تردي أوضاع حقوق الإنسان في الكويت … فيوليت داغر

في ظل وضع محلي وإقليمي تتجاذبه الأعاصير السياسية وتردي الأوضاع الإنسانية، تحاول دولة الكويت أن تظهر بمظهر من ينأى بنفسه عن مشهد التعديات المعهودة والمتلاحقة في دولنا العربية، والخليجية منها بنوع خاص، على حقوق الإنسان. لكن ومع شديد الأسف، يمكن القول أن واقع الحال على الأرض يتباين تماماً مع هذا العنوان الذي تنشده. فبيانات المنظمات الحقوقية والإنسانية تتوالى وهدفها تحذير السلطات الكويتية من التردي المضطرد لأوضاع حقوق الإنسان في البلاد وتراجع الحريات التي نص عليها دستورها. وذلك عبر مجموعة قضايا هي في أي بلد يرفع شعارات الديمقراطية، ليست سوى مجرد تعبير عن رأي، خاصة في ظل عصر تقنية المعلومات والتواصل الاجتماعي الإلكتروني.

يمكن القول أن السجون الكويتية اكتظت بسجناء الرأي، كما ونشأت ظاهرة تعتبر غريبة نوعا ما على هذا المجتمع، وهي ظاهرة لجوء العديد من المحكومين بقضايا الرأي إلى دول أخرى تتيح لهم التعبير عن رأيهم. مما ساهم في تعزيز انقسامات حادة أحيانا في المجتمع الكويتي بما يخص ممارساته السياسية.

إن متابعتنا للأحكام القاسية التي صدرت مثالاً ضد النائب السابق في البرلمان الكويتي والناشط الحقوقي عبد الحميد دشتي والتي جاوزت 55 عامًا من السجن، لمجرد ممارسته حرية إبداء الرأي في ما يجري من انتهاكات لحقوق الإنسان في محيطه الخليجي والعربي، أو للناشط على صفحات التواصل الاجتماعي عبدالله الصالح الذي حوكم لمجرد الإدلاء برأيه بخصوص الأزمة الخليجية الراهنة، أو غيرها من عشرات الحالات التي ما زالت تتابع أمام القضاء الكويتي أو صدرت فيها أحكام بالسجن ودفع الغرامات، كل ذلك يدلل بالبنان على مخالفات صريحة لدستور الكويت وللمواثيق الدولية التي وقعت عليها هذه الدولة. كذلك وردتنا أنباء عن تضييقات غير مبررة أو مقبولة مورست ضد أبناء المذهب الشيعي في الكويت، ومنها تقليص حرية ممارسة العقيدة عبر اتخاذ عدة إجراءات من مثل ترحيل خطباء الحسينيات ومنع المضائف التي ترافق ممارسة الشعائر الشيعية المعتادة.

لقد سبق ونبهنا سلطات الكويت، عبر بيانات ومتابعات ووسائل عدة، من خطورة الانتهاكات الممنهجة ضد الحريات وحقوق الإنسان. ذلك أساساً عبر متابعتنا لقضية ما يسمى “خلية العبدلي” والتي كما كنا قد أشرنا شاب محاكمتها الكثير من التعديات. من أبرز ما سجلناه هنا التعذيب الذي مورس على الموقوفين والمثبت بأوراق الطب الشرعي الكويتي، فيما لم تلتفت له المحاكم الكويتية، في تجاوز صريح للمبادئ القانونية المتفق عليها في دول العالم. الأمر الذي كان المدير العام للمباحث الجنائية بالإنابة اللواء محمد الشرهان قد أكد عليه في اعتراف له خلال لقاء مع جريدة القبس الكويتية بتاريخ 19 ديسمبر 2017، حيث أشار لوجود حالات تعذيب في المباحث الكويتية. أيضا، كان للقضاء الكويتي أن يفاجئنا بإصدار حكم التمييز في حق المتهمين في هذه القضية الذي خالف قواعد محاكم التمييز. هذه المحاكم يفترض أنها لا تبحث في الأدلة وموضوع القضية، بل في مدى تطابق الحكم مع القوانين المعمول بها بالبلد. لكن محكمة التمييز الكويتية في قضية العبدلي خاضت بتفاصيل الأدلة والموضوع دون منح مجموعة دفاع المتهمين حق الترافع في الموضوع والأدلة. كذلك رفضت طلب المحامين إعادة التماس النظر في القضية إثر تبيانهم التجاوزات التي شابت الحكم الصادر.

كنا قد نوهنا أيضاً للحالة الصحية الحرجة للمعتقل السيد زهير المحميد والتي لم تلتفت لها السلطات الكويتية، متجاهلة مطالب علاجه الإلزامي، وهو الذي يفترض أن يخضع لعملية قسطرة في القلب ويعاني من أمراض عدة وأوضاع سجنية تؤزم حالته الصحية. هناك كذلك حالة صحية أخرى للمعتقل على ذمة قضية اقتحام المجلس السيد عباس الشعبي وزملائه الذين أعلنوا الإضراب عن الطعام. اللافت في الأمر التمييز الصارخ بين المعتقلين، حيث في حين يتم تشديد غير مبرر على البعض، يتمتع البعض الآخر بمزايا، من مثل توفير سائر الطلبات الاستهلاكية والظروف المعيشة وكل أسباب الراحة التامة ومنها فتح باب الزنازين، وهي شروط ينبغي أن تعمم على الجميع ولا ينفرد بها جزء دون غيره. وزير الداخلية الكويتي بعينه اعترف بوجود هذا التمييز، وذلك في جلسة البرلمان الكويتي التي عقدت بتاريخ 10 يناير 2018، حيث أكد أن سجناء قضية اقتحام البرلمان يتمتعون بمعاملة خاصة. نذكّر بهذا الصدد السلطات السجنية والسياسية في دولة الكويت بأن عقوبة السجن هي عقوبة لتقييد حرية التنقل فقط، بينما بقية الحقوق لا يحق لأحد أن يسلبها. وإلا فهو يمارس مخالفة صريحة لكل المواثيق التي وقعت عليها الكويت.

في الأخير نتساءل إلى أي حد ستبقى السلطات الكويتية رهينة ضغوط وابتزاز الأطراف التي ترمي لهدم التجربة الديمقراطية التي كانت يوماً ما رائدة في هذا البلد، وإلى متى زمن تطبيق مواد الدستور الكويتي والالتزام بالمواثيق الدولية ووقف ملاحقة الرأي والمحاكمات السياسية والإفراج الفوري عن المظلومين ومراعاة الحالة الصحية للسجناء ؟ أوليس الالتزام بمبادئ العدل والمساواة هو السبيل ليتصالح الشعب مع نفسه ومع نظامه وليتم إنقاذ البلد من التهلكة ومن خوض غمار التجربة المريرة والمدمرة التي خبرها أشقاء آخرون؟

د. فيوليت داغر

باريس، 16 يناير-كانون الثاني 2018