فلسطين تواجه هجوما استعماريا استيطانيا مسعورا ينهب الارض وينحت خريطة الضفة ويدمر مقومات الاستقلال الفلسطيني\ نواف الزرو

في احدث واقرب التقارير الفلسطينية التي تتابع تحركات الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في انحاء الضفة الغربية ف”ان المستوطنين في حالة فلتان-جنوني-على الارض”، يعيثون فسادا كما يشاؤون، يصولون ويجولون ويدمرون ويقتلون ويقتحمون ويداهمون ويقتلعون الاشجار ويحرقون الحقول وينهبون الارض الفلسطينية على طريقة الكابوي الامريكي في عهده، ويدمرون مقومات الاستقلال والصمود الفلسطيني دون ان يتصدى احد لردعهم ومحاسبتهم…!.

وفي حقيقة المشهد ان كل الاماكن والمدن والقرى الفلسطينية، بل ربما كل بيت فلسطيني يتأذى من ارهاب هؤلاء المستعمرين المستوطنين. وجاء في تقرير تحت عنوان:”الضفة الغربية صراع ونهب ثروات وضم واستيطان”: “تعد الضفة الغربية المحتلة ساحة الصراع الحقيقي على الأرض؛ فقد تحوّل كل متر فيها منذ احتلالها عام 1967 إلى عنوان لشكل من أشكال المواجهة مع جيش الاحتلال ومستوطنيه وعملائه. وتشكل الضفة الغربية (21%) من أرض فلسطين التاريخية بمساحة (5860) كلم مربع، وترتبط بحدود خارجية مع الأردن التي تعد شريانها الوحيد عبر معبر الكرامة، وكانت تتبع الأردن قبل عام 1967، وظل سكانها يحملون الجنسية الأردنية حتى “فك الارتباط” عام 1988 بناءً على طلب منظمة التحرير الفلسطينية- جنين-المركز الفلسطيني للإعلام- السبت 4/يوليو/2020″. وأظهرت دراسة لمؤسسة “بتسيلم” الإسرائيلية “أن المستوطنات تشغل ما نسبته 11% من أراضي الضفة الغربية، في حين تصنف 18.5% من أراضي الضفة الغربية مناطق عسكرية، ويعزل جدار الفصل العنصري 12٪ من أراضيها. كما أن (48) موقعاً في الضفة يصنفها الاحتلال محميات طبيعية وحدائق وطنية وأراضي دولة، وتشكل ما نسبته 12.4% من مجموع مساحة الضفة، وأن 88% من مجموع مساحات هذه المحميات يقع في المنطقة التي تم تصنيفها “ج”، ولا يبقى وفق ذلك سوى 42% من مساحة الضفة للفلسطينيين”.

ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وبيانات “بيتسيلم”، فإن الاحتلال بنى طرقا التفافية للمستوطنين في الضفة بمساحة 2.3% من مساحتها وهي طرق تحت سيطرته، ويوجد بالضفة 150 مستوطنة و128 بؤرة استيطانية بالإضافة إلى 15 مستوطنة في مدينة القدس المحتلة، و94 قاعدة عسكرية، و25 منطقة صناعية”، وفي الوقت الذي يبلغ فيه عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية ثلاثة ملايين نسمة، فإن عدد المستوطنين الكلي بالضفة بات يزيد على 670.000، إضافة لما يزيد على 228 ألفا في القدس”.

وطبعا هناك المزيد والمزيد من التقارير والمعطيات التي تتحدث عن حالة انفلات هستيري للمستعمرين الصهاينة على الارض وعلى الشعب الفلسطيني، واصبح الفلسطينيون هناك امام ما يمكن ان نطلق عليه”الحرب الاستعمارية الاستيطانية الثالثة وهي الاخطر من سابقاتها-الاولى بدأت عام1948 والثانية بعد العدوان عام 1967-كما يوثق الكاتب توفيق ابو شومر” التي بدأت طلائعها منذ منتصف شهر ديسمبر 2018، ولكنها في سياق سلسلة متصلة من المعارك الطاحنة الوجودية على اهم المواقع في الضفة الغربية وهي: القدس والخليل والاغوار، ولكن، وفي الوقت الذي يتسابق فيه بعض الزعماء والوزراء والمدراء وبعض المثقفين والاعلاميين والتجار العرب على التطبيع المجاني مع الاحتلال الصهيوني، يسارع عدد كبير من أعضاء “الكنيست” والوزراء من حزب “الليكود” وأحزاب يمينية أخرى الى التوقيع على وثيقة تعهدوا فيها بدعم الاستعمار الاستيطاني والعمل على بناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية.

ووفقاً لصحيفة “إسرائيل اليوم” فإن الحديث يدور عن وثيقة بادرت بطرحها حركة “نحلا” الاستيطانية، حيث تهدف إلى جمع تعهدات من وزراء وأعضاء كنيست بالعمل على توطين أكثر من مليونَيْ ممستعمر-ستوطن-غاز في الضفة الغربية، ومن بين الوزراء والمسؤولين الذين وقعوا على الوثيقة من الوزارة السابقة-: رئيس الكنيست -المستقيل-“يولي أدلشتاين”، والوزير “يسرائيل كاتس”، والوزير “يريف لفين”، والوزير “زئيف ألكين”، والوزير “جلعاد أردان”، والوزير “أيالت شاكيد”، والوزير “نفتالي بنيت”، والوزيرة “ميري ريغف”، والوزير “أيوب قرا”، والوزير “يوآف غالنت”. وكان المستعمرون المستوطنون اعلنوا في منشور حمل عنوان “إسرائيل أرضنا” عن “مسابقة لوضع نشيد قومي واختيار علم آخر لدولتهم، وسيمنح الفائز بأحسن تصميم للعلم والنشيد بجائزة نقدية”، وجاء الإعلان عن هذا المخطط في مقال في صحيفة يديعوت أحرنوت/كتبه الراباي شالوم دوف وولفا رئيس “الطاقم العالمي لإنقاذ الشعب اليهودي” وهي المنظمة التي شكلت خصيصًا لذلك، تحت عنوان “الزلزال المقبل”، وقال الحاخام شالوم دوف في بيان له “بعد موافقة إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية واقتراح قانون لتعويض المستوطنين تمهيدًا لإخلائهم: ف”إن الحل هو إعلان دولة-أو مستعمرة يهودية-اخرى- ذات حكم ذاتي في إطار المستعمرة الكبرى-اسرائيل-“، ولكن على الارجح ان يكون هذا الاعلان في سياق تنسيق ةتكامل مع حكومة نتنياهو. وعن هذه الدولة كتب يهودا باور- في هآرتس”ان اسرائيل لا تسيطر على بضع مئات الآلاف من المستوطنين اليهود هناك، فهم يقبلون الحكم الاسرائيلي فقط اذا كان يصب في مصلحتهم، أما عندما لا يحدث ذلك وفقا لتصورهم، فهم يتجاهلونه في أحسن الاحوال وينجحون في مقاومتهم له في اسوأ الاحوال”، ويضيف :” الشرطة والسلطات الأمنية والجيش يخضعون لتهديد المقاومة النشطة المتواصل من قبل المستوطنين، ويخضعون لهذه التهديدات ، واصبح هناك دولتان، الاولى ملتزمة بالقانون الديمقراطي الغربي، والثانية بالحكم الديني المتطرف والخلاصي”. اما الخبير بالشؤون العربية داني روبنشتاين فقد كتب بدوره في هآرتس-عن دولة المستعمرين- المستوطنين يقول:”على خلفية اتفاق السلام مع مصر والانسحاب الاسرائيلي من سيناء أقام نشيط حركة “كاخ”، ميخائيل بن حورين، في الثمانينيات ما سماه هو ورفاقه “دولة يهودا”، وكان قصدهم رمزيا وهو الاشارة الى بديل ممكن عن السلطة الاسرائيلية في الضفة الغربية اذا ما انسحبت اسرائيل من المناطق وعندما تفعل ذلك، ولقّب بن حورين نفسه بلقب “رئيس دولة يهودا”، بعد ذلك كان من محرري كتاب “باروخ الرجل”، الذي امتدح القاتل في الحرم الابراهيمي باروخ غولدشتاين، وكان من أبطال البولسا دينورا ضد اسحق رابين”و”لكن-يضيف روبنشتاين- في العديد من الجوانب أُقيم في الضفة، برعاية حكومات اسرائيل وتشجيعها، كيان سياسي ذو طابع يخصه،أي أنه نشأ فصل حيث توجد دولة اسرائيل على حدة، والضفة أو دولة يهودا على حدة”. ونحن هنا إذ نتحدث عن دولة أو جمهورية المستوطنين اليهود الإرهابية القائمة في أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام ، فإننا لا نبالغ في ذلك أبداً، ذلك أن المستعمرات-المستوطنات اليهودية المنتشرة في أنحاء الضفة والقطاع عبارة عن ترسانات مسلحة أولاً، وعبارة عن مستنبتات أو دفيئات لتفريخ الفكر السياسي والأيديولوجي الإرهابي اليهودي ثانياً ، ودفيئات أيضاً لتشكيل وانطلاق التنظيمات والحركات الإرهابية السرية في نشاطاتها وممارساتها الإرهابية ثالثاً ، فضلاً عن كونها قوة ضغط هائلة على قرارات الحكومة الإسرائيلية ونهجها الاستيطاني والتنكيلي ضد الفلسطينيين رابعاً ، وذلك رغم الحقيقة الساطعة المتمثلة بالتعاون والتكامل القائم بين الجانبين ، فلا تعارض ولا تناقض قطعاً ما بين الدولة الإسرائيلية الرسمية بمؤسساتها وأجهزتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والإدارية والمالية ، وسياساتها الاستيطانية ، وما بين دولة المستوطنين اليهود المنفلتة في الأراضي الفلسطينية المحتلة .

وعندما نتحدث عن دويلة أو جمهورية-والاصح مستعمرة- المستوطنين اليهود، فإننا نتوقف عند حقيقة الصفات والخصائص الأساسية ومنها العنصرية والفوقية والإرهابية التي ميزت ودمغت الحركة الصهيونية والتنظيمات الصهيونية التاريخية ، فمشروع الاستيطان اليهودي ترجمة صارخة للاستراتيجية الصهيونية على الأرض الفلسطينية ، ودولة المستعمرين المستوطنين هي نتاج عملي لتلك الترجمة .

وعندما نتحدث عن دولة المستوطنين اليهود، فإننا نتحدث عن … ، ونتوقف أمام ، مسلسل لا حصر له ، من الانتهاكات والممارسات الإرهابية الدموية التنكيلية والتدميرية الجامحة المنطلقة من صميم المستوطنات اليهودية … وكلها تجري بصورة سافرة تحت سمع وبصر وحماية الحكومة والجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية . هكذا هي حقائق المشهد الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في الاراضي المحتلة حتى في ظل هذه الجائحة الكورونية العالمية.

يجمع الاسرائيليون اليوم من اقصى يمينهم الى اقصى يسارهم على شعار”الاستيطان اولا”، وعلى ان “الاستيطان اليهودي هو الكتاب المقدس لهم”، وعلى”ان المستوطنين هم طلائع الدولة الصهيونية” و”نواة اسرائيل من النيل الى الفرات”، لذلك لا احد في “اسرائيل” اليوم من كبار قادتهم السياسيين والعسكريين ينتقد الاستيطان او يطالب بوقفه مثلا، بل هم يجمعون على مواصلته وعلى انهم في سباق مع الزمن من اجل زرع كل الاراضي المحتلة بالمستعمرات التي لا يمكن ان تقتلعها من وجهة نظرهم رياح المفاوضات او التسويات او القرارات الدولية ان حصلت، اذ ستكون “حقائق امر واقع لا يمكن اجتثاثه” ولذلك تلجأ سلطات الاحتلال للانقضاض على الفلسطينيين وعلى أراضيهم، وتقوم بمصادرة المزيد والمزيد من الاراضي يوميا، وبناء المزيد والمزيد من البؤر الاستيطانية، وتحول البؤر القائمة الى مستعمرات، وتقوم بتكريس مخططاتها الاستيطاتية وفرض الوقائع على الأرض..

وتقوم حكومة نتنياهو بتشن أكبر واوسع هجمة استيطانية على الأراضي الفلسطينية منذ توليها الحكم، والهجوم الاستيطاني هنا يحمل كل عناوين ومعاني وتطبيقات الحرب الشاملة ضد الارض والانسان الفلسطيني..

وفي هذا السياق تفيد احدث التقارير الفلسطينية حول الخرائط والقرارات والتعليمات على سبيل المثال: “ان طاقما من الباحثين الاسرائيليين قدم دراسة الى المستوى السياسي في اسرائيل، يوصي بضرورة ان تقوم الحكومة الاسرائيلية بخطوات عاجلة تعزز سيطرة اسرائيل على غور الاردن”.. والدراسة حملت عنوان “غور الاردن.. اسرائيلي الى الابد” ..وجاء فيها”ان الاحتفاظ بغور الاردن يمنع تطور دولة فلسطينية وتمددها، ويحافظ على العمق الجغرافي الاستراتيجي ويمنع من قيام محور يمتد من طهران وحتى ابواب تل ابيب”.

اما عن معطيات التهويد الشامل لفلسطين48 وللضفة الغربية تحت مظلة الاوضاع العربية والدولية…فحدث بلا حرج وبلا حدود… والهجوم على فلسطين يحمل عناوين الاغتصاب والمجازر والاقتلاع والترحيل والتهويد والغاء الاخر العربي الفلسطيني تماما… فحسب المشاريع والنوايا المقروءة لدولة الاحتلال وبلدوزرها الاستيطاني، فان هذا الهجوم لن يتوقف ابدا وهذا الاستخلاص ليس اجتهادا سياسيا او فكريا تحت الجدل وانما هو حقيقة كبيرة راسخة تتكرس على الارض مع مرور كل ساعة من ساعات الاوضاع الفلسطينية والعربية والدولية العقيمة.. وهي حقيقة معززة مدعمة بكم هائل من الوثائق والمعطيات والوقائع الموثقة الملموسة.. اما عن خرائط الاستيطان والجدران والتهويد ومناطق العزل والمصادرة فقد كشف الدكتور جاد إسحاق مدير معهد الأبحاث التطبيقية اريج – القدس عن الخطة الإسرائيلية الرامية الى مصادرة مساحات واسعة من جنوب الضفة الغربية وعزل الجنوب عن الوسط والشمال اضافة الى تهويد المدينة المقدسة واكمال جدار الفصل العنصري خلال الفترة المقبلة بضم أكثر من 14.4 % من الضفة الغربية عملياً وعزل أكثر من 38 % منها وخاصة في الواجهة الشرقية ( غور الأردن ) ، واوضح اسحق” ان مساحة منطقة العزل الشرقية تبلغ 1664 كيلومترا مربعا و تمثل 29.4% من المساحة الكلية للضفة الغربية (5661 كيلومترا مربعا) و تضم أيضا 43 مستوطنة إسرائيلية و 42 تجمعا فلسطينيا”. وهكذا وكما نتابع، في ظل حالة انعدام الوزن والتوازن والتوهان وفقدان البوصلة العربية بل وفي ظل التهافت التطبيعي العربي الوقح…

وفي ظل الانشغال العربي بالحروب والصراعات الداخلية… تواصل دولة الحرب والهدم والاستيطان الاحتلالية رسم خطوطها ووضع وتكريس بصماتها في جسم الضفة والقدس….؟!! وتحت وطأة السطوة الامريكية على الامم المتحدة ومجلسها الامني ، وتبني الرئيس الامريكي ترامب خطابا سياسيا وتوراتيا صهيونيا، تنتهز حكومة الاحتلال الفرصة والظرف بغية تكريس مخططها الرامي على نحو حصري الى المنطقة-ج- وعزل الغور وتهويده الى الابد من جهة ..والى عزل المدينة المقدسة وتهويدها بالكامل واحكام القبضة الاسرائيلية السيادية عليها بلا رجعة من جهة ثانية، كما تعمل على تدمير مقومات الاستقلال الفلسطيني من جهة ثالثة..؟!. فالاستعمار الاستيطاني الهستيري هو الذي ينحت عمليا خريطة الضفة الغربية لتتغدو أمرا واقعا لا يمكن تغييره…! نعتقد ان المخرج الوحيد من هذا المأزق الاستعماري الصهيوني هو الوحدة الوطنية الفلسطينية على كل المستويات، والتي يجب ان تكون مقدمة لحملة وطنية فلسطينية شاملة للتصدي للمخططات والمشاريع الاستعمارية الاستيطانية….!

المصدر: موقع إضاءات الإخباري/ 6-07-2020