ليبيا ومأساة شعب – فيوليت داغر

يوضح القانون الدولي دون لبس أنه ازاء ارتكاب جرائم ضد الانسانية، على المجتمع الدولي مسؤولية درئها وحماية السكان منها حتى ولو تم الاعتداء عليهم من حكومتهم نفسها. اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا القرار في 2005 انطلاقاً من أن سيادة الدول ليست مطلقة، وللمجموعة الدولية الحق بالتدخل عبر مؤسساتها بين الحكومية لوضع حد لكل ما يشكل تهديداً لشعب دولة أو لجزء منه من مثل التعرض للإبادة والجرائم ضد الإنسانية والنقص الحاد في الغذاء والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

فمنذ أن بدأ الشعب الليبي في 17 يناير اعلان رفضه لطاغية جثم على صدره 42 سنة، أقام خلالها منظومة سياسية غريبة من نوعها كغرابة أطواره، بدأت أنظار العالم تتوجه نحو هذا البلد. معمر القذافي الذي استأثر بالسلطة إثر انقلاب عسكري في 1969، مبقياً بلده من دون دستور، مجرّماً كل من طالب بذلك، أصدر عدة قرارات بتطبيق ما أسماه الشريعة الإسلامية وكذا مرات بإلغائها. كما فرّغ معنى الوحدة العربية من معناه ومبناه في اتفاقيات يعقدها في الصباح ويلقيها في القمامة قبل العشاء. مزاجية باثولوجية مدعمة بوفرة نفطية سمحت له بشراء ضمائر ومناضلين حتى من كل الإتجاهات، كما بتصنيف التنظيم المستقل عنه بالخيانة وتطبيق أحكام إعدام بحق خيرة طلائع الوطن. لقد استطاع أن يجهض كل المحاولات لإسقاط حكمه باللجوء للقمع الشديد المدعوم عربياً ودولياً. فارتكب على مدى أربعة عقود ما يصعب تصوره من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لم يعرف عنها إلا القليل، باستبعاد كل أشكال الرقابة والمحاسبة المدنية وتغييب الجمعيات والمؤسسات التي تشكل سلطة مضادة.

صحيح أن العالم العربي قد وصل لحالة مأساوية من التردي، في ظل أنظمة القمع والحروب والاحتلالات العسكرية وغياب الديمقراطية والفقر والأمية والفساد وتبديد الثروات المالية والبشرية والمائية والغذائية وتعزيز الأجهزة الأمنية والفروق الطبقية والبنى الطائفية والجهوية والقبلية وزيادة التبعية للسوق العالمية، لكن حكم القائد الليبي فاق كل التوقعات بتسجيل أبشع الجرائم ضد شعبه وتبديد ثرواته وتعريضه للحصار والعقوبات بارتكاب جرائم الإرهاب الدولي. ولا نبالغ، واللجنة العربية لحقوق الإنسان أول من طالب بإحالة القذافي للمحكمة الجنائية الدولية، عندما نقول بوجود 45 ألف قتيل ومفقود خلال حكمه.

لو توقفنا ملياً عند ما يرشدنا اليه علم النفس بما يخص سمات هذا الشخص الذي يقود على هذا الشكل شؤون بلد ويتحكم بمصير شعب، لوجدنا أن الصفات الأساسية التي تطبع شخصيته تندرج في إطار ما يطلق عليه بالبارانويا أو جنون العظمة أو الزور أو الهذاء.

المصاب بهذا النوع من الإضطراب النفسي يمتلك جهازاً عقائدياً معقّداً ومثقلا بالأوهام التي تتمركز حول الشعور بالاضطهاد والحساسية المفرطة تجاه ما يصدر عن الآخر وعدم الثقة به والتركيز على تصرفات من حوله وتفسيرها بما ينسجم مع قناعاته التي يمكن أن تكون بكل بساطة أوهاماً وليس واقعاً. هو يتميز بشخصية طاغية ومتعالية تنطوي على احتقار الغير أو الاستخفاف بهم، وتسخر ممن يخالفها الرأي ولا تتسامح بالنقد، ذلك على أساس القناعة الراسخة بأنها الأصوب والأسلم. والخطورة في الأمر تكمن في أن هذا الصنف يبدو منطقياً في تفكيره ومقنعاً في تصرفاته ومتماسكاً في سلوكاته، لكن في حقيقة الأمر يوجد خلل في الأساس الذي يبني عليه اعتقاده، لا يكتشفه إلا من يدقق النظر أو العالم أصلاًّ بطبيعة الشخصية. التمركز حول الذات وتضخيم الأنا يأخذ أبعاداً مشهدية تتجلى في منظره وملبسه وحركاته وليس فقط أقواله وأفعاله. كما أنه يمتلك قدرة تأثير سلبي كبيرة على حياة محيطه ومن يعيشون معه، بحيث يمكن أن يطبعهم بطباعه وتوجساته وأوهامه بناء على قدرته الفائقة على الاقناع بوجهة نظره.

إذا كان من الصعوبة بمكان التعامل مع هذا النوع، لسوء خلقه وطباعه الصعبة المراس وعدوانيته المرضية وتحويله الضغائن والأحقاد لتصرفات هدامة تهدد أمن الآخرين وتذهب في حالات الخوف والشعور بالتهديد لحد اقتراف جريمة قتل، فكيف بالحري عندما يحكم بلد؟. آليات الدفاع عن النفس التي يعتمدها دون غيرها كالتبرير والتعويض والإنكار تشمل الإسقاط، أي اسقاط مشكلاته النفسية على من عداه من الناس. وإذ يرى نفسه ضحية تآمرهم عليه، يجعلهم مسؤولين عما يقترفه بحقهم من آثام، كونه قد وضع نفسه في موقع المدافع عن نفسه ليس إلا. وحيث تعزي مدرسة التحليل النفسي الهذاء لعلاقة بالشعور بالإثم وبالجنسية المثلية المكبوتة والمسقطة، درجة الاصابة بهذا الاضطراب عند القذافي لم تبق بالحدود الطبيعية التي تتعايش مع الغير، بل بلغت درجة من الثبات والتحجر يصعب معها التأقلم مع الواقع. والطامة الكبرى هي أن تعتلي هذه الشخصية موقع امتلاك كل وسائل التدمير والسيطرة من ثروة وسلطة وأجهزة أمنية وعسكرية وتغوّل عظيم على بقية السلطات.

وعليه، سرعان ما تحولت ثورة 17 فبراير الليبية التي بدأت بمظاهرات سلمية مطالبة بالتغيير، على نسق ما جرى في تونس ومصر، لمواجهات مسلحة مع قوات القذافي المدججة بأسلحة تستعمل عادة ضد الآليات وليس البشر واللجوء للمرتزقة والترويع والتهديد بالقتل لمن لا يمتثل لمشيئته. الذين يغطون الأحداث منعوا بكل الوسائل المتاحة من إظهار الحقيقة واستهدفوا باغلاق المكاتب والضرب والقتل ومصادرة الأجهزة والاعتقال التعسفي والترحيل القسري، حيث منهم فريق الجزيرة الذي لا يعرف شيئاً عن مصيره حتى الساعة.

لقد حصد الموت الكثير من المنتفضين ضد نيرون الحصر الحديث ومن المدنيين العزل في الأيام الأولى. مما أفضى لصدور قرار مجلس الأمن في 26 /2/2011 بالدعوة لحماية المدنيين وفرض عقوبات مالية وحظر على السلاح ومنع القذافي وأبنائه وحاشيته من السفر. كما أنه وللمرة الأولى في تاريخه يتخذ مجلس الأمن بالاجماع قرار التوجه للمحكمة الجنائية الدولية للنظر في الجرائم التي ترتكب على الأراضي الليبية كجرائم ضد الإنسانية.

باستثناء مساعدات إنسانية عاجلة، تميز عموماً الموقف العربي في المرحلة الأولى من الثورة بالصمت على المجازر وتردد باعلان الدعم. أما المواقف السياسية الغربية فقدمت إشارات متناقضة، كما برزت بوقاحة لغة المصالح الاقتصادية. فهذا الشعب الذي يريد أن ينهي مرحلة حالكة من تاريخ بلده ويملك بمفرده صلاحية اتخاذ القرار الذي يرتأيه لصنع ثورته، لم يستسغ المواعظ والدروس ممن لم يقدموا له سوى الخطابات الرنانة المنددة بطلب الدعم الدولي. وهو الذي لم يصل إلا بعد أن خسر خلال شهر ونيف من بدء الأحداث ما يزيد عن عشرة آلاف شهيد حتى كتابة هذه السطور، وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين، وأكثر من ثلاثة آلاف مختطف لا يعلم أحد شيئاً بعد عن مكان وجودهم. لقد استخدم القذافي سلاحي الطيران والبحرية لقصف المنشآت والأحياء السكنية والتجمعات البشرية في المدن الأساسية والدروع البشرية للتقدم ونبش القبور لاخراج الجثث ومنع الجرحى من الحصول على الإسعافات الضرورية وخطفهم من المستشفيات.

يتساءل من يُشكًك بوطنيتهم عن الحل العملي الذي قدمه المعترضون عليهم لحمايتهم، ويذكّرون بأن القذافي قدم بالصوت والصورة نفسه وأبنه وأعوانه كضمانة لأمن أوروبا والبحر المتوسط و”إسرائيل”، وبأنه سلم أمريكا ما يملكه من سلاح وضمانات إثر سقوط العراق بيد الاحتلال في 2003، كما ذكّر دول الغرب بالامتيازات النفطية التي منحها لشركاتها، وهو الذي تعاقد مع شركات اسرائيلية ودفع لها المليارات لرفده بالمرتزقة للاستعانة بهم على شعبه.

من طالبوا بالحظر الجوي والتشويش على إتصالات القذافي وبإمدادهم بأسلحة مضادة للدروع والطيران وبشرعية تقرها الأمم المتحدة وقفوا ضد التدخل الأجنبي ونزول قواته على الأراضي الليبية. فالحظر الجوي كان كافياً قبل أسبوعين، حيث يمكن للطائرات الحربية الاميركية والحليفة المنطلقة من أحدى القواعد في ايطاليا أو غيرها أن تصيب مواقع الدفاع الجوية الليبية. أما الآن وبعد كل هذا الارباك والتلكؤ في اتخاذ القرار، وحيث استطاع القذافي وكتائبه استعادة الكثير من الاراضي التي فقدها في الايام الاخيرة وتوسيع نطاق العمليات ومضاعفة المذابح المروعة، أعلن التحالف فرض “منطقة حظر الحركة على الارض” اضافة الى حظر الطيران. لقد بدا مجدداً أن الدعم الغربي للتحول الديموقراطي ثمنه ترويض الثوار ومساومتهم على وضع أقدار ليبيا بموقعها وأموالها وبترولها في ميزان المصالح الغربية. أما ما فعله الدكتاتور من استباحة لمفهوم السيادة الوطنية، جعل من هذه الكلمة وسيلة لسحق الشعب الليبي:

أولاً، لدينا من بعثة التحقيق التي ذهبت لشرقي ليبيا في الإسبوع الأول من آذار، بتفويض دولي من اللجنة العربية لحقوق الإنسان والمحامين الليبيين، وثائق تؤكد وجود مرتزقة من أحد عشر بلداً أوربياً وإفريقياً.

ثانياً، تتوفر لدينا أوراق لطيار جزائري معتقل وخبير كبير أوكراني وطيار سوري. وإن كان ثمة اتفاق قديم سوري-ليبي لوجود سرب سوري في ليبيا من القرن الماضي، لا يوجد أي اتفاق بين الجزائر وأوكرانيا على أي تعاون عسكري مع ليبيا.

ثالثاً، يوجد إعلانات لإحضار المرتزقة من إفريقيا إلى طرابلس مقابل مبالغ مغرية جداً نشرت في عدة بلدان وهناك شركة لتنظيم ذلك رخصتها إسرائيلية.

رابعاً، شهدنا تواطئاً غير معلن بين أنظمة دكتاتورية عربية وأنظمة ليبرالية غربية لاستمرار القذافي أطول فترة. فيما يضعف فكرة التغيير الديمقراطي السلمي في الذاكرة العربية الجماعية عبر مثل دموي يسقط عدداً هائلاً من الضحايا ويعمل هدماً وتخريباً بالبلد.

ما من شك أن القذافي وكتائبه هم آخر من يمكنه أن يتحدث عن السيادة الوطنية. لقد دمروا، بتمسكهم بالسلطة من أجل السلطة، معظم أنظمة الدفاع الجوي ومراكز السيطرة والتحكم للجيش الليبي وكتائبه الأمنية. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يشي كل هذا الخراب والقتل بقرب انتهاء الحملة وتسليم القذافي نفسه أو انتحاره أو هربه من ليبيا؟ قد تكون أيام النظام الليبي محدودة ويقطف أخيراً شعبه ثمار ثورته، لكن قرار مجلس الأمن لا ينص إلا على حماية الشعب الليبي وليس إسقاط نظام القذافي. هذا الأمر يبقى في عهدة الشعب الليبي الذي عبّر عن استعداده لكل التضحيات للاطاحة به. وبالتأكيد يستطيع القذافي أن يهدد ويتوعد وينتقم، لكن هناك قواعد دولية تحكم استعمال السلاح بين جيشين، فكيف بالحري ضد شعب أعزل؟ وإذا كان تفعيل آليات المحاسبة يفترض تقديم من ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الليبي للمحاكمة بدءا من القذافي وأبنائه ومعاونيه، فهو يتيح أيضاً محاسبة كل من سهل وصمت وتواطأ معه على ارتكاب هذه الجرائم.

ما زال الطلب قائماً لحشد الجهود التي تأخرت نسبياً لمساعدة ثوار ليبيا بكل أشكال الدعم العربي. خصوصاً وأنه ليس من مجال للمقارنة مع ما جرى في العراق أو طرح ما يحدث في ليبيا كشكل جديد للاحتلال. علاوة على أن قصف كتائب القذافي يطال الشعب الليبي دون تمييز وليس مقتصراً فقط على الثوار. وإذا كان ليس هناك من الليبيين من يطلب نزول قوات أجنبية في ليبيا، فذلك يؤذن بانتكاس الثورات العربية، لا يجوز السماح بإطالة مخاض الثورة الليبية وإدامة آلام الليبيين التي فاقت كل الحدود. من هذه الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ما يجري على مرأى ومسمع من العالم والمخفي أعظم، ولا أحد يستطيع أن يقول أنه لم يكن يعلم. وأد ثورة ليبيا سيكون له انعكاسات جد سلبية على الثورات التي نجحت لحد ما في تونس ومصر، وعلى كل من بدأوا بالتحرك ضد حكامهم وانظمتهم في البلدان العربية الأخرى. فعسى أن لا تجري الأمور في الأيام القليلة القادمة بما يتيح تحويل ربيع الثورات العربية لشتاء مظلم يطبق من جديد على الأمة العربية.

نشر على الجزيرة نت في 30/03/2011