكثر بروزاً كانت في بث الخوف، وحتى الرعب العصابي أحياناً، بين صفوف البشر بتسريب معطيات الكثير منها غير مبني على أسس علمية مثبتة. كما تحريك العواطف والغرائز وتغييب العقل النقدي ومعاملة الناس كأغبياء أحياناً بتغييب حسهم السليم وتشديد القبضة الأمنية وإصدار قرارات كثيراً ما تكون اعتباطية تطبق بالقوة وبالمخالفات لمن عصى.

مرت الموجة ولم يفتك الفيروس بأعداد كبيرة من البشر كما أشيع بادئ الأمر، والكثير ممن أصابهم كان لديهم أمراض من أنواع معينة وضعف بالجهاز المناعي، ونسبة هامة من الذين كانوا محجورين في منازلهم أصيبوا به دون أن يلاحظوا أي تغيير يذكر. أما أعداد الوفيات فلم تكن صحيحة البتة، وقد عهد باحصاء الأرقام في العالم لجامعة جون هوبكنز التي يدور حول عملها كثير من الشبهات. كما منعت منظمة الصحة العالمية تشريح الجثث وأمرت بحرقها أو دفنها فوراً بحجة منع نقلها الفيروس للآخرين. لكن في المانيا مثلاً، قامت الوكالة الالمانية للامراض المعدية بتشريح 65 رفاة ووجدت أن 46 من المتوفين كانوا مصابين بامراض الرئة و28 داخلية و 10 سكري وبدانة و10 سرطان و16 كانوا يعانون من الزهايمر، وصرح مدير معهد الطب الشرعي في هامبورغ ان لا احد توفي بسبب كورونا بل لاشكالات اخرى، وقال البروفسور كلاوس بوكسيل ان المخاوف نتجت عن مبالغة بان كورونا مرض خطير معدي.

مثل آخر من ايطاليا عندما اعترض أطباء على تعليمات المنظمة فشرّحوا جثة مصاب بكورونا واستنتجوا أن وراء الوفاة ليس فيروسا بل بكتيريا قاتلة تسببت له بجلطات في الدم وعدم حركة كان يمكن أن تنقل الاوكسجين لخلايا الدماغ والقلب والرئة، ولمعالجتها كان يفترض مضادات الجلطة والالتهابات ومضادات حيوية، كما وأن وحدات العناية المركزة ومراوح التهوئة لم تكن ضرورية. إثر ذلك قامت وزارة الصحة بتغيير البروتوكول العلاجي واعطت المصابين مائة ملغ اسبرين وابروناكس، ما جعلهم يتماثلون للشفاء ويخرج في يوم واحد 14000 من المستشفيات.  

إذا كان المجمع العلمي غير متفق حتى اليوم، فالسؤال المطروح: إما الفيروس غير خطير ولا يستحق كل الاجراءات التي اتخذت، وإما خطير وكان يجب أن يسقط البشر جراءه كالذباب لمجرد العطس أو التكلم وانتشار الرذاذ في الهواء، الذي يخرج مع التنفس وليس العطس فقط، وبالتالي هو ينتشر بشكل أكبر ضمن هواء المنازل التي أجبر الناس على التزامها وعدم الخروج منها إلا بالحالات القصوى. وطالما أنه لم يكن شريراً، فهو إذن صاحب فضل وفاعل خير لأنه محفز لردود الفعل التي تجعل الأجسام أقوى عند التغلب عليه وإضعافه.

بكل الأحوال، علماء الأوبئة أكدوا أن الأشخاص الذين يعانون من ضعف التمثيل الغذائي كانوا الأكثر عرضة للتأثر بالفيروس، كون الأرضية هذه تتسبب بتواجد الأمراض الأكثر شيوعاً كالسكري والقلب وإرتفاع ضغط الدم والتهابات الجهاز التنفسي. أما العمر فلم يكن دوماً شرطاً أساسياً حيث جميعنا يعرف من كبار السن الكثيرين الذين لم يصابوا بأذى ولو أنهم ليسوا بالضرورة بصحة جيدة ولديهم مناعة قوية. عميدة كبار السن في اسبانيا أصيبت بالكوفيد 19 وشفت منه وعمرها 114 سنة.

مختصون أعلنوا أن من يصاب بالفيروس مرة غير معفي من الاصابه به مرة ثانية، وسلالات جديدة منه ما زالت تظهر، وهو الأمر الذي يجعل من لقاح الانفلونزا سنوياً غير ذي جدوى حسب دراسات جدية. إذن إذا كان الفيروس التاجي كغيره يتأقلم ويضعف مع الوقت، لماذا الإصرار لاقناعنا بضرورة اللقاح، إن لم يكن في الأمر شيء آخر، والفيروس المستحدث ليس سوى حجة لفرض اللقاح وما يحمله؟

رغم رفع الحظر لم يبلغ عن حصول هبة ثانية للفيروس، رغم أن قواعد التباعد الاجتماعي لم تحترم والناس خرجوا في مظاهرات وغيره. كما أن أعداداً كبيرة من الجسم الطبي الذين باحتكاك دائم مع الفيروس لم يشعروا به. لقد أخبرونا أنه للحصول على مناعة الجماعة يجب أن يصاب نصف المجتمع أو أكثر على الأقل، مع ذلك في فرنسا 4% فقط أصيبوا بالعدوى. فهل التفسير المقنع هو أن الاحتكاك بمجموعة من الفيروسات بشكل معتاد أقام حماية للبشر وجنبهم هذا الفيروس؟ بكل الأحوال، الفيروسات تتمدد عموماً بين كانون الأول/ديسمبر وأيار/مايو من كل سنة وتتراجع مع بدء وصول الدفء للأجواء، ويمكن أن تصيب أناساً ولا تظهر عليهم أو تجعل منهم ناقلاً لها.

شاهدنا في كثير من البلدان المتقدمة الفشل الذريع للأنظمة الصحية التي وضعت آمالها أو سلمت أمرها لشركات الدواء، وتقارير وتوصيات دول خرجت عن علاقة الكوفيد 19 بالفيتامين “د” رغم أن الأمر معروف ولا يحتاج لدراسات. لكن هل أوصت منظمة الصحة العالمية مثلا به كما بما هو مفيد للصحة وتقوية المناعة؟ لا، كانت التوصيات بالحجر المنزلي والمزيد من العزلة في المنزل بعيداً عن أشعة الشمس التي توفر الفيتامين للجسم.

بات معلوماً أن استخدام الكمامة لوقت طويل، مع التنفس في هواء الزفير الذي يحتوي ثاني أكسيد الكربون، يتسبب بنقص الأكسجة وزيادة حمض اللاكتيك، وبالتالي التسمم والشعور بالدوار والتعب وعدم القدرة على رد الفعل المناسب. والأمر يصبح أشد خطراً لمن يقود سيارته بالكمامة والنوافذ مقفلة. ومن يستمر لساعات على هذا النحو بحكم عمله قد يتصرف كمخمور دون التنبه للأمر وأخطاره.

أما استعمال المعقمات لليدين، فهي أيضاً ليست خالية من المحاذير كون البشرة مغطاة بطبقة من الهيدروليبيدات التي تحميها، لكن تزال بالكحول التي تقتل الجراثيم والفيروسات والفطريات. مما ينتج عنه بشرة جافة عرضة للالتهابات والتشققات المسببة لدخول الميكروبات والمواد السامة الموجودة في البيئة المحيطة، ومن ثم ظهور البقع بعد تفاعلها مع أشعة الشمس. كما أن البكتيريا الموجودة في كف اليدين منها ما هو مفيد، ومحاولة تعقيمها يخفض من المناعة الذاتية. دراسة أشارت كذلك أن اللجوء المنتظم لمطهر اليدين يمكن أن يزيد من امتصاص البشرة ل Bisphenol Aالذي يتسبب في تدهور كمية ونوعية الحيوانات المنوية، ويلعب دوراً في حالات الإجهاض والسمنة وبعض أنواع السرطانات. مما يفسر توصية الجمعية الفرنسية للصحة البيئية باستخدام هذه المواد المضادة للبكتيريا في حالات استثنائية.

تلوث الأجواء الذي رافق الفيروس كانت تأثيراته النفسية والعقلية والجسدية أشد وقعاً من الفيروس نفسه، وخاصة عند كبار السن الذين لا يملكون من وسائل المعرفة والخبر سوى التلفزة بما تضخه من أخبار مرعبة ومرهقة، في ظل غياب الأولاد والأحفاد الذين امتنعوا عن الزيارات بفعل التعليمات والمخالفات كما الخوف من العدوى. الذعر والتوتر والإحباط والإكتئاب والفوبيا وازدياد الوسواس القهري وحتى التفكير بالانتحار كلها مشاعر قد تكون طبيعية كرد فعل تجاه موقف غير مألوف وخطير، لكن لأجل قصير وبحدها الأدنى، بحيث يستعاد سريعاً الشعور بالاطمئنان والأمان عندما ينتفي السبب، أو حين نتعلم طرائق المواجهة والوقاية والعيش بطريقة جديدة وقبول المرض والموت كحقيقة لا مهرب منها دون البقاء سجناء لمخاوفنا وهواجسنا، والبحث عما يعطي معنى لوجودنا العابر على هذه الأرض بالعمل ليس فقط لذواتنا بل أيضاً لأجل الآخرين أمثالنا بتنوع ألوانهم وأجناسهم وأعراقهم وانتماءاتهم.

يعتبر البير كامو في كتابه “الطاعون” أن الأوبئة متواجدة دوماً، وهي ليست فقط تلك التي تتسبب بها الفيروسات ،بل ايضاً الأكاذيب ومشاعر الكراهية والغيرة والهجر والمرض والإفلاس وخيبات الأمل وكل أنواع الأخبار السيئة. فلماذا إذن يحرموننا من التواصل والعناق والضحك والرقص والغناء التي تتيحها اللقاءات بمن نحب وارتياد الأماكن المخصصة لادخال البهجة للنفوس؟ لماذا لا يدعوننا نحمل اعباء حياتنا بأقل قدر من الأحزان، ونستغل الوقت المتبقي منها لنتنفس ونعيش، دون تذكيرنا بالفيروس وتحذيرنا من عودته إن تقاربنا وتحاببنا وتذكرنا أن هناك على مسافة قصيرة منا من يعيش مثلنا ويعاني مما نعانية ويتوقع أن نكون قادرين على لفتة حنونة أو بسمة بسيطة أو ايماءة رأس متفهمة؟

يقول موليير قبل أربعة قرون: كلما قللت من تسليم صحتك للأطباء كلما كان وضعك أفضل. والمقصود هو أن يتعلم كل انسان القواعد الأساسية للحفاظ على صحة جيدة. فكيف والحال كذلك سيكون الطب في المستقبل ومعالجته امراض البشر وإلى أين سيأخذنا العلم؟ المواقف متناقضة، منها ما يعتقد بأنه سيكون بكثير من الآلات والماسحات الضوئية النانوية، وبأن جسم الإنسان نفسه سيذهب باتجاه الآلة مع المركبات الاصطناعية كالعين او القلب او الاطراف، ومع الاتصال عبر الموجات الكهرومغناطيسية بالأقمار الاصطناعية انطلاقاً من شريحة مثبتة في جسد الإنسان تتيح متابعته، وحتى حصاره وخنق أنفاسه إن اقتضت الحاجة تحت شعار المزيد من التقدم العلمي، وبالتالي نهاية الأمراض والانتصار على الموت.

الأحداث التي رافقت ظهور الفيروس عاشها الكثير من الناس كتعدي على حقوقهم الأساسية التي لا تعتبر فرصة تمنح لهم، بل مستحقة منذ ولادتهم، وإن حرم منها الملايين من البشر في ظروف مختلفة. خاصة في عصر شهد نزعات قوية نحو المادية والنجاح ونسيان الموت الكامن وراء المرض وحوادث الحياة المفاجئة. وفي عالم كهذا ليس من عودة للوراء ولما قدمته الطبيعة، وهو بمعنى ما نهاية الإنسانية. فهل سينصاع الناس لما يملى عليهم باسم حمايتهم، ولم يكن الفيروس سوى الحجة لتنفيذ المشروع المرسوم لهم؟ أم أن هناءهم لن يكون باقتلاعهم من بشريتهم بالقوة وبقرار خارج عن إرادتهم، بل بمقاومتهم لما يمس حقوقهم الطبيعية وبعودتهم للطبيعة وما تمليه من احترام للروح والجسد وتوازناتهما ومعالجة الأمراض من جذرها بالبحث عما هو كامن وليس سطحي أو عارض؟

كيف نتجاوز صعاب الحياة وننتصر على أنفسنا؟ على هذا السؤال كان للفيلسوف فريديريش نيتشه، الذي عاش حياة معذبة، موقف: “إلى كل من يهمني أمرهم، أتمنى أن يختبروا المعاناة والهجر والمرض وسوء المعاملة والعار، آمل أن لا يسلموا من ازدراء ذواتهم بشدة ويعرفوا عدم الثقة المؤلم بأنفسهم. أنا لا أرحمهم وأتمنى لهم الشيء الوحيد الذي يمكن أن يظهر إن كان للمرء قيمة: الثبات في المحن”.

نشر في الميادين نت 23/06/2020