عين تقاوم المخرز – فيوليت داغر

أصدرت في 10 و 11 تموز / يوليو 2008 الجاري الغرفة الجنحية بابتدائية الرباط أحكاماً جائرة بتهمة نشر خبر زائف على الناشط إبراهيم سبع الليل، رئيس مكتب سيدي إفني للمركز المغربي لحقوق الإنسان، بالسجن 6 أشهر نافذة وبغرامة مالية، كما على الصحفي حسن الراشدي، مدير مكتب قناة الجزيرة بالرباط، بغرامة مالية قدرها 50 ألف درهم. وكان رد فعل المحامين الذين تطوعوا للدفاع عن المتهمين، كما الحقوقيين الذين تنادوا للتضامن معهما، رفض مبدأ الإدانة والتقدم باستئناف للحكم على اعتبار أن الجريمة التي حوكما بها غير قائمة والمتابعة باطلة ومقتضيات الفصل 42 من قانون الصحافة الذين مثلا بموجبه غير متوفرة. خصوصاً وأن الأحكام صدرت قبل ظهور تقارير رسمية وغير رسمية تتضمن تحقيقات في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت قبل شهر ونيف بحق سكان سيدي إفني.

وفي حين تبدو قناة الجزيرة مستهدفة لنشرها أخباراً عن هذه الأحداث، لم يكن الأستاذ سبع الليل وحده من قدمها، وإنما نشرتها صحف مغربية وتداولتها وكالات أنباء غربية. لكن المقصود هو استهداف حرية التعبير التي باتت السلطات تضيق ذرعاً بها. فقد سبق ومثل صحفيون آخرون أمام نفس القاضي محمد العلوي في المحكمة الابتدائية في الرباط، وصدرت بحقهم أحكام متفاوتة ما يزال بعض منها قيد النظر في محكمة الاستئناف. الصحفي علي المرابط، مدير مجلتي “دومان” و”دومان ماغازين” الذي حضر المحكمة كان قد حكم عليه قبل سنوات بالسجن أربع سنوات والمنع من ممارسة مهنة الصحافة عشر سنوات. مما اضطره بعد العفو الملكي لمغادرة المغرب والعمل في الصحافة الإسبانية. كذلك الأمر مع مدير أسبوعية “لوجورنال إيبدو” أبو بكر الجامعي الذي أدين في 2007 بغرامة بلغت ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف درهم (480 ألف دولار). فاجبر على لاستقالة واللجوء للولايات المتحدة. كذلك حكم على مدير جريدة “الأسبوع” وعميد الصحفيين المغاربة مصطفى العلوي بدفع غرامة حوالي 27 ألف دولار. لكن الرقم القياسي سجل بحق مدير يومية “المساء” رشيد نيني بتهمة القذف في حق وكلاء الملك، وكانت الغرامة عبارة عن حوالي 820 ألف دولار.

تقدمت منظمات عربية ودولية لحقوق الإنسان، كانت قد أوفدت بعثات مراقبة قضائية لحضور جلسات المحكمة، برسالة مفتوحة لرئيس المحكمة الابتدائية قبل جلسة النطق بالحكم. طالبته بوقف الملاحقة القانونية بحق المتهمين وتأجيل إصدار الحكم بانتظار استكمال عناصر الملف والانتهاء من التحقيق في ملابسات ما جرى في السابع من حزيران في سيدي إفني. وهذا ما كان محامو الدفاع قد طالبوا به خلال مرافعات عالية الكفاءة والمهنية استمرت لعشر ساعات في الرابع من يوليو/تموز. ليس فقط دفاعاً عن المتهمين وإحقاقاً للحق وإنما أيضاً لإنقاذ استقلال القضاء وسمعته.

لكن نزل الحكم بعد رفض المحكمة إحضار الشهود من الضحايا المتضررين ومن الشخصيات الحقوقية والإعلامية التي نشرت تقارير حول أحداث سيدي إيفني أو شاركت في لجان لتقصي الحقائق، منها جمعية أطاك المغرب والجمعية والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان والعصبة الامازيغية لحقوق الإنسان. وكما رفض القاضي العلوي استدعاء اللجنة البرلمانية ولجنة حزب العدالة والتنمية (رغم أنها تشكلت بقرار سياسي)، رفض استدعاء مسؤولين كان لهم دور في الأحداث أو أدلوا بتصريحات لوسائل الإعلام، مثال وزير الداخلية شكيب بنموسى ومحافظ إقليم تيزنيت والمفتش العام للقوات المساعدة الجنرال حميدو العنيكري ومسؤولين آخرين. فقضاء التعليمات كان قد جهز الحكم مسبقاً، فيما منح بعض الوقت لسير العملية، على شرط أن يأتي الحكم في مصلحة الحاكم وليس المجنى عليه. لذا وجد محامو الدفاع أنه لا بد من إنسحابهم من قاعة المحكمة احتجاجاً على رفض القاضي الأخذ بعين الاعتبار بطلباتهم وحججهم.

تذكّر الرسالة بغياب المتهم إبراهيم سبع الليل عن الجلسة الأولى في 1/7/2008، لاعتقاله في سجن سالا المركزي مباشرة بعد الندوة الصحفية التي عقدها المركز المغربي لحقوق الإنسان الذي يعمل فيه، وإحضاره رغماً عنه مكبل اليدين للجلسة الثانية. وقد أكد سبع الليل أن ما صرح به إعلاميا يتعلق بالقضية التي يؤمن بها كحقوقي وكباعمراني في الوقت الذي تتعرض فيه مدينته والحي الذي يقطن فيه لهجوم واسع من طرف القوات العسكرية بشتى أنواعها وأكد على استعداده لدفع ثمن ما يؤمن به. اعتبرت جل مداخلات هيئة الدفاع أن محاكمة سبع الليل لا أساس قانوني لها، وأنه يتابع من أجل تهمة مفبركة. وحذر المحامون من أن تكون مجرد تصفية حسابات للدولة ضد أيت باعمران، ودسيسة سياسية لأن الأحداث التي اعتقل من أجلها وقعت في الاقليم الترابي لمحكمة تيزنيت أو محكمة أكادير الاستئنافية.

هذه الجلسة، التي حددت بعد 70 ساعة رغم رفض المحامين لقصر المدة الممنوحة لدراسة الملف، شهدت رفض القاضي استدعاء أو الاستماع لأي شاهد لاستجلاء حقيقة أحداث السبت الأسود وتوضيح ملابسات أساسية تتعلق خصوصا بالوفيات والاعتداء بالاغتصاب والتأكد فعلا من زيف الخبر أو عدمه. لاسيما وأنه نجم عنه محاكمة واعتقال. فيما لم يتسنى للدفاع الاطلاع على القرص المدمج الذي كان بحوزة القاضي والذي أعلن عنه في نهاية الجلسة المذكورة. اضافة لاعتبار الدفاع أن المحكمة قامت بالتحايل على القانون عندما فصلت بشكل اعتباطي في قضية ابراهيم سبع الليل وحاكمته في قضيتين منفصلتين رغم أن الفعل واحد ولا يسمح بمتابعة المدعى عليه مرتين. كانت الإشارة أيضاً للطابع الاستثنائي لهذه المحكمة التي هي في واقع الأمر غير مختصة بمتابعة قضية مدير المكتب الاقليمي للجزيرة، لانعدام مسئوليته في نشر الخبر والتي عجزت النيابة العامة عن تبيانها. ورغم اعتبار المحامين والحقوقيين المحاكمة سياسية بامتياز، قاموا بكل المحاولات للتأثير في مجريات الأحكام انطلاقاً من حرصهم على عدالة القضاء ونزاهته واستقلاله عن السلطة التنفيذية وللنأي به عن الممارسات الأمنية- حيث تعمل كلاهما على اختراقه وتجييره لأغراضهما- ومن أجل أن يبقى صمام أمان في العلاقة بين الدولة والمجتمع..

فمنذ خرج قانون مناهضة الإرهاب المقيد للحريات والحقوق الأساسية، عرف المغرب بنوع خاص تراجعاً بعد أن كان لسنوات خلت قد شهد انجازات هامة على صعيدي القضاء والصحافة وأنشطة الجمعيات الحقوقية. والآن يأتي قانون البث الفضائي ليكمل مصادرة هامش الحرية الذي بقي متاحاً عبر الفضائيات وليضع اجهزة الاعلام تحت رقابة جهاز امن جديد.

لم تتوارى الأسباب التي أدت لهذه الأحكام عن الأنظار، وإن شهدنا خفوتاً في الحديث عما آل اليه الوضع في المدينة المنكوبة، لتسلط الأضواء على المحاكمات والأحكام التي طالت الحقوقي والصحفي. وفجأة وبعد أن عانت المدينة من حملة تعتيم على ما يجري فيها، كان لمواصلة الحراك والصمود أن حوٌل الأنظار لسيدي افني التي بدأت تستقبل وفود المتضامنين والمستفسرين ولجان تقصي حقائق شعبية وبرلمانية وجمعيات حقوقية وأحزاب سياسية. علماً أن العديد من الأسر نزحت من سيدي إيفني خوفا من الملاحقات الأمنية. وغادر العديد من الشباب بيوتهم ولجأ البعض منهم إلى المناطق الجبلية المحيطة بالمدينة خوفاً من الاعتقال. فالاحتجاجات السلمية للسكان ما زالت قائمة ومثلها الملاحقات البوليسية حيث ألقي القبض حتى الساعة على 12 ناشطاً من المنطقة.

فالسلطات ضاقت زرعاً ب”المشاغبين” الذين لم يوقفوا اعتصاماتهم طالما أن الوعود التي اغدقت عليهم لم تسفر عن شئ. فتوجب على المدينة أن تدفع ثمن تحديها للسلطات الحاكمة قمعاً أمنياً بدأ في جنح الظلام هجوماً على المنازل واعمالاً بالأهالي نهباً وسلباً وضرباً وانتهاكاً للحرمات والكرامات. لقد استعملت الهراوات والرصاص والقنابل المسيلة للدموع والصفع والركل والاغتصاب واللجوء للكلام النابي والعنصري الحاقد. ووصل التعنيف لمن لم يكن لهم علاقة بالاحتجاجات أصلاً، بحيث وضعوا رغما عن أنوفهم في المعمعان. لقد وصف بعض من عاش هذه الأحداث أنهم كانوا يشاهدون هذه المناظر في التقارير التلفزية المنقولة من الأراضي الفلسطينية المحتلة على يد جيش ومستعمري الكيان الصهيوني، لكن لم يكن يخطر ببالهم أنهم قد يعيشوها بأنفسهم على يد أبناء جلدتهم.

كل هذا لأن أبناء سيدي افني قرروا أن يتصدوا على مر اسبوع، بعصيانهم وتظاهراتهم واعتصاماتهم والحصار الذي ضربوه على ميناء مدينتهم، لسرقة خيراتها ونهب ثرواتها السمكية. وبعد أن فاض الكأس يوم كان للقرعة ان تستقر في مكان آخر، وليس على الألف شاب الذين تقدموا لشغل 8 مناصب في قطاع التنظيفات. فكان الشعور بالاحباط عارماً، جرّ اعتصاماً وتمرداً، وكبرَ ليصبح شعبياً ومنظماً ومؤطراً ومتمحوراً حول مطالب محددة وواضحة.

ورغم قدسية الجسد ومفهوم العار، خرجت نساء لتتحدث عالياً أمام الرأي العام، وعبر الانترنت خصوصاً، عما لحق بهن من ذل ومهانة وتدنيس الحرمات ومس الكرامات. لقد كتبت تقارير حقوقية مختلفة عن عمليات اغتصاب تعرضن لها، كما ذكر شهود عيان حالات وفيات أبصروها في أكثر من مكان. وكانت جمعية أطاك المغرب قد ذكرت في تقريرها بعد التحقيق الذي أجرته في أحداث سيدي افني وجود 3 حالات اغتصاب على الأقل قدمت تفاصيل حولها وأسماء بعضهن.

لكن حيث يوجد لكل قاعدة شواذ، طلعت علينا جمعية محلية، بموآزرة من أخرى دولية، لتنفي على لسان رئيستها وجود قتلى ونساء مغتصبات. والطامة الكبرى هي أن تكون حقوقية وامرأة هي تلك التي تنفي حوادث الاغتصاب، في حين أن هذه الجريمة لا تفترض بالضرورة الايلاج لتعتبر قائمة. وهذا ما أقره حتى مجلس الأمن، المؤسسة الأقل مراعاة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. ثم ماذا يمكن اعتبار الشهادات التي تحدثت عن حالات اغتصاب وتعنيف جنسي، في مجتمع ليس من السهولة بمكان أن تجهر المرأة فيه بمثل هذه الأمور عندما تقع ضحيتها. ولو قبل القاضي استدعاء الشهود الذين طلبهم الدفاع لاستطاع أن يؤكد ربما صحة النفي الرسمي لحدوث جرائم قتل واغتصاب، بحيث تبنى حينها على ثوابت وليس ظنون.

فبعد حربيل/مراكش وبني صميم وخنيفرة وطنجة وصفرو وبومالن، كان دور تلك المدينة الصغيرة المهمشة في الجنوب المغربي لتوضع تحت الأضواء بفعل انتفاضة ابنائها ضد الحرمان والبطالة والنهب والقمع والتهميش الاقتصادي والإداري. ومن أجل تشغيل شبابها العاطل عن العمل والحصول على خدمات مجانية وتحسينها ورفع جودتها، حيث يعيشون من دون مياه أو صرف صحي ولا يحظوا بخدمات تعليمية وصحية جديرة بالكلمة.

محرومون من كل شئ وفوق ذلك تنتهك كراماتهم وشرفهم بمواجهة اولئك الذين عاثوا في الأرض فساداً ونهبوا العقارات والرمال وحتى جوف البحر وما فيه وعليه. فهل يلاموا لأنهم فقدوا الثقة بالسياسيين والحزبيين فاتكلوا على أنفسهم وعلى بعض الجمعيات غير الحكومية يضعون فيها آمالهم؟ الأمانة كبيرة وللجمعيات الحقوقية أن لا تخذل تطلعاتهم بأن تصبح أداة استعمال وتوظيف من السلطات والقيادات الحزبية للتغطية بتقاريرها وتصريحاتها على مزاعم هؤلاء. وكي لا يأتي بعضهم ليلوم أنه “ما كان ينبغي الاحتجاج” و”كان ينبغي التريث والتعقل” حفاظا على “المنشآت العمومية” وعلى سيولة “الاستثمارات الأجنبية”..الخ

فهل لأن في المغرب مجتمعاً مدنياً ناشطاً وفاعلاً وصحافة مستقلة وديناميكية يعمل أصحاب الخيار الأمني على دحرها؟ هل فعلاً من تربى من أجهزة الأمن على أسلوب القمع لا يمكن أن يضحي بالعلاوة والمنصب من أجل حفظ كرامة الإنسان المغربي؟ من دون قضاء نزيه ومستقل عن الجهاز التنفيذي ماذا يمكن أن تفعل القوانين حتى ولو كانت متقدمة؟ هل من ضمانات في وضع كهذا لتطبيق القانون او لمحاكمة مسؤول عن ارتكاب جرائم ؟ هل المغرب الذي يعيش كغيره ارتفاعاً هاماً في الأسعار ونهب للمال العام ورشوة متفشية في جميع مرافقه، سيبقى بمنأى عن رفع وتيرة الاحتقان وعن انفراط السلم الاجتماعي؟ ماذا تنتظر الانظمة التي أنزلت بشعوبها المهانة والفقر والتهميش سوى الاحتجاج والتمرد والانتفاض على الوضع الذي يرزحون تحت وطأته؟

أظهر وعي الحركة الاحتجاجية وقدرتها الهامة على السرية والتنظيم والمباغتة، بعد سنوات من الاعتصامات والتظاهرات والاضرابات عن الطعام، أنه يمكن الاعتماد على القوى الشعبية وليس فقط النخبوية. على الحس الشعبي وأشكاله التنظيمية وحراكه المتجدد بمعزل عن القرارات الفوقية. أما حركة العاطلين عن العمل فقد أظهرت قدراتها على التنظيم وعلى تحقيق بعض المطالب بصمودها ومصداقيتها وتضامنها وكفاحيتها وثقة الناس بها. بعملها على الأرض وبين ابناء الوطن بقوة الارادة وصلابة الايمان بحقوقها، وليس من خلال التداعي للاجتماعات والمؤتمرات واطلاق الشعارات والتحركات الموسمية واستجداء المطالب. ذلك ضنا بثروات البلد ليس فقط الطبيعية، وإنما البشرية التي لا ترغب ولا يجوز ان تكون وجهتها الهجرة على قوارب الموت أو بيع قوة العمل باسعار بخسة لا تثمن ولا تغني عن جوع.

هذا المشهد هو صورة لما هو قادم في هذه البلدان وفي غيرها ممن لا نسمع عنها الكثير بفعل التعتيم المطبق عليها وعلى وسائل تواصلها مع العالم. وهي عديدة ولن نغامر في تعدادها كي لا يفوتنا بعضها. كما أنه تكرار لنماذج حدثت في بلدان عربية من مثل المحلة الكبرى في مصر أو منطقة الحوض المنجمي في تونس. ومع خفوت أحداث المحلة، ما زال حتى اليوم يتناهى لسمع العالم ما يعانيه أهالي الحوض المنجمي المحاصرين من قوّات الأمن والجيش وخاصّة منذ 6 حزيران/ يونيو، تاريخ إطلاق الرصاص الحيّ على المواطنين والبدء بسلسلة اعتقالات شملت شبيبة المنطقة وقيادات الحركة الاحتجاجية. لقد اساموهم التعذيب والتنكيل والتوقيف العشوائي ومداهمة منازلهم ومحاكمات جائرة. هنا أيضاً كانت الحلول الأمنيّة خيار السلطة الأوحد في مواجهة التحركات الاحتجاجية والتضامنية، في الوقت الذي تتفشى البطالة والاستغلال والمحسوبية والبيروقراطية في النسيج الاجتماعي والمؤسساتي والاداري في المنطقة كما في سائر البلد.

محاسبة المسئولين عن جرائمهم هي المعركة التي لا بد للمجتمع المدني من خوضها لوقف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. مثال على ذلك قدمته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عندما رفعت دعوى في يونيو 2007 ضد حميدو لعنيكري المتهم بتورطه في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سنوات الجمر والرصاص، ولو أن النيابة العامة ارتأت حفظها بدلاً من التعامل مع الدعوى باستقلالية وحياد. كذلك الدعاوى التي رفعها المعطلون وضحايا السبت الأسود بسيدي إفني، والدعوى التي يعدها ائتلاف الدفاع على الحريات ضد هذا الجنرال الذي أفلت أكثر من مرة هو والجنرال بنسليمان من المحاسبة. خاصة وأن اسمه ارتبط بممارسة التعذيب مع المخابرات الأمريكية ضد المتهمين بالإرهاب، كما يذكّر بذلك إدريس ولد القابلة، وحيث طالبت لجنة من الكونغرس الأمريكي بمتابعات. فقد تأكد أن الرباط استقبلت طائرة المخابرات المركزية الأمريكية أكثر من مرة بين 2002 وبداية 2005،.

لذلك يعتقد الكثيرون أنه إذا ما استمر القضاء المغربي بوصد الأبواب أمام استدعاء بعض الأشخاص النافذين ومساءلة المسئولين الأمنيين عما حدث في سيدي افني وغيرها، لن تتوصل لجنة تقصي الحقائق البرلمانية لتقديم شئ جدي. بل سيدفع ذلك لمقاطعة الانتخابات وتشكيل عامل اختلال في استقرار هذا البلد الذي حقق مقارنة بغيره بعض المكتسبات في مجال حقوق الإنسان. ويفكر حقوقيون وديمقراطيون مغاربة يعيشون في فرنسا بتشكيل لجان للمطالبة بمحاكمة المسؤولين عن تلك الانتهاكات الحاصلة بسيدي إفني على اعتبار أن الدولة المغربية التزمت أمام المجتمع الدولي باحترام حقوق الإنسان وعدم السماح بتكرار ما وقع خلال سنوات الرصاص.

علاوة على آفات الاستبداد هذه، يعيش الشعب المغربي كغيره على وتيرة زيادة أسعار البنزين والغازوال، التي تنعكس على أسعار المواد الغذائية التي شهدت في الآونة الأخيرة ارتفاعاً كبيراً. الأمر الذي ينذر بتضاعف الاحتقان الاجتماعي، الذي سيخلف بدوره موجة من الغضب والاحتجاج الشعبي. كما سيجر لاستفحال تأزم الأوضاع، التي لن ينفع فيها الاعتماد على المقاربة الأمنية التقليدية واستعداء واختراق العمل النقابي والتنصل من الالتزامات أو التخلي عن دعم المواد الأساسية إن كانت مدعومة أصلاً.

صيحات الانذار، التي اطلقها العالم خلال السنوات الأخيرة، نجمت عن أزمات اجتماعية واقتصادية وبيئية. عن زيادة اسعار النفط وارتفاع الطلب على المحروقات وضرورة توفير الوقود الحيوي. وبالتالي ترجمت ارتفاعاً هائلاً في اسعار الحبوب وأزمة في المواد الأولية المطروحة في الأسواق. ترافق هذا بتناقص في الثروات البحرية مع ارتفاع الحرارة والتلوث، وتغييرات في أحجام هذه الثروات من منطقة لأخرى بسبب التقلبات المناخية. مما أثر على حياة مئات الملايين من البشر الذين يعتاشون مما تختزنه أجواف البحار والمحيطات. الأمر الذي سيفضي لا محالة لانتفاضات جوع يقدر لها أن تزداد خاصة في البلدان الفقيرة مع جفاف الأراضي وفيضانات المياه ووجوب انتقال مجموعات بشرية كبيرة من أماكن تواجدها.

ارتفاع الحرارة الشديد في أوروبا صيف 2003 أو اعصار كاترينا الذي اجتاح الولايات المتحدة في 2005 ودمر ما دمر لفتا وغيرهما أنظار البلدان المصنعة إلى أنها ليست في مأمن من غضب الطبيعة ومن كلفتها على خزينتها، رغم ارتفاع امكانيات المواجهة لديها. إلا أنه من المؤكد أن التغييرات المناخية ستؤثر بشكل أكبر على البلدان النامية، كونها لا تمتلك أيضاً الوسائل الكافية والكفيلة بمواجهة تأثيراتها. هذا الاختلال في التوازن سيزداد قوة وسيجر ارتفاعاً في التوتر وفي تهجير أعداد جديدة من البلدان الفقيرة باتجاه البلدان الصناعية والمتقدمة. بحيث أن ما يسمى بالتهجير المناخي يستدعي تضامناً وتفاعلاً أكبر من هذه البلدان لمعالجة هذا النوع من الآفات. ويلفت المختص في علم المناخ محمد سعيد قروق إلى أن بلدان البحر الأبيض المتوسط تعاني بشكل لافت من ازدياد هام في ارتفاع الحرارة وانخفاض في منسوب الأمطار بفعل تحول للعواصف من جنوبه باتجاه شماله وتجفاف أكبر لأراضيه وارتفاع حرارة اضافي في فصول الربيع والصيف.

فهل ازاء هذا الوضع المستعصي وذو الإشكاليات المتعددة الجوانب يبقى من خيار سوى خيار المقاومة المدنية وخوض أشكال النضال الممكنة مهما كلف ذلك من تضحيات؟ هذا الوضع المأزوم يفترض من كل فرد ان يصبح مسئولاً عن وجوده وعن أحوال مجتمعه وليس الاعتماد على الغير. فالسياسات الدولية التي جرّت الكوارث، والمحلية التي أثبتت فشلها وتخلفها، تتضافر معها استراتيجية الحيتان الكبيرة من الجمعيات غير الحكومية التي منها من يعمل لتبييض صورته والتقرّب من مراكز النفوذ المالية والسلطوية أكثر منه على دعم المظلومين والمحتاجين.

واليوم نجد القادة العرب يتراكضون للانخراط في مشروع الاتحاد المتوسطي، لتكريس الهيمنة الغربية واستغلال ثروات البلدان العربية وتسهيل الدعم المتواصل لأمريكا وأوروبا للكيان الصهيوني. بدلاً من العمل على بناء اتحاد المغرب العربي وتدعيم جامعة الدول العربية، لتحقيق التكامل الاقتصادي وضمان النمو والأمن والاستقرار والسلم في الدول العربية ومواجهة المخططات الامبريالية والصهيونية. وبعد ذلك التقدم للمشاركة بهذه الصيغ مجتمعين على خطوط مشتركة وليس متفرقين ومبعثرين كما هم الآن.