جنوحات العنصرية في أوروبا – فيوليت داغر

يشهد العالم الغربي في بدايات الألفية الثالثة ظهور سلوكيات التعصب والتطرف ومظاهر العنصرية بشكل أكثر وضوحاً، لا بل عودة لمبادئ الفاشية التي صعدت في أوروبا في مطلع الثلاثينيات. فمع امساك المحافظين الجدد واليمين الأمريكي بمفاتيح السيطرة على توجهات العالم بعد 11 سبتمبر، كان لنا أن نشهد اتساعاً لرقعة المتبنين لخطاب اليمين المتطرف الأوروبي وتلوث الوعي كمن أصيب بوباء معدٍ. هذا الخطاب، الذي استطاع الولوج لأوساط يمينية كانت معروفة تاريخياً باحترام القيم الأساسية الدستورية السائدة، جسّد نفسه في عمل ممنهج لأحزابها لفرض قراءتها على الواقع السياسي وإدارة الشأن العام. لكن بطريقة مخالفة للنسق الذي تقوم عليه قيم العلمانية والديمقراطية، ولو أنها استفادت من الآليات الانتخابية الديمقراطية لركوب موجة التطرف وتجميع الأصوات والوصول للسلطة أو لادامتها ما أمكن.

مبادئ وقيم عصر التنوير التي قام عليها المجتمع الغربي، والتي تجسد بعضها بالثورة الفرنسية وبعضها الآخر بتأصيل جمع من الحريات والحقوق في المجتمع الأوروبي، هي ما يرفضه هؤلاء الفاشيون الجدد. ومناداة قوى التقدم والحركة المدنية والحقوقية بالتعددية والإخاء والمساواة بين البشر والعدالة الاجتماعية والحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان ليست بنظرهم سوى تعبير عن الضعف ومضيعة للوقت. وكما هناك رفض للعقلانية عند هذه الشريحة الاجتماعية وتغليب للتعبيرات الغريزية ولاندفاعة الطاقة الحيوية، فما امتزاج الثقافات والأجناس إلا بمثابة إبادة جماعية لخصائل الذات المتفوقة. وحيث أن الغريب عنصر ضعف في جسد الأمم يؤثر على تماسك الجماعة، فالمناداة بتطهير الأمة من العناصر الغريبة عنها أمراً مشروعاً. أما الفرد فهو ليس الأساس وإنما الأمة القوية القادرة على حماية الشعب، بحيث يمكن التضحية بالفرد للحفاظ على الأمة. لذا يجب البحث عن القائد التاريخي لها، الذي هو بمثابة الأب الروحي والمثل الأعلى وممثل السلطة الأمثل والصنم الذي يقدس والذي يهاب بأسه ولا يرد أمره. وهو يمكن أن يكون ذلك “القبضاي” بالعامية أو “الأزعر” الذي لا يهاب الوغى، كما يمكن أن يكون عميلاً مأجوراً وأن يتحول لقاتل إن اقتضى الأمر. عليه أن يبرهن أنه يحتل مكانته بجدارة كي يضمن رص الصفوف وراءه وتحوّل الجموع لمدافعين عن الأمة.

تكثف المقاربات النفسية-الاجتماعية والأنثروبولوجية “مجالات” العنصرية في ستة تعبيرات، بدءاً من المعرفة التبسيطية القائلة بأن البشر ينقسمون لأعراق عدة يحمل كل منها مواصفات متوارثة، انتقالاً للعلوم الإنسانية وجعلها علوماً طبيعية للأعراق، أو لنطاق الإيديولوجيا التي يتم بموجبها إخضاع العمل السياسي لأمثولة عنصرية، أو لإدخال الأساطير الحديثة، مروراً بتقنيات جديدة وعلموية تحمل وعوداً بالخلاص، كما العودة لطوباويات ضائعة والحنين لعرق مفقود أو رسم تصورات مستقبلية كمولد عرق وإنسان جديد.

وتتجسد العنصرية في الحياة اليومية، في الاستهداف الكلامي والتمييز في التفاصيل (توقيف البوليس لشخص على أساس لونه أو شكله أو ملبسه، رفض التوظيف بسبب الإسم الأجنبي..)، تجنب أو رفض التعامل مع المختلف، الاعتداء الفيزيائي المباشر أو الاعتداء الرمزي (على مقبرة أو مكان عبادة أو مركز ثقافي) وصولاً للتعديات والإجراءات الجماعية ضد جماعة والتي قد تصل للمناداة بالتخلص منها أو القضاء عليها.

لقد تعزز امتداد هذه الظاهرة في أوروبا مع ارتفاع منسوب الأزمات المتلاحقة والتورط بشكل أكبر في مناطق النزاع المسلح في العالم الإسلامي. فبان تأثيرها في صفوف شرائح اجتماعية دنيا، تتشبع الخوف من الغد والبطالة والتهميش، وتحوّل قلقها نحو الآخر المختلف الأجنبي و”كل من ليس معنا ومنّا”. لكن خطرها ازداد مع توجهها لبث أفكارها عبر التعليم والإعلام والتربية الإيديولوجية الصارمة. والأزمة الاقتصادية وتبعاتها ليست وحدها ما يرخي بثقله على التكوين الإيديولوجي للشخصية العنصرية. هناك عناصر اجتماعية-نفسية من تفكك أسري وغربة عن المجتمع، وخواء فكري وفراغ عاطفي وغيره.

فالتخلص من العار والمعاناة التي تعلق بطفولة هذه الجماعات أو مما هو غير مقبول في الذات ومستقر في اللاوعي يرمى على من هم في موقع أضعف منهم، حتى ولو كانوا لا يختلفون كثيراً عنهم وينتمون لنفس العرق أو الدين أو اللون. مما يفسح المجال لظهور سلوكيات من نوع الدفاع الأعمى عن الهوية وإثبات الذات، والتمركز حول الجماعة، ومناصبة العداء للايديولوجيات المخالفة، وتفصيل العدو على المقاس مع تحميله وزر ما آل إليه وضعه. الأمر الذي يجعل من هذه الشرائح قوى كامنة للعنف الذي يتحين الفرصة للتعبير عن نفسه عبر لعبة “شد الكباش” مع الأطراف والاتجاهات المغايرة. وإن كانت هذه الآليات النفسية لا تقتصر على فئة بشرية أو شعب بعينه وإن اختلفت درجتها وحدة تعبيراتها من شخص أو زمن لآخر، فالقوى الظلامية والايديولوجيات المتطرفة تلجأ لكل الأساليب المتاحة أو غير المعهودة والالتفافية لتسجل انتصاراتها. وأحياناً يتم ذلك من حيث لا نتوقع، وقد يكون على يد مصابين بالخبل أو وصوليين مهووسين يشغلون المشهد السياسي الأمامي، وإن كان من يحركهم ويرسم توجهاتهم هم أصحاب النفوذ الفعلي ضمن جوقة تحالف المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية والجيو-استراتيجية.

أوروبا التي كانت المسرح الرئيسي للحرب العالمية الثانية والتي خسرت ما يزيد عن 60 مليون نفس وسويت بعض مدنها بالأرض، كان ذلك لحد كبير من فعل هذا النوع من النماذج الذين صنّموا هتلر وموسوليني وستالين وغيرهم. لكن الذاكرة قصيرة وشريحة من الأوروبيين على الأقل تبدو وكأنها نست هذا الزمن أو لم تكتو بناره أو لم تدرس تاريخها وتستنبط حكم التاريخ. فتأتي اليوم لترفع يافطة التطرف والعنصرية، بحيث باتت تعابير الفاشية الجديدة تنتشر بأسرع مما يمكن أن يتصوره مجتمع متقدم تقنياً ومفاهيمياً واقتصادياً. وللأسف، عدد ممن كان بالأمس ضحية هذا الطاعون يبدو اليوم وكأنه الشريك في الجريمة أو الموجه لها ضد أقليات محددة، يُخشى من تشكلها كجاليات سياسية ومدنية قادرة على الدفاع عن حقوقها، لتكون كبش المحرقة والضحية الفضلى. فبتنا نرى تحالفاً قوياً بين الفاشيين الأوروبيين وبين لوبيات الضغط الصهيونية ضد الإسلام والمسلمين مثلاً الذين يُصورون باعتبارهم مصدر الشر وسبب البلاء. فتتسلط الأضواء عليهم في كل مرة عبر مدخل جديد لا يرقى لأكثر من تفصيل، لكن الجزء يعمم على الكل وتجرد الصورة من تفاصيلها ليجتزأ المشهد إلى ما يراد له فقط أن يكون. ثم يأتي الاعلام ليقدمه كقراءة ملزمة يفترض أن تعمم وتفرض بالقوة عبر تدنيس الوعي وتلويث الرؤية.

العنصرية لا تعرف حدوداً في شيطنة الآخر. وكما كان اليهود والغجر وغيرهم ضحايا للنازية، يعاني الغجر وذوي الأصول الإفريقية مما تعانيه الجاليات المسلمة في أكثر من بلد أوروبي. فثلاثية الغجر والسود والسمر باتت الموضوع المفضل لغياب الأمن وزيادة الجريمة والإنحراف والهجرة السرية إلخ. أما التزام الصمت على من يشيعون البغضاء والتفرقة بين الشعوب ليس مجلبة للضرر على المستهدفين فقط وإنما يطال بنصاله الجميع. ففي الزمن الرديء تضرب البلية المجتمعات دون انتقاء عندما تتدحرج القيم من أعاليها وتفقد وظيفتها ككوابح لجنوحات الغرائز. لذا دُقّت نواقيس الخطر منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزراها، لتؤكد كل مواثيق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على أن أي مذهب يقوم على التمييز أو الاستثناء أو التقييد أو التفضيل أو التفوق على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني يعتبر “مذهباً خاطئاً علمياً ومشجوباً أدبياً وظالماً وخطراً اجتماعياً”.

إن كان لا يغيب عن المواثيق والإعلانات الدولية والإقليمية شجب وتجريم العنصرية، فهناك نقاط رمادية حتى اليوم، فيما يمكن تسميته بالعنصرية الثقافية وأخرى في مستوى التجريم والملاحقة القانونية. وحيث لا يوجد التزامات قانونية دولية للمحاسبة في هذه القضية بنفس المستوى المتعلق بجريمة التعذيب مثلاً، فالمعركة الحقوقية والقانونية على أشدها لانتزاع مواقف ملزمة لأصحاب القرار وكرسي القضاء من أجل المحاسبة الصارمة. على سبيل المثال، أدينت فرنسا قبل خمس سنوات من قبل لجنة مناهضة العنصرية في الأمم المتحدة. لكن بدا ذلك دون جدوى، حيث تكرر الأمر هذا العام وعادت اللجنة لتحذر سلطات هذا البلد من التمادي في الإنحراف عن التزاماته الدولية بحقوق الإنسان. وهذا الأمر نبه له مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان أيضاً وأطراف دولية عدة، كما لفتت منظمات غير حكومية وأحزاب يسارية النظر لتصاعد الحوادث العنصرية المرتبطة بظاهرة الخوف من الإسلام والترتيبات المتخذة ضد اقليات عرقية، وأنزلت الآلاف للشوارع في مظاهرات حاشدة وشلّت حركة البلد بالاضرابات. فتحت مبرر القيام ب “إصلاحات” ومواجهة أوضاع خاصة، تُستهدف هذه الأقليات الدينية والعرقية بقرارات أو توصيات، تحرم البعض من الجنسية بذرائع أمنية أو جرمية وتمنع البعض الآخر من التصويت وتفرض القيود على التنقل وتستبعد آلاف الأطفال من التعليم وتعمد للترحيل القسري للمئات واللجوء لما يعتبر أسلحة تدمير للمواطنة والكرامة الإنسانية.

للأسف، هذه الإجراءات التي تقتات من تهييج العواطف على حساب إعمال العقل، تتنامى على حساب قيم الجمهورية وكل ما تبقى من اعلان حقوق الانسان والمواطن والثورة الفرنسية. فالمادة 16 من دستور 1958، الذي يعلن تمسكه بحقوق الإنسان، فسحت لرئيس الجمهورية الحق باتخاذ الاجراءات الاستثنائية عند الضرورة. وهذا ما يتم الآن باسم أمن الوطن، لكن بانتهاك فاضح لأولى مواد الدستور الفرنسي نفسه التي ترفض أي تمييز بين المواطنين على أساس الأصل أو اللون أو المعتقد. ولو استمر الأمر بالتراجع على هذا المنوال، كون الحبل على الجرار عبر التحضير لما يسمى “إصلاحات” قبيل الانتخابات الرئاسية، فقد تصبح اطروحات مبادئ حقوق الإنسان مجرد وجهة نظر في أعرق الديمقراطيات. هذه القوانين الاستثنائية التي تتتابع متجاوزة برعونتها التوجهات الأوروبية في هذا الشأن، هي لا تقتل الحريات وتجهز على مبادئ وقيم الجمهورية فقط، وإنما تحوّل الأنظار بالأخص عن مشاريع القوانين التي تضرب حقوق العمال والكادحين، وعن السياسات التي تؤثر سلباً على ملايين البشر بسبب وضعهم الاجتماعي أو أصلهم، في وقت تزكم الأنوف رائحة فضائح سرقة المليارات من أقلية تنعم بمكاسب حرام.

هذا غيض من فيض مما يشهده الواقع اليوم حول جمع اليمين الأوروبي أصواته بالضرب على وتر الهجرة وباتباع سياسات ابعاد ومضايقات لطالبي اللجوء تزداد سنوياً. وحيث أن كلفة إبعاد المهاجر غير الشرعي تصل ل27 الف يورو، مع ذلك جرى السنة الفائتة طرد ما لا يقل عن 29 ألف أجنبي على سبيل المثال من فرنسا. رغم أن المفوضية الأوروبية تدعو لاتباع سياسة استيعاب لمليوني مهاجر كل سنة في أوروبا، كون التقديرات تشير لنقص خمسين مليون عامل بعد نصف قرن من الآن، بما سيتسبب بحدوث أزمة عمل وبنقص ديمغرافي كبير.

أولى خطوات مقاومة العنصرية تكمن في رفض منطقها التمييزي ومواجهته بالتعاون بين كل الأطراف من مختلف الأصول والعقائد والثقافات ضمن جبهة عريضة موحدة تعمل على تفكيك منهجها في العقول وانتزاع انتصارات فعلية على الأرض. كذلك، من أجل تنظيم حركة البشر وحماية الجماعات المستضعفة، يتوجب الشروع جدياً – بعد المحاولات الفاشلة حتى اليوم- لتشكيل مؤسسة دولية فاعلة من كل الأطراف المعنية (مسؤولين من البلدان المصدرة والمستقبلة وممثلين عن المهاجرين أنفسهم) يعهد لها أمر إدارة هذه الثروات البشرية المتنقلة. وذلك انطلاقاً من احترام حقوقها والاستفادة من طاقاتها وخبراتها، وتعريفها بما لها وما عليها وبظروف البلد المقصود، وتقريب الصورة المنسوجة في مخيلتها من الحقيقة على الأرض. كذلك تجنباً للمفاجآت وإهدار الوقت والمال بعد خسارة الأهل والوطن، وكي لا يبقى مصير المهاجرين رهن هذا النوع من السياسيين في بلدان الاغتراب.