مقابلة فيوليت داغر – حاورها: محمد بوغلّاب

هي أصيلة تنّورين، غادرت لبنان مع اندلاع الحرب الأهلية لتستقر بفرنسا حيث حازت على دكتوراه في علم النفس الاجتماعي وديبلوم دراسات عليا مختصة في علم النفس السريري والباتولوجي من جامعة باريس الخامسة.
ترأس الدكتورة فيوليت داغر اللجنة العربية لحقوق الإنسان التي كانت من بين أعضائها المؤسسين، وشاركت في عدة مهمات مراقبة انتخابات ومراقبات قضائية وتحقيق في أوضاع حقوق الإنسان في عديد البلدان العربية.
لها الكثير من المحاضرات والمؤلفات ـ الشخصية والجماعية ـ من بينها: «سلامة النفس والجسد، التعذيب في العالم العربي» بالاشتراك مع د. هيثم مناع ود. محمد منصف المرزوقي (الذي كان عضوا في اللجنة العربية لحقوق الإنسان سنوات إقامته الباريسية). «اللاجئون الفلسطينيون في لبنان»، «الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا»، «المرأة والأسرة في المجتمعات العربية»، «المرأة والبحث عن الحقوق»، «الهجرة، اشكالات وتحديات»…
تقيم الدكتورة فيوليت داغر منذ أكثر من سنة بتونس حيث تتابع مسار الانتقال الديمقراطي، وقد كان تدخلها الأخير ـ بإسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان ـ لفائدة رضا قريرة إذ وجهت مراسلة لرئيس الجمهورية (نشرت بالتونسية) الذي وعد بالنظر في حلّ للقضية…

«التونسية» حاورت الدكتورة فيوليت داغر…

وعدكم رئيس الجمهورية بالنظر في حلّ لقضية وزير الدفاع الأسبق رضا قريرة، وفي اليوم ذاته من الوعد الرئاسي أصدرت بطاقة إيداع خامسة ضد السيد قريرة، هل هي مجرد صدفة ؟

ـ من باب حسن النية يمكن أن أقول إنها محض صدفة، وإنه لا يمكن الطعن في إستقلالية القضاء. لكني أستغرب لحد ما ذلك وهو الموقوف منذ 21 شهراً. أميل للاعتقاد بأن هذه الحالة نتجت عن تضارب مصالح وصراعات بين قوى سياسية على الساحة الداخلية أوقعت ضحايا، والسيد قريرة الذي كان وزير دفاع حتى سقوط نظام بن علي هو إحداها. وإذا أردت الاجتهاد أذهب للاعتقاد بأن بطاقة الإيداع هذه قد تكون رسالة لمن أرسل الرسالة الجوابية على رسالتي حيث أعلن فيها أنه سيتابع الملف. على كل حال مهما يكن الأمر، لا يمكن أن نلغي من المشهد القائم عملية تصفية حسابات بين شخصيات سياسية سابقة وحالية وحتى داخل اتجاه بعينه تحاك في السرّ وفي العلن وقد تكون قاتلة.

لماذا اقتصر تدخل اللجنة العربية لحقوق الإنسان على وضعية رضا قريرة؟

ولماذا لم تتبنوا قضايا رجال بن علي رفاق قريرة وجلهم من كبار السن والمرضى؟

ـ سؤال مشروع، والجواب هو أنه عندما طلب إلي الزميل زهير مخلوف مشاركته والصديق منذر صفار في زيارة السيد قريرة وافقت على الفور. وبعد الزيارة وما سمعت ورأيت، تعهدت لنفسي بأن أواصل التحرك لبلوغ النتيجة. لو شمل برنامج الزيارة حينها الباقين لتحركت بنفس الطريقة، خاصة أن منهم المرضى ومن هم موجودون في السجن نتيجة خطأ وقعوا ضحيته أو تصفية حسابات دون أن يكون لهم علاقة بالتهم المنسوبة لهم. على كل حال هناك من يعتقد بأني أسهمت بشكل غير مباشر في إطلاق سراح من خرج مؤخراً ممن كانوا معه في سجن المرناقية. ربما قضية السيد قريرة أكثر تعقيداً وتحتاج لمزيد من الوقت لإيجاد المخرج الملائم الذي أشعر أنه لن يطول.

هل حدث تنسيق بينكم وبين السلطات الفرنسية ليضغط الرئيس هولاند على نظيره التونسي بمناسبة زيارته الأخيرة لإطلاق سراح السيد رضا قريرة؟

ـ لا أحبذ استعمال كلمة ضغط من طرف على طرف كوني أحترم سيادة الدول ومسؤوليها خاصة في المنطقة العربية، وأناضل لاسترداد هيبة هذه السيادة. إنما يمكن القول بأني توجهت برسالة للسيد هولاند للفت نظره لوضع السيد قريرة المرضي والمسؤولية الإنسانية تجاهه. أعتقد أن هناك فرقاً بين النهجين. لذا، لم أنشر الرسالة كي لا يُفهم خطأ أنه يُراد منها أن تكون وسيلة ضغط على السلطات التونسية. حتى اليوم لا أعرف ما كان مآلها ولا إن تم التطرق لموضوعها ومع من.

كناشطة حقوقية تابعتِ لزمن أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي، كيف تقرئين واقع حقوق الإنسان في دول الربيع العربي؟

ـ أبدأ جوابي بالتعليق على هذه التسمية «الربيع العربي» التي لا أتفق معها مطلقاً كونها لم تكن إلا للتعمية وذر الغبار في العيون. ما جرى لم يكن ربيعاً مطلقاً وإن بدأ كذلك، لكنهم حوروه عن مجراه سريعاً وأخذوه إلى حيث يشاؤون. والـ«هم» أعني بهم من أرادوا الاستمرار في وضع اليد على مقدراتنا وقراراتنا ضمن مداخل جديدة تتخذ من الديمقراطية وحقوق الإنسان رافعة كونها أكثر بريقاً ولا تكلف كثيراً.

بالعودة لسؤالك أقول بأنه ما أن انكسر حائط الخوف وذاب الكثير من جبل الجليد الذي جمد عروق البشر لسنوات طوال في بعض البلدان التي عاشت شتاء قاسياً في ظل أنظمة دكتاتورية، وما كدنا نتقدم خطوات في المسيرة نحو الديمقراطية حتى ابتلعت قوى جديدة أكثر تنظيماً التحركات لبناء واقع جديد. فصادرت هذا الحراك الشعبي بالتناغم مع مؤامرات حيكت من قوى في الخارج طوقت بسرعة ما جرى وحرفته عن مساره باتجاه يخدم اجنداتها في تفتيت المنطقة وعلى الأقل إبقائها تابعة ومرهونة القرار. هي معارك تخاض اليوم على شكل الحكم وصراع وجود وارادات تفتقر فيه الاطراف المتناحرة لقوى متكافئة. فنبدو كمن يذهب من «الدلفة لتحت المزراب» كما يقول المثل الشعبي. في البلدان الأخرى حصلت تحركات أيضاً (وإن بقيت فيما عدا البحرين نوعاً ما خارج التغطية الاعلامية). لكن المال لديها يوظف كذلك لشراء الذمم ولفض تحركات من ينشد عالماً أكثر انسجاماً مع تطلعات البشر المشروعة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. هذا الفائض من ثروات الشعوب المهدورة يستعمل حكام عرب بعضه لإفشال تجارب البلدان التي طالبت بتغييرات ديمقراطية ولتحريف مسار تحركاتها بشكل دموي، كما حصل في ليبيا وسوريا خصوصاً. والمطلوب، إلى جانب الاستثمار الاقتصادي لاحقاً بعد السعي للأرض المحروقة، ألاّ يصل الحراك لأبوابها ويهدد استقرارها المستنقعي. أما القضية الفلسطينية، فهي تكاد تباع في المزاد العلني.

يبدو لي أنك لست متفائلة بالمسار الديمقراطي وبالمستقبل في ضوء ما يجري بمصر اليوم؟

ـ على العكس، أنا لست متشائمة مما يجري كون الثورات معركة إرادات أيضاً. وقد رأينا في مصر كيف جرت انتفاضة ثالثة لجموع هادرة من البشر من أجل تصحيح مسار الثورة. لكن بالمقابل، لا بد من القول أيضاً أن التغيير الحقيقي وارساء الديمقراطية المنشودة يحتاجان لوقت وحتى لأجيال. الارادة الشعبية لا تكفي لوحدها لإحداث تحول جدي وجذري، حيث يلزمنا ثورة ثقافية ومفاهيمية لتغيير العقليات ومن ثم السلوكات. وهذا يبدأ من البيت ويتواصل في المؤسسات التربوية، كون الديمقراطية ليست آليات تطبق بقرار فوقي، بل مسار يحتاج لزمن طويل من مخاض سياسي وفكري واجتماعي ومن تضحيات كبرى لشعوب تتجاذبها الصراعات وعليها دفع الثمن المتوجب.
أما الانتخابات فهي ليست سوى آلية من هذه الآليات التي يفترض أخذها كلها كسلّة واحدة، وليس امتطاءها ممن يجد نفسه في وقت من الأوقات بوضع أقوى، فيركل الآخرين بعيداً ويستأثر بالسلطة فارضاً نوعاً من دكتاتورية جديدة. لذا، شاهدنا هذا الطوفان البشري في مصر الذي خرج لتصحيح المسار، بالاستناد لمؤسسة الجيش المناط بها بعد حماية الحدود حماية المصالح العليا للدولة والحفاظ على اللحمة الوطنية واحترام قواعد اللعبة السياسية درءاً للاحتراب الأهلي والفوضى الشاملة. الأمر الذي نظر له جزء من الناس على أنه انقلاب، في حين لا يراه كذلك جزء آخر ومنهم الأزهر الشريف. وإن كان لنا أن لا نسقط تجربة المجلس الأعلى للقوات المسلحة بممارساته القمعية لقوى الثورة وانتهاكاته البشعة لحقوق الإنسان على التجربة الحالية بل نقيمها ضمن الظروف الخاصة بها، أنا أنظر بعين الحذر والترقب للحقبة القادمة في مصر. خاصة وأن الاعلان الدستوري الأخير قد خرج من غير التشاور مع جبهة الإنقاذ، فاعتبروا كأنه يرسي أسس دكتاتورية جديدة. لكن هل سيترك الشعب الذي نزل للميادين وشباب وشابات جبهة الانقاذ الذي نضجوا كثيراً خلال سنتين ونصف سارقاً جديداً لثورتهم يسطو على ما صنعته اياديهم وعقولهم وقلوبهم؟ ربما أن ذلك أضحى أكثر صعوبة من ذلك، فلننتظر لنرى.

أرى أنك لا تنظرين لتجربة الأخوان المسلمين بعين الرضا، كيف تقيمينها حقيقة؟

ـ تجربة جماعة الاخوان المسلمين المصرية في ممارسة السلطة هي من أوصلهم لما نشهده اليوم وأفقدهم ثقة الشعب المصري. أقول هذا ليس من باب التحامل، حيث المتابعين لنشاطاتي يعلمون أني كنت من بين القلائل جداً الذين ثابروا على دخول مصر للدفاع عن مجموعة خيرت الشاطر واخوانه من الجماعة يوم واجهوا محاكمات عسكرية تحت حكم مبارك. لكن عندما وصلوا للحكم لم يرفضوا فقط التحالف مع شركائهم في الثورة أو محاسبة قادتهم المسؤولين عن الانتهاكات التي مارسوها بحق من أوصلهم لما وصلوا إليه، بل ذهبوا لأبعد من ذلك كثيراً عندما صوروا لأول رئيس مصري يأتي بانتخابات نوعاً ما ديمقراطية بأن من يخالفه الرأي أو يعارض توجهاته السياسية إنما يحيك مؤامرة عليهم. لقد باشروا منذ تسلمهم السلطة عملية أخونة أجهزة الدولة خاصة المحلية، وتعيين وترقية منتسبيهم على رأس مختلف الوزارات والهيئات والمصالح. وبدلاً من أن يكافحوا الفساد، زاوجوا بين الفاسدين من نظام مبارك والصاعدين من صفوفهم. كما روجوا لأفكار الحرب الدينية والإساءة لكافة الطوائف ولممارسات تدمير النسيج المجتمعي. فاستفردوا بالحكم، وأقصوا بدل أن يجمّعوا، وتاجروا بالدين وبالمظلومية، وانتهكوا الحريات، وشهّروا بالإعلام، وقبلوا بالتبعية للخارج خصوصاً اقتصاديا،ً وتلطوا بـ «الشرعية الانتخابية» لفرض الأمر الواقع، وطوبوا الثورة بإسمهم وكأنهم هم من قاموا بها، في حين أنهم لم يلتحقوا بها منذ البداية ولم يشاركوا دوماً بنضالات من راكموا لها منذ سنوات. ذلك علماً أنه مع وصولهم للسلطة كان قد شاع حديث عن استعمالهم الكبير للمال الانتخابي وعن ممارسات جعلت الكثيرين يتكلمون عن الغش والتزوير اللذين اعتريا الانتخابات، بما جعل الرقم يرتفع من 15% إلى 60% لصالحهم.
كانت الماء تغلي تحت المرجل إذن عندما شرعت جبهة الإنقاذ والقوى الديمقراطية بعملية البناء في أحياء المدن المصرية والتأسيس لهيئات شعبية. الأمر الذي ساهم في رفع الوعي السياسي للمصريين وضاعف من مستوى مشاركتهم السياسية. بما يفسر هذا الكم الهائل من المتظاهرين والموقعين على المطالبة بنتحي مرسي. وبما جعلهم اليوم يطلبون من الجيش حراسة الثورة وتمكينها من إعادة بناء السلطة واستمرار مسيرة التصحيح والإصلاح لتحقيق طموحاتهم وليس تسليم الحكم لهذا الجيش.

إذن تعتقدين أن الإخوان المسلمين المصريين كانوا ضحية ما جنت أياديهم؟

ـ إذا كان هناك من عبَر مستفادة، فهي أن مصدر شرعية أي نظام سياسي تأتي من قدرته على التعبير عن إرادة شعبه وتحقيق تطلعاته. أما الاستناد للقوة العظمى أو للأغلبية الانتخابية أو للإيديولوجيا دون توافق شعبي أو التستر بالدين لتغطية العجز أو الترهيب بالحل الأمني، فهي مسالك تفقد صلاحيتها بعد مدة ولا يمكن أن توفر الديمومة لأي نظام. الاستفراد بالسلطة يعمق الشعور بالتهميش والإقصاء لدى الآخر الذي يمكن أن ينقلب على من يضعه جانباً، في حين أن الشراكة مع القوى السياسية المختلفة هي ما يوفر الاستقرار للشعب وللحاكم. دعني أستشهد بعريب الرنتاوي حين يقول في إحدى مقالاته: «كان يتوجب على الإخوان المسلمين الذين اضطهدوا وذاقوا مرارة المنافي والسجون والتعذيب، وقفة مراجعة مع الذات، وعملية تقييم وتقويم للمسيرة والمسار، وتخطي «حالة الإنكار التي تهيمن على فكر الحركة وقيادتها.. وحيث التوافق هو سيد الأحكام في مراحل الانتقال المتعثرة للديمقراطية، والمشاركة الأوسع لكل المكونات هي شبكة الأمان للبلاد والعباد، كيف يمكن لهم أن يبنوا برنامجاً للحكم والدولة بـ«عقلية ثأرية» استئصالية.. كيف تنتزع ثقة الناس مع السعي لأخونة الدولة والسطو على المؤسسات وتهميش القضاء ومطاردة الإعلام؟ المطلوب كان خطاباً مشبّعاً بمفهوم الحقوق والحريات، ينزع «القداسة» عن الأشخاص والسياسات، ويدرجه في خانة «الاجتهاد البشري» الذي يخطئ ويصيب.
يقدم محمد عبد الحكيم دياب في مقالته للقدس العربي في 6/7/2013 استشهاداً بشخص «اعتمد عليه مرسي في محاولته تثبيت أركان حكمه؛ الأكاديمي واستاذ القانون محمد محسوب، وكان مكتب الإرشاد قد اختاره لشغل منصب وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية في وزارة هشام قنديل الأولى. يقول محسوب في شهادته بأن «مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين يتحمل مسؤولية سقوط مرسي، الرئيس المعزول». وفي حسابه على «تويتر» كتب: «إن تدخل جماعة الإخوان المسلمين أخّر مرسي كثيرا عن إتاحة فرص حقيقية لبناء قاعدة وطنية تعزل الثورة المضادة، مطالبا بمراجعة الإخوان للتصرفات التي أدت إلى العزلة عن المجتمع، وقال: «يجب علينا أن نراجع مرجعياتنا وتصرفاتنا التي أدت إلى عزلنا عن المجتمع». وذكر أنه ذهل مما شاهده في مسجد رابعة العدوية من مؤيدي مرسي، ومصدر ذهوله كم السلاح الموجود، مستنكرا ذلك مضيفا «ونحن نحتمي بالسلمية».. يضيف دياب: «تحالف الأخوان مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة طنطاوي وعنان في السنة الأولى للثورة، الذي دعم نصرهم في «غزوة الصناديق» واستفتاء 19 مارس 2011؛ واستجاب لطلباتهم، إلى أن انتهى الأمر بإغلاق الباب تماما أمام إمكانية تحقيق أهداف الثورة بإصدار مرسي لإعلانه الدستوري الباطل في نوفمبر 2012، وهو الإعلان الذي نعيش تداعياته حتى الآن، فقد حصن قرارات مرسي ضد الطعن والنقض، وأُغلِق الباب أمام إمكانية الحوار بعد أن نصب مرسي نفسه فرعونا». لقد سرّب دبلوماسيون أوروبيون ما مفاده أن محمد مرسي لم يفز بالانتخابات المصرية، لكن خطة الامريكان اقتضت وجوده في الحكم لتماهي المشروعين الامريكي والاخواني بالمنطقة العربية.
وعليه، أخشى ما أخشاه أن تكون المشكلة ليست في الأخوان وحدهم وإنما في من يقبل أن يلعب كذلك دور الكومبارس للسيد الصهيو ـ أمريكي. بهذا الصدد، كشف اللواء محمود زاهر وكيل جهاز المخابرات العامة الاسبق والمحلل السياسى والاستراتيجى للدستور، عن تفاصيل لقاء حزب النور السلفي مع السفيرة الامريكية بالقاهرة آن باترسون، أنها «طلبت من النور الاحتشاد في الميادين ليس لمساندة مرسي وجماعته وعودته بل لتثبت للإدارة الامريكية واوباما أن النور لديه نفس تنظيم الاخوان وأنهم متواجدون بقوة في الشارع المصري حتى يكون هو البديل القادم، واضاف زاهر، بان التيار السلفى هو الانسب لأمريكا لعدة اسباب اهمها مواجهة المد الشيعي في المنطقة وايضا حتى يكون هناك طوائف وانقسامات في المجتمع المصري ويقال هذا اخواني وهذا سلفي وهذا متشدد وهكذا وكل ذلك في النهاية يؤدي للتقسيم والتشرذم وعدم استقرار مصر وهو ما تريده امريكا».

ماذا عن تونس وأنت تراقبين الوضع فيها عن كثب منذ سنة. هل هناك من أوجه شبه بين التجربتين؟

ـ وإن كان لكل وضع وبلد خصوصياته، أنا أرى مشتركات كثيرة، ليس أقلها طريقة ممارسة الحكم في البلدين وتأثيرات ذلك الاقتصادية والنفسية ـ الاجتماعية من مشاعر احباط واحتقان وانقسام عامودي وأفقي. وبغض النظر عن توصيف أحزاب بالإسلامية وأخرى بالعلمانية في الترويكا الحاكمة في تونس (على سبيل المثال جزء ممن هم في السلطة من المنتمين لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية هم أكثر قرباً لتوجهات النهضة منه للعلمانية)، مما منح صورة لـ «النهضة» أكثر قبولاً في الخارج، أجدني أقل اطمئناناً للغد من البعض الذين لا يجدون أوجه شبه بين التجربتين. أعتقد أن تونس وصلت اليوم لنقطة حرجة في انتقالها السياسي. مع بلوغ المرحلة النهائية في صياغة الدستور، الذي تأخر أكثر من المأمول، يفترض بحركة «النهضة» أن تحسم قرارها حول شكل المجتمع الذي تريد. أكان الأمر يتعلق على سبيل المثال بفرض أجهزة حماية الثورة أو قانون العزل السياسي أو تأخير القانون الانتخابي وتشكيل الهيئة العليا للانتخابات. مشهد الخلافات السياسية والاحتقان والاستقطاب الحاد بين أحزاب الائتلاف الحاكم وتيارات المعارضة التقدمية والليبرالية واليسارية داخل المجلس الوطني التأسيسي محزن، كي لا أقول أكثر لمن أتوا مع الثورة لتمثيل الشعب. وكأن بعض القيادات الحزبية تلجأ لإدامة بقائها في السلطة باتخاذ قرارات مخالفة لقيمها ومبادئها، متجاهلة الوضع الذي كان عليه البلد قبل وصولها وحين كانت في المعارضة. رغم أني أتمنى أن أكون على خطأ، أنا متخوفة من أن يؤدي كل ذلك لمرحلة لا استقرار سياسي تعيشها تونس في الفترة القادمة..

هل صحيح انكم قررتم الإستقرار في تونس؟ هل تلقيتم دعوة من الرئيس المرزوقي العضو السابق في اللجنة لتكون تونس مقر اللجنة العربية لحقوق الإنسان؟

ـ لا أبداً، ليس الأمر كذلك. لم أقرر الاستقرار في تونس كما ورد يوماً ضمن خبر صغير في صحيفة لحزب «النهضة». كل ما في الأمر أن السيد الرئيس دعاني مع استلامه لمهامه الجديدة لمعاونته في ملف حقوق الإنسان على الصعيد العربي. الأمر الذي لم اتحمس له كثيراً ولكن لم اتمنع، بل تركت الباب مفتوحاً للنقاش والوصول لاتفاق. لكن وضعت شرطاً هو أن لا يكون تمويل المنصب من الدولة التونسية بل من مؤسسة دولية، نظراً لوضع تونس الاقتصادي، وأيضاً وخصوصاً كي لا يحسب أحدنا على الآخر وكأنها عملية استدعاء الاصدقاء أو اقتناص فرص. مع ذلك، سريعاً ما ظهر لي أن هناك من الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس من يحاول ارباك الوضع أو حتى إجهاض الأمر. وهذا ما زادني تمسكاً بموقفي وإصراراً على النأي بنفسي عن مجموعة هي بالتأكيد ليست الوحيدة في السلطة التي تشكو من انعدام المعرفة والكفاءة ورداءة الأداء الذي يخفي نفسه باظهار نزعة استعلائية وإقصائية للتفرد بالمكاسب وحبك سيناريوهات الاستدامة في الزمن في الخفاء. فقدمت لتونس مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان في مهمة قصيرة المدى ضمن اطلاق مكتبها الاقليمي. ثم بقيت لأتابع الوضع من خلال اللجنة العربية لحقوق الإنسان ولأساهم قدر ما أستطيع في مسيرة الانتقال الديمقراطي كشخص وكممثلة لجمعية.

ساندتم في سنوات الجمر جل تيارات المعارضة التونسية ودافعتم عن رموزها، وقد كرمكم الرئيس من جملة آخرين هذه السنة لذلك. كيف هي علاقاتكم اليوم بأصدقاء الأمس؟ سواء في السلطة أو المعارضة؟

ـ ليس لدي مشاكل مع أحد والحمد لله. أحرص على العلاقة المتوازنة مع الجميع، مع عدم التخلي عن الصرامة والصراحة في المواقف المبدئية مهما يكن الأمر. لكن لا بد من القول أن الجدية في التعاطي مع الواقع المعاش وعدم المتاجرة بالمبادئ والمواقف، كما هي مدعاة لاحترام البعض، هي مدخل لعداوات مع آخرين. أعترف بوجود مرارة من تجاهل بعض أصدقاء الأمس أو تنكر من الذين أمسوا (من مساء) معي، ثم أصبح منهم (من صباح) على كراس وثيرة. هم لم يتذكروا يوماً خلال سنة ونيف تواجدي بينهم ولو عبر مكالمة هاتفية للطمئنة أو للدعوة للمشاركة في عمل نظموه. على كل حال، التاريخ لن يتوقف كثيراً عند ذلك وقد «تذهب السكرة وتعود الفكرة» يوماً ما، كما يقول المثل الشعبي.

هناك إنطباع بأن اللجنة العربية لحقوق الإنسان قد خفت صوتها بعد ثورات الربيع العربي، ماهو تفسيركم؟

ـ ليس من سياسة اللجنة العربية أن يخفت صوتها في هذا الظرف بل العكس. لكن كان المطلوب ألا يسمع هذا الصوت قدر الإمكان، كونه نشازا يجري عكس تيار الاستسلام والاذعان. ورغم السعي الحثيث لإسماع هذا الصوت وبكل الوسائل حول ما يجري في المنطقة، خاصة منذ بدء التحركات الشعبية في العالم العربي، فإن الحصار كان أكبر مما اعتقدنا. ثم لا يغيب عن بالك أمر آخر وهو أن من كوادر اللجنة الأساسيين من انشغلوا بما يجري في بلدانهم من معارك وتحولات وواجهوا أوضاعاً صرفتهم عن متابعة العمل الحقوقي البحت. يمكن القول إننا حاولنا وفعلنا ما نستطيع، وبما يريح ضميرنا بأننا ساهمنا مع كل من ساهم في تغيير الواقع العربي المتردي الذي نعيش.

يتردد كلام كثير عن تمويل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، من يقف وراء تمويل اللجنة العربية لحقوق الإنسان؟

ـ لا أحد يدعم اللجنة العربية وتمويلها ذاتي، باستثناء بعض التبرعات الصغيرة والشخصية من جيوب متعاطفين نشكر مساهمتهم معنا. لقد أردناها مدرسة في العمل التطوعي قادرة أن تثبت أن التمويل ليس المحدد الأساسي للعمل الحقوقي.

هل مازلتم على موقفكم بضرورة إسقاط النظام السوري؟

ـ مع إنحراف الثورة السورية عن مسارها بتحويلها من سلمية إلى مسلحة بعد أشهر قليلة من بدئها، بات إسقاط النظام يعني تدمير الدولة. وهو هدف المخططات الصهيو ـ أمريكية التي رُسمت للمنطقة. من يتابع مواقف وأعمال اللجنة العربية لحقوق الانسان حول سوريا على مدى سنوات طويلة يدرك أن من يقول هذا الكلام كان في الجبهة الأمامية للعمل على التغيير في سوريا، وحتى قبل ظهور الكثيرين ممن تلمّع اسماؤهم اليوم في الائتلاف أو المجلس الوطني كمعارضين للنظام السوري. العمل الفكري الجماعي حول «حقوق الإنسان والديمقراطية في سوريا»، الذي ترافق تاريخه مع بدء حقبة الرئيس السوري الحالي، والذي أشرفتُ عليه وشاركت بالكتابة فيه وكلفني العديد من الرحلات لسوريا في وضع أمني لم يكن يتساهل مع ذلك، أفضى لمنعي من دخول هذا البلد مذاك. واليوم بعد الذي حصل في سوريا، حيث قطفت المعارضة التي حملت السلاح جهود مناضلين أرادوا التغيير السلمي في بلدهم ودفعوا ثمنه غالياً، كيف يمكن أن نكون مع هذا الانجرار للسلاح وإعطاء النظام بالتالي حجة لمزيد من القمع والمتآمرين فرصة لإجهاض الثورة وتحويلها لحرب أهلية؟ إن كان من شيء يمكن أن نقوم به اليوم كمناضلين عرب، فهو اتباع سياسة التدخل الإيجابي لوقف الدمار وحمام الدم والمساعدة على الحل بتشجيع الحوار الوطني. وإلا فالمآل هو حرب أهلية تقسم البلد وتفتت المجتمع لطوائف وقوميات متناحرة، وهذا ما تعمل له قوى دولية واقليمية وللأسف عربية.

هل أنتم مطمئنون لطبيعة النظام الذي يمكن أن يرث الأسد لو سقط؟

ـ الكل يشاهد ويتابع ما تأتي به كل يوم الأخبار المسموعة والمرئية والمكتوبة، مبرزة الذين تناور من خلالهم هذه الدول وتفرضهم بالقوة على الساحة السياسية. هل هم مدعاة للثقة لو نجح من يحرك خيوطهم بفرضهم مثلما فرض الجماعة التي أتت على ظهر الدبابات في العراق يوم سقط نظام صدام حسين؟ أعتقد أن التجربة العراقية قد تكررت بجزء منها على الأقل في بلدان عربية عدة منذ ذلك الوقت. وقد رأينا ما آلت إليه الأوضاع في كل من هذه البلدان. فهل من يتعظ ؟ عندما يجلس الجميع إلى مائدة الحوار لإنقاذ بلدهم بعد كل ما حصل، بدل الانتقام الحاقد وسياسة لي الذراع الهستيرية، سيجدون بالتأكيد المخرج المناسب الذي يمكن أن يتوافقوا عليه والذي لن يكون بالضرورة بإعادة شخوص الماضي. أو بفرض من ليس هناك من إجماع حوله. لنبدأ بالحوار بدل الاحتراب، حيث الكل جرّب ما في جعبته ولم يكن من منتصر. لكن أعتقد وبقوة أن شخصيات كثيرة ممن تحتل المشهد الأمامي يفترض أن تبدأ قبل كل شيء بعلاج نفسها قبل أن تتنطح لقيادة بلدها وفرض تركيبتها الباتولوجية على مجتمعاتها. فللشعوب الحق في أن تأمن على نفسها.

صحيفة التونسية عدد 16/07/2013