حقوق الإنسان وحق العودة – فيوليت داغر

حق العودة والاستثناء الفلسطيني، تساؤلات مشروعة :

اسئلة مركزية ومشروعة تطرح بداية عند الحديث عن حق العودة:

-لماذا تحول حق العودة الأساسي وفق أساسيات الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني إلى موضوع نقاش، وإلى حد يوضع بين قوسين ويختلف عليه عندما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني وما أسماه تيودور هرتزل “الخرافة” المسماة بالوطن القومي لليهود؟

-هل من المقبول اليوم أننا ما زلنا نجد أنفسنا أمام جيش من المتطوعين يقدمون كل أشكال التبرير للقانون الاسرائيلي الذي يعطي الحق لكل يهودي في العالم بأن يكون مواطناً إسرائيلياً، ويحرم بالمقابل من ذلك الحق ابن الفلسطيني الذي غادر بالقوة أرضه وموطنه ومسكنه في 1948 أو 1967 ؟

هل يعقل لعالم نظم علاقاته الدولية وقوانينه الوطنية والإقليمية والدولية على أساس وضعي صرف أن يقبل بأحد تفسيرات التوراة لتقرير مصير شعب بأكمله؟

هل يمكن أن نناقش قضية حق العودة لو لم تكن الدولة العبرية قاعدة أساسية للقوة العظمى الأمريكية في المنطقة، قاعدة تتمتع بدعم أحد أهم مجموعات الضغط العالمية وأكثرها تنظيما؟

أليس الحق بهذا المعنى هو محصلة موازين قوى في التحليل الأخير؟

بعيداً عن الإيديولوجيا

تعتبر العلاقة بين الإنسان والأرض من أقدم أشكال الارتباط المادي والمعنوي. فالهوية كمفهوم هي منذ أشكالها البدائية الأولى ابنة روابط القربى وروابط الإقليم. وقد نشأت روابط الإقليم territoire  على الأغلب بعد روابط القربى. إلا أن مفاهيم الحمى والتملك (الحمى هي الأرض التي تنزلها موسميا قبائل متنقلة، والتملك هو الشكل الشرقي للملكية أي المحدد غير المطلق) قد حملت معها أساس التعلق بالجغرافيا. كما ربطت هذه الجغرافيا بمواصفات إنسانية محددة وبأبعاد عاطفية لا يمكن تجاهلها. والأمر ليس مقصوراً بالضرورة على عملية مقصودة وواعية دوماً. ففي آلية تشكل الهوية يكمن معلم أساسي هو معلم الجغرافيا ومكان الانتماء، مع كل ما يحمله هذا المكان من تجارب ومدلولات لا واعية ارتبطت به. كذلك ارتبطت الأرض بالأم التي هي في أصل وجود الكائن. فنجدها في الحديث العفوي تتماهى مع الأرض، وبشكل أكثر وضوحاً عند من يعيشون تجربة الغربة والافتراق عن الأم والانفصال عن الأرض. فما بال اولئك الذين حرموا بآن من الأهل ومن الأرض وحتى من البيت الذي أبصروا النور فيه وأصبح جزءا مكوناً من هويتهم؟ هل يعقل محو كل ذلك بقرارات سياسية تعسفية وتنازلات اعتباطية واعتبارات مصلحية وتبريرات ايديولوجية لا تقيم وزناً حتى للجانب النفسي الذي يرتكز عليه بناء البشر برمته؟

عود على بدء

بهذا المعنى شكلت الهوية المرتبطة بالمكان خطوة تقدمية كبرى في التاريخ البشري، حيث الاستقرار من علامات التمدن والأنس والألفة وإعادة صياغة العلاقة مع الطبيعة والنبات والحيوانات. وقد تأصلت فكرة الارتباط بالأرض كحق، وليس فقط مجرد وضع يد لفئة من الناس على حيز من الأرض لتقوم الحضارة الإنسانية على أساس الاستقرار هذا. وباستثناء قلة من المفكرين الفوضويين، ثمة شبه إجماع على أن هذا الانتقال لم يكن فقط ضرورة تاريخية وإنما نقلة كبيرة في العلاقات الإنسانية والقيم والمؤسسات. فأي حرمان من هذا الحق، القائم على ارتباط هوية الشخص أو طفولته أو عائلته بأرض معينة، يشكل انتهاكاً لأحد التعبيرات الأولية لحقوق الإنسان في الثقافات القديمة. ولا نستغرب أن يكون الإبعاد والحرمان من العودة لمكان الأصل وراء ترخيص عدد كبير من الديانات التوحيدية والمعتقدات الوثنية لحمل السلاح من أجل استعادة حق اغتصب. ففي التاريخ العربي الإسلامي، نجد في رسالة الإمام الأوزاعي لعلي بن عبد الله بن العباس استنكاراً لإبعاد بعض السكان ظلماً بعد انتفاضة قام بها الأهالي وطلباً بإعادة من أجلاهم لبيوتهم واستعادة ممتلكاتهم ورفض مبدأ العقوبة الجماعية: “كيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم، وحكم الله تعالى أن لا تزر وازرة وزر أخرى”(1). وقد أقر ملك انجلترا في ميثاق الشرف الأعظم عام 1215 بهذا الحق، حيث جاء في الفصل 42: “سيكون من حق كل شخص في المستقبل، مغادرة مملكتنا والعودة إليها مع ضمان أمنه  في البر والبحر”.

يمكن القول إذن أن حق العودة قد شكل منذ القدم عرفاً دولياً عاماً لا يحتاج حتى للقوننة. وكون فكرة الإبعاد قد ارتبطت في الثقافات والقوانين بتهديد أمن الأشخاص أو حريتهم أو حياتهم، وغالباً بالاستعمال المباشر للعنف (الإبعاد عن الحي أو البلد أو الناس، بما في ذلك عزل المريض الخطير ونفي السياسي)، فقد نوقش حق العودة في المحاولات والآراء الأولى المتعلقة بالقانون الإنساني الدولي. ثم بدأت فكرة تأصيل هذا الحق منذ اجتماعات جنيف في 1864 حتى وإن لم تأخذ الاهتمام الذي تستحق قبل الدخول في الحرب العالمية الأولى.

 

اتفاقيات جنيف والشرعة الدولية

أتت اتفاقية جنيف الرابعة لتعطي سلطة قانونية للحق في العودة. هي تنص على: “يحظر الترحيل الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أية دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، مهما كانت الدوافع.” المعلقون على اتفاقية جنيف يقولون بأن هذا الحظر “هو مطلق ولا يسمح بأي استثناء..”(2).

هناك أقسام خاصة بحماية حق العودة، ينوه لها محمد أبو حارثية، سميت “الإعادة” في الصراعات المسلحة وظروف الاحتلال. ففي اتفاقيات جنيف الأربع، المبرمة بتاريخ 12 اغسطس/آب 1949، يجري التطرق عدة مرات لحماية ضحايا الحرب والتأكيد على وجوب عودة أو إعادة كل ضحية: الاتفاقية الأولى في المادة 63 [3]، الاتفاقية الثانية في المادة 63 [3]، الاتفاقية الثالثة في المادة 142 [3]، الاتفاقية الرابعة في المادة 158 [3]. أكثر من ذلك، هي تنطبق على حماية المدنيين أيضاً (3).

توجد حجج قانونية قوية في القانون الدولي لدعم حق اللاجئين في الإعادة والتعويض. وإن كان من سبب أو مسوغ لوضع قواعد الحرب ذات الطابع الإنساني، فهو حماية “حقوق الإنسان”، الواجب تطبيقها بالفعل في زمن النزاعات. لهذا، يشكل رفض الإعادة والتعويض خرقاً للقوانين الإنسانية في زمن الحرب (4).

أما بالنسبة للشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فقد أيدت المادة 13 الفقرة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حق العودة بالنص على: “يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده، كما يحق له العودة إليه”. وتؤكد تقارير الأونروا بشكل متكرر بأن رغبة اللاجئين في العودة إلى ديارهم لم تتناقص بل عل العكس “تعززت” بقرارات الجمعية العامة حول الإعادة(5).

مهما يكن دور موازين القوى في احترام حقوق الناس، فقد شكل السماح بالعودة الاختيارية للاجئين عبر التاريخ، ليس فقط الرد الأخلاقي والحقوقي الأفضل، وإنما أيضاً الحل البراغماتي الأنجع لمشكلة اللجوء والنفي والإبعاد. سواء كان ذلك بجنسية أحادية أو متعددة، بدور سياسي مباشر أو تدريجي، مع أو بدون قبول مبدأ التعويض.

الفلسطيني المستثنى ومعاهدة 1951

هل يمكن الحديث عن حق العودة دون التوقف عند القضية الفلسطينية؟ وهل يمكن القول بأمانة أنه لو انتزعت مشكلة فلسطين من رأس الحقوقيين الدوليين لبقي حق العودة مصنفاً في الباب المخصص للحقوق والمفاهيم التي تشكل موضوع خلاف واحتجاج ؟ حق العودة هو المثل، إن كنا بحاجة لمثل، على أن هناك مرجعية تاريخية ومرجعية جغرافية، مشكلات ذات جذور حضارية وأخرى جيو سياسية تؤثر على العديد من خبراء وتقنيي الأمم المتحدة عند وضع مفاهيم مركزية وتصورات أساسية لحقوق الإنسان. اعتبرت نخبة من الباحثين في القانون الدولي بأن تأجيل تعريف جريمة العدوان وما يختص بها في ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية كان بدعم من المجموعات الخاضعة للنفوذ الأمريكي الذي كتب ودافع عن إعادة الخريطة الاستراتيجية للعالم بما يتناسب مع المصالح الأمريكية بعد سقوط حلف وارسو. أي احتمال التدخل المسلح في أكثر من منطقة من العالم. وبالتالي كان هناك ضرورة لتحييد المحكمة الجنائية الدولية في قضايا الاحتلال ما أمكن. يقول صراحة أو مواربة عدد من الخبراء، بأن تقنيي المعرفة القانونية الغربيين ومجموعات الضغط الصهيونية قد وضعت كل ثقلها لترك هوامش تسمح للدولة العبرية بجلب من تشاء وحرمان من تشاء من حق العودة بذرائع شتى، تبدأ بالطابع اليهودي للدولة وتنتهي بمفهوم أمن الدولة الفضفاض.

لقد وضع محمد حافظ يعقوب الإصبع على الجرح عندما طرح فكرة حق العودة في صلب مفهوم حركة التحرر الفلسطينية حين قال: “لا تمثل المطالبة بحق العودة أساس الهوية الوطنية الفلسطينية ونقطة الكثافة فيها فقط، بل وتمثل فوق ذلك أسّ شرعية منظمة التحرير الفلسطينية ومحور تاريخها في آن. فمنذ حزيران (يونيو) 1967 بشكل خاص وحتى نهايات الثمانينات، انتزعت منظمة التحرير الفلسطينية شرعيتها التمثيلية الفلسطينية من تواجدها في أماكن اللجوء الكثيفة، وهي المخيمات في الأردن وسوريا ولبنان أساساً، ومن التفاف اللاجئين حولها ومن انخراطهم، كمناضلين وفدائيين ومثقفين، في قلب جسدها التنظيمي الذي كان يتعزز مع الأيام والمعارك والصعوبات. كان الخارج الفلسطيني، الجسم اللاجئ من فلسطين، هو مركز هذه الوطنية الفلسطينية التي كانت تشق طريقها الخاص في قلب عالم عربي كان، هو بدوره كذلك، يعيد تنظيم نفسه وهوياته على شكل وطنيات محلية أو قطرية تتطابق إلى هذا الحد أو ذاك مع الدولة القطرية القائمة. ولم يكن ممكناً أمام منظمة التحرير الفلسطينية، والحال كذلك، ألاَّ تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع مقتضيات السيادات التي تستلزمها كل سلطة دولتية على الإطلاق. هكذا ولدت الوطنية الفلسطينية أو “الكيانية “الفلسطينية كما يطلق عليها بعضهم، ولادة مفارقة طبعت في الوقت نفسه ملامحها العامة التي اتسمت بها في الشتات، وقاعدتها قضية العودة”(6).

من الضروري التذكير بأن الفلسطينيين هم الفئة الوحيدة الموضوعة خارج نظام ومعاهدة 1951. فالطابع السياسي للقضية الفلسطينية اعتبر خارج صلاحيات المفوضية العليا للاجئين التي تصف نشاطها وفعالياتها بغير السياسية(7).

تكمن الصعوبة الأساسية في تحديد الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين وحقوقهم، كما يقول محمد أبو حارثية، في كونهم كجماعة، يتحدون التعريف السهل. فنحن أمام شعب انتزعت منه هويته وكيانه وأرضه ووجد نفسه في لحظة ما على أرض دولة أخرى. أي لاجئ وبدون وطن (حيفا الفلسطينية مثلاً أصبحت مدينة في كيان سياسي آخر اسمه إسرائيل). فالاختزال في لاجئ يمكن أن يغطي على واقعة أكيدة وهي أن حق العودة إنما هو لشعب، وليس لأفراد كانوا مواطنين أو مقيمين في دولة إسرائيل المركبة حديثاً وخرجوا منها بعد زلزال أو حرب أهلية. هذه الدولة الجديدة وافق على تركيبها الغامض مجلس الأمن المكون من الأطراف المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. نتيجة لذلك، نشأت عدة مشكلات مفبركة أوصلت للقول: “الفلسطينيون أنفسهم يرفضون تعبير اللاجئ”(8). وكما يصف البسيوني: بين 1948 و 1969، كان الفلسطينيون ينعتون من قبل المتحدثين باسم دول أوربة الغربية وأمريكا الشمالية “باللاجئين”، ومنذ ذاك التاريخ بدأ “سوء الفهم” بالحدوث. حتى في الأمم المتحدة كان يتم في كل عام التأكيد على القرار الذي يضمن “للاجئين” حق العودة إلى منازلهم والتعويض على من خسروا ممتلكاتهم. ولم يكن هناك إقرار بأن هؤلاء اللاجئين يشكلون “شعباً”.

هل من الضروري التذكير بأن النعوت الغربية هي وليدة تأثير اللوبي الموالي لإسرائيل على التصورات الرسمية التي بقيت لعهد طويل ترفض مفهوم كيان فلسطيني. خاصة وأن فكرة دولة فلسطينية علمانية ديمقراطية تقوض الفكرة الصهيونية القائمة على دولة دينية ذات طابع إثني وطائفي؟

لو عدنا للاتفاقية المتعلقة بوضع اللاجئين (HCR) (يوليو/تموز 1951)، نجد أنها تحدد تعريف اللاجئ في المادة الأولى الفقرة آ [2] 28 باعتباره الشخص الذي إثر أحداث جرت قبل أول يناير/كانون الثاني 1951 ولكونه يخشى على نفسه من الاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو قوميته أو انتمائه لفئة اجتماعية أو سياسية أصبح خارج بلده، وهو غير قادر أو غير راغب بسبب هذا الاضطهاد في العودة إليه. وعليه، سواء اعتبر المرء الفلسطينيين بدون دولة أو لا، فإن الاتفاقية تشمل من هو “خارج دولة جنسيته” أو “من لا يحمل جنسية” ومقيم “خارج بلد سكناه السابق”. مع ذلك لا تطبق الاتفاقية على كل اللاجئين الفلسطينيين. وتنص المادة 1 فقرة د (D) على استثناء “الأشخاص الذين يستلمون المساعدة من مؤسسات ووكالات المفوضية العليا لحماية ومساعدة اللاجئين”. فبالنسبة للاجئين الفلسطينيين الذين غادروا منازلهم بقرارهم، وكان ذلك خوفاً من القوات المسلحة الإسرائيلية، يمكن اعتبارهم طردوا بالقوة (9). فاتفاقية اللاجئين، كذلك النظام الأساسي للمفوضية العليا للاجئين، يحدد اللاجئ باعتباره الشخص “غير القادر .. أو غير الراغب” بالعودة إلى بلد جنسيته أو إقامته السابقة.

ليس ثمة شك في أن الفلسطينيين في المنفى هم حقيقة لاجئون. إلا أنهم وحيدون في إبداء رغبتهم بالعودة إلى وطنهم رغم أن الظروف السياسية العامة التي أدت إلى رحيلهم ما زالت قائمة. وكما يقول السيد عسقول Askoul: “يختلف اللاجئون الفلسطينيين عن كل اللاجئين بكونهم أصبحوا لاجئين كنتيجة لأعمال تتنافى مع مبادئ الأمم المتحدة..”(10). ثم أن وجود اللاجئين من جهة ثانية، هو النتيجة المباشرة لقرار اتخذته الأمم المتحدة (قرار التقسيم) نفسها عن سابق معرفة بالنتائج التي يمكن أن تنجم عن هكذا قرار. من هنا فإن اللاجئين الفلسطينيين هم المسؤولية المباشرة للأمم المتحدة، ولا يمكن وضعهم في التصنيف مع باقي اللاجئين. الأمر الذي يضعف أو يلغي المسؤولية الدولية هذه.

لقد قاومت الدول العربية، حتى مؤتمر قمة بيروت في مارس 2002، أي تغيير في وضع اللاجئين الفلسطينيين يمكنه أن يخفض من الرؤية المتميزة لمشكلة الفلسطينيين والرغبة السياسية في عودتهم الفعلية. وأثناء صياغة الاتفاقية الخاصة باللاجئين في 1951، شدد العرب على العودة إلى الوطن، وعلى كون وضع اللاجئين الفلسطينيين وضعاً مؤقتاً، وأن مناقشة قرارات الجمعية العامة تنطلق من شرط عودة الفلسطينيين لمنازلهم. وهكذا عندما قدمت الاتفاقية، تم استثناء العرب للفلسطينيين بشكل دائم بالفقرة د D .

إن أوضح وأكثر النصوص مباشرة في القانون الدولي فيما يتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة هي الفقرة 11 من  القرار 194(3) الذي أقر في كانون الأول/ديسمبر 1948،  ونظراً لوضع فلسطين في ذاك الوقت، فقد نص القرار على  وجوب السماح للفلسطينيين الراغبين في العودة إلى منازلهم والعيش بسلام مع جيرانهم، بالعودة في أقرب وقت عملي يسمح بذلك. أما في حال اختيار الفلسطيني البقاء في الخارج وتعبيره عن رغبته في عدم العودة، فهنا دون شك يجب ان يتم دفع التعويضات المادية والمعنوية لكل من يبدي هذه الرغبة. تعويض عما يكون قد لحق بهؤلاء الأشخاص من أضرار معنوية نشأت عن معاناتهم، وأيضاً مادية كبدل عيني عما فقدوه من ممتلكات جراء ذلك.

من الضروري دائماً التذكير بالفقرة الثانية من القرار 194[3] والتي في صلة واضحة مع حق العودة:

يملك اللاجئون وحدهم حق الاختيار بين العودة إلى بيوتهم داخل حدود إسرائيل وعدم العودة.

لقد ترتب على وضع اللاجئين الفلسطينيين شرعية الإعادة والتوطين في وطنهم فلسطين. وتبنت الأمم المتحدة عدة قرارات بهذا الاتجاه. كذلك حول حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

وفقاً لمبادئ القانون الدولي وقواعد العدالة والإنصاف الدولي، يفترض في التعويضات الواجب تقديمها لأبناء الشعب الفلسطيني أن تتم عبر الحكومات أو السلطات المسئولة، وذلك بمقتضى اتفاق ثنائي أو دولي خاص بهذا الأمر. ولكي يغطي القرار الجانب العملي لإعمال حق الشعب الفلسطيني في العودة، أنشأ القرار لجنة مصالحة من أجل فلسطين، هدفها الأساسي العمل على تسهيل ما هو وارد في الفقرة 11 من القرار. تم التأكيد على هذا القرار من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة  دورياً، وبشكل عام كلما ناقشت الجمعية العامة أمراً متعلقاً بهذه القضية. وهو يمثل الحجة الأقوى في القانون الدولي لعودة اللاجئين الفلسطينيين.

 

التنازع على الحق

لكن كما لاحظ أحد الأخصائيين، فإن الفقرة 11 لم تكن موضوع نقاش، والقضية المركزية إنما كانت في التطبيقات العملية لإعادة اللاجئين إلى وطنهم. إن تنفيذ مضمون القرار وتطبيقه غير مرتبط عملياً بالبعد والقرب من زمن إقراره، كونه يتسم بطابع البقاء والديمومة. وهذا الموقف يبقى على خلاف مع النهج الرسمي الإسرائيلي بشأن حق العودة.

يجد الموقف الإسرائيلي بعض الدعم في أخذ جانب من المواثيق الدولية ليرد على حق العودة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمكن أن يفسر في الفقه القانوني، كما يكرر أكثر من خبير مدافع عن الدولة العبرية، وكأنه يحتوي ما يتفهم رفض إسرائيل عودة الفلسطينيين على نطاق واسع. تعتمد إسرائيل في حجتها على أنها إذا سمحت للفلسطينيين بالعودة إلى المناطق التي سيطرت عليها في 1948، يترتب على هذا تدفق عنصر عدائي بحجم يقوض أمنها الوطني الخاص. ومثل هذا التهديد للأمن الوطني يعلّق تطبيق مبادئ الإعلان العالميِ لحقوق الإنسان. لاحظ أحد المعلقين على هذا الاستنتاج بأنه ليس ثمة ما يلزم الأمم المتحدة الحرص على ضمان وبقاء الصهيونية في إسرائيل أكثر من بقاء التمييز العنصري في جنوب إفريقية (11).

إضافة لذلك، يسمح العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بتجميد الحقوق الخاصة بالدخول والسفر للأشخاص من بلدانهم، وذلك في ما هو ضروري “لحماية الأمن الوطني أو النظام”. وبذلك يمكن منع الفلسطينيين من العودة إلى ما هو اليوم إسرائيل. لكن بإمكان استثناء الأمن الوطني الإسرائيلي ابتلاع كل القواعد العامة لتطبيق واحترام الحقوق. كما ويمكن استعمال جدل الأمن الوطني في أي وقت للتهرب من الالتزامات الدولية بوضع ذرائع جد واهية. ومن الضروري ملاحظة أن إزعاج الأغلبية اليهودية في إسرائيل لا يعادل موضوع الأمن الوطني. بينما تشكل العودة السلمية للاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم شرطاً أساسياً لسلام مستقر ودائم في المشرق العربي.

ولا بد هنا من القول بالتناقض الصارخ بين انتقاد الإسرائيليين حق الفلسطينيين في العودة لوطنهم، وبالوقت نفسه يتحدثون عن حق اليهود في العودة لأرض فلسطين، باعتبار أنهم قد طردوا منها قبل أكثر من ألفي عام!

إن مجرد وجود قوانين إسرائيلية، كـ “قانون العودة” الصادر في الخامس من يوليو/تموز 1951 الذي يكفل لكل يهودي في العالم العودة للمطالبة بالجنسية الإسرائيلية والإقامة، يجعل من الصعب أن نقبل أو نفهم كيف يحرم شعب كامل من حقه في وطن ومن حقه في العودة اليه، في حين أن أشخاصاً لم يضعوا قدمهم يوماً في هذه الأرض يحصلون على حق الجنسية الكامل، وعلى إبعاد أهل البلد منه (12) باسم وعد يخضع لتفسير غير متفق عليه للتوراة؟ ثم كيف يمكن أن نخضع شرعة دولية، تؤكد على تجاوزها للبعد الديني والبعد اللغوي والبعد القومي، لعقلية عنصرية مؤسسة على جماعة بشرية مغلقة؟

لقد اعتبر الكاتب الإسرائيلي باروك كيمرلنك ما يتعرض له الفلسطينيون في الداخل والشتات، في المخيمات ووراء الحواجز وتحت الحصار، حالة إبادة سياسيةpoliticide . هذه الإبادة بدأت بقلع القرى والمدن والناس، ثم قلع الشجر وهدم الحجر وسرقة الماء العذب والتراب وإلقاء النفايات النووية والكيميائية في ما لا تحتاجه الدولة العبرية من أرض.. لكن البشر ما زالوا يتصدون لكل هذا. وما لم يفهمه أنصار هذه الهمجية الإسرائيلية أن قاموس الشعوب ليس فيه كلمة استسلام. قد يناور البعض أو يضع على طاولة المباحثات حق العودة أو حق الأرض، لكن لا نعتقد بأن الحقوق تموت في مباحثات هذا النوع من الساسة. كما أن كلمات مثل السلام والمدنية والتعايش المشترك بين الشعوب تفقد بالضرورة معناها ومبناها عندما تغيب النويات الصلبة للحقوق الإنسانية.

 

——————-

بعض المراجع:    

1- هيثم مناع، القانون الإنساني الدولي، الراية، 2002. وموسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، الجزء الثاني، 2003

2- محمد أبو حارثية، حقوق اللاجئين الفلسطينيين وحل دائم يستند على القانون الدولي، عمل جماعي، اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، اللجنة العربية لحقوق الإنسان ودار الأهالي، 2001.

3- نفس المصدر،

4- Wright Quincy, the legal aspect of the Middle East situation, 33 L. and Contmp. Prob. 5 (1969).

5-  F. Kkouri, the Arab Israeli Dilemma 137 (1948) also cited by Radley The Right to Return.

6 – محمد حافظ يعقوب، بيان ضد الأبارتايد، اللاجئون الفلسطينيون والسلام، القاهرة ودمشق، 1999.

7- Paragraph 7(c) and Article 1 D, with respect to 1951 convention on the protection of Refugees. UN Doc E/AC 7/Sr 172 cited by Goodwin-Gill, The Refugees in International Law Chapter III p. 56.

8- The term Refugeehood and Nationhood, Bassioni, The Palestinian Refugees or a People, The Catholic World 1970.

9- Dr. Vojin Dimitrijevie, International Law, Legal Possition of Palestine Refugees, p. 18-19, 610, Review of Internatinal Affairs vol. 19 edition 1968.

 

 

 

ورقة قدمت لملتقى حق العودة الذي جرى في دمشق في 23 و24 /11/2008