محصلة الشراكات بعد عشر سنوات

محصلة الشراكات بعد عشر سنوات

د. فيوليت داغر*

في ظل ظاهرة المنافسة العالمية واقتصاد السوق وتوسع الاستثمارات، تلجأ الدول والمؤسسات الاقتصادية لاستراتيجيات تعاون فيما بينها. وقد سعى الإتحاد الأوروبي قبل عشر سنوات لاتفاقية شراكة مع دول حوض المتوسط بالنظر لأهميتها الإستراتيجية ومواردها الطبيعية المهمة والبعد الحضاري الذي تتمتع به. كذلك من أجل ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي على حدود أوروبا وفي داخلها عبر “ الترويج لسياسات إنتاجية واجتماعية وثقافية متناسقة”.

انطلقت اتفاقية برشلونة في البداية بين 27 دولة تبنت إعلان برشلونة في 27-28 نوفمبر 1995، وتمحورت حول ثلاثة محاور أساسية:

– شق سياسي أمني: يركز اهتمامه على مساحة مشتركة من السلم والاستقرار وتنمية الديمقراطية ودولة القانون واحترام الحريات الأساسية، بناء على شرعة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان،

– شراكة اقتصادية ومالية: يهتم بخلق منطقة تحقق تطلعات أبنائها بتوفير الازدهار لهم عبر إقامة سوق حرة بين الإتحاد الأوروبي والشركاء المتوسطيين من جهة، والشركاء المتوسطيين بعضهم مع بعض من جهة أخرى (حتى سنة 2010). تمنح هذه الدول دعما ماليا من الإتحاد لدفع عملية التحول الاقتصادي فيها ولمعالجة نتائج الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية. ذلك عبر برنامج “ ميدا” للهبات وقروض البنك الأوروبي للاستثمار، بحيث أن زيادة نموها يمكنها من الاقتراب من دول الاتحاد الأوروبي،

– شراكة على صعيد اجتماعي، ثقافي وإنساني: تقوم على تنمية الموارد البشرية وتشجيع الحوار بين الثقافات والتعاون بين المجتمعات المدنية.

وعليه، تركزت أهم المنافع بالنسبة لدول الإتحاد الأوروبي في : إتاحة فرص جديدة أمامها لترويج سلعها وخدماتها، الوصول بسهولة أكبر للموارد الطبيعية وغيرها من الموارد، تجنب المشاكل الاجتماعية والسياسية المتأتية من هجرة العمال من دول الجنوب إلى دول الإتحاد.

أما مردود اتفاقيات الشراكة بالنسبة لدول جنوبي المتوسط فكانت:
تشجيع تدفق رؤوس الأموال من الإتحاد الأوروبي لأغراض التنمية، زيادة فرص الوصول إلى الأسواق الأوروبية، نقل التكنولوجيا والخبرات، الحصول على الدعم المالي والتقني الضروري لتحديث اقتصادياتها.

تقييم محاور الاتفاقية

1-الشراكة السياسية والأمنية

رغم إنها تعمقت، لم يكن للشراكة من تأثير مباشر على الأزمات المختلفة التي عانت منها المنطقة (ابتداء من إسرائيل-فلسطين، مرورا بالصحراء الغربية، وانتهاء بقبرص). فعلى سبيل المثال، عندما حصلت الأزمة بين اسبانيا والمغرب حول جزيرة ليلى لم تجر حلحلة الوضع إلا بعد تدخل الولايات المتحدة الأمريكية.

بالمقابل، نقاط ايجابية تسجل لها لاسيما بعد تصحيح المسار منذ 2000:

أ‌- مقارنة بسنة 1995، تجري العلاقات داخل إطار مؤسساتي أكثر تحديدا. كما أن البرلمان الأورومتوسطي الذي عقد أول اجتماع له في آذار 2005 في القاهرة، له سلطة استشارية تساهم في تعزيز الشفافية في اتفاقية الشراكة،

ب‌- برامج العمل تجسد التعهدات، خاصة بما يتعلق بحقوق الإنسان والإدارة الرشيدة وتقوية التبادل التجاري والتعاون التقني، بالأخص في موضوعات الهجرة السرية والجريمة المنظمة.

ت‌- زاد الاتحاد الأوروبي من تعاونه مع خمس دول (السلطة الفلسطينية، إسرائيل، الأردن، المغرب وتونس) واهتم بمصر ولبنان لإرساء الديمقراطية والتعاون في ميدان الاقتصاد والسياسة الخارجية.

منذ المؤتمر الأورومتوسطي السابع لوزراء الخارجية المنعقد في لوكسمبورغ في 30-31 مايو/أيار 2005، كان هناك تأكيد على إحراز تقدم في التعاون السياسي والأمني.

2-الشراكة الاقتصادية والمالية

إنه الشق الأكثر تقدما، حيث أن المنتجات الزراعية بدأت تدخل بشكل حر في أسواق الاتحاد الأوروبي. وهناك اتفاقيات يعمل بها الآن مع المغرب وتونس ومصر والأردن ولبنان والسلطة الفلسطينية وإسرائيل. كما أنه بدئ منذ أيلول 2005 مع الجزائر يرفع الرسوم الجمركية على 2000 منتج في مرحلة أولى.

أما الآلية لخلق سوق إقليمي، فقد تأخرت بسبب إشكالات بين بلدان الجنوب، حيث أن تجزؤ أسواقها يعطل الاستثمارات المحلية والأجنبية. فالتبادل فيما بينها أقل من 15% من حجم التبادلات الكلية. ذلك كونها تتاجر مع الشمال وليس بين بعضها، وهي في التبادل البيني تبقى الأضعف في العالم. تعزي المفوضية الأوروبية السبب في ذلك لنقص في متابعة الإصلاح وإدارة المشاكل الناتجة عن تحرير الاقتصاد والتجارة، ما نتج عن عدم زيادة الثروة خلال السنوات الأخيرة.

توقيع اتفاقية أغادير في شباط 2004 حول التبادل الحر بين مصر، الأردن، المغرب وتونس كان خطوة هامة في هذا المضمار. وجرى توقيع اتفاقيات ثنائية للتبادل الحر بين تركيا والمغرب في السنة نفسها، وتونس والسلطة الفلسطينية.

لكن بمعزل عن هذه النقاط “الايجابية”، عملية التحرير ما زالت بطيئة والسوق المشتركة للمنطقة ما زالت موضع عمل لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

3-الشراكة الاجتماعية، الثقافية والإنسانية

لم يحصل تقدم هام في مجال دمقرطة المجتمعات المعنية، لكن تم بناء أطر لتقوية التعاون والثقة. هناك تنسيق وحوار أكبر، من خلال مؤسسة ليند الأورومتوسطية التي تأسست في نيسان 2005، يسمح بإنشاء شبكات جامعية وتقريب الشعوب عبر التعارف ومحاربة العنصرية. أما في مجال حقوق الإنسان، سمحت الاتفاقية بحوارات من خلال برامج محلية وإقليمية تتناول القضاء خصوصا. تم إعداد برامج مساعدة التعليم والتدريب المهني عبر برنامج ميدا، وصرف للسنتين 2005 و2006 حوالي 700 مليون أورو. الأهداف : محاربة الأمية، تعليم سائر الأطفال في المرحلة الابتدائية ومحاربة التمييز بين الفتيان والفتيات في كل مراحل التعليم.

استنتاجات

تحدثت اتفاقية الشراكة عن قيام منطقة مشتركة مزدهرة وعن شراكة تسهل التفاهم بين الثقافات والتبادل بين المجتمعات المدنية. وبناء على ذلك كان هناك إنتظارية وخاصة في بلدان المغرب العربي بحكم تاريخها. لكن الإحباط كان في نهاية المطاف. أول سبب في ذلك هو الصراع الإسرائيلي-العربي كون إسرائيل هي واحدة من الدول المتوسطية ال12 الموجودة منذ البداية. كذلك بسبب غياب مؤسسات مشتركة تؤمن متابعة السياسات المعتمدة، ولعدم قدرة بلدان الجنوب على بناء مشاريع مشتركة.

عندما انطلق مشروع الشراكة كانت منطقة حوض المتوسط تعرف نوعا من الاستقرار السياسي بعد اتفاق أوسلو والتحسن الاقتصادي جراء برامج إعادة الهيكلة منذ أواسط الثمانينات. لكن هذا الوضع لم يكتب له الاستمرار. من الأسباب نذكر:

– تعثر المسار السلمي وعودة تأجج الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي تلته أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، و11 آذار 2004 وحرب العراق، وكل ما رافق الحرب على الإرهاب،

– غياب مؤسسات خاصة بالاتفاقية تعنى بمتابعة تطبيقها، وتعقيد الإجراءات بخصوص إجراء الحوار وتصديق الاتفاقيات وتطبيق برامج ميدا، الخ،

– توسيع الاتحاد الأوروبي شرقاً بضم 10 دول جديدة منذ أيار/ مايو 2004 بحيث عاشت بلدان الجنوب ذلك وكأنه على حسابها،

– الصعوبات في تطبيق سياسة التحول الاقتصادي عند بعض الأطراف،

– الحجم المتدني للتبادل التجاري بين دول الجنوب وضعف الاستثمار بالنسبة للمتوقع.

بغض النظر عن كون الاتحاد الأوروبي يبقى المستثمر الأجنبي الأول في المنطقة والشريك التجاري الأساسي لبلدان حوض المتوسط، إلى جانب أنه يمنح سنويا حوالي ثلاثة مليارات أورو بين مساعدات وقروض لا تسترجع، فالهوة بين الطرفين تبقى في اتساع مضطرد، كما لم تؤد الاتفاقية لما كان مرتجى منها.

بما يخص اتفاقية التبادل التجاري، خشيت دول الجنوب التنافس مع الشركات الشمالية خاصة لما ستجره من خسارة ناتجة عن نقص في الرسوم الجمركية، في حين خافت دول الشمال من تحرير تبادل المنتجات الزراعية التي تبرع فيها دول الجنوب أكثر منها.

يرى تقييم معهد Euromesco للاتفاقية نهاية 2003 أنه:

– من وجهة نظر أوروبية، هناك رغبة سياسية عند دول الجنوب في الانخراط في إطار الاتفاقية وعدد هام منهم يطرح آراء لإصلاحها لتصبح أكثر تمثيلا لمصالحهم. وحيث أن المسار السلمي في الشرق الأوسط غير متضمن في الشق السياسي- الأمني، فانسداد الوضع يعتبر عائقا وعذرا لعدم تقدمهم في الإصلاح الاقتصادي.

– من وجهة نظر دول الجنوب، الشراكة موجودة ليس لتنميتها الاقتصادية وإنما استجابة لحاجات الاتحاد الأوروبي الأمنية ومحاربة الإرهاب والحد من الهجرة إليه. فهو غير مكترث بنمو حجم التبادل التجاري معها، خاصة مع عدم تضمينه المنتجات الزراعية في الاتفاقية بداعي حماية محاصيله. سيما وأن تحديث مصانع دول جنوب الحوض المتوسط بما يستلزمه من تراجع في التوظيف وتسريح موظفين، إضافة لانخفاض الرسوم الجمركية، سيجر نتائج غير مشجعة لهذه الدول. بما يجعلها تشعر وكأنها ليست فاعلة وإنما مفعول بها ودون وزن هام في اتخاذ القرار. يضاف لذلك وقف المسار السلمي في الشرق الأوسط والشعور بأن الاتحاد الأوروبي يعمل ضمن معيارين بما يخص قضايا حقوق الإنسان.

– أما بما يخص الشق الثقافي والاجتماعي، هناك نقص في الرؤيا وفي المبادرات المتخذة لتحسين مستوى الاطلاع على هذه الاتفاقية أكان في دول الشمال أو الجنوب.

– أغلب البلدان المعنية تعتقد بضرورة إبقاء أمريكا خارج هذه الشراكة.

ماذا بعد عشر سنوات

اليوم بعد عشر سنوات، يمكن القول دون مبالغة، أن اتفاقية برشلونة لم تخلق الفضاء الذي يجعل منها “هلسنكي” جنوبي وشرق المتوسط. هذا إذا لم نوافق حزب المتشائمين فنعلن وفاتها السريرية.

فمن جهة، لم تنجح الكتلة الأوربية، وهي الأثقل بالمعاني الاقتصادية والسياسية والأمتن بالمعنى الثقافي، في خلق جمهور لها في الأوساط المدنية والمجتمعية. فبقيت في أرقى الحالات ضمن شبكة مصالح لمجموعة من الأفراد والهيئات عوضا عن أن تكون وسائل ضغط على الحكومات والمؤسسات. وذلك لعدة أسباب:

أولها، عدم تبني النخبة الفاعلة وذات التأثير في المجتمعات العربية لهذا المشروع وفي أحسن الأحوال عدم الأخذ بتصورها لاحتمالات إنجاحه. والشعور العام عند المثقفين والخبراء، وهم عادة المروج الأفضل للتكتلات الكبيرة، أن هذه الشراكة غير متكافئة بكل المعاني وانتقائية في مواقف جوهرية. وإن كان غياب التكافؤ، كما يقول الطرف الأوربي هو “نتيجة لحالة التجزئة في الجانب العربي التي لا يعتبر الاتحاد الأوربي سببا لها”، فإن المواقف الانتقائية، خاصة من دولة إسرائيل، خلقت نوعا من التشاؤم بإمكانية تفاعل شعبي حقيقي مع هذا المشروع. ذلك باعتباره صيغة ترويج غير مباشرة لعلاقات طبيعية مع إسرائيل دون أي مقابل من طرفها.

ثانيها، أن الارتهان الأوروبي لفكرة عدم إدانة انتهاكات حقوق الإنسان من طرف الإسرائيليين جعل أية مطالبة بإدانة دولة أخرى نوع من التحامل والكيل بمكيالين. وهذا أعادنا لمنطق أمريكي مكروه في المنطقة العربية.

ثالثها، أن ارتهان المشاريع المدنية والحقوقية بالاتحاد الأوروبي جعل الأخير يحابي المنظمات المروجة له، على حساب المنظمات غير الحكومية الأقوى والأفضل. مما خلق حالة ريبة من سياسة تبحث عن عرب خدمات لا عرب شراكة متكافئة.

رابعها، أن تصاعد رهاب الإسلام في أوربة في وقت تأخذ فيه الديانات الأخرى موقفا إيجابيا بشكل عام، والتركيز على تصور أوروبي لحقوق الإنسان لا يأبه لحق التنمية والحقوق الاقتصادية وحقوق العمال المهاجرين وأهمية ارتباط حركة السلع بحركة البشر والتبادل الثقافي، كل هذا قلص عدد المثقفين والمفكرين المهتمين بهذا المشروع.

خامسها وأهمها، أن الإرتكاسة الأمنية التي صاحبت أحداث 11 سبتمبر وصدور مجموعة من القرارات الأوروبية التي تركز على الجانب الأمني، خلق شرخا هاما بين الثقافات والشعوب. كما وعزز أشكالا جديدة لانتهاكات حقوق الإنسان جاعلا النموذج الأوروبي أقل جمالا مما ذي قبل. وكون فاقد الشيء لا يعطيه، يصعب على دول تتراجع فيها الحريات أن تعطي دروسا من أجل تحسين أوضاعها في بلدان أخرى.

يضاف لهذه العوامل مشكلات بنيوية أساسية. فهناك تباين كبير في الواقع الاقتصادي وفي معدلات النمو بين طرفي البحر المتوسط. العجز الاقتصادي كبير والتبادل غير متكافئ. كذلك توجد هوة بين الأهداف الموضوعة والوسائط لتحقيقها. تعهدات كبيرة اتخذت، لكن دفع عليها أقل مما يجب (على سبيل المثال وعدت ميدا بقيمة 2.3 مليار أورو بين سنة 1999 و2003 صرفت منها 1.5مليار أورو فقط. مع ذلك يبقى أن الاتحاد الأوروبي قد ساهم لسنة 2002 مثلا أكثر من مساهمة البنك الدولي).

بلدان الجنوب أيضا أخلت بتعهداتها بحسن الإدارة، حيث أن حجم الرساميل التي تعادل 100 مليون أورو بالسنة كان من المفترض استثمارها وإصلاح النظام التعليمي كماً ونوعاً.

أوروبا لا تكترث بطلب بلدان الجنوب أخذ إنتاجها الزراعي بعين الاعتبار في المفاوضات على السوق المشتركة. تحرير التبادل التجاري غير كاف في اتفاق الشراكة. وقد شكت بلدان المغرب العربي من تقارب الحليف الأوروبي من جنوب القوقاز (جورجيا، ازربيجان، أرمينيا) أو أوكرانيا وبلدان أخرى تطلب الشراكة، أكثر منه معها. بولونيا وحدها حصلت في السنة الماضية على مساعدات بما يوازي كل بلدان الجنوب مجتمعة. مما يعزز الشعور بأن التوسع الأوروبي يسير شرقا وليس جنوباً. عامل الدين ليس سوى حجة في ذلك كون التواصل قديم بين دول حوض المتوسط والبلدان الأوروبية.

وفي حين يهم أوروبا السلم والاستقرار، لا تعير كبير الاهتمام للأسباب العميقة لانعدام الاستقرار وللعنف في المنطقة وعلاقة ذلك بسياسات المكيالين والمعيارين وانتهاك الشرعية الدولية، بما يدفع لرفع شعارات المقاومة ويعمق الشعور باليأس والإحباط.

إلى جانب هذه الإشكالات التي تُـعيق مسار برشلونة، هناك متغيرات حصلت في السنوات الأخيرة تزيد من مشاغل أوروبا. فأمريكا التي لم تعد ترضى بالتقسيم الكلاسيكي لمناطق النفوذ وتبغي الهيمنة على العالم، تعمل جاهدة للدخول في المعادلة مثيرة بذلك حفيظة الطرف الأوروبي. منطقة المغرب العربي على سبيل المثال مرشحة لتصبح منطقة تجاذب بين أوروبا والولايات المتحدة. فمع دخول هذه الأخيرة على الحلبة منذ منتصف التسعينات، زاد اهتمامها بالمنطقة العربية، بالخصوص مع احتلالها العراق وتطلُّـعها لبناء شرق أوسط جديد.

لكن بالمقابل، لأوروبا حضور هام في هذه المنطقة، حيث المبادلات التجارية لدول المغرب بين تصدير واستيراد يتم أكثر من 70% منها مع أوروبا. كما أن الاعتبارات ليست جغرافية وتاريخية وإستراتيجية وأمنية فحسب، بل مصلحية أيضا. بمعنى أن هناك أهدافا أوروبية في توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي وتعزيز موقعها التنافسي مع بقية التكتلات الإقليمية، إلى جانب همها الأساسي الآخر الذي هو وضع حد لارتفاع معدلات الهجرة المغاربية غير المرغوب فيها نحو أوروبا.

من هنا يثير مشروع الشراكة الذي عرضته واشنطن على دول المغرب العربي بعض التداعيات على مسار الشراكة المتوسطية. ويخشى المغرب العربي من ناحيته أن يتحول إلى حلبة صراع بين أصحاب هذه المبادرات، محاولاً كسب ما أمكنه من المغانم. لكنه لا يغيب عنه أن ايلاء الأفضلية هو للجوار الأوروبي، الشريك الفعلي الأول للمغرب العربي على جميع الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الشق الأمني يبقى هاجس بلدان أوروبا في علاقاتها مع الجنوب وأيضا أوروبا الشرقية. مفهوم الأمن المبني على الربط بين العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية والعسكرية في 2003، تبعه شراكة إستراتيجية في 2004 مع المتوسط والشرق الأوسط تضع في البداية مشاغل الأمن ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة ومراقبة الهجرة. وقد وضعت خطط مع بلدان المغرب حول إصلاح القضاء وتحديث البوليس.

حين انعقدت القمة الأوروبية المتوسطية بتاريخ 27 نوفمبر 2005، في برشلونة بعد عشر سنوات على انطلاقة الاتفاقية،تصدرت موضوعات الهجرة والإرهاب بشكل لافت للنظر جدول أعمالها، وكانت المفاوضات صعبة. لقد ضمت هذه القمة إلى جانب الأعضاء ال25 في الاتحاد الأوروبي، السلطة الفلسطينية وتسع دول شريكة للاتحاد في حوض المتوسط : المغرب والجزائر وتونس ومصر وإسرائيل والأردن ولبنان وسوريا وتركيا. ذلك بالإضافة إلى خمس دول مراقبة أو مدعوة للشراكة وهي بلغاريا وكرواتيا ورومانيا وليبيا وموريتانيا. ففي ظل غياب القادة العرب البارزين والذين يعدون شركاء مهمين لأوروبا، ركز ممثلو ال40 دولة المدعوة إلى القمة على موضوعين رئيسيين: الإرهاب الدولي وموجة الهجرة القادمة من الجنوب. وقد رأت بريطانيا التي ترأس حاليا الاتحاد الأوروبي انه على القمة أن تشكل انطلاقة أساسية في مكافحة الإرهاب عبر تبنيها شرعة حسن التصرف في هذا المجال. ذلك في الوقت الذي ما زال فيه تحديد كلمة الإرهاب موضع جدل. أما مدريد فتنتظر قرارات ملموسة تهدف للسيطرة على الهجرة من جنوب الصحراء وتقديم مساعدات مالية إلى الدول التي تنطلق منها الهجرة أو تمر بها.

أورو-إفريقي، تلتئم فيه الدول المعنية، أي الدول المصدرة للهجرة، ودول العبور، ودول القدوم لبلورة مقاربة مشتركة وإيجاد حلول ملائمة لهذه الظاهرة. فهناك اليوم 5 ملايين مهاجر من دول حوض المتوسط وخاصة المغرب والجزائر وتركيا يعيشون في الاتحاد الأوروبي. وينتظر قدوم أعداد أخرى إليها كيد عاملة.

بالمقابل، وفي حين يحاول الشمال الحد من الهجرة السرية، تشكو بلدان الجنوب من العنصرية التي تطال أبناءها في الدول الأوروبية. هذه الدول التي تكثف من ترسانتها القانونية للحد من حرية حركة أبناء الجنوب باتجاهها. وحيث يؤمل أن يؤدي التعاون لحل الإشكالات خلال السنتين القادمتين، لا شيء يبشر بالانفراج.

في النهاية، يعكس المشروع الأورومتوسطي عدم تكافؤ كبير في علاقات القوة بين الإتحاد الأوروبي من جهة والدول العربية المتوسطية من جهة أخرى. فالإتحاد الأوربي يفاوض ككتلة قوية عسكريا وسياسيا واقتصاديا، بينما تفاوض الدول العربية بصورة متفرقة. مما يعني القضاء على إمكانية قيام وحدة اقتصادية عربية تدريجية. هذه الحقيقة عندما يضاف لها سلبيات كبيرة كان تجاوزها السبب الرئيسي في إغفال النظر عن واقعة عدم التكافؤ, نجد بأن التفاؤل قيمة صعبة أمام مشروع لا يقدم الداعين له العلف الضروري لبقائه على قيد الحياة.

رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان
باريس في 07/12/2005