من أجل إغلاق غوانتانامو ..** – فيوليت داغر*

عودتنا الولايات المتحدة على رفض التوقيع على اتفاقيات دولية من مثل اتفاقية حماية البيئة، أو معارضة ما يعيق عمل مجموعات ضغط تجارة الأسلحة، أو على تسخير القوانين الدولية لمصالحها، أو القفز فوقها عندما لا تتمكن من تطويعها. والعارفون بقواعد صناعة القرار الأمريكي وعلاقته بالمركب الصناعي-المالي والمدركون لحجم أطماع الهيمنة على العالم لا تفاجئهم هذه السياسات. لكن المفاجأة تكمن في أن يصبح هذا البلد، في 2005، مسئولاً عن الحجم الأكبر لانتهاكات حقوق الإنسان بين الدول ال35 التي وقعت على اتفاقيات هلسنكي قبل ثلاثين عاما.

مسئولية الإدارة الأمريكية تكمن أيضاً في اللجوء للسجون السرية والاعتقالات غير المقيدة بحدود الزمان والمكان والموضوع لبسط ارادتها بالقوة. وهي الدولة الوحيدة التي تجري تحقيقات أمنية عابرة للقارات من الصحراء الأردنية إلى منتجعات على مقربة من نيروبي وأديس أبابا مرورا بقاعدة باغرام الأفغانية أو قاعدة عسكرية بولونية. لم تكتف الإدارة الحالية بإصدار قوانين عسكرية وإنشاء محاكم خاصة، بل تعدت ذلك لدفع 24 بلداً (حتى الساعة) لإصدار قوانين لمناهضة الإرهاب. بما يجعل كل ما سجله القانون الدولي لحقوق الإنسان بين 1948 و2007 موضوع نقاش. أما النجاح الذي حققته المنظمات غير الحكومية واللجنة الخاصة بحقوق الإنسان في جنيف في أغسطس 2006 فلم يغير في السياسة الأمريكية شيئاً. بل أن الإدارة الأمريكية رفضت إدانة هذه اللجنة ومجلس حقوق الإنسان لمعسكر غوانتانامو جملة وتفصيلاً. كما ورفض الرئيس الأمريكي طلب البرلمان الأوربي وشخصيات أمريكية اعتبارية كبيرة بإغلاق منتجع العار هذا.

الأمر الذي حدا بشخصيات أمريكية وأوربية وعربية لتكوين تجمع عالمي للدفاع عن معتقلي غوانتانامو. يضم التنسيق العالمي من أجل سامي الحاج ومعتقلي غوانتانامو حوالي 32 منظمة عربية وأوربية وأمريكية. ويمكن التعرف عليها عبر الموقع الخاص به والذي هو باللغات الإنجليزية والعربية والفرنسية والإسبانية: www.samisolidarity.net

 من بين هذه المنظمات المركز الأمريكي للحقوق الدستورية ومركز “ريبريف” للمحامين في لندن وموقع “قبلة” وسواها من منظمات غير حكومية ومواقع تتحدى المخرز بعينها. كلها تعمل بكل الوسائل المتاحة لوضع حد لأنموذج غوانتانامو الذي صار بمثابة الغطاء اللا أخلاقي لأوضاع السجون في كل مكان في العالم.

غوانتانامو بات يرمز لوسائل التعذيب الأكثر حداثة، والتي تستعمل الصوت والضوء ودرجة الحرارة والتكنولوجيا المتطورة جنباً إلى جنب مع المشهد البربري لتقييد الأسير طيلة فترة اعتقاله. لذا لا نستغرب أن تخرج علينا الإحصاءات الرسمية لتتحدث عن 41 محاولة انتحار، تضاف لأربع جثث لمعتقلين أعلنت إدارة السجن وفاتهم انتحاراً وسلمتهم لحكومتي اليمن والسعودية. كذلك توجد عدة حالات من المفرج عنها تعيش إعاقة جسدية أو/ونفسية.

المصور السوداني سامي الحاج بات رمزاً لضحايا الانتهاكات الهمجية لحقوق الإنسان في غوانتانامو. فهو يجبر يومياً منذ أكثر من ثلاثة أشهر على تناول سوائل عبر الأنابيب التي تدخل بالقوة في انفه وصولاً لمعدته. وذلك لمنعه من اكمال إضراب الجوع الذي بدأه قبل ذلك بأربعة أشهر. كان سامي قد تعرض للتحقيق بمعدل مرة كل عشرة أيام خلال أكثر من خمس سنوات. من وسائل التعذيب التي مورست عليه تذكر منظمة العفو الدولية: استخدام الكلاب البوليسية لدى وصوله إلى غوانتانامو لترويعه، تعرضه للإساءة العنصرية بفعل لونه، منحه وقت أقل خارج الزنزانة، تكبيله ورشّه بالفلفل قبل السماح له بالالتقاء بعملاء الاستخبارات السودانية الذين قدموا إلى غوانتانامو لمقابلته، تمزيق حراس المعسكر لصابونة رجله بالدوس عليها، تعريضه للضرب على باطن قدميه، إلى جانب التحقيقات المهينة التي فرضت عليه.

هذا أيضا حال المواطن السعودي عبد الله المطرفي الذي مازال في غوانتانامو، في حين تم الإفراج عن أشخاص عملوا معه من الكويت والمملكة العربية السعودية دون أية تهمة أو محاكمة أو تعويض. كان المطرفي في أفغانستان حيث أسس فيها جمعية خيرية قدمت أعمالاً هامة ومفيدة للشعب الأفغاني. تقول منظمة الصحة العالمية عن “مؤسسة وفا” التي يرأسها أنها قامت بجلب مصل علاج الملاريا من أوروبة. كما وأثثت مستشفى كابل بجميع احتياجاته من أسرّة وأدوية وأجهزة أشعة وأدوات العمليات وغرف العناية المركزة. وهي ترسل عدداً من القوافل الطبية إلى القرى والأماكن البعيدة والإقامة مدة أسبوع أو عشرة أيام لعلاج الناس بحيث لا تحوّل سوى الحالات الصعبة فقط إلى مستشفى كابل. ولم تتوقف خدمات المؤسسة على النواحي الطبية، بل كانت وراء حفر أكثر من 120 بئر مياه مزودة بمضخات لاستخراج المياه للسطح وشراء أدوات زراعية للفلاحين. كذلك وراء توزيع أدوات مدرسية للتلامذة المحتاجين.

مثل آخر لمعتقل من السودان يدعى عادل حسن حمد، عمره 49 عاما، متزوج وله 4 أطفال. اعتقل السيد حمد من منزله في مدينة بيشاور (الباكستانية الواقعة على الحدود الأفغانية) في 2002 بعد عودته من إجازة قضاها في بلده مع زوجته وأطفاله. تحت تهديد السلاح وبطلب من السلطات الأمنية الأمريكية، وضعت الاستخبارات الباكستانية يدها عليه. فاقتيد إلى سجن في باكستان حيث احتجز لمدة 6 أشهر ونصف، في ظروف سيئة فقد خلالها ما لا يقل عن 30 كغ من وزنه. ثم نقل إلى قاعدة باغرام العسكرية الأمريكية في الأراضي الأفغانية حيث بقي زهاء الشهرين، ومنها اقتيد إلى غوانتانامو. لم تعرف أسرته عنه شيئاً إلا بعد استلام رسالة منه عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر تبلغها باعتقاله. عمل كإداري في مستشفى باكتيا في أفغانستان وفي المكتب الإقليمي للجنة الدعوة. وعقب الحرب الأميركية على أفغانستان في 2001، أشرف في مكتب الندوة العالمية في بيشاور على توزيع الإغاثة على اللاجئين الأفغان الذين فروا من الحرب. بعد خمس سنوات من اعتقاله في غوانتانامو، صدر قرار من إدارة السجن بالإفراج عنه. لكن رغم مرور أكثر من ستة أشهر على قرار الإفراج، ما زال عادل حمد معتقلاً حتى الساعة في غوانتانامو.

سامي الحاج، عبد الله المطرفي، فوزي العودة، عادل حمد وغيرهم الكثيرين جمعهم سوء طالعهم في المكان والزمان الخطأ الذي فرضه المنطق الاعتباطي للحرب على الإرهاب. نصيبهم أن يكونوا شهوداً على صفحة سوداء في تاريخ البشرية دخلت عامها السادس. وفي مواجهتها وتحت ظلها اعتقل واختطف واغتيل آلاف البشر.

أما بعد شجب المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومجلس التعاون والأمن في أوربة والبرلمان الأوربي ومجلس أوربة ومنظمات حقوق الإنسان، فقد صار بالإمكان القول أن المطالبين باغلاق سجن غوانتانامو قد باتوا قوة لا يستهان بها. حتى داخل الولايات المتحدة التي كثيراً ما يتعرض فيها منتقدوا سياسة بوش للقمع باسم محاربة الارهاب والحفاظ على الأمن. والمشكلة التي تعترض اليوم المطالبين باغلاق غوانتانامو تكمن في ما سيؤول إليه مصير بعض السجناء الذين تم زجهم بهذا المعتقل دون ذنب، وكانوا قبل ذلك ملاحقين من السلطات الأمنية في بلدانهم، كما هو حال المعتقلين من تونس والجزائر وسورية وليبيا ومصر. هؤلاء يمكن فيما لو أغلق السجن ورحّلوا لبلدانهم أن يتعرضوا من جديد للتعذيب ولمحاكمات جائرة والمكوث سنوات طويلة في السجن على غرار ما جرى في تونس مع عبدالله حجّي ولطفي الآغا.

لذا نحن نبحث اليوم عن دول تحترم حق اللجوء السياسي وتقبل استقبال قرابة 40 معتقلاً كانوا قد هربوا من بلدانهم بسبب انتمائهم لتيارات سياسية إسلامية، لكنهم لم يرتكبوا أية جريمة ضمن قوانين البلدان التي تواجدوا بها. ومن سخرية الأقدار أنهم هم المعتقلون دون ذنب اقترفوه، في حين يستمر انتهاك القانون الدولي وارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية من قبل الثلاثي رامسفلد- شيني- بوش دون محاسبة أو عقاب. وفوق ذلك ستعمل الادارة الأمريكية جاهدة للامتناع عن التعويض للضحايا الذين لم يصدر بحقهم أي حكم قضائي، واكتفى فقط حراس السجن بتوديعهم بالقول: نحن نأسف لما حدث لكم!

* رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان

**مداخلة القيت في مؤتمر في كالكوتا –الهند في 27- 29 نوفمبر 2007