فيوليت داغر …. وجدنا كي ندافع عن كل المعتقلين في تونس وغيرها في العالم العربي – أجرى الحوار سفيان رجب

* باشرتم ملف المعتقلين والمساجين من النظام السابق وخاصة ملف رضا قريرة فإلى اين وصلتم وهل من مؤشرات عن عدالة انتقالية حقيقية في هذا الملف خاصة ان هناك حديث عن عملية تصفية حسابات بين شخصيات سياسية سابقة وحالية

كان ملف السيد رضا قريرة أول ملفات المساجين والمعتقلين من النظام السابق الذي انكببت عليه نظراً لظروفه الصحية المتردية. لكني تابعت من بعد ملفات آخرين من رفاق الدرب والزنزانة تم اتصال عائلاتهم بي بشأنهم. ما زال السيد قريرة بالسجن حتى الساعة. وما زال يقبع معه أمنيون ووزراء وإداريون تكلفوا بمهمات وتسلموا حقائب سياسية خلال حقبة بن علي سبق وأن قابلت بعضهم في السجن. لقد بدا لي أن الحكومات المتعاقبة منذ ثورة 14 جانفييه، التي لم تستطع أن تضع يدها على الرئيس المخلوع وتحاسبه، أخذت بدلاً عنه من استطاعت من رموز نظامه ممن غدره حظه العاثر ليكون كبش فداء، رغم أعمار بعضهم المتقدمة أو أمراضهم المزمنة العديدة. هو ليس مجرد انطباع، إنما استنتاج خرجت به بعد الإطلاع على ملفات ومقابلة أغلب المتهمين وبعض المحامين وأفراد من بعض عائلاتهم واستماع لجلسات محكمة. لا شئ يشي بوجود أدلة ثبوتية باقترافهم جريمة قتل فعلية أو أعمال فساد حقيقية يمكن بموجبها أن يحاسبوا. من تبقى في السجن منذ سنة إلى حوالي ثلاث سنوات تقريباً، وبعد أن خرج من خرج بصيغة أو بأخرى، ما زالت جلسات معظمهم تؤجل والمماطلة جارية لتأخير البت بقضاياهم لسبب أو لآخر. وكأنه يراد بذلك إسكات عائلات الشهداء والجرحى وترتيب هذا الملف تحت هذا الباب. لكن هؤلاء العائلات يحق لهم أن يعرفوا الحقيقة مهما كانت مرة. هم لا يمكن أن يكونوا سعداء لو ظلم طرف ما دون أن يكون فعلياً متسبباً بمآسيهم، بينما الجاني الحقيقي يعيش في وضح النهار، وكأنه لم يقترف أي جرم أو أذية بحق من فقد الحياة لغير رجعة أو من فقد إمكانية العيش كما وهبها له العلي القدير.

هذا الاستنتاج يشاطرني به حقوقيون آخرون تابعوا هذه القضية، وهناك حديث عن تصفية حسابات كما تسميها أنت بين من بقوا خارج السجن ومن دخلوه وبين مسؤولين قدامى وجدد. لكن أيضاً لإسكات الناس والإيحاء بأن السلطات في تونس قامت بواجبها لكشف الحقيقة وإحالة المشبوهين للقضاء والاقتصاص من أفعالهم كمتهمين حقيقيين. في حين من الواضح ارتكاز لقضاة تحقيق على ظنون بدل الأدلة والبراهين، وعدم استماع لشهادات لصالح المتهمين رغم توفرها، خلو التسجيلات في قاعة العمليات وفي نظام التسجيل المركزي لمن اتهموا بالقتل من أوامر باطلاق الزخيرة الحية، علاوة على أن محامو الدفاع الذين طالبوا بالتسجيلات الهاتفية بين 24 ديسمبر و14 جانفييه لم يحصلوا على ما يثبت ادانة موكليهم، كما لم يتم تحديد من أطلق النار ولم يجر إثبات العلاقة بين الفاعل الحقيقي غير المعروف والشريك المتهم. والأنكى من ذلك هو تطبيق القوانين بشكلين ومعيارين وفصل بين ما حصل قبل 14 وبعده. أي أن ما حصل قبل هو القتل العمد، في حين أن ما حصل بعده هو بوجه الخطأ، علماً أن من قتل قبل كان 73 شخصاً، أما بعد فسقط 350 قتيل. أي تكييف للقضاء العدلي هذا؟ أين هي النزاهة في البحث عن الأدلة، أين منا شخصانية العقوبة وقرينة البراءة؟ ثم ماذا بي أقول بخصوص أناس عملوا كاختصاصيين في مجالاتهم وخدموا بلدهم دون أن يتورطوا في ما نسب لهم؟ فهل هم في السجن فقط لأنهم عملوا في ظل طاغية؟ ثم من قال أن نفس هذه التهم لن توجه يوماً لمن هم اليوم في مواقع مسؤولية وأن المسرحية لا يمكن أن تتكرر معهم لسبب أو لآخر؟ إلى متى ستسود الضبابية على هذه الحقبة الهامة من تاريخ تونس؟ ولماذا لا تعرض الحقيقة على البشر كما هي دون نفاق؟ هل المصالح الضيقة للبعض أهم من المصلحة العليا لهذا البلد؟ ثورة 14 جانفيه 2011 المجيدة ألهمت في حينها جميع الشعوب العربية وأعطتهم أملاً بالإنفراج والتغيير، فإلى متى تبقى الحقيقة حبيسة بعض الأدراج؟ ولماذا على القضاء، الذي يخوض معركة الدفاع عن نزاهته واستقلاليته في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة، أن يغرق بأوحال هذه القضية بدل أن يحكم بالعدل؟ أي وزن سيكون في هذه القضية لقانون العدالة الانتقالية الذي سيخرج خلال أيام، أم سيخرج جنيناً مشوهاً ؟

*القضاء في تونس محل مؤاخذات خاصة في ظل اطلاق سراح عدد من المورطين في قضايا الارهاب.. فهل لديكم ما تقولون حول هذا الملف؟

ماذا عساني أقول أكثر من أهل القضاء أنفسهم الذين لم يتركوا شيئاً ولم يتحدثوا به من شطط ممارسات وانقسام صفوف وتسييس للقضاء، في ظل تجاذبات مع سلطة تنفيذية يحكمها منطق الغلبة وثقافة موروثة من حقبة تاريخية طويلة من الممارسات اللاديمقراطية؟ واقع يفسد المشهد في زمن أحوج ما تكون هذه المهنة شعلة الأمل في واقع مكفهر. ما يقنع البشر بأن محاربة الظلم والفساد ماضية للأمام وبأن هذه الثورة لم تجهض بل أتت أكلها على ضوء سيرورة عدالة انتقالية فعلية وليس شكلية. لكن هل يمكن أن يكون القضاء خارجاً عن سياق عام ووضع متردي حالي على كل الصعد، بما لذلك من تأثير كبير على استقلالية ونزاهة هذه المؤسسة ؟ هذه الصورة لا تنفي وجود قضاة يعملون بضمير حي ويرفضون المغريات رغم التضحيات وينشدون الاستقامة والنزاهة لإحقاق الحق والعدل بين العباد والمساهمة بإنهاض البلاد من كبوتها. الدرب طويل، وخلال هذا الوقت لا بد من مراكمات إيجابية كثيرة لبناء ما يطمح له التونسيون.

أي علاقة للجنة العربية لحقوق الإنسان بالمنصف المرزوقي العضو السابق في اللجنة وموقفها من طريقة التعامل مع أرشيف الرئاسة والكتاب الاسود؟

ليس من علاقة حالياً للجنة العربية لحقوق الإنسان بالرئيس المؤقت للجمهورية التونسية. هو يبقى عضو، ولو أراد فيما بعد التعاون مجدداً مع زملاء الأمس فسيجد مكانه. أما بما يخص الموقف من بعض القضايا التي أثيرت خلال رئاسته ومنها ما تذكر، فهو بالتأكيد موقف صارم ولا يحتمل التواطؤ والمهادنة. أنا لا أريد أن استعمل هنا كلمات يفهم منها أنها طعن في الظهر لمن تقاسمنا معه الخبز والملح كما يقال، لكن أعتبر أن لا شئ يبرر إدارة الظهر لمواقف وكتابات ونضالات سابقة بحجة الانتقال لموقع سلطوي على أساس أن لكل ظرف أحكامه. وإلا فهذا تأكيد لمقولة أن السلطة مفسدة. لو بقيت في حيز سؤالك دون استطراد، أعتقد أن الإصدار هذا لو أتى في بداية حقبة رئاسته وضمن استراتيجية متكاملة ومتناغمة مع كافة الفرقاء المعنيين بالعدالة الانتقالية، لكنا ربما توسمنا خيراً من مساعي المكاشفة هذه توخياً للمصارحة على مستوى سائر المهن ومن ثم المصالحة المجتمعية. لكن ليس عندما ينطوي العمل على انتقائية أولاً، وفي هذا الظرف بالذات والمتأخر ثانياً، إلى جانب أنها عملية غير قانونية ثالثاً. ثم ليت المسألة انحصرت في هذه الفعلة فقط.

لا أخفي عليك أننا كنا كثر من اللجنة العربية ومن خارجها من أصدقاء ومعارف قدامى للسيد الرئيس، من داخل وخارج تونس ومن العالم العربي عموماً، ننتظر عملاً كبيراً يتساوق وما توقعناه من رجل ناضل لمبادئ كبرى ودفع ثمناً لمقاومته النظام السابق وأصدر كتباً شرّح فيها الوضع ونظّر للتغيير. لكن الله غالب كما تقولون. نلسون منديلا، الذي توفته المنية قبل أيام ويكرم اليوم من العالم أجمع لمواقفه الجليلة، كان شخصاً مقتنعاً بمبادئ سامية ودفع لأجلها ثمناً غالياً من معاناة وسنوات سجن. وعندما تسلم السلطة مارس قناعاته ودافع عن هذه المبادئ دون شطط أو حسابات ضيقة، ليبقى في صفحات التاريخ نموذجاً فذاً يحتذى. ما الذي منع من أن يكون في تونس نموذج يحتذى في زمن جعل هذا البلد ملهم الثورات العربية ووضع تجربته تحت المجهر، فتنادى الجميع من كل حدب وصوب لمساندة نجاح التجربة الرائدة؟ يعلمنا التاريخ أن شخصاً واحداً مقتنعاً بصوابية مواقفه وشديد المراس وصلب الإرادة يمكن أحياناً وفي ظروف موآتية أن يغير وجه العالم. والأمثال كثيرة في ذلك. بكل الأحوال، لا بد أن تدرس هذه الحقبة من تاريخ تونس جيداً لتوضع النقاط على الحروف بشكل عقلاني وليس عاطفي أو مصلحي، ويعطى كل ذي حق حقه ويحاسب كائناً من كان ارتكب أخطاءا بحق شعب جوّع وأهين وظلم.

*توجهت برسالة للسيد فرانسوا هولاند للفت نظره لوضع رضا قريرة المرضي والمسؤولية الإنسانية تجاهه لكن هذا الضغط لم يسفر عن أي نتيجة؟

لم يحصل أي شئ جديد جدير فعلاً بالاهتمام بملف السيد قريرة منذ ذلك الوقت، رغم زيارات لأطباء وحقوقيين أجروا فحوصات له وكتبوا تقارير عن حالته رفعوها للرئاسة التونسية التي كانت وراء الطلب. لكن لا بد من التنويه إلى أنه قبل أيام قليلة صدرت بطاقة ترك في حالة سراح في واحدة من القضايا الخمس المتابع بها، والتي حصلت أول جلسة بها بعد أكثر من سنتين من الايقاف. هل هي مؤشر ما يخولنا بأن نتفاءل بالخير في ما تبقى حيث هناك قضيتان أمام دائرة الاتهام واثنتان أخريتان أمام التعقيب, بعضها لن يتأخر أكثر من عدة أيام ليظهر قرار بشأنها؟ أم أن القضاء في المحكمة كان أكثر نزاهة من دوائر التحقيق والاتهام ليس إلا؟ هل أن إيعازاً ما أعطي من طرف ما للتسريع بإغلاق ملف السيد قريرة وإخراجه من السجن؟ لا أعلم. ما أعلمه أن النية كانت معقودة على جلسة تجمع رئيس الجمهورية برئيس الحكومة للتباحث بوضعه. لا أعرف ما كان مآل ذلك، لكن الأمل ما زال يحدونا بخروج قريب من السجن.

*كناشطة حقوقية تابعتِ لزمن أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي، كيف تقرئين اليوم واقع حقوق الإنسان في دول الربيع العربي، علماً أنك اكدت أكثر من مرة انك لست من انصار تسمية «الربيع العربي» ولك موقف من الثورات العربية وهذا يدل على  أنك لست متفائلة بالمسار الديمقراطي وبالمستقبل في ضوء ما يجري في هذه الدول؟

هو ليس بالربيع مطلقاً، حيث لم تزهر أشجار الأرض ولم يتغير خلال السنوات الثلاث الماضية الشئ الكثير بالاتجاه المأمول. لا بل هناك تراجع في بعض الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالتأكيد على صعيد حقوق الإنسان. بما خلفه ذلك مع شديد الأسف من إحباط وحنين عند البعض لزمن ولى. لقد صودر الحراك الاجتماعي من طرف قوى اختطفت الشرعية الثورية ومن بلدان الرجعية العربية وفلول الأنظمة السابقة وأولياء هؤلاء الغربيين الذين يطمعون في ثروات هذه المنطقة ويخططون لتقسيمها ورهن إمكاناتها وقراراتها لما يخدم مصالحهم ومصالح الكيان الصهيوني. هذا السرطان الذي زرعوه بين ظهرانيها كي لا يقوم لها قائمة. لقد حرّف مسار التحركات المطالبة بالحرية والكرامة بشكل دموي ومجرم. ولنا في الحالة الأكثر راهنية، أي الصراع السوري، خير مثال على ذلك. هل هذا ما طمح له من راكموا النضالات والتضحيات خلال عقود من الزمن؟ وعن أي ديمقراطية ومسار انتقال ديمقراطي نتحدث؟ لكن تاريخ الشعوب لا يقاس بالسنوات وسنبقى محكومين بالأمل بعودة الروح حيث هي معركة إرادات. ففي نهاية المطاف لا بد للقيد أن ينكسر وأن ينبلج الفجر من رحم المعاناة.

*هل تلقيتم دعوة من الرئيس المرزوقي العضو السابق في اللجنة لتكون تونس مقر اللجنة العربية لحقوق الإنسان؟

لا مطلقاً. إنما في بداية عهده بالرئاسة، أعرب الدكتور المرزوقي عن رغبته في التعامل معي شخصياً- وليس مع اللجنة كي لا تعتب عليه الجمعيات الحقوقية التونسية- وتفهمت الأمر. كان ذلك للعمل معه على ملف حقوق الإنسان في العالم العربي كما طلب حينها. رددت على الطلب بوضع شروط تتعلق خصوصاً بوجوب تمويل المنصب من مؤسسة دولية كوني لم أرغب أن أتقاضى أي راتب من الدولة التونسية. اعتبرت أنني بذلك أتفادى أن تحسب القضية عليه وكأنه استفاد من موقعه للإتيان بأصدقائه، كما أن لا تحسب علي وكأني أنتهز فرصة. كنت حريصة جداً على سمعة وصورة كلينا وحذرة من مطبات تغيير المواقع والانتقال من فضاءات الحقوقي للسياسي. وحين لم تجر الرياح حسب ما تشتهي السفن، بقيت في تونس (حيث كنت قد قدمت بعقد قصير مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان) وواصلت عملي في نطاق جمعيتي. لقد اعتبرت أن إقامة مكتب للجنة العربية لحقوق الإنسان في تونس لمتابعة الانتقال الديمقراطي عن كثب أمراً ممكناً بعد أن تابعنا كجمعية وكأشخاص قبل تأسيس الجمعية ملف حقوق الإنسان في هذا البلد ردحاً طويلاً من الزمن. لكن صعوبات كثيرة تعترضني حالياً وليس مكانها هنا.

*ساندتم في سنوات الجمر جل تيارات المعارضة التونسية ودافعتم عن رموزها، وقد كرمكم لذلك الرئيس المرزوقي مع آخرين. كيف هي علاقاتكم اليوم بأصدقاء الأمس؟ سواء في السلطة أو المعارضة؟

ماذا تريدني أن أقول لك؟ بالتأكيد الظروف اليوم هي غيرها بالأمس، ولو بقينا ننظر للخلف لما تقدمنا خطوة. الديكتاتورية خلفت خراباً على أصعدة عدة، وليس من المنطقي أن نتعامل مع الواقع حسب رغباتنا وإنما نحاول أن نتفهمه كما هو دون إسقاط.

*هل مازلتم على موقفكم بضرورة إسقاط النظام السوري؟

من منا لم يتأكد بعد خلال هذه الأشهر الطويلة من عمر الأزمة السورية أن الثورة لم تحرّف عن مسارها بشكل دموي، بما يخدم المخططات الصهيونية والأهداف الأمريكية والغربية عموماً في المنطقة، كما ويكشف التورط المفضوح والمجرم لقوى إقليمية وبلدان خليجية؟ عندما خاطرت بالذهاب لسوريا لإصدار كتاب عن الديمقراطية وحقوق الإنسان قبل أكثر من عقد من الزمن أفضى العمل لتوزيع الكتاب داخل البلد تحت المعطف كما يقال، ولمنع السلطات لي من عبور المطار والدخول للبلد. نعم كان هناك حينها ما يستحق المخاطرة لرفع الصوت ضد الظلم والإقصاء والاستبداد وكل الجرائم التي تتفتق عنها قريحة الدكتاتورية. لكن كيف يمكن أن نغيّب الجانب الآخر من المعادلة المطروحة علينا اليوم ولا ننبري لمقاومته: أي مخططات القضاء على الدولة السورية ومؤسساتها عبر استهداف النظام وتفتيت المجتمع السوري على أساس عرقي وديني ومذهبي؟ ألا يتكرر على نحو ما المشهد الذي عشناه مع حصار العراق ثم احتلاله، ومن ثم تدمير ليبيا، وتوجيه ضربات موجعة لبلدان عربية شتى بأشكال وحجج مختلفة من مثل لبنان والسودان واليمن وغيرها وفلسطين في المقدمة؟ هل علينا أن نرفع أيادينا ونسلم أمرنا لإرهابيين أتوا من كل حدب وصوب ليجاهدوا في سوريا وليدمروها على رؤوس أبنائها ويسرقوا تراثها وثرواتها ويفككوا مصانعها ويعيثوا في الأرض فساداً ويتركوها خراباً سائباً؟ هل نترك سوريا لقمة سائغة لمرضى ومنحرفين يقبضون ثمن جرائمهم من مال النفط الذي لم يستثمر لنهضة هذه الأمة بل لخرابها؟ هل ننحاز لصف مجرمين أرادوا بحمل السلاح قطف جهود مناضلين دفعوا غالياً جداً من أجل التغيير السلمي ولزمن طويل سجناً وتشريداً وجوعاً؟ أعتقد أننا مدعوون كمناضلين عرب لممارسة سياسة التدخل الإيجابي لإيقاف نزيف الدم والدفع لحل يحقن الدماء ويجمع الأطراف الحريصة على مستقبل بلدها وشعبه حول طاولة حوار وطني. علينا أن نتحرك سريعاً لتضميد الجراح، كي لا نعطي النظام القائم حجة إضافية للقمع ومبررات للجوء لمنطق القوة بدلاً من منطق الحوار والتفاوض. وخاصة كي لا يتحول ما بدأ ثورة سلمية من أجل بناء مجتمع مدني ديمقراطي لحرب أهلية، وبعد أن وصل التنكيل بالأقليات بنوع خاص والجميع دون استثناء لمستوى مرعب.