جماهير “أهل السُنّة”: بيئة حاضنة للإرهاب التكفيريّ؟ – خالد عايد

منذ أكثر من ربع قرن، تجتاح المنطقةَ العربيّةَ موجةٌ عاتيةٌ من الإرهاب التكفيريّ، المسمّى أيضًا ” السلفيّة الجهاديّة.” ومع أنّ مثلَ هذه الموجة لم يكن نادرًا في تاريخ شتّى الأمم والأديان والمذاهب، في الشرق والغرب، فقد شاع أنّ السلفيّة الجهاديّة و”أهلَ السنّة” صنوان؛ و”الصنوان لا يستتمّ حسنُهما إلّا بجمعِهما!”

هذه المقالة هي محاولة أوّليّة لتفسير أسباب شيوع القول المتهافت إنّ جماهيرَ أهل السنّة تشكّل البيئةَ الحاضنة لإرهاب السلفيّة الجهاديّة. وهي محاولة كذلك لتقديم تصوّرٍ بديلٍ لنشوء ظاهرة الإرهاب التكفيريّ، ينطلق من السياق الموضوعيّ، المادّيّ العيانيّ، لمنابع هذه الظاهرة وشروطِ تطوّرها.

في أسباب “البيئة الحاضنة”

نبدأ أوّلًا بتفسير أسباب رواج المقولة الفاسدة بشأن “البيئة الحاضنة” السنّيّة بالتركيز على سببيْن:

أ – ادّعاءات جماعات السلفيّة الجهاديّة. يمكن القولُ إنّ خطاب هذه الجماعات يحمل الوزرَ الأعظم في ترويج هذه المقولة من خلال إدخال (أو استعادة) تفسيرات محدَّدة لمفاهيم “الحاكميّة” و”الجهاد” و”التكفير” و”رفع الظلم عن السُّنّة.”

لن ندخل في عرض كافّة الادّعاءات التي اشتمل عليها خطابُ السلفيّة الجهاديّة، كما عبّر عنه الآباءُ المؤسِّسون من أمثال سيد قطب،(1) وخصوصًا كما تطوّر نتيجةً للتزاوج بين القُطُبيّة والوهّابيّة في “الحقبة السعوديّة” في سبعينيّات القرن الماضي. ولن نعرض خطابَ المجموعات السلفيّة الإرهابيّة المعزولة خلال القرن نفسه (“النظام الخاصّ” المصريّة في الأربعينيّات، و”الطليعة المقاتلة” السوريّة في السبعينيّات). لكنّنا سنكتفي بمثالٍ واحد، يكثّف ادّعاءاتِ الإرهاب التكفيريّ، كما عبّر عنها أحدُ أبرز المؤسّسين لآخر طبعات هذا النوع من الإرهاب، ألا وهو أبو مصعب الزرقاويّ (أحمد الخلايلة)، مؤسِّسُ “الدولة الإسلاميّة في العراق،” التي شكّلت النواةَ الأساسيّةَ في تنظيم داعش سنة 2013.

لم يُعرفْ عن الفتى أحمد أيُّ ورعٍ أو تقوى في صباه – – بل العكس تمامًا، بحسب مختلف مصادر سيرته الشخصيّة.(2) كما لم يشتهرْ بأيّ حنكةٍ سياسيّة، أو تجربةٍ عسكريّة فذّة، ولم يُعرفْ عنه خصوصًا أيُّ تبحّرٍ في الفقه الإسلاميّ. لكنّ الزرقاوي كان واضحًا إلى درجة الفظاظة (خلافًا لمعلّميه وتابعيه). فهو حدّد معسكرَ العدوّ مبكّرًا، منذ بداية الاحتلال الأمريكيّ للعراق، ورسم خطّةً دقيقةً للتعامل مع هذا المعسكر، واضعًا الشيعةَ على رأس قائمة الأعداء، بل قبل قوّات الاحتلال الأمريكيّ، ناهيك بالكيان الصهيونيّ، على ما جاء في رسالته إلى بن لادن والظواهري في شباط/ فبراير 2004:

“الشيعة: هؤلاء في رأينا هم مفتاحُ التغيير. يعني أنّ استهدافَهم وضربَهم في عمقهم الدينيّ والسياسيّ والعسكريّ سيدفعهم إلى أنْ يُظْهروا للسنّة سعارَهم، ويكشفوا عن أنياب الحقد الدفين في صدورهم. إذا نجحنا في استدراجهم إلى ساحة الحرب الطائفيّة، سيصبح من الممكن إيقاظُ السُّنّة الغافلين حين يشعرون بالخطر الداهم والموت الماحق على أيدي هؤلاء الصابئة. وعلى الرغم من ضعفهم وفرقتهم، فإنّ السنّة هم… الأكثرُ تصميمًا والأكثرُ ولاءً عندما يواجهون أولئك الباطنيّة…”(3)

وقد سبق فعلُ الزرقاويّ قولَه، إذ بادرتْ شبكتُه مبكّرًا إلى تنفيذ تفجيرات ضدَّ المواطنين الشيعة. فمثلًا، هاجمتْ في 29 آب (أغسطس) 2003 مقامَ الإمام عليّ بن أبي طالب في النجف، وقتلتْ 45 شخصًا، بينهم آيةُ الله السيّد محمد باقر الحكيم، وتسبّبتْ بعشرات الجرحى، في إطار استرتيجيا الجماعات “الجهاديّة” في شنّ هجمات دمويّة على أهداف مدنيّة ودينيّة شيعيّة في العراق.

ومن ناحية أخرى، تُنبِّهنا فتاوى الزرقاوي إلى انفجار ثورة الاتصالات، وما وفّرتْه من إمكانِ أنْ يكون كلُّ شخص/وأيُّ شخص شيخًا يُفْتي، أو أنْ يبثّ في وسائل التواصل الاجتماعيّ ما شاء من سمومٍ طائفيّةٍ ومذهبيّةٍ من دون أيّ إلمامٍ بما يستلزم فقهُ التفسير من ضلاعةٍ بالتاريخ وعلوم اللغة، فينحرف بالواقع إلى طغيان القشرة الطائفيّة – المذهبيّة على التحوّلات الجذريّة الجارية.

ب – مقولات “الهويّة المذهبيّة السنّيّة.” بعد ادّعاءات أرباب الخطاب السلفيّ الجهاديّ، تأتي مقولاتُ “الهويّة المذهبيّة السنيّة” في تحمّل المسؤوليّة عن ترويج  فكرة “البيئة الحاضنة” السنّيّة. وتتراوح هذه المقاربة المذهبيّة بين القول بـ”أزمة الهويّة” و”المظلوميّة السنّيّة.”

لعلّ المقاربة الإيديولوجيّة القائمة على سياسة الهويّات وأزمتها وصراعها هي الأكثر شيوعًا في استقراء نشوء التنظيمات السلفيّة الجهاديّة، بما فيها داعش. وتقوم هذه المقاربة في أنّ الإيديولوجيا، على ما تعبِّر عنها سياساتُ الهويّة، عاملٌ حاسمٌ في تفسير نشوء هذه التنظيمات وتطوّرها.

وفي حين يشير القائلون بهذه المقاربة إلى وجود عوامل أخرى موضوعيّة، سياسيّة واجتماعيّة، فإنّهم يتطرّقون إلى هذه العوامل عَرَضًا، في ما هم يُسهبون في شرح تأثير العامل المذهبيّ في تكوين السلفيّات الجهاديّة. والأنكى من ذلك أنّ بعضَهم يميل إلى تفسير تلك العوامل الأخرى بعاملٍ حاسم، هو الهويّات المذهبيّة؛ وصولًا إلى ما يسمّى “المظلوميّة السنّيّة.”

وبحسب هذه المقاربة، فإنّ العامل الأكثر أهميّةً في تفسير الصعود الراهن يتمثّل في العامل السوسيولوجيّ، أي “المجتمع السنّيّ،” أو “الأزمة السنّيّة الممتدّة  بين العراق وسورية ولبنان.” وهذا العامل يفسّر – بل يبرِّر بحسب المقاربة المذكورة – سلوكَ داعش الوحشيّ مع الخصوم، وهو سلوكٌ “لا يخرج عن مربّع الردّ على التوحّش الآخر ضدّ المجتمع السنّيّ.” وترى هذه المقاربة أنّ هذه “الأزمة السنّيّة” ناجمة عن “انحراف طبائع الصراع إلى سؤال الهويّة.” فالسنّة في البلدان الثلاثة المذكورة باتوا “يشعرون، مع تنامي الصراعات الداخليّة والأهليّة، بفراغٍ سياسيّ عربيّ، وبحالةٍ من الإحباط وخيبةِ الأمل، في ظلّ تنامي النفوذ الإيرانيّ في كلٍّ من العراق وسورية، وحالة الفراغ السياسيّ العربيّ، والفوضى والحروب الداخليّة.”(4)

وفي صياغة أخرى متأثّرة بالمقاربة المذهبيّة، نقرأ أنّ سُنّةً كثيرين دعموا تنظيمَ داعش لأنّهم نظروا إليه باعتباره الردَّ الموازي الفعّال لـ”الهيمنة” الشيعيّة والعلويّة في بغداد ودمشق، على التوالي، ومن خلفهما الراعي الإيرانيّ. وقد تمكّن التنظيمُ “في صعوده السريع… من الاستفادة بذكاءٍ في أزمة الهويّة للعرب السنّة في العراق وسورية وخارجهما.”(5)

يتبدّى إفلاسُ هذه المقاربة، أولًا، في تنكّرها للسوسيولوجيا التي تدّعي الانتسابَ إلى منهجها، إذ يذهب هذا المنهج إلى القول بوجود هويّاتٍ فرعيّةٍ ومتخيّلةٍ ومصطنعةٍ تنتمي إليها “الهويّةُ السنّيّة” المزعومة. كما يتضّح إفلاسُها في  عجزها عن تفسير وقائع كثيرة تتّصل بنشأة جماعات السلفيّة الجهاديّة وتطوّرها، مثل: انتشار هذه الجماعات في مصر وليبيا والصومال وسائر البلدان التي لا وجودَ فيها للانقسام السنّيّ – الشيعيّ، ووجود عدد هائل من هذه المجموعات وتناحرها وتكفير بعضها بعضًا (كما الحال في سوريا).

2 – نحو تفسيرٍ بديلٍ لصعود الإرهاب التكفيريّ

تاريخيًّا، تعدّدت الطوائفُ والمذاهبُ الدينيّة (وإنْ لم يخلُ الأمر من عمليّات اضطهاد فرديّ): منذ تعايش ابن حنبل “المتشدّد” مع “المعتدل” الشافعيّ والأئمّة الآخرين، حتّى عشرينيّات القرن العشرين، حين شهدتْ مصر- في آن – تأسيسَ حسن البنّا جماعةَ الإخوان المسلمين ودعوته إلى إعادة الخلافة، ودعوة الشيخ علي عبد الرازق المضادّة في كتابه الإسلام وأصول الحكم. وفي أيّامنا هذه نجد، إلى جانب السلفيّة الجهاديّة، إسلامَ “الوسطيّة” الخاصّ بالأنظمة ذاتِ الطابع السنّيّ، وإسلامَ البزنس الليبراليّ (كما في تركيا وماليزيا)، أو خلطةً سعوديّةً من هذه وتلك وتلك.(6)

أما الشعب الفلسطينيّ (“السنّيّ” بأكثريّته – إذا كان لا بدّ من ذكر مذهب) فإنّه، في مواجهة المشروع الصهيونيّ الاستيطانيّ، المدعومِ بالإمبرياليّة، وبالتواطؤ الرسميّ العربيّ، قد ابتدع نموذجًا فريدًا، هو الجهاديّة الوطنيّة.(7)

وحدها أزمنةُ “الفِتن” كانت الاستثناء. ففي هذه الأزمنة، كان منسوبُ التطرّف والعنف يعلو، وتُسفك الدماءُ غزيرةً تحت رايات الدين المتنوّعة. ولعلّ أولى الأزمات التي واجهتها المجتمعاتُ العربيّةُ الإسلاميّة وأخطرَها قد تكشّف في “الفتنة الأولى” و”الفتنة الكبرى” في أواخر العهد الراشديّ وأوائل العهد الأمويّ. الجدير ذكرُه أنّ مثل هذه الأزمات و”الفتن” المصاحبة لها لم تكن بأيّ حال حكرًا على التاريخ العربيّ الإسلاميّ.[1]

أما سياسيًّا، فقد مرّت المنطقة العربيّة أواخر القرن العشرين في حالة من الاضطراب الاستثنائيّ، من مظاهرها:

 –  وصولُ أنور السادات إلى سدّة الحكم في مصر، وما رافق ذلك من تحوّلات اجتماعيّة اقتصاديّة تَرْمز لها: ظاهرةُ “القطط السمان،” و”التأسيسُ الثاني” لجماعة الإخوان المسلمين، وانتفاضةُ يناير 1977، وإخراجُ مصر من الصراع العربيّ – الصهيونيّ، وصولًا إلى اغتيال السادات.

– اندلاعُ الثورة الإسلاميّة في إيران سنة 1979. وقد قوبلتْ هذه الثورةُ في البداية بالافتتان، حتى من جانب المثقّفين الذين لا ينتمون مذهبيًّا إلى الشيعة (قبل أنْ تنشب الحربُ العراقيّة – الإيرانيّة).

 – بروزُ الجهاد الأفغاني ضدّ الاحتلال الروسيّ “الكافر،” ومشاركة “الأفغان العرب” فيه.

–  وقوعُ “العِشريّة السوداء” في الجزائر في تسعينيّات القرن الماضي.

– الحربُ الأهليّة في البوسنة والهرسك في نهاية التسعينيّات. وقد حظي مسلموها بدعم السنّة والشيعة على حدٍّ سواء.

هذه التطوّرات السياسيّة العسكريّة لم تُثِرْ – إجمالًا – أوكارَ العصبيّات المذهبيّة بين السنّة والشيعة. لكنّ التطوّرات المفصليّة في اتجاه مذهبة الصراع كانت في الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، وما صاحبها من اصطفافٍ “سنّيّ” للأنظمة العربية – لاسيّما الخليجيّة.ثمّ كانت في الاحتلال الأمريكيّ للعراق، إذ بنت الجماعاتُ السنّيّةُ الجهاديّة استراتيجيتَها للمقاومة على أساس أنّ “الشيعة” هم العدوّ الرقم 1، يليهم الاحتلالُ الأميركيّ.

هذه التطوّرات جعلتْ من بلاد الرافدين أوّلَ ساحةٍ لمواجهةٍ ظاهرُها مذهبيّ ( سنّيّ – شيعيّ)، في حين ينتمي باطنُها إلى حقلٍ آخرَ مختلفٍ أشدّ الاختلاف: حقلِ الأزمة العامّة للنظام العالميّ، بما فيه النظامُ العربيّ، وحقلِ أزمة الإمبرياليّة المُعولمة بالقيادة الأمريكيّة ومحاولاتها بسطَ هيمنتها على العالم و”الشرق الأوسط” ضمنًا.

أما إيديولوجيًّا، فإنّ انفجار ثورة الاتصالات قد مكّن زمرةً من الأشخاص ترتدي رداءَ رجال الدين، السنّةِ والشيعةِ على حدّ سواء، من بثّ فتاواهم التحريضيّة التي لا تصبّ في غير تعميق الضغائن في صفوف أتباعهم. وقد استخدموا في هذه الحرب المذهبيّة العمياء أسلحةَ الفيديوهات على نحوٍ خاصّ، أكانت حقيقيّةً يتحدّث فيها جهلةٌ، أمْ مفبركةً على أيدي كارهين لا يقلّون جهلًا.

وكذلك، فإنّ عدمَ فصل الدين عن الدولة أتاح لرجال الدين من كافّة المذاهب والطوائف دسَّ أنوفهم في كلّ شأن – – من مناهج التنمية، إلى التحالفات الإقليميّة والدوليّة، فتكنولوجيا النانو،  فمشكلة النفايات، وصولًا إلى التحليل والتحريم والتكفير.

كما أنّ انحطاطَ النظام التعليميّ الرسميّ، في وصفه جزءًا لا يتجزّأ من انحطاط النظام العربيّ برمّته، ساهم بدوره في تعزيز النعرات والعصبيّات المذهبيّة (والطائفيّة وسواها) في أوساط الشباب. فقد ازداد دورُ المدارس الخاصّة ـ والخاصّة الدينيّة، لاسيّما في غياب المناهج التعليميّة العقلانيّة. وجرى اعتمادُ مناهج تعليميّة تأخذ بالنقل لا بالعقل، باستظهار النصّ عن ظهر قلب ومن دون أيّ سياق، بدلًا من استبطان المعاني في سياقات محدّدة. كما تضاعف عددُ خرّيجي كلّيّات الشريعة، ذوي المستوى العلميّ المتدنّي، إذ إنّ الأنظمة الجامعيّة لا تترك لخرّيجي المرحلة الثانويّة ذوي المعدّلات المتدنّية سوى الالتحاق بالتخصّصات “الهامشيّة،” وعلى رأسها الشريعة.

وفي نهاية المطاف، فلعلّ الأزمة المعيشيّة الطاحنة في معظم البلدان العربيّة هي المسؤولة في المقام الأوّل عن توليد مختلف “الهويّات” والعصبيّات الضيّقة، المذهبيّة كما الطائفيّة والعرقيّة والجندريّة، في خضمّ التزاحم بالمناكب بين مختلف الفئات على موارد العيش الضيّقة وفرص العمل الشحيحة.

وهذا ما ينقلنا إلى موضوع التطوّرات الاجتماعيّة – الاقتصادية، بوصفها البيئة الحاضنة الحقيقيّة لنشوء الإرهاب التكفيريّ.

3 – السياق الراهن والأزمة العامّة للنظام العربيّ

إبّان “الحقبة السعوديّة” في سبعينيّات القرن الماضي، بلغتْ هجرةُ الأيدي العاملة العربيّة إلى دول الخليج النفطيّة ذروتَها. كان الملايينُ من العمّال والموظَّفين من محيط “المركز” النفطيّ بصورةٍ خاصّة (أيْ من مصر وبلاد الشام واليمن والسودان) يعملون في الدول الخليجيّة، خصوصًا في السعوديّة. وتُضاف إلى هذه الملايين من العمّال المهرة وشبهِ المهرة، والمعلّمين والمهندسين والأطبّاء، حفنةٌ من رجال الأعمال الذين صعدوا عبر تأسيس شركاتِ مقاولاتٍ من الباطن، مرتبطةٍ بقطاع النفط وتفرّعاته، وعبر احتلال مراكزَ عاليةٍ في مثل هذه الشركات. وهذه الحفنة ستتحوّل مع الأيام إلى جزءٍ من شريحة رجال الأعمال الجدد، التي سيكون لها شأنُها الاقتصاديّ والسياسيّ لدى تمكّن العولمة في انعطافة القرن. وكان هؤلاء وأولئك جميعًا يجلبون معهم إلى بلادهم – إلى جانب الأموال والسلوكِ الاستهلاكيّ الاستعراضيّ المفرط – أفكارًا سلفيّةً وهّابيّة. ومن بين صفوفهم سينبثق جنودٌ وقادةٌ للحركات السلفيّة الجهاديّة في غير بلدٍ عربيّ.

على الصعيد العالميّ، بلغتْ هذه المرحلةُ ذروتَها بدءًا بتسعينيّات القرن الماضي، مع توحّش الرأسماليّة النيوليبراليّة المعولمة بقيادة أمريكا، ثمّ مرورها بأزمة شاملة بدءًا من سنة 2008، وانفلاتها من عقالها على غير صعيد. وتعزّزتْ، داخل بلدان الغرب، النزعاتُ العنصريّةُ ضدّ الملوَّنين والمهاجرين إجمالًا، بمن فيهم العربُ والمسلمون، الذين سيجد بعضُ شبابهم ضالّتهم في الحركات الجهاديّة (كما ستجد هذه الحركات ضالّتها بينهم كمقاتلين “أجانب”). وتعزّزتْ عدوانيّةُ الإمبرياليّات، الأمريكيّة والأوروبيّة، الطامحة إلى تكريس سيطرتها على النفط، وإلى الاستحواذ على أسواق جديدة – – بما فيها سوقُ الأسلحة. فكانت حروبُ التدخّل والغزو في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا وسواها.

وتماشيًا مع السياسات الليبراليّة الجديدة، تبنّت الأنظمةُ التابعة (ومن بينها الأنظمةُ العربيّة) وصْفاتِ صندوق النقد الدوليّ في الإصلاحات الاقتصاديّة الهيكليّة، بما انطوت عليه من خصخصةٍ لأملاك الدولة و”تحريرٍ” للتجارة وإلغاءٍ لدعم السلع. فأسفر ذلك عن هجرةٍ واسعةٍ من محيط الأرياف والبوادي إلى المركز المدينيّ، ومن ثمّ نشوء أحزمة بؤس من الأحياء الشعبيّة. كما أسفر عن تفاقم البطالة والاغتراب، خصوصًا في صفوف الخرّيجين الشباب، وعن المزيد من إفقار الطبقات الشعبيّة وتهميشها، ومن المديونيّة العامّة والفساد. ونشأتْ شريحةٌ من رجال الأعمال الجدد في البلد الأم و/أو بلاد الاغتراب، مع هامش “ديمقراطيّ” يفتح أمامها نافذةً للمشاركة في الحكم.

وفي الوقت نفسه، فإنّ بعض القوى “الإمبرياليّة الوسيطة” (تركيا والكيان الصهيونيّ في الأساس) والوكيلة (السعودية في الأساس) تفتّحتْ شهيّتُها على حصّةٍ أكبر من النفوذ السياسيّ والاقتصاديّ في المنطقة، مع غياب دور مصر التاريخيّ. كما انفتح الرهانُ أمام تغيير خريطة المنطقة. وكانت الحركات السلفيّة السنّيّة (الجهاديّة والليبراليّة “المعتدلة”) حصانَ هذا الرهان، في ظلّ غياب أيّ بديل ملموس.

لا تزال المنطقة تعيش مرحلةَ الأزمات والتحوّلات الكبرى. وما زاد الطينَ بلّةً أنّ “الأدوية” الرئيسة للأزمات انقلبتْ إلى داء. فمن جهة، لم تؤدِّ وصفاتُ صندوق النقد الدوليّ بشأن الإصلاح الاقتصاديّ الهيكليّ إلى تنميةٍ مستدامة، بل إلى أزمة مستدامة، من مظاهرها: انسدادُ أفق التنمية؛ وارتفاعُ معدّلات البطالة، خصوصًا في صفوف الخرّيجين الجامعيين من أبناء الطبقات الشعبيّة؛ وزيادةُ الدّيْنِ العام والعجزِ في الموازنات الحكوميّة – – وهي زيادةٌ تتحمّل هذه الطبقاتُ وزرها. ومن جهة أخرى، لم تتحقّق وعودُ “ثورات الربيع العربيّ” في العيش والحريّة والكرامة والعدالة الاجتماعيّة. وساهم فشلُ هذه الثورات في تراجع ثقة الطبقات الشعبيّة بأمل التغيير. كما ساهم في استجرار التدخّل الإمبرياليّ، وتعزيزِ شوكة الإرهاب التكفيريّ بديلًا من “الديمقراطيّة الليبراليّة.”

خلاصة

إلى أصناف الفِتن المشار إليها في أزمنة الأزمات والتحوّلات، تنتسب التخرّصاتُ التي تَدمغ السُنّةَ بالبيئة الحاضنة للإرهاب التكفيريّ، أو تدمغ الشيعةَ “الرافضة” بالكفر. وهذه التخرّصات تعبِّر اليوم، كما كانت في الأمس، عن محاولات إيديولوجيّة بائسة لحجب التناقضات والمصالح الدنيويّة بخِرَقٍ بالية مرقّعة من تفاسير النصوص الدينيّة وتفاسيرِ تفاسيرها. ومن نافل القول إنّ ما يبرِّئ جماهيرَ “أهل السنّة” من فرية “الحاضنة” لا ينطبق بأيّ حالٍ على رجال الدين السنّة ممّن انخرطوا في الإرهاب التكفيريّ.

لقد استَثمرتْ جماعاتُ السلفيّة الجهاديّة تهميشَ الأرياف والبوادي والأحياء الشعبيّة في المدن، واستَثمرتْ إفقارَها، على امتداد المنطقة العربيّة (وخارجها)، من أجل بثّ دعوتها إلى “رفع الظلم عن السُّنّة،” الذين يشكّلون قوامَ التركيب السكّانيّ في تلك المناطق. وقد نجحتْ تلك الجماعاتُ في استغلال قلق شباب هذه المادّة البشريّة ومخاوفهم بهدف تجنيدهم طعامًا للمدافع سعيًا إلى خلافة مزعومة “على منهاج النبوّة.”

جرى ذلك كلُّه في ظلّ إفلاس المشاريع النهضويّة الوطنيّة، والقوميّة، خلال القرن العشرين، وغياب أيّ مشروع بديل ملموس حتّى الآن.

وبالمثل، أيضًا، فإنّ جماهيرَ هذه الأرياف والبوادي والأحياء الشعبيّة العربيّة هي التي تشكّل البيئةَ الحاضنةَ الأساسَ، بالكمون، لمسار المقاومة الشاملة والتغيير الجذريّ الشامل – – وهو مسارٌ نرى بشائرَه في غيرِ ساحٍ، بانتظار تبلور الكتلة الشعبيّة التاريخيّة، حاملةِ مشروعه.

المصادر

1. أنظر كتابه: معالم في الطريق (القاهرة وبيروت: دار الشروق، 1989، ط 13). وقد تناول الكتاب “الجاهليّة” و”الحاكميّة” ص 10 -13، فصل “الجهاد في سبيل الله،” ص 62 -91، وهو تأويل لمفهوم ابن القيّم الجوزيّة للجهاد في الإسلام في كتابه زاد المعاد.

2. أنظر مثلًافواز جرجس، داعش إلى أين؟ جهاديّو ما بعد القاعدة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2016)،ص 67، والمصادر المثبتة هناك.

  • نصّ رسالة الزرقاوي إلى بن لادن والظواهري، مترجمة إلى الإنكليزيّة على الرابط التالي:  https://2001-2009.state.gov/p/nea/rls/31694.htm
  • أنظر: حسن أبو هنيّة ومحمد أبو رمّان، تنظيم الدولة الإسلاميّة: الأزمة السنّيّة والصراع على الجهاديّة العالميّة (عمّان: مؤسّسة فريدريش إيبرت، 2015)، ص 134 – 136.
  •  جرجس، مصدر سابق، ص11.
  • للتفصيلات، أنظر مقالنا: Khalid Ayed, “Liberal Capitalist Islam and Jihadi Salafism: End Results of Political Islam r-Evolution”  على الرابط التالي: http://www.ahewar.org/eng/show.art.asp?aid=2341&r=0

7 . للتفصيلات، أنظر: خالد عايد، “الجهاديّة الوطنيّة في الإسلام السياسيّ الفلسطينيّ،” مجلة الآداب، على الرابط التالي:    

https://bit.ly/2IHdL3Y


[1]  الغرب الرأسماليّ شهد هو أيضًا تحوّلاتٍ كبرى في فترات مختلفة من تطوّره، رافقها توحّشٌ أكثرُ دمويّةً. مثالُ ذلك: التحوّل من الإقطاع إلى الرأسماليّة، وما رافقه من حروب بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، قضى فيها ملايينُ المدنيين والجنود. كما شهد هذا الغرب الإمبرياليّ تحوّلات مماثلة في النصف الأوّل من القرن العشرين، رافقتها مستوياتٌ غير مسبوقة من التوحّش والدمويّة، بدءًا بالحربين العالميّتين وبروز الحركات النازيّة والفاشيّة والصهيونيّة. المصدر: الآداب / 10-10-2019