سمينار فيوليت داغر – مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات

سمينار فيوليت داغر –

مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 6/12/2014

 

د. عبد الجليل التميمي:

لأول مرة يدعو هذا المنبر سيدة من لبنان، وما أدراك ما هذه السيدة ! هي د. فيوليت داغر، عرفت تونس وعشقتها وواكبت التأرجحات السياسية فيها. عرفت الخبايا والشخصيات، كما عايشت كل المخاضات النضالية لعدد كبير من التونسيين والتونسيات. والحقيقة أننا تعرفنا عليها عندما دعونا السيد زهير مخلوف، الشخصية النوعية جدا في هذا البلد، حيث رافقته إلى السمينار الذي نظمناه له في المؤسسة. حينها طلبت من الدكتورة فيوليت أن تشرفنا في مرة قادمة، ترددت ثم وافقت بشكل مبدئي. وبقيت دائما في ذهني ضرورة دعوتها. لكن الذي دعاني أكثر للإلحاح على دعوتها اليوم هم هؤلاء الأعلام والمناضلون الذين، ومن سوء الحظ، خيب الرأي العام التونسي فيهم، ومنهم نجيب الشابي. لأن د. فيوليت عرفت نجيب الشابي عن قرب بمناسبة مؤتمر المعلومات سنة 2005 وواكبت إضراب الجوع الذي انخرط به، وكانت شاهدة عيان، والوحيدة التي أبلغت الحدث على المستوى العالمي.

نحن الآن نريد شهادة عيان من شخصية غير تونسية. وأنت لعبت دورا كبيرا في التعريف بتداعيات هذا المؤتمر، وأقصد مؤتمر المعلومات في تونس. نريدك أن تنقلي لنا، للتاريخ وللأجيال القادمة، شهادتك حول ذلك. وأعتقد أن وجودك هنا اليوم هو لوم للرأي العام التونسي الذي غيب نجيب الشابي، وغيب أيضا محمد النوري، كما غيب مجموعة ال 18 شخصا الذين ساهموا في خلخلة نظام بن علي. ومن هذا المنطلق، أشكرك جدا على قبولك دعوتنا. والإخوان الحاضرون هنا هم من خيرة الطبقة السياسية التونسية إحساسا وعلما وشعورا، ويريدون أن يؤثثوا للذاكرة الوطنية أبعادا حقيقية لهذا البلد.

نحن نريد أن نعرف لماذا أحببت تونس، ولماذا عشقت هذا البلد؟ لماذا بقيت هنا وأنت تمثلين منظمة دولية. إن كل كلمة سيكون لها أبعادها على مستوى الذاكرة الوطنية. هذه الذاكرة التي سعينا منذ 15 سنة على جمعها، ولدينا الآن قاعدة بيانات وحيدة من نوعها في العالم العربي. لم يقع الاهتمام بالذاكرة الوطنية مثلما اهتممنا بها، حيث دعونا كل الناس، بقطع النظر عن تياراتهم وعن أهوائهم. لدينا 1550 ساعة تسجيل للذاكرة الوطنية لأكثر من 540 شخصية من كل التيارات من البعثيين إلى القوميين، إلى الشيوعيين، والسياسيين، ورجال الأعمال، الذين لهم رأيهم في بناء هذه الدولة.

أنت الآن ستساهمين معنا بوضع هذا الحدث في موقعه الصحيح، وتنبيه التونسيين على أنهم في بعض الأحيان تركوا هذه الملحمة الحقيقية في وضع دقيق جدا، في أوج ديكتاتورية بن علي، إن صح التعبير. فنحن شاكرين لك د. فيوليت، لقبولك دعوتنا. والحضور اليوم منهم من هم من تونس، ومن هم من ليبيا أيضا، وهما شخصيتان كبيرتان، ويعرفان المخاض الليبي، ونحن ننسق معهم، على أساس أننا سننظم مؤتمرا حول المصالحة الليبية-الليبية. لأن الإخوان الليبيين دعوا في الماضي الغنوشي، ولكنه فشل في مهمته، لأن الغنوشي محمول على تيار معين، وهم يريدون شخصية مستقلة، فكريا وسياسيا ومعرفيا. فنحن وافقنا وقلنا لهم أننا مستعدون. وبالعكس نجاحنا في المؤتمر الأخير كان رائعا، وخرجنا ببيان كان مفيدا جدا. والإخوة الليبيون أدركوا أن الاستقلالية لها ثمن. ونحن نسير في هذا المعترك، ونرجو أن تكوني معنا في هذه الندوة التي يمكن أن تتم في فبراير. لا أنسى أن أقول أن الدكتورة فيوليت لها ما شاء الله من المنشورات والكتب ومن الاتصالات على مستوى دولي. والحقيقة، هي وجه منير ومشرف للنساء العربيات ولتونس أيضا.

 

د. فيوليت داغر:

بداية، شكرا لك أستاذي العزيز على دعوتك الكريمة هذه. أعطيتني الكثير من الأهمية والاهتمام بدعوتي اليوم لمؤسستك كي أقدم شهادة. أيضا أشكركم كلكم، أنتم الذين أتيتم هذا الصباح لتكونوا معنا. فتحية من هذا المنبر البحثي لكل التونسيين والليبيين وكل أبناء الوطن العربي. أنا من الأشخاص المعروفين بتواضعهم وممن لا يتكلمون كثيرا عن أشياء حصلت. لكن لما قال لي أستاذنا الكريم أنه يجب أن أتكلم على الأقل عن الدور الذي قمنا به كلجنة عربية في مساندة المناضلين التونسيين خلال حقبة بن علي، قبلت الدعوة والإدلاء بشهادتي. وكان الرئيس التونسي الحالي قد اعترف بهذا الدور عندما دعاني ببداية رئاسته، مع عدة شخصيات عربية ودولية وتونسية لتكريمها، كونها ساندت التونسيين خلال سنوات الجمر. على كل حال وبمعزل عن ذلك، أعتقد أننا قمنا بشيء ما ضمن تضامننا كعرب مع قضايانا العربية.

كي تدخلوا معي بعض الشيء في الموضوع، من المفيد أن نعلم بداية لماذا تأسست اللجنة العربية لحقوق الإنسان. من ناحيتي، بدأت نشاطاتي النضالية حين كان بلدي يحترق. كنت أنشط بجمعيات اجتماعية وثقافية في باريس، شعورا مني أني خرجت من لبنان ببدايات الحرب، دون أن يكون لي الحق أن أتركه، وكأنه علي أن أبقى في لبنان لكي أقوم بدور ما في محنته. لكني خرجت لأسباب كثيرة، ولم أستطع أن أعود. ومنها أني تعرفت على مناضل سوري فضل أن أبقى في فرنسا ولا أعود إلى لبنان. وكان أن بقيت وتزوجنا.. كنت ولبنانيين من النجدة الشعبية ننظم حفلات لنجمع أموالا ونشتري بها سيارات إسعاف نرسلها للبنان. كما كنا نجمع أدوية والكثير من المعدات الطبية للحاجة الماسة لها هناك.

عندما انتهت الحرب، تحولت للعمل الحقوقي، حيث كان هناك الكثير من العرب الذين يأتون إلى فرنسا، وحيث لديهم مشاكل إقامة وغيره يلجؤون لنا. في البداية، لم أكن أنشط ضمن إطار معين، إلى أن وجهت لي يوما دعوة من رئيس الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان لأنضم لهم وأتابع نشاطي معهم. ترددت قليلا، حيث كان لدي تساؤلات وعلامات استفهام حولهم ولمواقفهم من فلسطين خصوصا، ثم قبلت وقلت لما لا أجرب؟ فهذه مؤسسة دولية ربما قد تساعدني على مساعدة الآخرين. التحقت بالمكتب التنفيذي الذي يضم حقوقيين متطوعين، يسمونهم سياسيين، بمعنى أننا لسنا موظفين. بعد ذلك، أقنعت زوجي حينها، الملقب بهيثم مناع، أن ينضم لنا، بعدما كانوا قد وجهوا له هو أيضا طلبا للانضمام للفدرالية، بحيث انتخب فيما بعد نائبا للرئيس. وبتنا ننشط معا في العمل الحقوقي من داخل الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان.

هذه المشاكل التي كنت متخوفة منها، كان لا بد لها أن تظهر شيئا فشيئا. فالتعاون بين عرب لديهم مواقف وطنية وقراءات لمشاكل بلدانهم بشكل يختلف أحيانا عن الأجنبي الذي يعمل على هذه البلدان، ومنهم الذي لديه أجندات، كان أمرا صعبا. حصلت صراعات كثيرة فيما بيننا، ومنها عندما ذهبت للبنان مع زملاء في بعثة تحقيق حول أوضاع حقوق الإنسان. وما أن عدنا، حصل أن أجرت إسرائيل إنزالا في جنوب لبنان، واختطفت مصطفى الديراني بطائرة وسجنته في اسرائيل. وحيث كنت مسؤولة عن لبنان، أصدرت بيانا للتنديد بالاختطاف، ولم أستأذن الرئيس بذلك. بل اتصلت بالأمين العام الذي رافقني ضمن البعثة، واطلعته على محتوى البيان الذي وافق عليه. فأرسلته فورا للصحافة، لكن “قامت الدنيا ولم تقعد” من طرف الرئيس الذي طلب مني أن أسحب البيان، وكان من غير الممكن أن أسحبه. فانتهى الأمر بي أن أفكر بعد هذه الحادثة بتكوين جمعية أسميتها “حقوق إنسان -لبنان”، بحيث لو بقيت في الفدرالية أستطيع على الأقل أن أقوم بتحركاتي دون أن أضع اسم الفدرالية عليها. فلا هم يسائلوني، ولا أنا أكون رهينة لهم. ثم لماذا أضع كامل جهودي ضمن نطاقهم؟ كنا هيثم وأنا ننشط أيضا لإدخال جمعيات عربية كأعضاء في الفدرالية ليكون لها غطاء في الخارج يستطيع أن يتحرك من أجلها عندما تحاصر من سلطات بلدها. لكن مع الوقت كانت المشاكل تزداد. فوجدنا أنه آجلا أم عاجلا لا بد من ترك هذا الإطار وتأسيس شيء آخر.

في نفس تلك السنة، التقى هيثم بالمنصف المرزوقي بأمريكا، بمناسبة تكريمهما من الأكاديمية القومية للعلوم في واشنطن. خلال لقائهما تحدثا عن ضرورة تشكيل جمعية عربية تهتم بحقوق الإنسان في العالم العربي. وعندما عاد هيثم، بدأنا نفكر في كيفية تغيير جمعية حقوق الإنسان- لبنان، إلى اللجنة العربية لحقوق الإنسان، وذلك بتبديل النظام الداخلي. لقد وجدنا أنه لم يعد بد من تشكيل هيئة نستطيع أن نتحرك من ضمنها دون أن يكون هناك من يحاسب أو يناقش الأولويات. إلى أن أتى مؤتمر داكار، حيث تم تخطيط مؤامرة ضد هيثم لعدم إعادة انتخابه كنائب رئيس. حينها كتبت رسالة، وجهتها للرئيس وطلبت منه أن يوزعها على أعضاء المكتب التنفيذي خلال الاجتماع الدوري، نددت فيها بما حصل خلال المؤتمر وقبله من تجاوزات، وقلت أنني قررت أن لا أبقى ولا أكون شهود الزور. لقد تركت الفدرالية كما تركها هيثم مناع الذي كتب هو أيضا رسالة وسجل موقفه مما حصل بمؤتمر داكار وغيره.

إثر ذلك، أسسنا اللجنة العربية لحقوق الإنسان، وكان هيثم قد عرض على المنصف المرزوقي أن يكون هو الرئيس. وتجمَع معنا عدة مثقفين عرب من بلدان عربية، منهم أيضا من تونس، لن أذكر أسماءهم لأنهم لم يقدموا حقيقة شيئا. فمن المؤسف أنه في العمل التطوعي، عندما لا تفرض شيئا على الآخرين، فالآخرون قد لا يفرضون على أنفسهم شيئا. فهم اكتفوا أن يكونوا موجودين ضمن الإطار دون ضرورة لتقديم أي عمل.

لقد بدأنا ننشط ضمن إطار العالم العربي، بمهمات تحقيق ومراقبة قضائية وأيضا بإقامة دورات تدريبية وندوات داخل وخارج فرنسا للتعريف بالقضايا العربية وانتهاكات حقوق الإنسان. أتذكر على سبيل المثال أنه عندما كنا نقوم بندوات في “مالاكوف” وهي المدينة التي نقطنها جنب باريس، أو في باريس للتعريف بأوضاع حقوق الإنسان بتونس، وندعو لها التونسيين الموجودين في باريس وضاحيتها، كانت السفارة التونسية ترسل أزلامها، فيقفون أمام الباب بحيث يرهم التونسيون الذين يقصدون الندوة، فيعودون أدراجهم كي لا يصطدموا بهم. وهذه الحادثة حصلت عدة مرات، بحيث كنا أحيانا نجد أنفسنا بمفردنا أمام عدة أشخاص من السفارة، وأحيانا مع بعض العرب الذين أتوا للتضامن أو معرفة ما يجري في تونس. استمر ذلك لحين، إلى أن بدأ بعض التونسيين يدخلون إلى الندوة ويتشاجرون مع ممثلي النظام التونسي أو السفارة، وصولا لطردهم في المرات الأخيرة. كذلك كان لنا رحلات إلى تونس للاطلاع على الوضع عن كثب ولحضور محاكمات والتضامن مع مضربين ومضربات عن الطعام وغيره. كنا نأتي لنؤكد أيضا أن النظام لا يستطع أن يمنع كل البشر من دخول تونس، رغم منع بعض المناصرين في المطار من الدخول إليها. وعندما لم نستطيع المجئ لهذا البلد لسبب ما، كنا نتضامن من الخارج. مثال على ذلك قضية المنصف بن سالم الذي مر بأوضاع صعبة وتم تشكيل فريق متابعة له في الخارج، كنت على رأسه، للتعريف به وبما يحصل له، انتهى بكسب الجولة. وعندما التقيته بعدما أتيت لتونس سعدنا بالتعرف على بعضنا.

إحدى هذه المناسبات التي أتيت فيها لهذا البلد، والتي أراد مني الأستاذ التميمي أن أتكلم عنها حصلت خلال قمة المعلومات في 2005. قبل القمة اتخذت مجموعة 18 أكتوبر قرارا بالقيام بإضراب جوع استمر أياما عديدة للفت النظر لانتهاكات حقوق الإنسان بتونس. عبر حضور هذه القمة، أتيت للتضامن مع هؤلاء المناضلين، حيث قادني إلى مقرهم الأستاذ رشيد خشانة. كنت سعيدة أن ألتقي بهم، رغم وجوههم الكالحة والإرهاق البادي عليهم بسبب الإضراب عن الطعام. لكن المنظر كان جميلا حيث كانت المجموعة تنتمي لعدة أحزاب وتوجهات إيديولوجية، وبفعل تضامنهم مع بعضهم ومحاولتهم وعلى حساب صحتهم إسماع صوتهم للعالم الخارجي ولمن سيؤمون تونس بمناسبة القمة. كان منهم الشابي والحاجي وأشخاص كثيرون. أتذكر أني طلبت منهم أن يوقفوا الإضراب عن الطعام، حيث كانت قد مرت أيام عديدة على هذا الإضراب وكي لا يفقدوا صحتهم، فوعدوني خيرا.

كانت قمة المعلومات مبرمجة ليومين، وكان البوليس يتعقبني ويجلس قرب المصعد في الفندق بمحاذاة غرفتي. وإن كان هذا هو دوره، فأنا كان علي أن أقوم بواجبي. انتهى اليوم الأول للقمة وذهبت لأطلع على ما يخرج من أخبار حول هذا الإضراب وأوضاع الناشطين الذين لم يحضروا القمة مطلقا ولم تطأ أرجلهم أرض الكرم حيث تجري الفعاليات، فلم أجد شيئا يذكر. لا بل أخبارا عادية عن أوضاع تونس، رغم أن رئيس سويسرا كان في الافتتاح قد أخذ الكلمة وبجانبه على المنصة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وأشار لما يجري بتونس. لكن الميكروفون انقطع حينها، كي لا يسمع الإعلام ما قاله هذا السويسري الجريء الذي استطاع أن يذكر أن الأوضاع ليست بهذا الشكل الذي يريدون عرضه عن هذا البلد. في اليوم التالي، وحيث كانت الجزيرة تبث مباشرة من مقر القمة، توجهت لإعلاميها المتواجد حينها، وسألته عن سبب عدم ذكر حقيقة ما يجري في تونس من قمع للحريات، وكيف أن كثيرين حول العالم أتوا لحضور هذه القمة، لكن ليس بينهم من المناضلين التونسيين؟ عندها سألني إن كنت أستطيع التكلم عن ذلك! وبعد 10 دقائق توجهت للمشاهدين على المباشر عبر نشرة الأخبار. طبعا نددت بوضع حقوق الإنسان وبغياب النشطاء التوانسة عن قمة المعلوماتية وتكلمت عن إضراب الجوع، غير آبهة بما قد يجره ذلك من عواقب. وفي اليوم التالي خرجت من مطار تونس دون أن يحصل لي أي شئ. ربما أرادت السلطات، وكل أنظار العالم موجهة إليها، أن تقدم صورة أخرى عن نفسها.

باختصار، لقد حاولنا، كعرب متواجدين في اللجنة العربية لحقوق الإنسان، أن نقوم بما نستطيع لتونس ولغير تونس، دون أن نكون مرتهنين لأي تمويل خارجي أو مرتبطين بأي علاقات تمنعنا من التحرك كما نريد وبالشكل الذي نريد. منذ البداية، أردنا أن نكون مدرسة جديدة في حقوق الإنسان تقوم بعملها دون شرط التمويل. قررنا أن لا نرهن أنفسنا بهذه المسألة، لكن إن أتى تبرع أو نجح مشروع بالحصول على تمويل دون شروط، فنحن لن نرفض. سعينا أن نفعل ما نستطيع فعله ضمن الإمكانيات المتاحة. وكنا نقوم بهذا العمل التطوعي من أجل حقوق الإنسان، إلى جانب عملنا المهني الذي نكسب منه عيشنا. سعينا أن نقدم نموذجا آخر مختلفا في الفعل النضالي، خاصة وأن المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي نشأت من قبل، كانت إلى حد ما مرهونة بقرارات سياسية بسبب أن أعضاءا منها وخاصة من يترأسها في ذلك الوقت كان وزيرا سابقا في النظام المصري، وعليه أن يستعمل الدبلوماسية كي لا يغيظ قدر المستطاع الأنظمة العربية.

هكذا عملنا في اللجنة العربية التي ترأسها المنصف المرزوقي لمدة سنة، ثم انتخبت رئيسة بعده على هامش مؤتمر نظم لموضوع آخر دعونا إليه. لقد مر وقت منذ ذلك الحين، ولم أكن أشأ أن أبقى على رأس اللجنة العربية طوال هذا الزمن. لكن في العمل التطوعي لا بد من وجود طرف يقدم تضحيات شخصية. لقد وجدت نفسي مضطرة أن أستقيل من العمل المهني، حيث كنت أدرس علم النفس في جامعة في الضاحية الباريسية، كي أتفرغ للعمل الحقوقي، بعد أن قدمت وهيثم لمدة سنة وبشكل أسبوعي برنامجا تلفزيونيا على مدى ساعة عن “حقوق الناس”. والعمل الحقوقي ليس عملا بمعنى الكلمة، وإنما نضالا يحتاج لوقت وجهد. لذا، يجب أن يكون هناك من يستطع أن يفرغ نفسه لذلك. خاصة في وضع لا يمكن أن يطلب من متطوعين أن يكونوا متواجدين كل الأوقات. إلى جانب أن المنصف المرزوقي أنشأ حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، ونحن في النظام الداخلي للجنة قررنا أن الانتساب للجنة العربية يتعارض مع الانتماء لأحزاب. كما وأن هيثم التحق منذ أربع سنوات تقريبا بالموضوع السوري ولم يعد يعطي وقته للجنة العربية. أما الآخرون، فلكل ظروفه التي لم تسعفه لتقديم ما يفترض بهكذا عمل.

منذ سنتين ونصف (نحن اليوم نهاية 2014) وأنا متواجدة في تونس. كامرأة عربية متمسكة بعروبتي، كنت أشعر أن مكاني يجب أن لا يكون في الغرب، بل في بلد عربي إن لم يكن في بلدي الأصل. قد لا تسمح الظروف لأغلبنا بذلك، وأنتم تعرفون أن المهاجر يهاجر أحيانا كثيرة مدفوعا لذلك، وقد لا يعود لوطنه، ليس لأنه لا يرغب بالعودة. فغالبا ما يكون الوطن هو الذي لا يستوعبه أو لا يسمح له بالعودة. وأنا أعرف الكثيرين من الذين يريدون العودة إلى أوطانهم ويحلمون بذلك. هناك من لا يستطيع، أقله لأسباب مادية، ربما أن له في بلد المهجر بيتا يسكنه، في حين أنه لن يجد ببلده عملا يؤمن له ولعياله العيش بكرامة. لقد عايشت التونسيين كما عايشت السوريين والعراقيين وغيرهم الكثيرين. كنا نتعاون فيما بيننا بفرنسا من أجل قضايا بلداننا. وكتابي الأخير عن هذا الموضوع وهو منشور على صفحتي حيث يمكنكم الإطلاع على محتواه.

وحيث أن التقنيات الحديثة تمكن الإنسان من التواصل بأي مكان من العالم، فكان بالإمكان الانتقال من فرنسا ومواصلة العمل نفسه من منطقة جغرافية أخرى. إلى أن أتى التغيير في تونس، حيث حفزني للمجئ إليها العضو السابق في اللجنة العربية، المنصف المرزوقي، بعدما تم انتخابه رئيسا مؤقتا للجمهورية التونسية. فدعاني للعمل معه كمستشارة لحقوق الإنسان في العالم العربي. أجبته حينها بأن الأمر يستحق التفكير والنقاش قبل البت به. لقد خشيت من تغير العلاقات والسلوكات بعد أن يصبح الإنسان في موقع سلطة ويغادر النضال الحقوقي الذي له ظروفه وقواعده خارج إطار السلطة. لم أكن حقيقة متحمسة جدا للعرض، وأنا المعروف عني حذري وحرصي على تاريخي واسمي. خاصة وأني شعرت سريعا أن من وضعهم حوله يحاولون إلى حد ما إبعادي عنه، ولا يرغبون أن يكون أشخاص من أمثالي قريبين منه. فصرفت النظر عن الموضوع، إلى أن أتيت لتونس ضمن عقد قصير المدة مع مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وذلك ضمن مشروع افتتاح مؤقت لمكتب إقليمي لحقوق الإنسان في تونس بانتظار نقله لمصر. خلال ذلك الوقت التقيت الرئيس وأعدنا التطرق للموضوع.

 

 

د. عبد الجليل التميمي:

بأي وقت كان هذا؟

 

د. فيوليت داغر:

هذا كان في بدايات عهدته، صيف 2012. المهم أني حينها وضعت شروطا على موافقتي، بعكس ما قد يفعل الكثيرون، وهي أني لا أريد أن تدفع لي أجري الحكومة التونسية أو الرئاسة. بل أفضل أن يكون المرتب من مؤسسة دولية، حددتها حينذاك وهي برنامج التنمية للأمم المتحدة. فتم تقديم الطلب من طرف ديوان الرئاسة لبرنامج الأمم المتحدة الذي رفض الطلب كونه لا يقدم دعما إلا لما يتعلق بتونس. فكان حينها ردي الاعتذار عن تلبية العرض، على أن أساعده إن احتاج لي من خلال جمعيتي. معرفتي بالوضع التونسي وعلاقاتي بمناضلين وحقوقيين، منهم من احتل مواقع عليا في السلطة بعد 14 جانفيه، كانت تخولني بأن أكون وسيط خير لما فيه مصلحة أهل هذا البلد. لكن للأسف، لم يكن هناك آذان صاغية حينما تقدمت بطلبات للمساعدة في حل بعض القضايا العالقة التي كلفني بها من وقع عليهم حيف من السلطات الجديدة. حينها قررت الابتعاد كي لا تحسب علي هذه العلاقة التي لم تأت بنتائج إيجابية لأي طرف. علاوة على المواقف التي ليس فحسب لا يمكنني بأي حال أن أوافق عليها، بل كان لزاما علي إدانتها وشجبها. لكني حاولت مراعاة الخبز والملح بيننا كما يقال ولم أتكلم كثيرا، في وقت كانت الحرب شعواء عليه من بعض الأطراف لمواقفه من قضايا حساسة. منذ سنتين تقريبا لم يعد لي من علاقة مباشرة مع الرئيس، وإن بقيت علاقة غير مباشرة كوني احتفظت بعلاقتي بزوجته التي كنت ألتقيها أحيانا كونها لا دخل لها هي بما يفعله هو. لقد اتخذت قراري بالقطيعة لموقف مبدئي لا أرغب بذكره الآن ولا يسعدني أن أتحدث بذلك، رغم ضرورة الشفافية والصراحة في شهادة من هذا النوع. على العموم، أنا أرى أن هناك الكثير من الأشياء التي انتظرتها وانتظرها غيري من شخص كنا نناضل معا في حقوق الإنسان، ولم تتحقق عندما أصبح في السلطة وبات كأنه مكتف اليدين.

ممن ولماذا مكتف اليدين؟ لا أدري، أو بالأحرى لدي قراءتي واجتهاداتي، لكنها تبقى بغالبها دون أدلة. على كل حال أنا سعيدة بأني أتيت، ثم بقيت بقرار ذاتي في تونس، لأتابع الانتقال الديمقراطي وهذه التجربة الفريدة. أعتقد حقيقة أنها قد تكون فرصة نادرة أن يعيش الإنسان هذه التجربة عن كثب ومن داخل بلد تم فيه تحول ديمقراطي بشكل سلمي، على الرغم من كل الإشكالات التي عشناها السنوات الفائتة. أنتم تعرفون ما وقع في وطني لبنان وفي سوريا وفي العراق وفي ليبيا وفي اليمن وكل هذه البلدان التي كنت قد زرتها سابقا وكتبت تقاريرا حول أوضاعها. إلى جانب بلدان أخرى في العالم العربي حرصت أن أطلع على أوضاعها وأعرَف بذلك في كتابات أو مداخلات تلفزية، من البحرين إلى السودان والمغرب والجزائر وموريتانيا الخ. لكن أن أعيش في تونس في ظل انتقال ديمقراطي سلمي مازال مستمرا حتى اليوم ويحصل بطريقة حضارية، فهذا شيء رائع. أعتقد أني محظوظة أن أكون بينكم وأن أتابع عن كثب ما يحصل وأساهم بدوري من أجل تقدم أوضاع حقوق الإنسان في بلدكم.

في تونس، أفعل ما يمكن فعله دون مساعدتي من أحد. فنحن ليس لدينا موظفين، كوننا متطوعين وجمعيتنا غير مدعومة ماليا. من كنت أعرفهم، واعتبرهم رفاق النضال لم أجدهم اليوم، ولم يتذكروني ولو بسؤال عني بالهاتف أو بدعوة لما ينظموه من ندوات أو غيره من نشاطات. لكني تعرفت على أشخاص جدد، وهم بمثابة عائلتي الصغيرة في تونس. منهم هذا الشخص الموجود بينكم والذي أفخر بمعرفتي به، وهو السيد زهير مخلوف. لقد ذهبنا معا، من خلال جمعيته التي تعنى بالسجناء، للسجن عدة مرات. وكان أن اهتممت قبل ذلك بموضوع السجناء الذين انتموا لنظام بن علي، حيث كان من عائلات بعضهم من توجه لي بطلب الاهتمام بملفاتهم.

طبعا تساءلت في البداية لماذا يتوجهون لي لأهتم بملفاتهم؟ وهذه ملفات كبرى، فكيف يمكنني أن أفعل شيئا لهم؟ لكن ككل عملية أقدم عليها، كنت أقول لنفسي أنه لا بد من تحريك شيء ما في المستنقع الراكد. وهذا ما حصل. فقد بدأت بالإطلاع على أوضاعهم وعلى ما كان يقال عنهم. ولم يكن هناك أشياء كثيرة إيجابية. لكن اعتبرت أن لهم حق كغيرهم بقرينة البراءة كما بقرينة الإدانة. والحقوقي عليه أن يعامل كل الناس سواسية وأن يبحث عن الحقيقة بمعزل عما يشيع أو يكتب. فبدأت البحث واللقاءات بالأهل والمحامين وبهم. وللتاريخ أقول أني حسنا فعلت، لأني حركت شيئا في وضع غير مقبول. طبعا زهير كان موجودا دائما معي في زيارات السجن، لكن كنت أنا من تابعت المحاكمات وتكلمت في الإعلام عنهم. وكان الإعلام صعب جدا بتعاطيه معي في هذا الملف، لأنه بكل بساطة لم يكن يريد، وخاصة الإعلام المرئي، الخوض في هذا الموضوع. وبعد مشقة وجهد جهيد، كشفت الحقيقة حول ظروف اعتقال هؤلاء البشر، وأنهم يقبعون في السجن ليس لأسباب قانونية. أعتقد أن ما حصل في النهاية وخروجهم فيما بعد من السجن أعطاني جوابا بأنه كان معي حق أن أجرؤ على الغوص في هذا الموضوع. محكمة الاستئناف العسكرية حكمتهم بالسنوات الثلاث التي قضوها في السجن. وكان أول من أخلي سبيله على أساس متابعة المحاكمة وهو طليق، السيد رضا غريرة، وزير الدفاع السابق، وذلك بفعل أوضاعه الصحية المتردية.

بعد خروج كل من تابعتهم من السجن، بقي وزير البيئة السابق، الدكتور نذير حمادة، المتابع بقضايا أمام محكمة مدنية بتهمة التورط بأعمال فساد. لم يكن محكوما، بل موقوفا للتحقيق. وكانت المدة الزمنية قد جاوزت ما هو قانوني حيث قارب العشرين شهرا في التوقيف الاحتياطي. وأنتم تعرفون أن 14 شهرا هي المدة الأقصى لأي شخص. فلماذا يطال هذا الإجراء من كان يوما رجل دولة خدم بلده دون أن يثبت عليه أي جريمة فساد؟ فهل لأنه عمل في نظام بن علي يجب أن يدفع حياته ثمنا لذلك، وهو الذي يعاني من وضع صحي سيء جدا ومن أمراض عدة كفيلة بأن تودي بحياته؟ عندما تحركت ليخرج من السجن ويتابع القضية من منزله، لا أبالغ إن قلت بأنه تأكد لي أن القضاء غير نزيه وغير منصف. لن أكشف عما فعلته كي يخرج، كون ذلك غير جميل بحق سلطات هذا البلد وبحق من كانوا يستطيعون أن يفعلوا شيئا ولم يحركوا ساكنا.

في كل هذا الملف الذي يخص سجناء انتموا لنظام بن علي كان هناك تجارة وأكاذيب وضحايا، في حين أن المسؤولين الحقيقيين عن الجرائم وعن الفساد منهم من خرج من البلد أو شغل مناصب سياسية أو تابع أعماله التي حققت أرباحا له ولمن أغمض العين عنه ممن باتوا في موقع المسؤولية. ومن المؤسف أن يتجرأ علي بعضهم باتهامي بأني لا أدافع عن شهداء وجرحى الثورة. أحد هؤلاء المدافعين عنهم خرج في الإعلام ووجه أصابع الاتهام لي بالإسم. لكن هل يصدق عاقل أن لا أدافع عن ضحايا الثورة؟ وبالمقابل، هل يعقل أن أصمت إزاء أفعال من أرادوا تصفية حسابات سياسية بزج من تآمروا عليهم في السجن وبقوا ينتفعون بتحريك الخيوط من الخلف والبقاء خارج دائرة الاتهام والمحاسبة؟ على كل حال، إن كان لي أن أسعد بشئ، فالدفاع عن هؤلاء، وغيرهم ممن استمريت بمتابعة ملفاتهم، يكفيني فخرا ويشعرني أن وجودي في تونس كان مفيدا. يوما ما قد يقول التاريخ كلمته وينصف البشر. وسأبقى مصرة على أن من يدافع عن حقوق الإنسان يجب أن يدافع عن كل البشر، حيث كل البشر سواسية أمام القانون. كما أنه على الحقوقي أن لا ينقاد لأجواء مضللة في حقبة زمنية تخضع لظروف خاصة ومتغيرة، وأن يعمل حسه النقدي وموضوعيته وليس مصالحه الضيقة ورغباته.

أنا اليوم لا زلت في تونس، أتابع ما يحصل على الأرض، من خلال مراقبة الانتخابات أيضا. وذلك ضمن شبكة مراقبة الانتخابات في العالم العربي التي ارأسها أيضا حاليا. كنا قد راقبنا الانتخابات في الدورة التشريعية والدورة الرئاسية الأولى، والآن ننتظر الدورة الثانية. كل ما أتمناه هو أن تمر هذه الانتخابات على خير وأن لا يقع في تونس ما يحصل في بلدان عربية أخرى. أن لا يتمكن المتآمرون من إيجاد شرخ بين التونسيين على أساس إيديولوجي، كونه ليس هنالك من طوائف أو اختلافات يمكنهم أن ينفذوا من خلالها لجسد هذا المجتمع كما حصل في بلدان أخرى. هذا الأمر نبهت منه قبل 3 أو 4 سنوات عندما كنت أراقب انتخابات المجلس التأسيسي في 2011، وذلك في مقابلة صحفية حيث كنت أخشى من الإطاحة بالإنجاز التونسي. ما حصل في تونس نريده أن يبقى نموذجا ومثالا يحتذى للعالم العربي وكل العالم. اليوم أجد أن خوفي كان مشروعا ضمن ما يحصل من تجاذبات أحيانا حادة على الساحة التونسية. لدي تخوفات من حصول صدامات لسبب أو لآخر، ومنها الحملة الانتخابية الرئاسية وما يشوبها من بعض تشنج وسلبيات وخلل. مع ذلك أتمنى أن يبقى الخط الوسط هو الأبرز ولا يحصل ما يخرب هذا البلد ويسئ لهذا النموذج.

أقول نموذج لأننا نريده أن يكون نموذجا، ولو أنه ليس بالكمال الذي نصوره. نعلم جميعنا أنه مازال الكثير مما يجب انجازه، وأيضا الكثير من أجل بناء الإنسان. هذا الإنسان الذي تعطل بجزء منه، من حيث عدم إثارة اهتمامه بالشأن العام وبالفعل السياسي، نتيجة سنوات طويلة من الوضع على الرف وتبليد الذهن والأحاسيس في ظل نظام قمعي. وكأنه ليس له رأيا يقدمه في واقعه المعاش، أو في ما يفعله من أجل بلده. هناك استقالة من الفعل السياسي عند جزء كبير من الناس ومن الشباب خصوصا، وجري وراء المال والمصالح الضيقة. حتى ضمن جمعيات المجتمع المدني نجد هاجس التمويل والاستفادة المباشرة. لا بد من العمل على تغيير الوعي. حتى داخل بعض المؤسسات الجديدة نوعا ما على الساحة، نجد نوعا من الآليات التدميرية أكثر منها البناءة رغم أنها تتنطح للبناء والإصلاح. لن أسمي كي لا أكشف سرا، لكن لا بد من التنبه لما يجري من تعطيل قبل أن يتآكل البنيان من داخله. الحقيقة يجب أن تقال كي لا نضلل البشر بالصورة البراقة من الخارج. ولو أنه في مرحلة الانتقال واللا استقرار طبيعي أن تبدو ظواهر من هذا النوع. كون عملية البناء لا تأتي ضمن خط مستقيم، بل تعرف مدا وجزرا إلى أن يحصل بعد وقت توازن يأتي بالنتيجة التي نرغب.

أتمنى أن لا يدوم زمن اللا استقرار طويلا. من أجل ذلك، يجب أن نفعل جميعنا ما نستطيعه وكل من مكانه لتقدم هذا البلد والحفاظ على هذا المسار الانتقالي السلمي. هذا ليس تشاؤما، وإنما تشاؤل، أي أني أرى نصف الكأس الممتلئ والنصف الفارغ. ولتصبح الصورة كما نريدها، يجب أن يتحرك الشباب التونسي ويساهم في نهضة هذا المجتمع. عليه أن يأخذ دوره، وعلى العائلات التونسية أن تتوقف عن اعتبار أن أبناءها لا يستطيعون أن يعيشوا أو أن يتعلموا في هذا البلد، وتتوقف عن تصدير هذه الثروات البشرية إلى الخارج. فكل من ذهب لن يعود، وقليل جدا من يعود لوطنه، لأن هذه البلدان لا تستوعب من خرج منها. ومن عمل طوال حياته بالخارج يجد من الصعوبة بمكان أن يغير أوضاعه ويعود لوطنه. لذا، هذا النزيف لهذه الثروات البشرية يجب أن يتوقف، وأن يهتم هذا الشباب بتقدم بلده وأن يساهم في ذلك بشكل أكثر إيجابية. وعسى أن تمر الانتخابات القادمة بخير وأن تحمل مرحلة ما بعد الانتخابات الاستقرار. أن تكون مرحلة بناء، وأن تتواجد على الساحة كل الأطياف الحزبية والسياسية ضمن توافق وانسجام لحد ما. بالتأكيد سيكون هناك معارضات، لكن، ليكن هناك على الأقل نوع من تشبيك الأيادي من أجل إنجاح هذا المسار وهذه التجربة. فالجميع على نفس السفينة. آمل خيرا لتونس وشعبها، وأشكركم على إنصاتكم، ولن أطيل أكثر، حيث أنا جاهزة للرد على الأسئلة.

 

د. عبد الجليل التميمي:

د. فيوليت، حقيقة أبهرت الإخوان بهذا السرد الهادئ والفاعل والأمين، حول نشاطك وما قمت به للدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المناضلين التونسيين. وأعتقد أن شهادتك لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار، على أساس حيادك وحرصك على الدفاع عن أبسط المبادئ الحقوقية. سؤالي الأول حول نشاطك في البداية بباريس، كيف كان موقف السلط الفرنسية تجاه هذه الجمعية، وهل كان هناك حرية لنشاطكم في باريس أم لا؟

ثانيا، كيف هو عملك الآن، ومن وراءه؟ وأنت لديك بتونس سنتين ونصف أو 3 سنوات، وهذه لها قيمة كبيرة، وأنت كنت قريبة من المرزوقي في هذه الجمعية، هل يمكن أن نوثق بالمرزوقي من وجهة حقوق الإنسان، لأن هذا الموضوع حساس جدا؟ ثم أن هذه المنظمة الموجودة الآن بتونس، والتقارير التي كتبتموها أين هي موجودة؟ هل هي موجودة بمركز معين، بتونس أو بباريس؟ فنحن يهمنا أن نتعرف على كل هذه التقارير التي كنت قد قمت بتحريرها أنت وزوجك د. هيثم. صحيح أن هيثم الآن توجه وبحكم “سوريته” إلى سوريا. وحتى زياراته لتونس أصبحت قليلة. لكن هذه التقارير تهمنا نحن كمؤرخين، حتى نتعرف إليها. وهل لديكم موقعا لهذه اللجنة وفعالياتها وتداعياتها أم لا؟ كذلك هناك لجنة بتونس أقاموا عليها الدنيا وأقعدوها وهي لجنة النساء الديمقراطيات، ألم يتعاملن معك؟ وكيف كان تعاملك مع المجتمع المدني النسائي؟ من الضروري أن نعرف هذا. وكأنك أنت تشتغلين لوحدك، فلا بد أن يكون هناك دعما أدبيا، دعما علميا، لتوزيع هذه البيانات؟ نريد أن نعرف مدى تأثيرها مثلا في مؤتمر المعلومات سنة 2005. هذه التقارير التي كتبتها، هل كان هناك ردود فعل عليها؟ أكتفي بهذه الأسئلة وأفتح المجال للإخوان إن كانوا يريدون إضافة بعض الأسئلة فليتفضلوا.

 

د. فيوليت داغر:

شكرا دكتور على الأسئلة المهمة، أنت وضعت إصبعك على الجرح، وأنا لن أهرب من الإجابة. لست أعلم إن كان هناك من صحفيين هنا. سأتكلم بصراحة، ويحق لكم معرفة الأشياء ما دمت قد قبلت أن أكون هنا وأقدم شهادتي.

بالنسبة لتقاريرنا وكتاباتنا، طبعا بالتأكيد نحن ننشرها على موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان. وهناك أيضا موقعي ضمنه، أنشر عليه كتاباتي. على هذا الموقع هناك عشرات التقارير والكتب. بعض هذه الكتب غير منشور على الصفحة، لكن تجدون عناوينها، إذ لم نستطيع نشر جميع الكتب. أما التقارير، فهي منشورة، وكذلك المقالات. بالتأكيد هناك ما لم ينشر، من مثل كتب صدرت قبل فترة لهيثم، كما أنها ليست موجودة على الصفحة وكان علي أن أحمل لك منها. سأفعل ذلك عندما أعود من فرنسا المرة القادمة، وسأحضر لك ما يمكن حمله ليكون موجودا في مكتبة هذه المؤسسة الكريمة.

أما بما يخص مجموعة النساء الديمقراطيات وغيرهن. يا سيدي الفاضل، زهير ربما يعرف كم أنا متألمة من تصرفات من كنت أعرفهن وأعرفهم، ومن كنت آتي لتونس للتضامن معهن، واللواتي كنا نلتقي بهن في أماكن أخرى. كنت أعتقد أنهن صديقات، لكن منذ صيف 2012، وحيث مر علي هنا سنتين ونصف أو أكثر بقليل، كنت أتمنى أن يدعوني إلى المناسبات التي ينظمنها في تونس. أنا لم أطلب شيئا من أحد، ولم أطلب حتى أن يتصلوا بي ليسألوني كيف حالك وهل تحتاجين لشيء، لم أنتظر ذلك. لكن على الأقل هذه الندوات التي تقوم بها المنظمة ضد التعذيب لراضية النصراوي، أو ندوات النساء الديمقراطيات، أو غيرها، حتى في مفوضية حقوق الإنسان التي عملت بها. حقيقة، لا أعرف ما هو السبب؟ أنا لا أقول ولا أعتقد أنني إشكالية. ربما أنا معروفة بصراحتي واستقامتي، ولكني دبلوماسية وغير هجومية أو سلبية حين أتكلم. عندما أتحدث أقول شيئا من أجل أن نطور ونبني. ثم أنا أعتبر نفسي مواطنة عربية وليس مواطنة لبنانية فقط. صحيح أنه لدي جنسية فرنسية، وعشت بفرنسا ثلثي عمري حتى اليوم، لكنني عربية. وأعتقد أن لي دورا مهما، حتى وإن كان قليلا. إني أساهم على الأقل بشيء من أجل هذه الأمة.

لا أعرف لماذا تناسوني، فأنا موجودة في تونس وأسكن بها. لا تتحججوا أنني بفرنسا. أحيانا كنت أعلم بندوات عبر أشخاص وبالصدفة، لماذا؟ ثم عندما كنت أذهب لهذه الندوات، كنت أجد نصف القاعة –إذا لم يكن أكثر- فارغا. ما السبب أن لا يكون هناك تواجد لأشخاص يملأون هذه القاعات؟ نحن نعلم كم من الأموال والاهتمام والوقت صرف، وكم من جمعيات دولية أغدقت على تونس خلال هذه الفترة لإقامة ندوات، أو للمساعدة في كتابة القوانين، والدستور وغيره من تدريب على أشياء وأشياء. فلماذا لا تكون هذه القوى التونسية من المجتمع المدني موجودة ومهتمة أكثر، بمقابل هذا الجهد والمال الذي يصرف من أجل تقديم شيء لهذا البلد؟ لا أخفيكم أني طرحت ذات مرة على إحدى العناصر الناشطة في المجتمع المدني هذا السؤال كوني كنت فعلا أبحث عن إجابة؟ أجابتني، أنت ليس لديك أموال لتقديمها لهم ! فلا تنتظري أن يدعوك ! لن أذكر اسمها. على كل حال، اسمها لن يغير شيئا، لكني أعتقد أن ما قالته هو ما تشعر به. ربما أنا لا أقول ذلك، كوني ما زلت إلى اليوم أبحث عن جواب. هناك من يدعوني لنشاطاتهم، لكنهم قليلون جدا. ما يهمني قوله خلاصة الحديث، هو أني أحاول أن أعلم بما يحصل من خلال تواجدي بينهم، كي أتابع الشأن التونسي ولأستطع أن أقدم شيئا للمجتمع.

ما أخشاه على هذا البلد هو مثلما يقولون بالفرنسية Blanc bonnet bonnet blanc. بمعنى أنه في فرنسا، لما كان اليسار الاشتراكي يربح الانتخابات، كنا نقول سيتغير الوضع وستنتعش الأوضاع. ثم عندما يمكثون فترة في الحكم، وخاصة في المدة الأخيرة مع الرئيس الأخير، فرنسوا هولند، وقبله كان ساركوزي، كنا نتساءل ما الذي تغير؟ هل أنه مطلوب من فرنسا أن تخرج بنفس السياسات، أكان هناك اشتراكي أو يميني في الحكم؟ ذلك رغم أن الحملات الانتخابية كانت أحيانا شرسة، وحيث نرى الإعلام وما يفعله من أجل أن يؤتى بشخص دون غيره. وكأن هناك طرفا آخر، قوة دولية أو حكومة ظل، هي من يقرر لهذه البلدان، وليس فقط لبلداننا العربية. بالتأكيد، على بلداننا العربية ضغوط أكبر. إنها بلدان عالم ثالث، لديها ثروات، ويجب أن تفرغ من ثرواتها البشرية كما المعدنية. فالقوي يعتبر أنه هو الأحق بذلك، وأننا نحن موجودين على أرض فيها مخزون، لكنها ليست لنا. أعود لأقول أن بين هذا وذاك، الفرق لا يكون أحيانا كبيرا. لا يوجد للأسف شخص يشبه بعض من عرفناهم في التاريخ، شخصيات غيرت مجرى التاريخ. فعندما ينصاعون لضغوط دول ولحب الجاه والمال خلال ممارستهم للسلطة، فهذا يعني فشل لتجربتهم وفشل لبلدهم، لأنهم لم يستطيعوا أن يطوروا أو يقدموا بشئ.

بما يتعلق بسؤالك عمن يدعمك في أنشطتك؟ كنت أعيش من عملي المهني، مما سمح لي أن يكون لدي بعض مدخرات مالية. وهذه المدخرات القليلة استعملتها عندما أتيت لتونس من أجل أن يكون لدي مقر للجنة ومنزل في الوقت نفسه أقيم فيه، بعدما كنت أدفع كراء مرتفع. بالتالي، مصاريفي ليست كبيرة. وهناك متبرع عربي يساعدني، كوني استقلت من مهنتي. وفي اللجنة العربية كانت تأتينا أحيانا بعض مساعدات من متبرعين أشخاص، لإقامة مؤتمر مثلا. لكن قليلا ما كنا نسعى لعقد مؤتمرات لأنها تحتاج لأموال كثيرة، ولم يكن بمقدورنا أن نوفر ذلك. فكنا نقيم ندوات صغيرة نجمع مصاريفها من جيوبنا، لدفع بطاقة سفر شخص أو غداء أو شيء من هذا القبيل. أما بعثاتنا لتقصي الحقائق، فمعظمها تمويل ذاتي. هناك أيضا بعض الملفات التي عملنا عليها وتتعلق بسجن صحفيين على سبيل المثال، فكان أصحابها هم من يتولون تأمين مصاريف المحامين وسفرهم وغيره. وضمن الاكتفاء الذاتي، استطعنا أن نفعل الكثير. فعندما نشرنا كتبنا مثلا، لم نتكلف كثيرا عليها بإعطائها لدار نشر، بل استطعنا أن نشكل نوع من دار لإصدارها.

أما تمويل الاتحاد الأوروبي، فقد حصلنا عليه مرتين، الأولى عندما بحثوا عن شخص أو طرف يستطيع أن يكتب عن حقوق الإنسان في سوريا. كان ذلك في آخر فترة حافظ الأسد، فذهبت بنفسي لسوريا وأشرفت على كتاب حول موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا، تجدونه منشورا على صفحتنا. التمويل الآخر أعدنا الجزء الأكبر منه للاتحاد الأوروبي، كونه لم توافق السلطات السورية على طلبنا بتدريب صحفيين ونشطاء لحقوق الإنسان سوريين، لا داخل ولا خارج البلد. وهذا كان قبل أن تبدأ الأزمة السورية. فنحن لسنا ناشطين في جمع الأموال ولم نكتب مشاريع من أجل ذلك، رغم أننا قدمنا مشاريع جيدة جدا. لكن يبدو أن من يمول يصنف الأطراف التي يتعامل معها وينتقي من يريد منها. لكن على أساس ماذا؟ لا أعلم. أشير فقط بهذا الصدد إلى أنه عندما انشأنا اللجنة العربية، أرسلت الفدرالية الدولية في الفترة الأولى فريقا من أعضائها- أخبرنا بذلك فيما بعد- للاتصال بنشطاء في العالم العربي، ومنهم من أتى إلى تونس والتقى كذلك بالمنصف المرزوقي، ليقولوا لهم لا تتعاملوا مع اللجنة العربية، فهؤلاء معادون للسامية. على كل حال، يكفينا ما فعلناه وما يمكن أن نفعله بعد بالإمكانيات المتوفرة ذاتيا.

بما يتعلق بسؤالك حول النشاط بفرنسا. للحقيقة وللتاريخ، السلطات الفرنسية لم تتدخل في أي شيء بما يخص عملنا، ولم نجدها تأتينا يوما لتسألنا عن هذا أو ذاك. بل على العكس من ذلك، بلدية المدينة التي نقطنها “ملاكوف” بالضاحية الباريسية القريبة، قدمت لنا مقرا للجمعية ضمن بيت الجمعيات بعد أن كان مقرنا منزلنا لعدم توفر إمكانيات لمقر. وعندما كنا ننظم ندوة، كانت أحيانا رئيسة البلدية تحضرها أو تفتتحها معنا، وتفرح بان نشطاءا من العالم العربي يؤمون مدينتها بمناسبة إقامة ندوة فيها.

 

زهير مخلوف:

في الحقيقة، يمكنني أن أجيب عن بعض الأسئلة ويمكن أن أحرج السيدة فيوليت داغر على اعتبار أن هنالك أشياء ومعلومات تتحفظ على ذكرها. أنا لي 5 أسباب للتأكيد على المحاصرة التي وقعت على اللجنة العربية. والأسباب أن هذه اللجنة العربية اعتبرت في تونس أنها لجنة تابعة للسيد المنصف المرزوقي. وبالتالي، التجاذبات السياسية هي التي سببت محاصرة لهذه اللجنة العربية، هذه نقطة أولى. ولكن هناك نقطة أعمق، وهي أن اللجنة العربية حوصرت بسبب مواجهتها للكيان الصهيوني. فمواقفها هي في الحقيقة مواقف ثورية، ولذلك كانت البلاغات والبيانات التي قدمتها اللجنة العربية قد اعتبرت على أنها لجنة ضد السامية، وبالتالي وقعت محاصرتها بشكل كبير. أما النقطة الثالثة، فهي سبب متابعة فيوليت للمحكمة العسكرية في تونس ووقوفها على نفس المسافة من الجميع. فاعتبرت أطراف المجتمع المدني التونسي المنحاز للثورة وكأن فيوليت داغر تريد بذلك تبرئة النظام السابق أو شيء من هذا القبيل، في حين أنها كانت تريد المحاكمة العادلة والحقوقية للمحالين للمحكمة العسكرية. ثم إن أهم نقطة هي أن لها تقييما واضحا لما وقع أيام الثورة، والذي يغيب عن الكثير من النشطاء. ولذلك بقيت على نفس المسافة المحايدة. وحين دافعت عن بعض المتهمين، لم تدافع عن أشخاص قاموا بانتهاكات، بقدر ما أنها دافعت عن محاكمة عادلة تتم في بلدكم. وبالتالي اعتبرت في المجتمع المدني أنها انحازت، في حين أنها كانت على نفس المسافة.

أما النقطة الرابعة، فهي لسبب تقييمها للثورات العربية، والتي في نظري تخالف ما هو سائد في تقييمات أخرى للثورات العربية. هي ترى أن هناك شبه تجيير لهذه الانتفاضات وهذه الثورات لصالح أمريكا أو شبه التفاف عليها. وفي بعض الأحيان تقول أن هناك ثورات عربية، لا يمكن وصفها على أنها ثورات، بقدر ما هي محاولة لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ. أما موقفها من سوريا، ففي حين أنها كانت معارضة للنظام السوري، ومعارضة شديدة له مثل زوجها، أصبحت وكأنها تقف على نفس المسافة، بل بالعكس. ففي بعض الأحيان كانت تواجه أولئك الشباب الذين يذهبون للذبح والقتل، وكانت مواقفها في هذا الصدد هي المواقف التي جعلت من بعض الأطراف حتى في تونس وفي الخارج يعتبرونها لا تتماهي مع الثورة التونسية. في حين أن مواقفها من الثورات العربية ليست بنفس التقييم، ولذلك تعتبر أن الثورة السورية ليست ثورة، وتعتبر أن هنالك التفاف على عديد الثورات العربية. أما النقطة الخامسة فهي بسبب ضيق اليد، حيث يكاد يكون عمل اللجنة عملا متواضعا، وهذا السبب جعل من عمل اللجنة عملا محاصرا أو مضايقا.

في النهاية ما أريد قوله هو شيء يمكن أن يمتعض منه بعض الأطراف من المجتمع المدني، في بعض الأحيان بسبب قلة المروءة. فالأطراف الذين وضعوا على اليمين، والأطراف الذين وضعوا على اليسار، كلهم اختلفوا مع السيدة فيوليت داغر، لأنها في بعض الأحيان كانت تدافع عن الإخوان، فكأنها تتخلى عن المسيحية وتصبح مع الإخوان. وهي عندما تدافع عن الأقليات في العراق وأربيل، تتهم بأنها تدافع عن تقسيم العراق. يعني أن المسألة الحقوقية تجعل من الجميع يغضب من هذه المرأة بشكل مجمع عليه. لأنها تقف بالوسط، ولا تميز بين ما هو سياسي أو إيديولوجي. لقد اتهمها الكثير حين وقفت مع جماعة النهضة بأنها نهضاوية، وحين وقفت إلى جانب الإخوان بمصر ادعوا أنها إخوانية. مواقفها هذه وضعت عليها نقطة استفهام، فابتعدت أو وقع استبعادها، ومن قبل الجميع على حد سواء. هذا تقييمي، وهي لا تقوم بمثل هذه التقييمات. كل هذه التخمينات تجعل من هذه المرأة لغزا، أو في نقطة الإبعاد. لكن في تصوري أن في وقوفها في 18 أكتوبر، كي نعود للموضوع، فيوليت داغر كانت من النساء اللاتي جئن إلى تونس من أجل الدفاع عن الحقوق والحريات، وقد تكبدت معاناة كبيرة ومضايقات شديدة. لكنها ساهمت مساهمة كبيرة في الدفع نحو إجلاء ما كان يقع في تونس من استبداد وقمع. وهذا يؤكد على أن هذه المرأة كانت مهتمة بقضايا حقوق الإنسان، بغض النظر عن الحسابات السياسية أو السياسوية. هذا التنكر وضع نقطة استفهام، وأنا أجلي هذه النقاط وأعتبر أن هذه المرأة، بغض النظر عن التساؤلات، هي المرأة الحقوقية العربية شبه الوحيدة التي وقفت على الحياد مع الجميع. اتهمها بعض التونسيين بأنها مع أزلام النظام السابق، وذلك بسبب انفرادية مواقفها إذ أنها وقفت مع المحاكمة العادلة. فهي لم تكن تعرف عنهم شيئا في البداية، والإنصاف العادل كان هو الأساس فقط. هذا كل ما أردت قوله.

 

نوفل سلامة:

لما استمعت للدكتورة فيوليت، أحسست بالخيبة لأن هناك الكثير من التحفظ والكثير من الأشياء المعروفة التي لا تريد أن تفصح عنها. فقط أردت أن توضح مسائل أتت عليها عرضا، مثلا موقفها مع 18 أكتوبر، حيث لعبت دورا كبيرا وبلغت صوت المعارضين للعالم. ولكنها بعد الثورة يبدو أنها اتخذت موقفا آخر، وغيرت من هذا الموقف. كان عليها أن تواصل في نفس النهج، فموقفها تغير بعد الثورة، أصبحت وكأنها متهمة بالتنكر للشهداء والجرحى مقابل الدفاع عن رموز الفساد القديم. ربما هذا ما سبب لها هذا الإكراه وهذا الجحود الذي تتحدث عنه. خاصة أن الثورة قامت على نظام، والنظام هو منظومة، فلا يمكن أن نستبعد رأس النظام واليوم ندافع عن رموزه ومن خدمه. وكان العسكر والجند، وكان يبيض ويلمع صورة النظام. فهؤلاء الذين تمت محاكمتهم عسكريا، هي إدانة سياسية، ومدام فيوليت تحدثت عن إدانة قانونية. صحيح أن الملفات فارغة ولا يوجد بها إدانة واضحة، لكن الإدانة هي إدانة سياسية للذين خدموا النظام. ومن غير المعقول أنك في السابق تدافعين عن المناضلين ضد النظام وبعد الثورة تقفين مع رموز النظام.

كذلك لما تكلمت عن الدكتور المرزوقي في الجانب الحقوقي قلت كان مكتوف الأيدي، يعني أنه كان لا يتحرك بكل حرية وإطلاقية، أرجو توضيح هذه النقطة. كذلك هناك نقطة أخرى وهي أنك لما تحدثت عن وزير البيئة وكيف تم إخراجه من السجن، تحدثت عن القضاء أنه غير عادل ونزيه وتم إخراجه بطريقة أخرى، فما هي هذه الطريقة؟ وتحدثت على أن من يدير اللعبة والخيوط هو من خارج السجن. فالدكتورة فيوليت تتحدث بالكثير من الأسرار والغموض وأرجو أن توضحي لنا ذلك. لدي أيضا نقطة، باعتبار أنها من النشطاء في المجال الحقوقي وقد زرت الكثير من السجون، والسؤال هل أن الصورة التي يقدمها لنا الإعلام اليوم عن السجون هي صحيحة؟ هل وقع فعلا إصلاح السجون التونسية؟ وهل وقع التغيير أم أن الحال بقي كما كان عليه؟ خاصة في مجال التعذيب وفي مجال المعاملة السيئة؟ ذلك أرجو أن توضحي لنا هل أن الإيقافات اليوم في تونس تغير شكلها أم بقيت نفس الإيقافات، فيها التعذيب والمعاملة السيئة، أم أنه تغير الحال. وشكرا.

 

د. فيوليت داغر:

أولا، أنا أشكر الأستاذ زهير على ما قاله وعسى أن أستحق ذلك. هذه كانت قراءته، وبالتأكيد لو لم يشعر بذلك لما تكلم به. وأريد أن أؤكد على ما قاله في أنه عندما تصنف كناشط حقوقي معاد لخط معين في البلدان العربية، بالتأكيد هناك من سيحاصرك. مثالي على ذلك أني منذ بداية الثورات العربية، لم أعد أخرج للإعلام، مثل أشخاص آخرين لهم خط فكري معين كان يجب ألا يخرجوا بالإعلام. وهذا كان واضحا جدا، رغم أني لم أفهمه في البداية أو لم أشأ. لكني فهمته فيما بعد عندما حاولت أن أبحث لأعرف لماذا بعض الأشخاص الوطنيين توقفوا عن الخروج في بعض الإعلام. بات مؤكدا أننا نحن مصنفين، وعندها يجب ألا نبقى موجودين بالصورة، وهذا واضح. على كل حال يبدو أن الأمريكيين هم من يديروا اللعبة في أكثر الأحيان.

للعلم، نحن في اللجنة العربية كنا أول من شكل تحرك من أجل “غوانتنامو”. وكنا عدة أشخاص معدودين نتظاهر في باريس قرب اليونسكو من أجل أن نقول أن هناك أبرياء معتقلين في غوانتنامو. فهل هناك من سينثر علينا الورود؟ بالتأكيد لا. وقد حاولنا قدر المستطاع أن يخرج ذلك بالإعلام، ومن أجل أن نوكل محامين ليذهبوا ويرافعوا على الأقل عن بعض الأشخاص في غوانتامو. ولنقول أنه ليس كل هؤلاء شياطين وأبالسة ويستحقون المعاملة التي عوملوا بها. لقد تحركنا لبعض الأشخاص عندما استطعنا أن نحصل على مساعدة من أجل أن نوكل محامين لهم يحضرون جلسات المحاكمات. وهنا أقول أن الجزيرة ساعدتنا، كون سامي الحج كان يعمل مصورا لديها، وكان لها صحفي آخر معتقل في اسبانيا وهو تيسير علوني، استطعنا التحرك من أجله بحيث خرج من السجن. كذلك خرج سامي الحج من “غوانتانامو”، وجهودنا ساعدت في ذلك. لقد تحركنا كثيرا من أجل هؤلاء، وكان علينا أن ننتقي رموزا، كونه لا يمكن كسب قضية تتناول الجميع، بل يجب انتقاء بعض الأسماء والتحرك من أجلها. ثم عندما تحصل على نتيجة فإنك تتحرك من أجل آخرين، وهكذا دواليك.

إذن، عندما تريد أمريكا أو فرنسا أن تصنف فإنك ستصبح في مرمى الهدف. ويكفي أن تكون شخصا مفردا، لا يهم. أنتم تسمعون ربما بشخص لبناني يدعى جورج عبد الله، مسجون في السجون الفرنسية منذ تقريبا 30 سنة، وفرنسا لا تريد أن تخرجه من السجن. فكيف بالحال عندما تكون هناك جماعة وتتحرك ضمن جمعية معترف بها؟ بالتأكيد ستحاصرها. جورج عبد الله مازال معتقلا، لأنه فقط قيل أنه استهدف أمريكي وإسرائيلي. وهذا المقاوم كان عليه ليخرج أن يتراجع عن مواقفه ويقول أنه إذا عاد للبنان لن يستمر بدفاعه عن الفلسطينيين ولن يبقى أمينا ومخلصا لمواقفه !

السيد نوفل، من خدم النظام السابق، منهم من خربوا وطنهم، لكن منهم من خدم هذا البلد بإخلاص. عائلاتهم وأولادهم لم يرحموهم فيما بعد، وهم الذين لم يعيشوا معهم عندما كانوا يخرجون للعمل في الصباح ولا يعودون إلا في ساعات متأخرة في المساء. من هؤلاء من حوكم سياسيا وليس قانونيا. ولهذا كنت أقول إن أردتم محاكمتهم سياسيا، فأنا لا أتدخل في شأنكم. أنا أتدخل في الشأن القانوني. أما إذا أردتم إعادتهم إلى السجن لسبب سياسي، فإن هيئة الحقيقة والكرامة ستبدأ عملها منتصف هذا الشهر. فتقدموا بدعوى ضدهم وربما لكم الحق أن تعيدوا محاكمتهم، رغم أنه في القانون يجب ألا يحاكم شخص أكثر من مرة، فيما يسمى باتصال القضاء. لن أعود لتكرار ما ذكرت في البداية، ولكل الحق في قراءته الشخصية للأحداث. هناك من يجرؤ ويكون العين التي تقاوم المخرز، وهناك من يحابي أو ينام على أوهام لأنها تريحه داخليا، وهذا طبيعي حيث البشر أصناف. أما أن نقول أن هذا هو السبب لتجنبي من الحقوقيين، لا، هذا لا يفسر حقيقة السلوكات، كونها كانت هكذا مند قدومي لتونس، ولم تظهر فقط بعد دفاعي عن ملف المساجين. ثم أنا دافعت عن آخرين وزرتهم في السجن وحاولت مساعدتهم لرفع الظلم عنهم، فلماذا لا نتكلم بذلك؟ وهل قضية رموز النظام هي الحجة المقبولة لمن يتاجر بالثورة والثوار لتبرير مواقف؟

أما بما يخص مكتوف الأيدي، فهذا ما بدا لي، كوني طلبت منه أكثر من مرة وفي أكثر من قضية التدخل، لكنه اعتذر وطلب بأن لا أضغط عليه. وأنا أعتقد أن هناك قضايا كانت تستحق العمل عليها، من مثل قضاة سرحوا من عملهم. لكنه لم يفعل، بل رفض أن يلتقي بهم وأن يستمع لهم. من الذي كتف يديه؟ أنا لدي فرضيات، ولكن لن أذهب لأكثر من ذلك الآن. وحيث لم استطع أن أقدم شيئا للآخرين بهذه العلاقة، كان يجب أن تتوقف. أتمنى له التوفيق في حياته، ولكني أقول أنه إذا كان على التاريخ أن يحاسب أحدا، فيجب أن يحاسب من لم يقم بشيء فيه خير لهذا الوطن، وكان يستطيع ذلك كونه في موقع مسؤولية. أنا بالنسبة لي، لا يوجد أولاد جارية وأولاد “ست”. كل الناس سواسية. وعندما نريد أن نحاكم نظاما سابقا، علينا أن ننظر لما يحصل الآن أيضا من انتهاكات لحقوق الإنسان، مثلما يجب أن تبقى عيوننا مفتوحة على ما سيحصل بعد أن تتشكل حكومة جديدة في الفترة القادمة.

بما يتعلق بسؤالك سي نوفل عن طريقة إخراج وزير البيئة، لا أعرف إن كان باستطاعتي الإفصاح عما حصل. المسألة يا سيدي لا تشرف بعض المسؤولين السياسيين. أما فيما يخص سؤالك عن السجون وهل كان هناك إصلاح. نعم زرنا السجون، والسجون ما زالت بما لا نتمناه لأحد. هناك اكتظاظ، وأحيانا معاملة فجة، ومسائل كثيرة يشتكي منها السجناء، وأحيانا الدخول للسجن لأشياء قد لا تستحق ذلك، في حين يجب أن يكون هناك وسائل عقابية أخرى بدل السجن. لكن هل نستطيع أن نقول أنها بقيت على حالها؟ طبعا لا. أنا دعيت للقصر في مرة سابقة مع جمعيات أخرى لنتكلم عن التعذيب في السجون. وكان الرئيس يقول لنا أريد منكم أن تقولوا لي الحقيقة وإن كان هناك من تعذيب في السجون أم لا؟ أنا أقول لك بان هناك من يتاجر بهذه القضية ويقول أن التعذيب مستمر، في حين أن هذه الممارسات قد توقفت إلى حد كبير. ربما عند التوقيف يحصل التعذيب، والتعذيب قد يكون نفسي أكثر منه جسدي، وهذا يقدره المختصون، ولكن عندما يدخلون السجون فإنه لا يوجد تعذيب ممنهج. أي أن التعذيب قد يحصل في الإيقاف. طبعا هناك من توفوا وقيل أن ذلك حصل بسبب التعذيب. هذا الكلام لم يكن دقيقا وهناك مغالطات، وعليكم بالتأكد من ذلك وليس الانصياع للعب بالعقول لغاية في نفس يعقوب. علينا أن ننظر أيضا لنصف الكأس الممتلئ ولا نندد على الدوام، وأن نرى ونقيَم ما يحصل من تقدم. هناك إصلاح في السجون، وعمليات انطلقت في هذا المضمار، ودورات تدريبية خضع لها أعوان السجون من أجل أن يعرفوا أن للبشر حقوقا وأنهم لا يستطيعون أن يمارسوا ما يريدونه معهم من سادية كامنة لدى البعض. أنا أعتقد أنه إجحاف بحق هؤلاء البشر الذين يقومون بعمل صعب جدا أن نقول أنهم استمروا بنفس الطريقة التي كانت سائدة. وربما في السابق هناك من كان إنساني بعض الشيء مع المساجين، ومن كان ملكيا أكثر من الملك بحيث تصرف أحيانا من تلقاء نفسه لانتهاك كرامة الآخرين. اليوم المسألة تحسنت بعض الشئ، رغم أن البلاد لا تزال بوضع صعب ولا زال أمام الجميع الكثير مما يمكن فعله لإصلاح المؤسسات. أنا أعتبر نفسي منكم وأقول أنه من كان لديه شئ يقدمه لهذا البلد فليفعل بدل النقد المستمر. فهذا لا يبني دوما.

 

د. موسى الأشخم

المسائل الحقوقية ليست من مجالي، أحيي الأخت الكريمة، ولي ملاحظتان وتساؤل، هناك حقوقيون كثيرون كانوا في منتهى النشاط الحقوقي قبل الربيع العربي ولكنهم ذابوا كالملح في الماء بعد سقوط الأنظمة التي نشطوا ضدها حقوقيا، وذلك يجعلنا نصنفهم ضمن إحدى خانتين، الأولى أنهم كانوا ضمن الآلة الإعلامية والإسلامية في منطقتنا العربية، والخانة الثانية أنهم كانوا يتطلعون لكعكة السلطة، ثم انخرطوا في الصراع من أجل الحصول على أكبر قدر منها، بعد سقوط خصومهم السياسيين. وضيفتنا الكريمة فيوليت لا يكمن أن تكون ضمن هذين التصنيفين، حيث دافعت عن ضحايا عهد بن علي، كما دافعت عن ضحايا من حل محله في تونس. والذين لم يستوعبوا موقف الدكتورة فيوليت في تقديري عليهم أن يعرفوا أن الحقوقي المنصف ينبغي أن ينحاز للمظلوم والمظلوم دائما، ولدينا مثلا ليبي يقول: “الفارس يطلع الطايح والنذل يعفس على الطايح”، ولما نترجمه للعربية الفصحى فهو يقول: “الفروسية هي أن تنصف المغلوب لا أن تدعم الغالب”.

أما فيما يخص تساؤلي، فأنا من هنا أوجه تساؤلا لضيفتنا الكريمة، يتعلق بمدى اهتمامنا بما حل بعد القذافي في ليبيا، وصالح في اليمن، وصدام حسين في العراق، ومبارك في مصر، وانتهاكات حقوق الإنسان بالثورة، والمعارضة السورية المسلحة، إلى غير ذلك، وشكرا.

 

عبد القادر يوسف اللموشي:

هذه ستكون مناسبة لتجيبي على سؤالين دفعة واحدة، لأن بعض ما في صدري، جالس عليه الأستاذ موسى.

وسؤالي للدكتورة فيوليت، كيف استطاعت أن تختطي لنفسها خط بين مجموعة من الثنائيات، التي تحكم عمل المشتغلين في هذا المجال، وهنا سأتحدث على 3 ثنائيات، وسأختمها بخاتمة ربما قد تزعجها قليلا. أولا هناك ثنائية المحاذير والضرورات. وفيما يتعلق بحقوق الإنسان هناك محاذير التوظيف الخارجي، من قبل دول بعينها للعاملين في منظمات المجتمع المدني عموما، وفي منظمات حقوق الإنسان على شكل أكثر خصوصية. والبعض يعتبرها أداة للتجسس وبعض آخر، يعتبرها وسيلة لإيجاد مبررات للتدخل الخارجي، أو على الأقل للضغط والابتزاز لأنظمة بذاتها. وربما يذهب البعض لمذهب يصف فيه العاملين في هذا الحقل بالـعملاء. هذا فيما يتعلق بالمحاذير، بينما نحن نتفق جميعا أن هناك ضروريات أن يتواجد عاملون في هذا المجال، وضرورة وجود أصوات تفضح الممارسات المتعدية على حقوق الإنسان، وضرورة إيجاد آليات عن حقوق المظلومين والمضطهدين، وهذا سؤال المحاذير والضروريات.

ثانيا: ثنائية المكاسب والخسائر، أو لنقل المكاسب والإكراهات. ومما لا شك فيه أن هناك مكاسب نجنيها ونحن نذهب في دفاعنا عن حقوق الإنسان، وهي مكاسب تتعلق بحرية التعبير، المشاركة السياسية، احترام الاختلاف والتنوع. ولكن هناك إكراهات وربما خسائر، على الأقل احتمالية الوقوع في الفوضى، انعدام الأمن، انعكاسات ذلك على الاقتصاد، والانزلاق للعنف. كل هذه إكراهات ومسائل تظهر في بعض الحالات، ونحن نتحدث عن ليبيا وهي أمر واقع، وأيضا كيف يمكن الموازنة. أما الثنائية الثالثة في ازدواجية المعايير، والواضح بالنسبة لنا أنه في حقوق الإنسان هناك مسألة ازدواجية المعايير. وحين يكون هناك حديث عن أنظمة تعتبر ممانعة أو لا تسير في سياقات الدول الكبرى يتم توظيف ملف حقوق الإنسان، حتى في التدخل العسكري. بينما عندما تقع انتهاكات من دولة تسير في الركب وتقدم قدما، لا يتم الحديث عن أي شكل من أشكال التعدي على الديمقراطية وحقوق الإنسان. بما في ذلك بعض الممالك الخليجية، التي تتصدر الآن المشهد، وربما الجزائر والكيان الصهيوني. واسمحي لي، لأن المسألة ليست شخصية، فأنا أتابع ومنذ فترة نشاط اللجنة العربية لحقوق الإنسان قبل سنة 2011، وكانت هناك بعض التقارير والبيانات والمقالات حول أوضاع حقوق الإنسان: محكمة الشعب، حرمان الممارسة السياسية، سجناء الرأي، بل حتى أنكم أفردتم بيان لمعتقل واحد، وهو الأخ صالح حميد. ولكن بعد 2011 لم يصدر لا بيان ولا تقرير ولا حتى مقالات. وآخر ما شاهدته لك هو مقالك الذي نشر في 3 مارس 2011، عنوانه ليبيا ومأساة الشعب. وبالرغم من تحفظي على بعض ما ورد فيه، وأنت تحدثت على 45 ألف قتيل في عهد القذافي، ونحن نعرف أن هذا العدد حتى وإن قسم على 10 فهو يخالف الحقيقة. فقط أريد أن أسأل، لماذا صمتت د. فيوليت بكل سمعتها في مجال حقوق الإنسان عن كل الجرائم التي ارتكبت؟

نحن المتواجدون هنا يوجد منا من عمل في عهد القذافي، ومن عمل بعد الثورة. السيد جمال بالنور، هو أول رئيس مجلس بلدي في بنغازي بعد 2011، والآن مشرد ومهجر، شأنه شأن الآخرين. أنظري هذه الصورة، هل ترين يا سيدة فيوليت أن الإجرام طال حتى الموتى في قبورهم؟ هذا قبر المولى عبد الله ابن عمران بعد نبشه، وهذه رفات الولي محمد جربوع، وقد أخرجوا من القبر. هذا قبر سيدي عبد السلام، وهو ضريح ومنارة علمية، لمدة 500 سنة، وقد تتعرض للهدم وقد تكلمت عن صالح حميد. وهذه صورة الشيخ المدني الشويرف وعمره تسعون سنة، ولازال إلى الآن يقبع في السجون، فقط لأنه فسر أحد الآيات القرآنية بعدم جواز الاستعانة بالأجنبي. وهذه أيضا صورة لمنارات هدمت، ليست لها علاقة بعهد القذافي. وهذه مجزرة، وهم خمسون شخصا قتلوا بالرصاص من المليشيات، وأكثر من 500 جريح، فقط لأنهم ظهروا في مظاهرة سلمية مطالبين بخروج الميليشيات من طرابلس. وهذه الصورة لمطار طرابلس العالمي، 20 طائرة وأحرق المطار بالكامل. ونتيجة لهذا الحرق، الآلاف من الليبيين يظلون أياما بالمطار، المرضى يضطرون إلى عبور الأراضي التونسية برا. هذه صورة لخولة مرابط، طبيبة شابة اعتقلت لسنتين ونصف ثم قتلت بعد التعذيب في السجون، بدل أن تكون في المستشفى تعالج المرضى، فقط لأنها مرتبطة عاطفيا بالقذافي قتلت.

لدي آلاف الصور. هذه الصورة بها جثث القتلى، آلاف الجثث أصبحت يوميا موجودة، وهو مشهد يومي بحياة الليبيين. كل هذا للكشف. حقيقة نحن نلوم عليك، ألم تجدي وقتا لهذا؟ أنا لا أريد بيانا، فقط مقالا، حضرتك صاحبة قلم مؤثر، والكلام عبر شخصك يخاطب كل العاملين في حقوق الإنسان. هل خابت ليبيا والمواطنين الليبيون، حيث أكثر من مليون ونصف ليبي مهجر؟ وهذا توفيق بن سعود وساسي الكواف، أغتيلا وهما شابان، فقط لأنهما ناشطان مدنيان، أحدهم متضامن مع الأطفال. وفي هذه الصورة طفل يرفع لافتة ليس مع فئة معينة، يقول فيها نحن مع ليبيا أنت مع من؟ فقط يتساءل، وهذا الطفل يقول: بنغازي ضد الإرهاب. هذه أيضا صورة لمطار طرابلس. ولكم أن تتخيلوا كيف أصبح منظره اليوم وكيف هي معاناة آلاف المرضى الليبيين. كل هذا ولم يصدر بيان واحد من منظمة عربية. كذلك هذه صورة لمطار طرقان الذي أحرق. هذه أموال الليبيين، لم تستفد من ذلك سوى “آرباص” والـ”بوينق” لأن الليبيين يشترون طائرات جديدة. هل نفهم أن المنظمات الحقوقية هي أيضا متواطئة مع “آرباص” و”بوينق”؟ أكيد لا. كذلك هذه صور لأسلحة ثقيلة، وهي لم يستخدمها القذافي في طرابلس. لكن الآن أصبح مشهدا يوميا يعيشونه أهالي طرابلس. هذه صورة لمساجد وبيوت الله أحرقت. هذه صورة لشخص فقد ذراعه بسبب الصراع على السلطة. وهذه قذيفة في بيته. هذه كذلك صورة لعائلة في جنزور يوم 6 أوت 2014. القذيفة جعلت منهم أكواما من اللحم. ألا نستحق بيانا أو مقالا ؟ وهذه صورة تحمل دموع أطفال فهل أن دموعهم لم تحرك أحدا ؟

وهذه صورة لعائلة ضحية لصاروخ بين طرفين متصارعين على السلطة، وأنا لست مع هذا ولا ذاك. حتى الجماد لم يسلم من هذا الصراع. هذا مجسم غزالة، وهو أحد معالم طرابلس، ضرب في البداية ثم اقتلعوه من مكانه، وهذا المجسم موجود منذ 80 سنة. المواطن في ليبيا سلب من كل حقوقه، حتى الحق في استنشاق هواء نقي. هذه صورة تجسد كيف أن المدينة تختنق من الدخان. هل هذا لا يستحق أن يكتب عنه أي شيء؟ آسف لأني “أزعلك”، وأنا حقيقة متضايق ولا أريد أن أبقي نظرية المؤامرة وأجرم كل شخص وأن أقول أن العاملين في حقوق الإنسان هم جزء من المؤامرة التي تجري، وكانوا صوتا واحدا حضوا العالم على إسقاط القذافي. أنا في نظري أن القذافي ربما كانت هناك مبرر لقيام عشرات الثورات عليه منذ سنوات، ولكن ما حصل في هذا التآمر مازال يحصل إلى الآن، نصيحة لو سمحت، وآسف.

 

جمال بالنور:

في الحقيقة، حديث الزملاء الذين سبقوني وفر الكثير من النقاط. وأنا لن أستطرد أكثر، وسأوفر عليك الوقت. لن أستعرض الجانب الحقوقي في كل هذه المراحل، لأن الانتهاكات الموجودة في ليبيا الآن ذات صبغة سياسية كبيرة. باختصار شديد، ما يحدث في ليبيا الآن هو خارج خطوط الطول والعرض لثورة 17 فبراير بالكامل. لم يكن هذا حلم الليبيين، ولم يكن هذا ما خرج من أجله الليبيون، بصراحة. وصراعنا كبير جدا، له علاقة وطيدة بتيار الإسلام السياسي في ليبيا. نحن نختلف مع القذافي منهجا، ولم نندم ولن نندم، لأننا نرى أنه هو سبب ما هو موجود في ليبيا، وسبب كل التراكمات هناك. وهو من أخرج ليبيا عن السياق الصحيح المؤسساتي في بناء الدولة منذ الأساس. بصراحة هذه حقيقة لا يمكن أن ننكرها. نعم أنا شخصيا تعرضت لانتهاكات وتعرضت لمحاولات اغتيال، في بنغازي وفي ليبيا. ولكننا كحلم لثورة 17 فبراير، لازلنا ندين ونستنكر كل ما يحدث كما قلت، لأنه ليس له علاقة لما خرج من أجله الناس. وبصراحة أقولها لكم، خدعنا ومن رجال الدين بالأساس، الذين كانوا يتكلمون باسمه، وهذه حقيقة. فيهم من انقلبوا علينا. هناك جوانب أخرى، ولكن باعتبار أن عملي في القضاء والمحاماة في المؤسسة القضائية، أنت وصفت القضاء التونسي بأنه غير نزيه وغير منصف. وهذه بالنسبة لنا نحن هي فرقعة كبيرة جدا. فهل تعتقدين بأن هناك انتهاكات صارخة للحدود الدنيا من معايير تحقيق العدالة، خاصة بعد الثورة؟ نحن ندرك بأن هناك نوعا من الضغط، من البيئة والمناخ، خاصة بعد ثورات الربيع العربي وبمصر. إذا كانت هذه المؤسسة نفسها متهمة، ولكن بالنسبة لنا هذا وصف، أتمنى لو أن هناك نوعا من التوضيح. وشكرا.

 

د. فيوليت داغر:

أنا فعلا أريد أن أشكركم، خاصة الأخوة من ليبيا، على أسئلتكم وملاحظاتكم وكل ما قدمتموه. شعرت أنني لم أكن أستحق كل هذا النقد الذي، على العكس مما تظنون، أعتبره تكريما لي: هذه الأسئلة وهذه التدخلات وكل المعلومات التي تفضلتم بها هي إضافة لنا جميعا. وأعتبر أنكم وضعتم ثقتكم فينا ولذلك تلوموننا. “يعطيكم الصحة” على كل ما تقومون به للتعريف بالأوضاع في بلدكم. نحن بالطبع قصرنا بحقكم كشعب ليبي. لكن ليس لرغبة في التقصير، وإنما لعجز. سأفسر لماذا العجز. يا سيدي نحن في عالمنا العربي لما بدأت هذه المسيرة الثورية أو هذه الثورات، سموها ما شئتم، ثم توالت أحجار “الدومينو” بالسقوط، رأينا ما هو مبيت وكيف كان يجب إغراق هذه المنطقة وكل من فيها من قوى خيرة بهذه المآسي والكوارث بحيث نصبح عاجزين عن الفعل المقاوم. فعندما تقوم على سبيل المثال بكتابة بيان على موضوع، وفي الغد يكون تطورات جديدة أو موضوع آخر يجب أن تكتب بيانا بشأنه، فستجد من سيقل لك معطياتك باتت قديمة أو لماذا تحركت من أجل هذا ولم تتحرك لذاك؟ فكان قراري أن أوقف إصدار البيانات. وبالمناسبة كان الرئيس التونسي قد طلب مني بيانا لأمر ما ورفضت، وكانت آخر مرة ألتقيه بقرار مني بسبب هذا الطلب. ثم ما الذي تغيره البيانات؟ ولو كان التغيير يحصل بالبيانات لكتبت كل يوم العشرات عن كل البلدان التي تحصل فيها محارق.

ثانيا، عندما كنا نستعمل معطيات قبل الثورة عن ليبيا، كان ذلك نتيجة تعاوننا مع ليبيين معارضين للحكم يقدمونها لنا على هذا الشكل. نحن لم يكن لدينا أعضاء على الأراضي الليبية يطلعوننا بشكل مباشر على ما يحصل وعلى المعطيات الحقيقية. لم يكن لنا عون في صفوفكم يسمع أصواتكم بالخارج. كان علينا أن نلجأ ونثق بهؤلاء الذين نعرفهم، لتسليط بعض الضوء على ما يحصل. في سجن أبو سليم مثلا، عندما تحركنا لمساعدة السجناء والتواصل معهم من داخل السجن، فلأننا حصلنا على أرقام هواتف بعضهم حيث كانت هنالك كارثة تحصل. وكان يجب أن نفعل شيئا ونسمع صوت هؤلاء للعالم. هذا لم يكن بالشئ الكثير. على كل حال وباختصار شديد كانت تنقصنا المعطيات والإمكانيات من أجل أن نكون موجودين في كل مكان. صحيح أننا كنا متواجدين في بلدان أكثر من أخرى، لكن ليس لرغبة بل لظروف مساعدة. بالتأكيد، أنا أشعر بالذنب والتقصير تجاه بلدكم وغيره أيضا، لكننا أغرقنا في الدمار والدموع والدماء من كل جانب، كجمعيات حقوقية وكمجتمعات عربية. والسؤال يبقى ما العمل ومن أين نبدأ وأين ننتهي ؟

أما حين تحدثني عن الثنائيات، ثنائية المحاذير والضروريات، فأجيبك بصراحة ووضوح أنه هو السبب الذي جعلنا نختار من البداية موقفنا المعروف من التمويل الأجنبي. لا ينقصنا القدرات لنصبح أغنياء مثل أشخاص بدأوا بعدنا بزمن طويل العمل الحقوقي وأصبحوا اليوم على رأس ما يشبه الإمبراطوريات في حقوق الإنسان. فهم ذهبوا مباشرة لمصادر التمويل دون اعتبار إن كانت الأموال شريفة أو غير نظيفة، وإذا كانت تملى عليهم أجندات أو لا، وإذا كانوا يتعاملون مع مخابرات هذه الدولة أو تلك. نحن لم ولن نفعل ذلك، لكن لن نستطع أن نكون في كل مكان ولا أن نسمع صوتنا متى أردنا.

من ناحية أخرى، كنا قد أرسلنا في بداية الحراك لجنة تحقيق إلى ليبيا لتقديم صورة عما يحصل. لكنها لم تنشر تقريرها لأن الأحداث تخطت ما جاء فيه خلال كتابته. ومنذ ذلك الوقت لم نستطع أن نفعل الكثير. كذلك نفس الشيء في العراق، أنا كنت قد ذهبت للعراق خلال الحصار رغم محاربة بعض من يسمون بحقوقيين للمهمة، بحجة أني سأحسب على صدام حسين. كلام تافه بالطبع، لكنهم كشفوا عن أنفسهم ومع من يتعاملون في الحرب الإعلامية التي شنت على العراق قبل احتلاله. وبعد وقوع الحرب، ذهب هيثم إلى العراق أيضا، للإطلاع وكتابة تقرير. ومنذ ذلك الوقت لم نذهب إلى العراق. ربما أننا بذلك “مقصرين” مع الجميع، لكن نفعل ما نستطيع. ولو فعل كل منا في هذا المجتمع المدني العربي ما يمكنه من المكان الذي هو فيه لما كنا وصلنا إلى هذا الدرك الذي نحن فيه اليوم. ثم أنت عليك أن تحقق في كل المعطيات التي تصلك كي لا تتهم بالكذب كما اتهمتني قبل قليل، وهذا غير ممكن في كل وقت ومكان. علينا أن نبقى على حياد موضوعي كي لا نلام فيما بعد، ويكون لعملنا فائدة ما. ثم نحن كأعضاء متطوعين عشنا ظروفا قاسية في بداية هذه الحروب أو هذه الثورات، لكن عندما نقدم على شئ يجب أن ننجزه. أنا إن اعترفت بكل ذلك، فليس لأبرر بل لأفسر. وهذا لا يعني أنك أنت على خطأ حين تقول أين العالم منا؟ لكن بلدكم وكل هذه البلدان التي تدمر بفعل المؤامرات ستنهض من كبوتها بفضل مواطنين من أمثالكم.

 

بديع جراد:

أريد أن أشكر د. فيوليت المناضلة، ولكن لا يجب أن نثقل كاهلها كثيرا لأن هناك بعض الأسئلة يجب أن توجه لرئيس مجلس الأمن وبنكيمون بالأمم المتحدة، لأن كل الشعوب وكل البلدان العربية مهددة بهذا الدمار الشامل وربما ما يسمى بالثورة الخلاقة، ومن ثورة تحولت لدمار شامل. باختصار أنا بآخر المطاف أستمد سؤالي الأول من كتاب جيلبار نقاش. نحن نتحدث في زمن القطب الواحد، واليوم في سوريا بات هناك قطبين، روسيا والاتحاد الأوروبي، هذا يسلح المعارضة والآخر يسلح النظام. وفي ليبيا لا نعرف من يسلح من؟ وربما ينتقل العدو إلى تونس، هم على حدودنا ونحن نقول “لاباس”، الأمور على ما يرام وستمر. والإعلام يجب أن يبلغ صوت هذه الندوة الهامة ويشكر الدكتور عبد الجليل التميمي. في السابق كانوا يستعملون حقوق الإنسان، وهي نقطة ضعف الدول العربية حتى يدخلون لها ويغيرون الأنظمة العربية. واليوم أصبحنا نستعمل الإرهاب للدخول إليها بعد أن وقع زرع الإرهاب فقط في البلدان العربية المسلمة. الآن لم يعد يستعملون حقوق الإنسان، بل الإرهاب. يعني أن حقوق الإنسان تجاوزتها الأحداث.

وأنتم ترون رئيس حقوقي، وكل الإعلاميين هنا يقومون بتحريض الشعب ضده على أنه رئيس فاشل، وهو ناضل في حقوق الإنسان، والأخت فيوليت قالت أنه مكبل اليدين. كذلك هناك أحد أصدقائه محامي وصل للرئيس المرزوقي وطلب منه العون لتدريب ابنه في الخارج، قال له آتني بملف ابنك. ولما عاد قال له أحد مستشاري المرزوقي “توا الرئيس لاهي بالأمور هاذي؟” من يتورطون في العمالة للخارج يفتحون المجال للتدخل الخارجي لتدمير الدول. نحن أصبحنا نطالب بالعيش الكريم والسلم. عندما أدخل في حرب أهلية مع الطرف الآخر، يأتي هذا ليسلحني، وهذه القوى العظمى تقوم بتسليحي، والقوى العظمى الأخرى تسلح الطرف الآخر، وتقول لنا اقتلوا بعضكم البعض. يا أخي لما لا يتفق الشعب الليبي، أين هي القبائل ورؤسائها والشيوخ في ليبيا حتى يقومون بفض هذه المشاكل؟ كل هذا سيصل لتونس. على الأقل نحن وجدنا هنا سياسيين عقلاء، جلسوا معا وتوافقوا وإن شاء الله نصل لانتخابات رئاسية. بالعكس نحن يجب أن نشكر د. فيوليت جزيل الشكر على المبادرة، ونشجعها. أنا شخصيا أتشرف بها، قالت أنا مواطنة عربية وتتألم من هذه الجراح. قم لنا بدعوة “بنكيمون” إن شاء الله تأتي الفرصة لنقوم بإلقاء هذه الأسئلة عليه، ونحمله المسؤولية. وشكرا.

 

د. عبد الرحمان المرساني:

أريد أن أرحب ترحيبا كبيرا بالأستاذة فيوليت داغر، والتي في الواقع لا أعرفها معرفة شخصية إلا يوم الأربعاء الفارط في مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، في المبنى الجميل بحي الخضراء. تابعت أعمال هذه المرأة ومسيرتها وشدني إليها نضاليتها العالية وأخلاقها وأصلها الطيب. وهذا ليس مجاملة، وإنما نحن المشتغلون بالعلم وبالنضال الحقوقي والنقابي والسياسي في فترة من الفترات بحياتنا، أعتقد أننا نشعر ببعضنا البعض، بآلامنا وتجاربنا وبتنكر أصدقائنا الذين عاشرناهم وأحببناهم. وكما نقول بالتونسي “أكلنا الماء والملح معهم” ونصرناهم. وفي الأخير عندما يصبحون في مناصب رفيعة يتنكرون إلى أصدقائهم وينسونهم ويعلقون حتى هواتفهم الشخصية. وهذا تقريبا ما حصل لشخصي، وقد عبرت عن ذلك في مقالين اثنين. المقال الأول نشر بجريدة القدس العربي اللندنية يوم الخميس 3 ماي 2012 بعنوان، تونس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية. وقد أمضيته باسمي كعضو بالمجلس الوطني لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية. والمقال الثاني بنفس الجريدة يوم 11 ماي 2012 في ركن مدارات بعنوان، فصل المقال في أحوال مؤتمري القيروان. ومقالي الأول هو إلى حد ما يحاكي المقال العلمي، والمقال الثاني هو حديث عن تجربتي الشخصية عن حزب المؤتمر ومع الدكتور المرزوقي. وسوف أمد سيادتكم، سيدي رئيس المؤسسة، بهذين المقالين لتمكن الإخوة الحضور من الاطلاع، سواء كانوا الإخوة الليبيين أو التونسيين.

والأستاذ زهير مخلوف، الذي أبارك له منصب عضو هيئة الحقيقة والكرامة والتي كنت سأكون أحد أعضائها إذ أنني ترشحت ورقمي في القائمة 101. وليس لأن سيرتي الذاتية ضعيفة، وإنما لاعتبارات أعتقد والله أعلم أنها اعتبارات سياسية وحزبية تحديدا، ومن الفئة التي تحيط –ربما وحتى لا أرجم بالغيب- برئاسة الجمهورية، وأنه كان هناك حظر على اسمي. وما أقوله عن الدكتور المرزوقي الذي أحترمه كثيرا، بل وأحبه كذلك، وقد عرفته سنة 1988 تحديدا، وهو أن المنصف المرزوقي في الداخل والخارج شهد نزيفا كبيرا لأصدقائه. وهذه حقيقة مرة للغاية، خاصة أصدقاءه من الحقوقيين. وهذه مسألة أتركها للمؤرخين ولعلماء الاجتماع، خاصة زملائي في أقسام علم الاجتماع السياسي تحديدا. وقد لفت انتباهي ما قال سيادته في أحد البرامج التلفزية: “أنا ضحية من اخترتهم لكي يكونوا مستشارين”. وستجدون في هذا المقال تحليلا للأشخاص الذين أحيطوا به، وفعلوا ما فعلوه، وأغلق القوس.

لما كنت مناضلا في رابطة حقوق الإنسان، تحديدا سنة 2005 في قمة مجتمع المعلومات وانطلاق حركة 18 أكتوبر، وقع إغلاق الفروع نهائيا بعد محاصرتها. وترك المقر المركزي فقط، والذي توافد عليه كل الضيوف الأجانب وتقريبا كل السفراء ومنهم المناضلة الحقوقية الإيرانية “شيرين عبادي” والتي كان لي لقاء قصير معها. في تلك الفترة لما أغلقوا لنا فرع مقر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بماطر وتعرضت لتعنيف كبير من أحد أعوان الأمن، قلت له يا سيدي أنت تونسي وأنا تونسي، أنا أشتغل في مؤسسات الدولة، وأنت تشتغل في مؤسسات الدولة، فلا تعنفني بهذا الشكل، سيأتي يوم وتجدني أدافع عنك وأن من أرسلك هو لا يقيم جيدا معنى العمل الحقوقي. فبن علي قد يذهب في حال سبيله وقد يحاكم ولن يجد إلا حقوقيا مثلي لكي يدافع عنه وعن عائلته. وأكتفي بما قالته الأستاذة عندما اتهموها بأنها متناقضة مرة مع هؤلاء ومرة مع هؤلاء، وأقول لك إذا ما التقى عليك متضادان فأنت على حق. وشكرا.

بشير الغيلوفي:

الأخت فيوليت تعيش في بلد تحرر من الاستبداد والكثير من الأقطار العربية الآن تحررت من الاستبداد. يعني هناك شيء في إدارتكم للجنة العربية لحقوق الإنسان أنكم كنتم تنشطون أفضل لما كانت هذه الأقطار تعيش في الاستبداد. فكيف أنكم لم تستطيعوا الانفتاح على المجتمع المدني في تونس أو مصر أو في الكثير من الأقطار، بينما بهذه اللجنة يمكنكم أن تكسبوا أنصارا جدد، وكذلك دعم معنوي ومادي ودعم إعلامي. فهذه النقطة بالضبط لم أفهمها. يعني أنه في البداية كان بإمكانكم القيام بالكثير من الندوات والملتقيات، وهذا لا يتطلب جهدا ماديا، وهذا أرى أنه تناقض. في تونس ومصر وغيره، هناك الكثير من الأشخاص الخيرين، والكثيرين الذين يريدون تقديم شيء لبلدانهم، يبحثون عن أطر، وخاصة إطار مناضل مثل إطاركم. النقطة الثانية هو أنك حدثتنا عن علاقتك بالرئاسة، نريدك أن تحدثنا عن علاقتك بالحكومات المختلفة بعد الثورة، وعلاقتك بالرابطة التونسية لحقوق الإنسان. وشكرا.

 

فيوليت داغر:

أريد أن أجيب على سؤال المتدخل كي لا أنسى ويقال أنني تهربت.

 

محمد بالحاج:

فقط سؤال موجز. على كل حال أتوجه بالشكر الجزيل لمؤسسة التميمي على هذه الفرصة الثمينة التي وفرها لنا لنتحدث مع الأستاذة فيوليت المكلفة بحقوق الإنسان. أنا أريد أن أسأل هل أن الأخت فيوليت ومؤسستكم كانت على علم بهدم السجن المدني 9 أفريل بتونس، حيث أنه راج في تلك الفترة أن منظمة حقوقية أرادت أن تزور هذا السجن لمعاينة التعذيب وظروف السجناء، إلا أن الرئيس السابق زين العابدين بن علي أنكر وجود سجن بهذا الاسم، بقدر ما يمثله هذا السجن من تاريخ وظروف كبيرة عاشها المناضلون التونسيون حيث أنه في الليلة التي زار الوفد فيها لتونس، تم تسخير كل الإمكانيات العسكرية، وتم هدم السجن بين ليلة وضحاها. ونحن كسكان، كنا قد تفاجأنا بهذا. وأنا شخصيا كنت في وزارة التربية، خرجت حوالي الساعة السادسة والسجن كان موجودا. وهذا السجن يمثل الشيء الكبير بالنسبة لي، لأني سجنت فيه. ومن الغد حين أتيت وجدت مكانه حديقة، وقد مسح السجن تماما من ذاك المكان، في ليلة واحدة. لذلك أسألك د. فيوليت هل كنتم على علم بذلك، وماذا كانت ردود فعل منظمتكم عندما لاحظت أن هذا السجن الذي كان موجودا منذ القدم أصبح أثرا بدون عين؟ شكرا.

 

طلحت بالليل بالخير:

أنا مثل الأخ كنت قد ترشحت للهيئة المستقلة للحرية والكرامة ولم يسعفني الحظ، لأسباب ربما تتعلق بالتجاذبات السياسية. والحقيقة هذه الهيئة وكما يقول الكثيرون ليست مستقلة بالقدر الذي نعتقده، هناك تدخلات حزبية وإلى آخره. وقد أشارت الدكتورة إلى أن الهيئة ستبدأ عملها خلال 15 من هذا الشهر، وقد تأخرت كثيرا. ومن الأسباب الموضوعية التي تقدم لتأخرها، أنها قامت باستشارات كثيرة وقامت باستشارة المجتمع المدني كله وكل الهيئات إلى غير ذلك. وسؤالي هو هل قامت باستشارتكم أنتم اللجنة العربية فيما يتعلق على الأقل بجانب حقوق الإنسان؟ ثم هل اطلعت سيدتي على قانون العدالة الانتقالية؟ وما هو رأيك في جانب حقوق الإنسان على الأقل؟ وشكرا.

 

د. فيوليت داغر:

شكرا لكم جميعا على كل هذه الملاحظات، والإغناء للنقاش بكل ما تفضلتم به. ربما هنالك أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها، خاصة فيما يخص هيئة الحقيقة والكرامة. وبوجود الأخ زهير بيننا، ربما هو الأفضل ليقدم لك بعض المعطيات، رغم واجب التحفظ لديه. وكي لا أهرب من الإجابة، أقول لا، لم نستشر بشيء، ولم ينتبه لوجودنا أحد. لكنهم دعوني لافتتاح المقر، وأنا شاكرة لهم هذه اللفتة. وأتمنى أن أتابع ما يحصل وإن كان باستطاعتي أن أصوب شيئا، فأنا سأقوم بذلك. على كل حال، “الله يعينهم على أنفسهم ويعينكم عليهم”، لأنهم غارقون لأذنيهم بالمشاكل. وأنا هنا لا أكشف سرا، فهناك من خرج وكشف المشاكل الكثيرة التي يعانون منها اليوم. وربما هذا أيضا سبب من أسباب تأخر انطلاقتهم. أتمنى لهذه الهيئة أن تعالج مشاكلها كي تستطيع معالجة مشاكل الآخرين. فهي مناط بها مهام كبيرة وجسيمة وخطيرة جدا. فهل ستستطع بتركيبتها هذه أن تقوم بما أنيط بها من مهام؟ هل ستقدم في حقوق الإنسان عندما يكون لديها إشكاليات ويحيط بها علامات استفهام؟ لن أضيف أكثر من هذا، كي لا يكون ذلك تشكيكا بهذه الهيئة. لكن يبدو أن واجب التحفظ من داخلهم على ما يجري يمنع معرفة الحقائق. هناك غشاوة كبيرة على أعيننا جميعا، وإن علمنا فنحن لا نستطيع أن نتكلم. وأعتقد باختصار أن هذه الهيئة يجب أن تُصلَح كي تُصلِح. ربما الزميل زهير لا يستطيع قول ما قلته. لكنني تجرأت لأقول بوجوده ما قلت. وهذا ليس استغباء لأحد أو كلام بظهر أحد، بل تحليل ومعطيات خرجت وباتت متداولة. وإن شاء الله يتم الإصلاح حتى يتمكنوا من الاستمرار بمهمتهم الكبرى، وأنا أعول على وجود، على الأقل، بعض الأشخاص بينهم من النظيفين والمناضلين والمخلصين لبلدهم. ربما هم سيكونون عيوننا جميعا في هذه الهيئة من أجل ألا تذهب بعيدا في الإخلال بالحرية والكرامة والعدالة الانتقالية.

بالنسبة للسجن الذي دمر، أنا شخصيا لم أكن على علم بهذا الملف في ذلك الحين. ربما هناك منا من تابع الأمر، كوننا كنا مقسمين المهمات والبلدان على الأشخاص العاملين. أما بما يخص مسألة تكتيف الأيادي بسبب المحيط. نعم أنا ذكرت، عندما طرح علي السؤال في إذاعة “موزاييك” عن الرئيس الحالي للجمهورية، قلت أن مصيبته أنه أحاط نفسه بمجموعة من الأشخاص الذين لم يكونوا رجال دولة أو لديهم خبرة في الشأن، وإنما يستحقوا لقب متدربين ليس أكثر. وسعدت عندما سمعته يقول نفس الشيء، كي لا أشعر أنني أجحفت بحقه. هو كبل نفسه لأسباب لا أعرفها. لكن كان هناك عملية ضغط وتأثير ليذهب في الاتجاه الذي يراد له أن يذهب فيه. لا أعتقد أنه كان فاقدا للإرادة ولا أعرف ما هي الطبخة التي كانت تجري. لكن كنا ننتظر منه الكثير. ربما سيكون له كلام حول ذلك في يوم من الأيام. عندما يخرج من السلطة قد نعرف منه الحقيقة، وأتمنى أن نعرف. تماما كما طلبت لبعض من انتموا للنظام السابق وما زالوا إلى اليوم يتحفظون عن الكلام، أن يقولوا ما يعرفونه ويقدموا بذلك خدمة للبلد حول ما حدث بثورة 14 جانفيه، وما بعدها وما قبلها. هناك الكثير من المعطيات التي ما زالت غائبة. هناك أناس يعرفون ما حصل، لكنهم ما زالوا صامتين. لماذا؟ وإلى متى؟ أعتقد أنه في يوم من الأيام ستكشف هذه الحقائق. لكن نرجو ألا يكون بعد أجل طويل، كي نعرف كيف يرسم مستقبل هذا البلد، على ضوء ما خرج.

بالنسبة للجمعيات التي لا تقوم بشيء. يا سيدي، لقد تغيرت الأوضاع بعد 2011 عن قبلها. قبل 2011 كان هناك أنظمة متعسفة تضغط على أعناقنا جميعا كي لا يخرج الكثير حول ما يجري داخل البلاد. أما بعد 2011 فأنت تعرف أنه برز العديد من الجمعيات والمناضلين والمناضلات والمهتمين بالشأن العام وتكاثروا كالفطر هنا في تونس. والبركة فيكم وفيهم. فماذا تنتظر ممن ترهلوا، لقد هرمنا! على الصعيد الشخصي، خذها مني، أصارحك ولا أخجل من الحقيقة، الحياة الخاصة مسحت لحساب النضال والاهتمام بالشأن العام وبعثات التحقيق وفوق ذلك الكتابة. الكتابة أيضا كي تعلم الآخرين بما ترى وتسمع وتعلم، خاصة عندما تذهب لمهمة تحقيق في أماكن صعبة وحساسة كفلسطين مثلا !

حول القضاء غير النزيه والأخ الذي سأل السؤال للأسف خرج، وقد كان يريد أن يعرف لماذا قلت ذلك؟ يا سادتي، أنا لم أقل ولا يمكن أن أقول أن كل القضاء غير نزيه أو أن كل القضاة غير نزهاء. لا، هناك قضاة يعطون المثل في النضالية ونظافة الكف وتغييب الذات من أجل قضاء مستقل ونزيه، وأعرف بعضهم لحسن حظي. لكن هناك من جهة أخرى قضاة يخضعون لإملاءات ويقال لهم ما يجب أن يحكموا به. فعندما تضغط بطريقة من الطرق، وتحصل على نتيجة، يمكنك أن تتساءل ما الذي يحصل، كما يمكنك أن تفقد الثقة بنزاهة القضاء عندما تعلم علم اليقين أن الشخص برئ لكنه حكم لسنوات ولن يتغير الحكم رغم براءته. وسأتوقف عند هدا الحد حيث أعتقد أني أجبت على كل الأسئلة أو أرجو ذلك.

 

د. عبد الجليل التميمي:

دعاني الوزير الأول السابق سي حمادي الجبالي، قال لي ما رأيك بالموضوع؟ قلت له تحطيم هذا السجن خسارة ويا لها من خسارة. قال لي ماذا تقترح؟ فقلت له أقترح أن يبنى على أرض 9 أفريل متحفا للذاكرة الوطنية، هناك أشياء مهمة، إذ هناك دهاليز ذاق فيها المئات والآلاف من التونسيين العذاب ومازالت لم تمس. وقلت له لندخل للعمق ونبرزها، ونبني متحفا. فسجلها مستشاره. وذكرت له أن مدير متحف برلين، وكذلك مدير متحف الشيلي عبرا عن استعدادهما للمساهمة في بناء هذا المتحف. لكن لا حياة لمن تنادي. كذلك أريد أن أؤكد على قضية مستشاري الرئيس المرزوقي، وقد كان لديه خبيرا اسمه عبد الله الكحلاوي عمل لمدة 40 سنة في الأمم المتحدة. فدعاه بعد الثورة وقال له أريدك أن تشتغل معي. وافق على ذلك واشتغل معه 5 أو 6 أشهر، ثم قدم استقالته. قال لي لم أستطع البقاء، المناخ كان مسموما. على كل حال د. فيوليت نحن قدرناها عن طريق هذا السمينار الجميل، وبينت فعلا أن حبك لتونس صادق وأمين، وحاولت قدر الإمكان وبكل هذه الظروف الصعبة أن تنقلي لنا جزءا من الأنشطة. لكن أرجو أن تكتبي هذه المذكرات منذ يومك الأول إلى اليوم.

 

عبد القادر يوسف اللموشي:

لدي اقتراح صغير وهو أنني اقترح على د. فيوليت أن تستقبل مجموعة من الليبيين لكي تطل على المشهد الليبي، خاصة وأن هناك مئات الآلاف من الليبيين مهجرين. وأيضا حتى ضحايا التعذيب جزء منهم متواجدين بتونس يتلقون العلاج. واقترح عليك تنظيم جلسات استماع أيضا حيث بإمكانكم توزيع استطلاعات رأي. وإذا كانت الإمكانية المادية للجنة غير متاحة، فالأخوات الليبيات هنا، وربما بعض الإخوة الليبيين يتطوعون معك. فقط استبيان محايد، لا علاقة له بالقضايا السياسية. كذلك يمكن تشبيك العلاقات مع بعض النشطاء الحقوقيين الليبيين هنا، واستقراء معلومات من أكثر من مصدر. هذه مسائل يمكن أن تنجز، على الأقل لكي ينتبهوا لهذا الشعب كيف يعيش. عصابات تختطف وتصادر بلد بأكمله. وبصراحة، هناك صوت الضمير والإنسانية والمهنة والأخلاق والعروبة، خاصة وأن الظرف الآن أوجدك في تونس، وهي واحدة من دولتين تحتضن الكتلة البشرية الأكبر من المساجين السياسيين الليبيين. وشكرا.

 

د. عبد الجليل التميمي:

بالإضافة لما ذكره الأخ اللموشي، إذا كان هناك أناس مقيمون في تونس، وتحملوا الأمرين من بن علي والقذافي، فأنا مستعد أن تذهب د. فيوليت لتستمع إليهم ونسجل مثل هذه الشهادات !

 

عبد القادر اللومشي:

للأسف من تعاملوا مع تعذيب القذافي تناسوه الآن مع تعذيب ما بعد القذافي !

 

د. فيوليت داغر:

أشكركم لثقتكم بي، كما أشكركم لحضوركم معنا. وسنتبادل أرقام الهواتف ونتصل ببعضنا البعض ونرى ما يمكن عمله. قبل أن نخرج، أريد أن أنهي بكلمتين. نحن نعلم وأنتم تعلمون، ولم يعد الشيء يغيب عن أذهاننا، أن ما يرسم لهذا العالم، وبخاصة لهذه المنطقة التي تمتلك من الثروات ما يجعلها هدفا لهم، ولأن إسرائيل هذا الكيان الغاصب موجود هنا في خاصرتها، هو مرعب بكل المعايير. فالقوى التي تتحكم بالسياسات الدولية تخطط وتتربص بنا لتنفيذ مآربها. هم يتحدثون بذلك، لكن نحن لا نقرأ للأسف ما يكتبون. هم يقودون هذه السياسات من الخلف عبر حروب هادئة كما يسمونها ومن خلال عصابات يكونوها أحيانا من داخلنا. من ينفذ هذه السياسات يمكن أن يكونوا أمراء أو أشخاص منصبين في قمة الهرم السياسي أو إعلاميين أو أناس عاديين لا يظهرون في المشهد. لكننا نحن على الغالب مقبلين على مشاكل أكبر وحروب وعمليات إغراق وتفتيت لهذه البلدان وهذه المنطقة. يتم الحديث كذلك عن مخطط لتعقيم نساء 13 دولة بحجة محاربة الفقر. لو بقى هؤلاء يفعلون ما يريدون دون مقاومة مدنية في المواجهة، فنحن ذاهبون للكارثة. والمقاومة المدنية تتشكل من الحقوقيين أيضا. لكن من يخطط يعرف أنه بإمكانه اختراق هؤلاء بالرشوة بالمال، كما بالشعارات الجذابة عن الربيع والديمقراطية وحقوق الإنسان، لتسكين النفوس. إلى أن استفقنا واكتشفنا ماذا تعني الديمقراطيات التي أرادتها لنا. لهذا، أوجه عبر هذا المنبر البحثي، دعوة لكل القوى الحية للمساهمة بما تستطيع من أجل نهضة مجتمعاتها، كي يتم تجنب ما لا يحمد عقباه في الأشهر والسنوات القادمة. أتمنى لتونس أن تتمكن من المحافظة على الهدوء والاستقرار النسبي، كي لا يحصل بين جنباتها ما حدث في بلدان عربية أخرى. هذا ما أردت أن أختم به، قبل أن أتوجه لكم بالشكر لتشريفنا بحضوركم، وللدكتور التميمي لهذه الاستضافة الكريمة التي خصني بها.

 

د. عبد الجليل التميمي:

أنت دخلت قلوبنا دون استئذان، أشكرك جدا دكتورة. حقيقة وجوه مثل الدكتورة فيوليت تشرف ليس فقط لبنان وإنما الجنس العربي. والمعلومات التي لديك لم تعد الآن ملك لك، بل هي ملك للرأي العام العربي. فأرجو أن تحافظي على تدوينها في كتاب عبر تسجيل مذكراتك على الأقل. والشكر الجزيل للدكتورة داغر !