تحولات في زمن الثورات العربية – فيوليت داغر

من البديهي أن تكون التحولات الجارية في المنطقة العربية مدعاة اهتمام وقلق كبيرين للعديد من دول وشعوب العالم، في وضع شديد التعقيد والارتباط على الصعد المحلية والإقليمية والدولية. مما حفز الكثيرين للدلو بدلوهم ودخول حلبة الرهانات ومعركة لي الذراع، خاصة وأن الغرب يرى بالثورات العربية تهديداً للنظام الدولي عندما تخرج عن رقابته. لكن من جانب آخر، ومع صعود قوى دولية جديدة، تتعقد الصراعات وتتضارب المصالح المتناقضة لللاعبين حيث تخضع لحسابات تتعدى مصلحة الشعوب المنكوبة وتتجاوز أحياناً كثيرة الاعتبارات الاخلاقية والنواظم الحقوقية في العلاقات الدولية. ذلك في الوقت الذي تولي الشعوب المنتفضة أهمية قصوى ليس فقط لتغيير الأنظمة التي قامت الثورات ضدها، وإنما أيضاً للربط بين وقف التبعية السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والعسكريّة التي كانت سائدة في عهدهم للدول الغربيّة ولحليفتها دولة الكيان الصهيوني.

الأمر الذي يطرح السؤال عن علاقة الاحتجاجات الشعبية العربية بالسلم الاقليمي والاستقرار الدولي، كما بالمشاريع التفتيتية المنطقة؟ السؤال عن مدى إمكانية حصول تحول في نمط العلاقات السائد بين الشمال والجنوب، لآخر أكثر انسانية تحكمه رؤى بعيدة المدى وحكمة في رسم السياسات والتحالفات؟ كما عن دور وتأثير القيم العالمية المشتركة، ومنها منظومة حقوق الإنسان، في صياغة البدائل للأنظمة المتهاوية؟ فالامعان في نشر الفوضى وزعزعة السيادة، عبر القوة الناعمة أيضاً التي تعتمد على دغدغة المشاعر وتسفيه العقول من خلال اعلام مأجور ومرتهن لهذه الدول المهيمنة وسياساتها، لا يمكن أن يبقى سيد الموقف. كذلك الأمر بخصوص السياسة الدولية المتبعة حيال القضية الفلسطينية التي تبقى قضية القضايا، والامعان في الاعتماد على ازدواجية المعايير المتبعة من طرف مؤسسات دولية يفترض أنها تحمي السلم الدولي، ومثال على ذلك ملف التسلح النووي الإيراني الذي أريد له أن يزيح الأنظار عن الكيان الصهيوني وترسانته الضخمة. إلى متى تبديد الأموال على الصراعات والتآمر والتسلح، على حساب الحق في التعليم والعمل والصحة والحق في الحياة، رغم كل ما يقال عن الجهود الجبارة المبذولة دولياً لانقاذ هذا العالم من الدمار المحقق.

وعليه ليس بالامكان الحديث، من منظوري عن “ربيع عربي” كما يسمي ذلك البعض. لكن إذا لم يُترك لهذا الربيع أن تُزهر براعمه وفقاً للمأمول منه، لأسباب سأفصلها لاحقاً، ذلك لا يعني أنه لم تحصل في المنطقة العربية خلال السنة الفائتة تغييرات هامة ونوعية. علماً أن الثورات ليست إلا تتابع مراحل تشهد مداً وجزراً قبل أن تستكمل سيرورتها. وهي معركة إرادات وحرب وجود في مبارزة لم يلق بعد أي طرف سلاحه.

بدايات مشرّفة

عاشت المنطقة العربية إذن أحداثاً جمة وانقطاعاً في سيرورة كانت سائدة لعقود طويلة. وأهم ما فيها الصحوة ضد ما ومن ضاقت بهم ذرعاً شعوبها وأرادت تغييرهم مهما بلغت كلفة الخلاص منهم. جرت تحولات باتجاه قطع مع ماضي من العسف، بكسر حاجز الخوف ونشدان الحرية والكرامة والعدالة ودك مداميك الاستبداد والفساد.

من منظور علم النفس، رأينا عند الجموع المحتشدة رغبة عارمة في التعبير عن انتصار قوة الحياة على قوة الموت في صراعهما الأزلي، حسب المفهوم الفرويدي. وكان في صيحة “كفى” رمزية هائلة للقطيعة مع قوى التدمير بما فيها الذاتية. لقد أرادت الشعوب، وخصوصاً قواها الشبابية، تغيير الأشخاص كما المؤسسات والقوانين التي تحكمها والقواعد المتعارف عليها.

خروج الجيل الشاب، بنسائه ورجاله، للشارع سجّل منعطفاً هاماً كسر الصورة النمطية المتعارف عليها، بعدما كان يعزى لهذه الشرائح العمرية عدم اكتراثها بالسياسة وانصرافها لأمورها الشخصية وأحياناً التافهة. فهؤلاء هم من دفعوا أغلى الأثمان عندما خرجوا بصدور عارية لمواجهة القوى النظامية المدججة بكل الأسلحة. وهم من بقوا في الساحات بعدما هجرها الكبار، وجازفوا بحياتهم ليوصلوا للعالم مشاهد القتل والدمار عندما منعت الأنظمة المتهاوية الصحافة الحرة من ممارسة دورها. وإن اعتبرتهم بعض قوى الثورة مطية لتحقيق مصالحها، فافتقارهم لرموز مؤهلة تمثلهم في المفاوضات حمل جانباً ايجابياً، في منطقة من العالم تطغى فيها صورة الأب المثال والقائد الملهم والرمز الكاريزمي والزعيم التاريخي ومخلص الشعب. هذه الحالة الثورية حملت رمزية هائلة: ألا وهي العلاقة بالأب، وجدلية الصراع معه ليعبر الإبن على جسده ويشق طريقه في الحياة بحرية، بعيداً عن لازمة “الكبير يرشد والصغير يستمع وينتصح”، عندما تتكلس وتصبح “لا مكان لك بوجودي”.

بدورهن، الفتيات والنساء كسرن الصورة النمطية عن المرأة العربية، عندما خرجن بأعداد مهولة (خاصة في اليمن) إلى جميع الساحات وشاركن بقوة في كل البلدان التي شهدت حراكاً ثورياً قد يفضي لتغيير حاسم في اوضاع بلدانهن. لكن من غير المؤكد أن ينعكس هذا التغيير ايجاباً على أوضاعهن في ظروف مد إسلامي سلفي، وكنساء يعانين من التمييز في مجتمعات ما زالت لم تدرك فيها صفة المواطنة لتدرك منزلة المرأة.

كذلك خلافاً لما قيل، وعلى الرغم من صفحة “كلنا خالد سعيد” في مصر أو ما شابهها من صفحات في أماكن أخرى، لم يكن للفيسبوك وللتقنيات المعلوماتية الفضل الكبير في تحريك المنتفضين على الوضع القائم. فالمعلومة انتقلت، في كثير من الأحيان، بوسيلة بدائية على طريقة “الهاتف العربي”. والشباب الثائر لم يعتمد، على الأقل في البداية، على هذه الوسائل، كونه كان يحرص على السرية وعنصر المفاجأة. إلى جانب أن ذلك لم يكن دوماً متاحاً، بالنظر لمحاولات تطويق الأنظمة القمعية لهذه الوسائل أو قطعها أحياناً جملة وتفصيلاً. قبل سقوطه، لجأ نظام مبارك لقطع خطوط الانترنت والهاتف المحمول، من باب الضغط على التحركات الشبابية وبعثرتها. كذلك فعل القذافي والأسد وغيرهما، بما أعطى الحراك دفعاً تصعيدياً بدل تطويقه.

هذه التقنيات لا تلغي بالمقابل تسهيل التواصل بين مختلف الفئات، وتسريع إيصال الصورة للعالم، والتعريف بما يجري عندما يتمكن العنصر البشري من تصوير المشاهد لحظة وقوع الحدث ونقلها للفضائيات. خاصة مع تغيب أو تغييب الصحافة والإعلاميين من طرف الأنظمة القمعية ومنعها من متابعة ما يجري. لكن الإقرار هذا بدور هذه التقنيات الهام شيء، واعتبارها محرك الثورات شيء آخر..

كان لما جرى في ساحات التحرير أن لوى بدوره عنق عدة مقولات واعتقادات عن الشعوب العربية، ولم ينجح عامل التخويف من الحرب الأهلية والفوضى بلجم صحوة الجماهير. لقد رأينا على سبيل المثال كيف أنه في بلد مثل اليمن ينتشر السلاح في كل بيت، لم يمسك أحد بسلاحه طوال أشهر عديدة خرجت فيها الجماهير للشارع وضربت المثل بانتظامها وسلميتها. وذلك رغم مراوغات ومكائد الرئيس اليمني المخلوع لتوريط الثوار واستفزازات نظامه لجرهم لمعارك مسلحة في بلد قبلي يسهل إشعال النيران في حراكه الشعبي. كذلك كان الأمر في سوريا، حيث كان السلاح يلقى منذ الساعات الأولى للحراك في درعا في اماكن عامة. لكن الشبيبة كانت تعي أن الخضوع لاغراءاته سيضرب لحمتها، فقاومت ذلك لشهور قبل أن تلجأ بعض الأطراف المتحمسة، و/ أو ذات النوايا المبيتة والمأجورة لأطراف إقليمية ودولية، لاستعماله بحجة الدفاع عن النفس والعرض. مع ذلك، أكثرية ما زالت ترفض هذا الخيار وتصر على سلمية التحركات ولا طائفيتها وتقاوم تدويل القضية عسكرياً وتدفع الأثمان الباهظة بعد مرور أكثر من سنة على بدء الحراك.

وصلت الأمور قبل سنة ونيف من الحراك الثوري، وبعد تراكمات نضالية عديدة في عدة بلدان عربية، لطريق لا رجعة فيه، حيث نشدان الديمقراطية ومطالب العدالة ودولة القانون تستحق التضحية بالحياة. وتباً لها من حياة إن كانت ذليلة يتحكم فيها ذئاب الثروة والسلطة برقاب العباد، وكأن هؤلاء أملاك لهم في مزارع تسمى أوطان. بهذه القطيعة مع الواقع المعاش، لن تعد عقارب الساعة للخلف ولم يعد الزمن هو الزمن الذي كان معهوداً. بات الأمل مجسداً في بعض انجازات يمكن لمسها والبناء عليها لمزيد من تقدم وتسارع في الخطوات.

باختصار النقطة الأساسية هي أولاً وأخيراً هذه النقلة عند الإنسان العربي الذي زامن الحدث من مجرد مفعول به إلى فاعل، يمسك بزمام قدره عبر إرادة التغيير وكسر المنطق السائد. فحتى ولو لم تكن السياسة مجالاً معروفاً لكل البشر، هناك حس شعبي قد استيقظ بضرورة وقف استمرار الظلم والمهانة بكل ما أمكن من وسائل وإسقاط من كانوا سببها. وهذا وحده شديد الأهمية. فالشعوب العربية تمتلك ما تتحلى به شعوب العالم من امكانات خلاقة وحب للحياة وشعور بالكرامة وتوق للانتصار للحق والعدل. ذلك لا يحتاج للاثبات، بل يدحض نظريات عنصرية واستعلائية عند مستشرقين ومن يسمون بباحثين في مراكز دراسات، لم تنل أطروحاتهم هذه من موضوع أبحاثهم بقدر ما طعنت في علميتهم ومهنيتهم وبموضوعية عملهم.

في أسباب ودوافع الحالة الثورية

من هذه الأنظمة المتداعية من أتى بعد انقلابات وثورات على الاستعمار وركب موجة الاستقلال الوطني. من أوهم الشعوب بتحقيق الانجازات في البناء والتنمية، وبسط السيادة الوطنية على كامل التراب وداخل المؤسسات الجديدة. من سعى لتوريث السلطة بعد مماته أو خلال عهدته لابنائه وكأنها ملكيات تنتقل برابط الدم.. لكنهم فشلوا فشلا ذريعاً في إدامة تمرير ما اعتقدوا أنه بضاعة رابحة لتنويم الشعوب. وما سقوط بعض القابضين على زمام الحكم في هذه المنطقة إلا ارسال لبعض من أولياء نعمتهم ومن وقفوا خلفهم من ممسكين بالقرار في دول عظمى أو أقل عظمة للجحيم. فالشعوب تدرك أنه لولا دعم هؤلاء لما استمر حكامهم طوال هذه الفترات المديدة بالتحكم بقدرهم وارتكاب المعاصي بحقهم.

نبعت الثورة إذن من تراكمات ومنها هذا الشعور بالمهانة من الارتهان للغرب واضاعة الحقوق لصالح طغاة ارتضوا أن يكونوا مجرد عملاء لقوى إمبريالية وضعت الخرائط وقسمت المنطقة فيما بينها لوضع يدها على ثرواتها. ثم ثابرت على تفتيتها بالمكائد والمؤامرات، لمصلحة كيان صهيوني استيطاني ذرع كالسرطان في خاصرتها مقابل تشريد الفلسطينيين، شعب الأرض الأصليين.

يقول المستشار طارق البشري في مقالة له: لم يُطح الشعب المصرى وقواته المسلحة بحسنى مبارك وينهوا نظامه وجماعته الفاسدة، لمجرد أنه كان حاكما فردا مستبدا، بل كان السبب الأهم لفساده واستبداده هو ومن معه أنه كان ينفذ المشيئة الأمريكية والإسرائيلية فى الشئون المصرية، ويعلو بموجبات هذه المشيئة على الصالح الوطنى العام للشعب المصري وبلاده.

هذه القوى الدولية كانت تلجأ في كل مرة لشعارات واستراتيجيات جديدة للهيمنة. آخرها كانت حملات وحروب شنت باسم محاربة الارهاب – وهنا المقصود دين بعينه يعتبر ليس كباقي الأديان. أي أنه بطبيعته ارهابي ويختصر لفكر سلفي حيث أبرز من تمثله القاعدة. بما برر ايقاف عمل جمعيات انسانية بقرارات عشوائية تستغبي البشر وتهين عقلهم وعواطفهم. كذلك كان المبرر استئصال اسلحة الدمار الشامل من بلدان بعينها – دون غيرها ومن يمتلكها حقيقة-، وغيره من شعوذات ومس جنوني لحكام اعتقدوا انهم ظل الله في الارض يأمرون فيطاعون. لقد أتاح لهم هذا الاستئساد الباتولوجي التلاعب بمصائر البشر والقفز فوق القوانين الدولية حيث سادوا ومادوا حتى الثمالة.

وقد عاظمت الإمبريالية من غيها بتشكيل مؤسسات دولية سياسية وقانونية واقتصادية لتفرض من خلالها ما أسمته إرادة المجتمع الدولي وبما يتلاقى مع مصالحها. كما لجأت لازدواجية المعايير لرفع من تريد لمرتبة عليا ولو ضربت بعرض الحائط المواثيق والقوانين والأعراف الدولية. وكانت التدخلات في سيادة الدول عبر أبواب المشاريع التنموية والهيكلة البنيوية وسياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وما إلى ذلك من وسائل أمعنت في تهميش وإفقار الشعوب لصالح أقليات تحكمت بالعالم واقتصاداته. وليس من قبيل الصدفة أن يكون الشباب المتعلم العاطل عن العمل أو سكان المناطق الاكثر فقراً وتهميشاً في طليعة الذين خرجوا للساحات ورفعوا شعار إسقاط الأنظمة.

وإن كان تجبّر القطبية الواحدة قد ساهم في تورعها بارتكاب الموبقات ومضاعفة احتقان المرجل، فالسياسات الأوروبية، التي امعنت في الحاق جنوب البحر المتوسط بها من منطق التبعية وليس السيادة او تقاسم الأدوار والثروات بالعدل، هي أيضاً مسؤولة عما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية. ومن أبرز سياسات التعاون والمساعدات التنموية اتفاقية برشلونة التي كشفت الوجه القبيح لهذه العلاقات، وجاءت تحت ذرائع محمودة لتكرس علاقات الهيمنة ومضاعفة الغنائم والتحكم بسياسات الدول العربية، مثلما كان عليه الوضع في زمن الهيمنة الاستعمارية، لكن بأشكال أقل عنفية ظاهرياً. ونتساءل لماذا يعود استعمار العالم الرأسمالي لهذه المنطقة ومن دون غيرها من العالم الثالث الذي هجره إن لم يكن لما يزخر به من ثروات وأهمها النفط.

بكل الأحوال، أثبتت منظومة حقوق الانسان والآليات الدولية التي وضعت لحماية هذه الحقوق فشلها بعد اكثر من ستين عاماً على استحداثها. وعندما تم الترويج لما يسمى بالخصوصيات الثقافية والدينية كان ذلك لتبرير عدم اثارة الانتهاكات على صعيد واسع ولإقناع الشعوب بأنه لا جدوى من مخالفة إرادات حكامها. واليوم تعتمد سياسة ‘استنزاف’ الثورات لمنع الحسم وتحويلها لاحتجاجات محدودة التأثير، أملاً بأن تتلاشى روح الثورة ويفتر الحماس للتغيير. وإن أصر الثوار على رفض ‘مكرمات’ الأنظمة بالاصلاحات من فوق، بات اللجوء للعنف المفرط مبرراً. ذلك على امل إحداث ردود فعل مقابلة تمارس العنف المضاد وتحول الثورة لحالة احتقان امني يستدعي القبضة الحديدية والحلول العاجلة لإيقاف العنف.

زمن الانتكاسات وقوى الردة

إذا كانت الأسباب هي تقريباً نفسها وراء هذه الثورات، وإن اختلفت بعض مظاهرها من بلد لآخر، فالنتائج التي أسفرت عنها حتى اليوم هي إدامة عمر الأنظمة البائدة بإطالة الصراع، وتهديد وحدة المجتمع بالتدخل الخارجي أو التفتيت الداخلي، كما وصول أحزاب اسلامية للسلطة وتحييد من عداها ممن كانوا في أصل هذه الثورات، خاصة مع بروز مقلق لقوى أصولية تهدد السلم الأهلي.

التيارات السياسية الاسلامية

فمن ناحية، هناك تيارات سياسية راكمت النضالات ضد الفساد والاستبداد وقوى مدنية نشدت المساواة والعدالة وقيم التسامح واحترام الاختلاف وحركات شبابية نزلت قبل غيرها للساحات بشكل سلمي وعفوية ووطنية. ومن ناحية أخرى، خرج من القمقم تيارات إسلامية طغت على المشهد ومنها اتجاهات أصولية عطلت الفكر وأوقفت سيرورة التقدم، خاصة مع اللجوء للسلاح تحت تأثير خطاب إيديولوجي منغلق على ذاته. بما يطرح السؤال عن الهدف من تقويض القوى الحداثية والعلمانية عبر عملية انتخابية يفترض أنها ديمقراطية؟ هل كتب لشعوب المنطقة التخلص من استبداد خبرته لتقع في آخر أشد وطأة كونه مغلف بجلباب القداسة، يصادر الثورة وينادي بالقضاء على الكفار والملحدين وإخضاع من عصى لإرادة الله المتمثلة برموزه على الأرض؟ وهل مآل السياسة الغربية استيعاب القوى الاسلامية التي تعيش اليوم دورتها التاريخية، وتشجيع الانقسامات فيما بينها ومع من يخالفها التوجه للإمعان في شرذمة وتفتيت المجتمعات العربية؟

في دراسة بعنوان ” القرن الأمريكي الجديد” يبدو واضحاً سعي الادارة الأمريكية لتوظيف المتغيرات في المنطقة لصالح استراتيجيتها. وأكبر تحد للوضع الأمريكي في الشرق الأوسط خلال القرن الواحد والعشرين هو كما تؤكد الدراسة أنه بحلول الربع الاول منه سيشكل المسلمون 30% من عدد سكان العالم. مصر ستصبح بحدود 120 مليون نسمة قبل حلول منتصف القرن وسوريا قوة سكانية كبيرة مع 50 مليون نسمة وإيران ستتجاوز 160 مليون نسمة. وسيضاعف من تأثير الهيكل السكاني لهذه الدول تضخم حجم الشرائح العمرية الشابة، التي تتميز بوعي وطني متصاعد، وبروح مقاومة أشد قوة ضد سيطرة الغرب.

يعتقد بعض المحللين الغربيين أن وصول الإسلاميين للحكم في أكثر من بلد عربي، بعدما كانوا الفزاعة التي مدّت لعقود حكم الأنظمة المتهاوية، هو من طبيعة التشكيلة المجتمعية. لست ممن يسلم بهذه الأطروحة، وإن كان من الصحيح أن التيارات الإسلامية تبدو متجذرة في المجتمعات العربية أكثر من قوى اليسار والعلمانية. لكن ألم يكن وبالاً على هذه الأخيرة ما عاثته في الأرض فساداً أنظمة حكم دعيت زوراً وبهتاناً بالوطنية والعلمانية والتقدمية، ثم لم تتوان عن توجيه ضرباتها شمالاً ويميناً دون فرق حيث ما يهمها هو فقط بقاءها في السلطة؟ وحيث لا يستطيع أحد أن يحتكر لنفسه نياشين التعرض لتجارب القمع والسجن والتهميش والنفي ولا يجوز أن يقايض بها وصوله للسلطة، يجب أن لا يغب عن أذهاننا حقيقة الدعم المالي الكبير للقوى الاسلامية على حساب من عداها من طرف أنظمة الرجعية العربية وخصوصاً الخليجية. مما أتاح لها الوصول للبرلمان والاستئثار بمفاتيح السلطة التنفيذية، دون أن يعكس ذلك بالضرورة حقيقة الحس الشعبي أو يكافئ من كانوا فعلاً في مقدمة الاحتجاجات أو أصل الحراك.

في الحالة المصرية، لم تدعو حركة الاخوان المسلمين للنزول للشارع في بدء التحركات. لكنها لم تلبث أن تبعت ركب القوى اليسارية والقومية والليبرالية والعمالية، ونزلت للساحات بعدما تيقنت من أن شبابها لن يمتثلون لأوامر قيادييهم. وهي لم تجارِ فيما بعد حراك الشارع في مجمل الأوقات، بل اتهمت بمسايرة المجلس العسكري، مثلما كانت من قبل قد اتهمت بمجاراة نظام مبارك من خلال تفاهمات عقدت في بعض الاحيان في الخفاء.

لقد اتخذت قوى الثورة في مصر مسارين مختلفين يتعلقان بأولوية الدستور أم الانتخابات. ورجحت كفة الاسلاميين على التجمعات العلمانية والليبرالية عندما انصرفوا لانجاز الإعلان دستوري والتصويت عليه وصولاً لانتخابات برلمانية كانت فيها قواهم، بما فيها من هم على يمينها، الفائز الأكبر. بدا ذلك تنكراً لتضحيات من كانوا رأس الحربة في انطلاقة الثورة، إلى أن انقلب مؤخراً الاسلاميون على من هادنوه، أي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بعد استبعاد ترشيح خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية. فنزلوا للميدان في مليونية 20 أبريل/نيسان 2012، وهم الذين كانوا سابقاً يضعون شرعية البرلمان بمواجهة شرعية الميدان. كذلك انتهى الاسلاميون لمعارضة اللجنة المشرفة على انتخابات الرئاسة والاعلان الدستوري والمادة 28 منه، بعد أن كانوا قد دافعوا عن هذه المادة التي منعت الطعن بقرارات اللجنة المشرفة على الانتخابات من منطلق تحصين موقع الرئاسة. أي هناك ارادتان تتصارعان بعيداً عن الطروحات الوطنية الجامعة: إرادة الإسلام السياسي التي تتمتع الآن بأكثرية برلمانية ووزن تشريعي ومالي وامتداد اقليمي ودولي، وإرادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة بما له من ثقل تنفيذي وعسكري وأمني. وقد تصل هذه المواجهة لصدام يزيد من توتر وارتباك المرحلة، في صراع على النفوذ والغنائم وانفراد بالقرارات وتجاهل للإرادة المدنية التي هي الطرف الثالث الذي همشه الطرفين إلا عندما يحتاج له.

ليس الهدف من هذا الكلام فتح النار على أي طرف بل التحليل الموضوعي للمشهد. لقد كنت من بين القلة القليلة التي تجشمت عناء التواجد عديد المرات في القاهرة للدفاع عن الشاطر واخوانه ضد انتهاك حقوقهم في محاكم عسكرية. لكن وجهات النظر النقدية مطلوبة بمواجهة هيمنة طرف على من عداه، أو بروز اتجاهات دوغمائية متصلبة في مواقفها تحارب من يخالفها الرأي، بحيث يدفع الجميع ثمناً باهظاً في نهاية المطاف. فأي جماعة مغلقة تتشكل على أساس إيديولوجي وخصوصاً ديني لا تسمح، حسب ما يذهب إليه محمد نبيل جامع، بالانضمام لها إلا لمن هو مثلها أو يقبل بإيديولوجيتها والتي على أساسها تتشكل مؤسساتها. هذه الجماعة المغلقة، التي يسود فيها مبدأ الاختيار بناء على “أهل الثقة” وليس الكفاءة، وتمارس التحيز والمحسوبية لصالح أعضائها بالنظر للرابطة القوية التي تجمعهم، لا يمكن أن يتحملها اي مجتمع متعدد الأعراق والثقافات والانتماءات. أما اللعب على وتر الثنائيات المتعارضة فيجرّ لعواقب لا تحمد عقباها، أكان ذلك باسم المذهبية أم الطائفية أم القومية أو لمجرد الاختلاف الأيديولوجي، كما هو الحال مع المواجهة بين العلمانيين والإسلامييين في المجتمع التونسي المتجانس عرقياً وطائفياً.

في الحالة التونسية: إن التغييب الكبير للقوى الإسلامية قبل الثورة التونسية لم يكن يشي بوصولها من خلال عمليات الاقتراع لمقدمة الصفوف. وهي لم تكن حتى في أصل حركات الاحتجاج ولم تترشح لانتخابات المجلس التأسيسي، بعكس ما حصل في مصر وفوز حزب النور السلفي في الانتخابات التشريعية بحجم مقاعد شكل مفاجأة الانتخابات. لكن المال السياسي كان له دوراً كبيراً في إيصالهم. والخطر الماثل اليوم هو في وقوف الأصولية الاسلامية بالمرصاد ليس فقط للعلمانيين، بل للأحزاب الإسلامية التي توصف بالوسطية. ففي حين يرى حزب النهضة أنه يجب بث القيم الإسلامية تدريجيّاً، ومن خلال المؤسسات الديمقراطية، ترى تيارات سلفية أن الديمقراطية هي تعدٍّ على سيادة الله عبر تنصيب بشر في موقع المشترع. هذا السجال بين الإسلاميين قد يصبح ساحة معركة حقيقية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها تونس والتي يخشى من أن تختبر شيئاً من الفاشية، كما ينبه لذلك الكثيرون.

من المختصين من يربط بين السلفيين الجهاديين التونسيين وشبكة “القاعدة” الدولية، حيث تتشابه أسماء التنظيمات التي يعملون داخلها مع أخرى في اليمن، كما تتشابه أساليب عملهم. وحيث يشار لتورط بعضهم في هجمات مسلحة داخل وخارج تونس، اشتهرت عمليات انتحارية لجهاديين تونسيين في العراق بعدما تحولوا إليها من أفغانستان. إلى أن عاد الكثير منهم بعد الثورة التونسية إلى بلدهم وأصبحوا يتحركون علناً وبمعرفة الأجهزة الأمنية. وهم لا يخفون هدفهم بإقامة حكم إسلامي ولو على نطاق ضيق، أملاً بتوسيعه فيما بعد.

كذلك خرج بعد انتصار الثورة التونسية مئات من العناصر السلفية المرتبطة بتنظيم «القاعدة» أو بما تفرع عنه من السجون، في إطار العفو عن السجناء في آذار/مارس 2011. وشكلوا جماعات لجأت لاستخدام العنف، في مجتمع معروف تاريخياً باعتداله ووسطيتة. فالحركة السلفية التي عرفت في أواخر القرن التاسع عشر لم تكن سوى جزءاً من حركة الإصلاح والتنوير المنادية بالتغيير السلمي. لكن سلفيو اليوم لم يتورعوا عن ملاحقة النساء في الشوارع لحثهن على ارتداء الحجاب أو النقاب والهجوم على مكتبات وتمزيق كتبها وتهديد اصحابها بحرقها. كما أغاروا على بعض المنتجعات السياحية لمطاردة النساء وفرض الجلباب وطرد السياح في مدينة سوسة. بما قد يدمير قطاع السياحة الذي كان يردّ على البلد نحو خُمس الإيرادات من العملة الصعبة. وقد سرت أنباء عن “سيطرة” واعظين متطرّفين على 400 مسجد في البلاد، في الوقت الذي يتخوف فيه المجتمع التونسي والأحزاب الليبرالية والدستورية من المتطرّفين ومن تصاعد النزعة المحافظة في بلد كان يضرب فيه المثل بحقوق النساء.. فهؤلاء يخشون من المخاطر التي ستترتّب عن السماح للسلفيين بالعمل بحرّية ومن تمددهم وتغييرهم وجه تونس وهويتها. كما يبدون قلقاً كبيراً من أداء النهضة الاستحواذي وغير المطمئن أكان على المستوى الاقتصادي أم السياسي الداخلي والخارجي. كذلك من ازدواجية الخطاب المحافظ في السرّ والمعتدل في العلن، ومن سياسة مدّ اليد للسلفيين، خصوصاً بعد صعود نشاط نضالي وبروز مجموعة مسلّحة في صفاقس دعت لإنشاء “إمارة إسلامية”.

عليه، تعيش حركة النهضة حالة توازن صعب تجاه انتقادات التيار المحافظ من جهة، وأطراف المعارضة العلمانية بما فيها المشاركة في التحالف الحاكم من جهة أخرى. وادراكاً لهذه المحذير، فقد اتخذت اجراءات لكبح تأثير الأصوليين في الخطاب العام. ومن منطلق مراعاة التوازنات، اتخذت قراراً في 26 آذار/مارس، يرفض إدراج بند في مسودّة الدستور ينص على أن الشريعة هي “المصدر الوحيد للتشريع”. الأمر الذي أثار انتقادات السلفيين الذين نعتوا راشد الغنوشي بالخيانة. فردّ عليهم الأخير بأنه لا حاجة لأحكام دستورية إن كان مايزيد عن 90 في المائة من القوانين التونسية مستمدّ من الشريعة. لكن الجدل حول الشريعة يبقى واحداً من المسائل الخلافية التي شهدت انشقاق عدد كبير من أعضاء النهضة نفسها عن الخط الرسمي للحزب. والأشهر القليلة المقبلة ستبرز إلى أي حد سيحظى ما يراه البعض موقفاً معتدلاً لقادة الحزب بالتأييد في أوساط القواعد الشعبية، خاصة وأن أعضاء النهضة المتواجدين في المجلس التأسيسي يطمحون بالفوز بولاية ثانية في الانتخابات المقبلة بعد أقل من سنة.

تقول الدكتورة آمال القرامي المتخصصة في الدراسات الإسلامية، إن المجموعات السلفية هذه، التي قامت بعملية “سطو” على المؤسسات التعليمية، تهدد الحريات الفكرية والأكاديمية، وتدعو لتنميط المجتمع التونسي ونسف التعددية والتنوع. هي تسعى للقضاء على مظاهر الاختلاف فكراً وسلوكاً ومعتقداً، فضلا عن خلق نماذج جديدة من التونسيين همهم التعلّق بمنهج التلقين بدل التفكير، الانقياد بدل الاختيار، الاستهلاك بدل الإنتاج، التسليم بدل إعمال العقل، وهي سمات عبوديّة جديدة تنتشر باسم الدين. هذه الفئات المتطرفة، التي استغلّت الظرف الذي تمرّ به البلاد وهشاشة “دولة المؤسسات” لتفرض مشروعها عبر التكفير والعنف والإقصاء، لا همّ لها سوى “صناعة الأعداء”. وكونها غير قادرة على العطاء والمساهمة في رسم معالم المستقبل، تعمل على إنتاج ثقافة الكره وتشتيت الجهود ونسف الوحدة الوطنية. بما يدل على تصدّع في البناء الاجتماعي ويؤدي حتماً إلى الصدام واستشراء العنف والتناحر. في حين أن الرهان الأكبر هو إنجاح مسار التحوّل نحو الديمقراطية المنشودة والقضاء على البطالة ومظاهر التمييز وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. وما الرغبة في “اسلمة” البلاد و”تطبيق الشريعة” وإرساء “الخلافة” سوى مخطّط ممنهج، وليس عملاً تلقائياً او عشوائياً. وهو سيساهم في نهاية المطاف في تنفير أطراف أجنبية من تونس وتشويه صورة الإسلام والمسلمين وتثبيت مقولة التعارض بين الحكم الديمقراطي والإسلام.

هكذا إذن، فالدكتاتورية السابقة لم تخرج من باب الثورة إلا وهناك ما يمكن تسميته بالدكتاتورية السلفية التي بدأت تحتل مكاناً واسع التأثير بفضل الآليات الديمقراطية. والانتخابات من هذه الآليات التي كان كبيراً فيها فضل المال السياسي القطري والسعودي، وحسن التنظيم واستثمار المعتقد، لا بل أحياناً ابتزاز الحالة الايمانية لشريحة كبيرة من الناس لاكتساح المقاعد البرلمانية وتجيير السلطة التنفيذية للاسلام السياسي. والقلق الآن هو من أن يصبح الاسلام الأفغاني أكثر حضوراً في العالم العربي، على حساب الاسلام الوسطي والمنفتح الذي يقبل بالتعددية واحترام حق الآخر بالاختلاف والتعبير عن نفسه.

من ستصنفه امريكا وحلفاؤها- ممن امتلك الخبرة الطويلة في تسويق عملائه وتطويق حراك من يقف بوجه امتداداته الأخطبوطية- بالمعتدل أو المتشدد سيُحكم عليه بالخصوص من خلال السياسات الاقتصادية التي سيطبقها، كما الصمت عن اتفاقيات الذل التي ابرمها أسلافه مع الكيان الصهيوني. هذه هي الأجندة التي تم وسيتم فرز الشرائح الحاكمة الجديدة على أساسها لمساندتها أو محاربتها. وما التصريحات التي جاهرت بها هذه القوى (في تونس ومصر وليبيا، كما في سوريا عبر المجلس الوطني السوري) من إسرائيل، إلا تأكيداً على أن المطلوب منها لتتعامل معها أن تقدم أوراق اعتمادها بناءاً على المواقف التي تتخذها من هذه الإشكالية.

حقاً أن النخب العربية هي أصحاب ردود فعل، كما ينقل أحدهم عن عبد الله العروي، لا أصحاب أفعال بما يتعلق بمصائر أوطانهم وأنظمتهم ومستقبلهم. وهذه النخب ما فتئت تؤكد أنها جزء من الأزمات التي تواجه بلدانها بدل أن تكون صاحبة الحلول الناجزة.

من هنا يكمن الخوف من أن يتطاول الذين وصلوا للسلطة على ظهر الثورة والمال السياسي بإقامة صفقات بالخفية عن الشعب للتمكن من الحكم. والنتيجة هي التضحية بجزء من تطلعات ومطالب الجماهير والقوى الوطنية والتقدمية لصالح استقرار وأمن لا يختلف كثيراً عما عرف سابقاً. وكلنا يعلم أن القوى الانتهازية والرجعية، بغض النظر عن تصنيفها الايديولوجي، يسهل عليها تغيير جلدها للتماهي مع ما ومن كانت تحاربه، من أجل تحقيق مكاسب شخصية أولاً، ولوضع حد لحراك قوى التغيير والتقدم ثانياً. كذلك، لا ننسى بالطبع من نكثوا بالتعهدات وباعوا ضمائرهم وشيئاً من تاريخهم النضالي وتاجروا بالثورة وبقيم حقوق الانسان والديمقراطية ليتسلموا زمام السلطة. لكن الديمقراطية هي ممارسة قبل كل شئ وتربية في الأساس، وليست فقط خطابات وكتابات.

دول الغرب تحتضن الوصوليين والمتاجرين بالقيم والسيادة، لقاء استمرار هيمنتها السياسية والاقتصادية واقامة مشاريعها الاستثمارية التي تبقي موطئ قدم لشركاتها الآخذة في التمدد على حساب السيادة الوطنية وبناء الدولة وتطوير العلاقات التجارية العربية البينية. أما المتاجرة بشعارات حقوق الانسان وإقامة الديمقراطية فكان لها أن تبدو فاضحة في السياسات الغربية المتبعة تجاه العالم العربي، خاصة عندما وصلت لحد الإيحاء بأن الثورات العربية ما كان لها أن تتم لولا مساهماتها.

التدخلات الإقليمية والدولية

هذه التحولات التي بدأت قبل عام ونيف، باتت مصدر قلق شديد ليس فقط لفلول الأنظمة المتهالكة، بل للادارات المهيمنة على السياسات والموارد العربية، بحيث رأيناها في كل مكان تبحث عن سبل التدخل لتغيير مجراها. فكان منها السيناريوهات العسكرية كما في ليبيا مع حلف الناتو، أو الدعم بالسلاح لأطراف داخلية من طرف وسطاء اقليميين وعرب كما في المثل السوري وغيره. وللأسف كان لهذه المعارضات أن اعتقدت أنها بهذا الدعم ستتمكن من الخلاص من أنظمة الطغيان ومن تصفية حساباتها معها عبر من رأت فيه حليفها الظرفي أو الثابت. لكن لا يخفى على أحد خوف بعض هؤلاء الحلفاء من الديمقراطية على امارات وممالك بترودولار ترتعش جزعاً من أي تغيير.

* كان ذلك فاضحاً في المثل البحريني عندما تكالبت الأنظمة النفطية على مصالحها وتعاونت على وقف حراك الشعب بأي ثمن، مع دخول درع الجزيرة السعودي للبحرين، وتوجيه الأوامر لقناواتها الفضائية بإغفال ذكر ما يجري من احتجاجات شعبية وممارسات قوات الأمن تجاهها. ويتساءل كثيرون في هذا الصدد عن مدى موضوعية وحيادية قناة الجزيرة، كما القنوات السعودية والخليجية عموماً، عندما تتجاهل عن سابق إصرار وتصميم ما يرسله لها ناشطون بحرينيون من مواد للبث عن القمع المستشري وتظاهرات دوار اللؤلؤة وغيرها من أحداث مؤلمة شهدت أعمال قتل كما اعتقال لآلاف الناشطين بعد اندلاع حركة الاحتجاج في 14 شباط 2011، وحيث لا يزال نحو 400 منهم على الاقل قابعين في السجن، بحسب لجنة تحقيق مستقلة.. فامتناع القنوات هذه عن تغطية الاحتجاجات في البحرين- فيما عدا الإشارة المتأخرة لاضراب الناشط الخواجة عن الطعام وتعريض حياته للخطر بعد حكم بالسجن مدى الحياة- يتعارض تماماً مع حضورها المكثف والأكثر من مشبوه في بلدان عربية أخرى وأبرزها سوريا. كما ويشي بصيرورتها أداة طيعة في يد أولياء النعمة تخوفاً من امتداد الاحتجاجات إلى أراضي مشيخات الخليج.

* كذلك الأمر في اليمن، حيث وِفقاً للخطة الخليجية المدعومة من مجلس الأمن، يُـصدر البرلمان اليمني قانوناً لتحصين علي عبدالله صالح من الملاحقة القانونية، مقابل تخلِّـيه عن السلطة. لكن هذا الأخير ما زال حتى الساعة يناور ويراوغ، مستنداً لتضافر كافة قوى الثورة المضادة لمنع سقوط منظومة صالح وأقرابائه. بما يضاعف من القلق من القدرة على ضبط الوضع، خصوصاً مع تصاعد نغمة الحراك الجنوبي الذي يطالب بالانفصال، وعلى إحداث التغيير الديمقراطي الذي يمثل تطلعات الشباب ويلبي طموح الشعب الذي نزل للساحات وقدم مثلاً رائعاً للثورات السلمية.

* أما في ليبيا، فقد رأينا كيف حرّكت دول حلف الناتو، وعلى رأسها فرنسا، مجلس الأمن للتصويت على قرار يبيح التدخل في ليبيا، بعد أن كان للانتفاضة الليبيّة منطلقات مشروعة على أساس طغيان القذافي المتواصل لشعبه منذ 1969. لكنها سرعان ما تحوّلت إلى أداة في يد القوى الغربيّة وحلفائها الخليجيين، عندما تحججت بالمسؤولية في حماية سكانها من قصف طائرات القذافي، وانتهت إلى عمليات عسكرية أوقعت عشرات الآلاف من القتلى ودمار عظيم في البنى التحتية، كما جعلت ليبيا في مهبِّ الريح. وذلك لوضع رجلها في هذا البلد واقتسام نفطه وثرواته وتوزيع الحصص فيما بينها من المشاريع الاستثمارية في إعادة إعمار بنيته التحتية التي دمرتها. واليوم من غير الممكن الجزم بأن الأمور تسير في الاتجاه الذي أمله شعب هذا البلد بعد التخلص من طاغيته والأثمان المرتفعة التي دفعها خلال أربعة عقود وأبان معركة الخلاص منه. نذر حرب أهلية تلوح في الأفق وفوضى أمنية غير عادية تقض مضاجع القريب والبعيد. وليس من المستبعد أبداً أن تتعمق الأزمة التي تعصف بهذا البلد مع تشكيل مجلس اعلى لثوار ليبيا كجسم عسكري في موازاة الجيش الليبي.

لقد أعلن في خطوة مريبة مؤخراً، في 3/4/2012، عن تأسيس “مجلس إقليم برقة الانتقالي” في المنطقة الشرقية، برئاسة أحمد الزبير السنوسي، على أساس دستور عام 1951. وذلك كخطوة باتجاه إعلان الفيدرالية – التي ألغاها الملك إدريس السنوسي، مُوحِّد ليبيا – والتي وصفها رئيس الحكومة الانتقالية، “أمر طبيعي في الدول الديمقراطية؛ كتقسيم إداري”! بما قد يخلق، حسب رانية عبد الرحيم المدهون، بيئة حاضنة لنمو الجماعات الإسلامية المُتشدِّدة، وانتشار عمليات تهريب السلاح وتجارة المخدرات، كما الإضرار بإمدادات الطاقة. فقد لمّح أحد زعماء الانفصال لشرق ليبيا (الذي يضم حقول النفط الكبرى) لإمكانية منع بنغازي تدفُّق النفط إن لم تنفذ الحكومة في طرابلس مطالب مجلس الشرق. ذلك عدا الدور القوي داخل السلطة الجديدة لقوى ذات ارتباط سابق بتنظيم القاعدة، وتشريع تعدد الزوجات وإرجاع أوضاع المرأة لعهود ماضية.

*أما في سوريا، فكان لما حصل في ليبيا تأثير مباشر على موقف دول كبرى وقوى قطبية بازغة (روسيا والصين والهند والبرازيل وافريقيا الجنوبية) في عدم تمرير سيناريوهات مشابهة والوقوع بالمطب مجدداً. ومن هذه المحاولات المطالب التي قدمتها دول إقليمية ودولية وجزء من المعارضة لإنشاء ممرات آمنة ومناطق عازلة لحماية المدنيين على الحدود السورية التركية. ذلك رغم أن باريس ولندن وواشنطن ومن معها يعلم علم اليقين أنه لا يمكن فرض هذه الشروط من دون الاعتماد على قوات وامكانيات عسكرية لردع تحليق الطيران السوري فوق مناطق يتواجد بها من يصنفهم نظام بلدهم كمتمردين وارهابيين، بالاعتماد على القانون الدولي وضمن منطق السيادة على الأرض.

وعليه، بدت الابتزازات بتسليح طرف من المعارضة بديلاً للتدخل العسكري المباشر. لكنه بديل من شأنه أن اختطف صفة السلمية عن هذا الحراك المدني الحضاري، وبرر عند البعض استهداف المعارضة بمن فيها التي لم تحمل سلاحاً او تطلق رصاصة. بهذا المستجد مُنح النظام السوري، من حيث لا يدري أو يأمل، شرعية كانت قد تآكلت كثيرا مع سياسته الأمنية الإجرامية بمواجهة الانتفاضة السورية. وأحداث بابا عمرو مثال صارخ لتشريع القمع واعتماد سياسة القبضة الحديدية بمواجهة ارهاب الجماعات المسلحة، التي هي من منظار آخر دفاعاً مشروعاً عن النفس وحماية للمدنيين من العسف.. الأمر الذي أطال بعمر هذا النظام الذي كانت قد تداعت مداميكه وربما انهار لو قيض للانتفاضة أن تستمر سلمية.

ما يجري اليوم يذكّر بأحداث الثمانينات من القرن الماضي، حينما استطاع النظام أن يصور نفسه حاميا للأقليات، بمواجهة قوة المقاومة المسلحة الرئيسية في ذلك الوقت التي ادعت الدفاع عن السنة. الأمر الذي أمد بعمر النظام ثلاثين سنة أخرى. واليوم الثورة السورية لم تبدأ كحركة إخوانية أو سلفية بل كحركة شعبية سلمية ديمقراطية. لكن حين قابلها النظام بالاستخدام المفرط للقوة تبدلت الأحوال لقناعة بالدفاع عن النفس أو لانتهازية. وكلما طال أمد النزاع كلما اتسعت المساحة التي يحتلها الإسلام وتياراته. المساجد كذلك باتت تلعب دوراً مركزياً في تسعير الحراك أو في قمعه. وحسب تحليل صائب للمشهد: «الناس يزدادون تديناً كلما اقترب الموت منهم».

لم يعد ملفتاً للنظر هذه التسميات التي تطلق على تظاهرات الجمعة والتي تحمل «دلالة دينية»، كما على المجموعات المتمردة، التي هي «إسلامية وحتى سلفية»، مثل كتيبة « أبو دجانة» و «أبو عبيدة» و «المهاجرين والأنصار»، عندما نعلم أن ثلاث وثلاثون مجموعة مسلحة تشارك في الحراك.

هذا الانزياح المتواصل باتجاه مصير ليبي للمعارضة السورية يجري بدعم وتحريض من دول خليجية ترتعب من أن تهز عروشها تغييرات ديمقراطية. فتتدخل في الملف السوري عبر دبلوماسييها وأموالها وفضائياتها، وتذر الرماد في العيون بالحديث عن ضرورة التغيير والديمقراطية وكأنها هي حامية الثورة والثوار وصاحبة الفضل الأكبر في إحداث التغيير. هذه الدول من يروج للبديل الإسلامي وتكاد فضائياتها واعلامها لا تنتقي من الضيوف وكتاب المقالات سوى من يمثلون هذه التيارات الاسلامية أو من هم غير بعيدين عن توجهاتها. وهذه الفضائيات تحت الطلب باتت صاحبة خبرة في تركيب القيادات واسقاطها وايجاد أصناف منها حسب الطلب ولكل المناسبات. لقد لعبت دوراً محورياً في ترسيخ «هيمنة» الإسلاميين على المشهد السوري، وذلك عبر استضافتهم ليل نهار على شاشاتها، بحيث بدا تأثيرهم كبيراً على قسم مهم من مشاهديها، كما على المشاركين في الحراك الداخلي. بينما غابت في المقابل أسماء كبيرة لمثقفين وناشطين سياسيين كانت اطلالاتهم نوعية وحضورهم متميز.

مع ذلك، لا أظن أحداً يصدق أن دول الخليج وفي مقدمها قطر والسعودية، يستفزها السجل الحافل لحقوق الإنسان في سوريا لمواجهتها بهذا الشكل غير المعهود من حشد كل ما يلزم في سبيل معركة ارساء الديمقراطية، وهي التي قمعت بكل طاقاتها الانتفاضة البحرينية وحرّمت الحديث عما يجري في هذا البلد على فضائياتها. أما وقد توافقت مصالحها مع من يمكن تسميته بمعارضة الصدفة، مع المثقفين الانتهازيين والمحبطين والمأزومين في بلدان الاغتراب وهم المغيبين عن كل ما حصل من أحداث في بلدهم لعشرات السنوات، فقد عملوا بكل ما اوتوا من رياء ومال وانعدام أخلاق ليسوقوهم للمجتمع الدولي، لإظهارهم وكأنهم الممثلين الشرعيين توصلاً لفرضم بالقوة كممثلين وحيدين للثورة السورية. لكن جزءاً هاماً من هذا المجتمع الدولي أبى إلا أن يتعامل مع كافة أطياف المعارضة السورية دون إقصاء أو انتقاء، وأن يكون على مسافة واحدة من كافة التيارات الفكرية، سعياً منه لانقاذ الوضع في الربع ساعة الأخير.

لكننا لم نكن نسمع بالكثيرين منهم ولا بمعارضتهم للنظام أو نهتدي برؤآهم لمعالجة مشاكل بلدهم. بل رأيناهم لا يحتملون رأياً مخالفاً لهم حتى قبل وصولهم إلى السلطة، ويقومون بتخوين بعضهم بعضاً دون الأخذ بعين الاعتبار أن مخالفتهم الرأي لا تعني أن الآخر في صف الأعداء. لقد طغوا وتجبروا في الوقت الذي يفترض بهم تقديم المثل في تسامي الأخلاق واتزان السلوك والتضحية بالنفس لانقاذ البلد من التهلكة، وليس المتاجرة بدماء الشعب واعتبار التعامل مع الأجنبيّ وطنيّة، والعنف المسلّح ضدّ أبناء جلدتهم واجباً وطنيّاً. هؤلاء هم للأسف الذين رأوا في الثورة فرصة العمر ليقفزوا لمقدمة المشهد في أحداث لم يشاركوا البتة في صنعها. فاقتاتوا على دماء شعبهم الذي خرج يدفع فدية الدم لتغيير واقعه بعد اربعين عاماً من دكتاتورية الأب والإبن. ثم أن المعارضة الخارجية لا تنفرد في المطالبة بالتغيير الذي هناك شبه إجماع من الشعب السوري على ضرورة حدوثه. لكن الخلاف هو حول كيفية التغيير وأدواته، وحول نوع الدولة المنشودة إن كانت دينيّة أم علمانية أم مدنية.

أما العقوبات الاقتصادية الاوروبية والامريكية لارغام النظام السوري على التنحي جانباً، فقد أصابت الشعب السوري بشظاياها، الذي هو ضحية مرتين، أكثر مما أضرت المتنفذين الذين لا يخشون الكثير وهم الذين يحظون باحتياطيات اقتصادية جمة. والحرب الأهلية التي تتهدد هذا البلد، فهي لن تبقي ولن تذر لو فشلت مبادرة الفرصة الأخيرة لانقاذ الوضع، من خلال مهمة كوفي عنان بتفويض من الامم المتحدة والجامعة العربية. هذه الأخيرة التي أفشلت للأسف مهمتها الأولى والتي كان يمكن أن تعيدها لموقع بارز لو لم تترك من له مصلحة بتخريبها يتصرف وكأنه الآمر الناهي يقرر فيطاع. لقد كان أيضاً من حق الرأي العام العربي والدولي أن يعرف ملابسات عمل بعثة المراقبين الأولى، وأن يطالب الجامعة العربية بالاطلاع على تقرير البعثة الذي حجبه وفد الجامعة عن مجلس الأمن في جلسته الأخيرة ولم ينشره على موقعه.

جيران سوريا في لبنان والعراق وحتى الاردن وتركيا لن يكونوا مطلقاً بمنأى عن ارتدادات الكارثة إن حلت بهذا البلد، في حين سيبقى الكيان الصهيوني الرابح الأكبر من نشر الفوضى- التي سميت يوماً “خلاقة”-. ومهما قيل من أنه شديد التخوف من التحولات التي ستطرأ ما بعد حدوده مع الجنوب السوري والجولان المحتل، فهو يقيم بنفس الوقت اتصالات مكثفة مع مسؤولي المجلس الوطني السوري، بالاستناد لتصريحات عضو الكنيست الاسرائيلي يتسحاق هرتسوغ.

فالثورة المضادة تستند للانقسامات العامودية والأفقية في المجتمع لتحول الثورة لحرب أهلية. وهذا هو الخطر الماثل اليوم أمام الجميع. حين يصارع الناس بعضهم بعضاً بعد أن كانوا قد توحدوا ضد النظام وتصبح مهمة إسقاط النظام أكثر صعوبة. وبعد أن كانت الثورة تمثل خطراً ماثلاً على النظام، تصبح الحرب الأهلية الخطر المحدق بالدولة.

تقول قراءة صينية للوضع القائم اليوم في المنطقة العربية أن الخسائر الاقتصادية، التي لحقت بها خلال العام المنصرم2011، بلغت 55 مليار دولار. وليبيا وسوريا هما الدولتين الاكثر تضرراً. كذلك أدى سقوط رجال السياسة الأقوياء لفراغ كبير أيقظ بدرجات متفاوتة الوعي القبلي والطائفي. ومثّل فرصة لنمو التطرف الديني، والصراعات القبلية، وكسر التوزان الهش في المنطقة، وزيادة خطر نشوب حرب جديدة بين القوى الإقليمية.

الموقف التركي من الأزمة السورية

إذا كانت روسيا هي مصدر مهم للطاقة في أوروبا، وبالتالي للطرفين مصالح كبرى مشتركة تجارياً واقتصادياً، فلا ننسى أن أمن هذا البلد الداخلي وأمن حدوده يجعله يحذر من أيّة محاولة لعزله أو تطويقه سياسياً وأمنياً. وهذا ما حاولت واشنطن أن تفعله عبر توسيع عضوية حلف الناتو ومشروع الدرع الصاروخي. لذا تعود روسيا اليوم مجدداً ومن بوابة الثورة السورية لشغل موقعها في مواجهة ما كان لمرحلة يشكل القطبية الأحادية.

أما الصين، فترى أن الاستقرار في سوريا هو مدخل للاستقرار في الشرق الاوسط، الذي هو امر حيوي للأمن القومي كما للاقتصاد الصيني الذي يعتمد بنسبة لا بأس بها على نفط الشرق الاوسط. كما وتحبذ أن ترى روسيا تتقدم في حضورها على حدود الصراع العربي الاسرائيلي، وأن يبلور المخاض السوري نظاماً دولياً متعدد الأقطاب يلاقي اعترافاً به من القوى العظمى.

روسيا والصين تنظران إذن بقلق للسيطرة شبه الكاملة عسكرياً للولايات المتحدة وحلفائها على منطقة الشرق الأوسط، وخاصة على دول الطاقة (القاعدة الأكبر موجودة في قطر، والقاعدة البحرية للأسطول الخامس في البحرين، والقاعدة الفرنسية في أبو ظبي، والقاعدة المزدوجة مع بريطانيا في عُمان). كما تخشيان ابتزازهما في المستقبل للحصول على الطاقة، رغم الاكتفاء الذاتي الحالي لروسيا. مما يبرر الموقف الصيني الداعم لروسيا. لذا، فالتطورات الجارية في المنطقة العربية فتحت نافذة استراتيجية لروسيا والصين لفرض نفسيهما شريكاً منافساً ومضارباً لتأمين أمنهما القومي الاقتصادي من جهة. كما ولإعادة التوازن عسكرياً في ضوء الاندفاع القوي والعناد الأميركي لإكمال نشر منظومة الصواريخ في تركيا وروسيا وبولندا حتى مشارف شرق آسيا.

من ناحيتها، ترى تركيا (على لسان رئيس وزرائها) أن حدودها هي حدود حلف الأطلسي. وفي حال تكرار سوريا انتهاك الحدود التركية، فإن أنقرة ستستخدم حقها وفقاً للقانون الدولي وستزوّد الحلف بالمعلومات. ذلك استناداً للمادة الخامسة من معاهدة الناتو التي تمنح الحق للأعضاء بالتدخل للدفاع عن أي بلد عضو في الحلف يتعرض لاعتداء.

الصحيفة التركية “إيدنلك” لم تفوت الفرصة للربط بين تفاقم العمليات الإرهابية في سوريا والزيارات المتعددة لكبار المسؤولين الأميركيين إلى تركيا. كان منها زيارة مدير المخابرات الأميركية “ديفيد باتريوس” ووقوع العديد من القتلى السوريين حينها في انفجاري دمشق وحلب، المركزين الاقتصاديين المهمين. وهذه الانفجارات مرشحة للتصاعد حسب معلومات الصحيفة، حيث وضعت المخابرات الأمريكية خطتها المسماة “العمليات السرية” حيز التنفيذ، والتي تقضي في جانب منها بإثارة التحريض المذهبي والعرقي.

يذكر فيليب جيرالدي، وهو ضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، في مقالة كتبها لمجلة “الأمريكي المحافظ” الشهرية (تنتقد المجمع العسكري-الصناعي الأمريكي)، أن تركيا، عضو حلف الناتو، تعمل كوكيل لواشنطن في المنطقة. فهي تستقبل طائرات مموهة للحلف تنزل قرب الحدود السورية في منطقة الإسكندرون، ومهمتها إيصال المتطوعين الليبيين والأسلحة التي تم الاستيلاء عليها من مخازن نظام القذافي للمشاركة في تقويض النظام السوري.

جيرالدي لفت أيضاً لوجود مدربين للقوات الخاصة الفرنسية والبريطانية في سوريا لتقديم المساعدة، ولتقديم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والقوات الخاصة للولايات المتحدة معدات الاتصالات والاستخبارات لمساعدة المقاتلين السوريين وتجنيبهم نقاط تمركز الجنود السوريين. الامر الذي يفاقم كما ذكر من خطر اندلاع حرب واسعة النطاق في المنطقة، عدا عن زيادة المعاناة اليومية للسكان المتواجدين بين فكي كماشة جيش النظام والأطراف المسلحة، وذلك تحت ادعاء حماية المدنيين ومساعدة المنكوبين والمحتاجين.

لكن وجود فوضى كهذه وتقديم المساعدة لتسليح الجيش الحرّ ألا تقدّم خدمات جلّى للنظام السوري، حيث تبرر له ممارسة القمع، وتقدم له الذريعة لضرب المحتجين كون الاحتكام للسلاح من طرف الجيش الحر والمجموعات المسلّحة، أو التدخل العسكري الخارجي، سيكون الرابح منه الطرف الأقوى عسكرياً، وليس صاحب الحق؟ يبدو أن هناك أيضاً سيناريو آخر يقضي بالاعتماد على الجيش الحر وتأهيله لإسقاط النظام وتولي المرحلة الانتقالية، وبالتالي بقاء خيوط اللعبة في الخارج وليس بيد المعارضة السياسية في الداخل والخارج.

لقد عملت تركيا في وقت مبكر من الأحداث، على تصوير الصراع في سوريا كصراع مذهبي بين علويين حاكمين ومتسلطين وسنّة مضطهدين. كما حاولت فك تأييد الأقليات للنظام عبر الضغط على القادة الدينيين في المنطقة، ومنها لبنان. لكن الدبلوماسية الناجحة لا ترتكب مثل هذا الخطأ الاستراتيجي وتراهن على كل شئ أو لا شئ، بدل إبقاء البواب مفتوحة لكل الاحتمالات.

ثم في حال لبننة سوريا”، هناك احتمال نشوء كيانيـن على حدود تركيا: علوي جنوبيّ الاسكندرون وكردي في الجنوب التركي، رغم أن الحكومة التركية تقف من كِـلا النزعتيـن (العلوية والكردية)، موقِـفا عدائيا. فكيف إذا ما ظهر احتمال الدولتين، العلوية والكردية، وما ستعكسه هذه الفرضية من ارتدادات على وحدة تركيا، جغرافيا واجتماعيا؟

علويي الاسكندرون تظاهروا بالآلاف في مدينة انطاكية التركية، رافعين صور الرئيس الأسد والأعلام السورية في رسالة تحذيرية غير مسبوقة لما يتهدد تركيا من أخطار، في حال استمرار سياساتها الحالية. وهذا البلد الذي يشهد توترات مذهبية، يخشى مسؤولوه أن يتحول الصراع في سوريا والمنطقة إلى صدام مذهبي يترك أثره على الداخل التركي. سبق وأن جرت أحداث تمثلت بقيام مجهولين بوضع إشارات ملونة على جدران منازل يقطنها علويون، في محلة قره بينار في مدينة آدي يمان عاصمة المحافظة المعروفة بالاسم ذاته والتي تقع في جنوب شرق تركيا القريبة من الحدود السورية. وهذا الوضع أثار قلق الجميع من سنّة وعلويين، حيث ذكّرت هذه الإشارات بما حصل قبل سنوات في مدينة قهرمان ماراش وأدت لصدامات علوية – سنية سقط فيها عشرات القتلى.

زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض في تركيا، الذي يؤمن بضرورة التوصل لحل دبلوماسي للأزمة في سوريا، حذر من أي تدخل عسكري فيها، كونه قد يؤدي لانفصال المنطقة الكردية وقــيام دولة ثانية في منطقة الشرق الأوسط مرتبطة مئة في المئة بأميركا بعد إسرائيل. واضاف أنه على تركيا ألا تكــون جزءا من مخططات القوى الخارجية المهيمنة على المنطقة، لأن التدخل العــسكري في الشرق الأوسط سينتقل إلى تركـيا.

من ناحية أخرى، تركيا، التي تطالب النظام والرئيس السوري بالإصلاح، لم تدعم فقط المعارضة السياسية لنظام بشار الأسد، لكنها كانت انتقائية. فقد استبعدت معارضي الداخل والأكراد، وعملت على تأمين المأوى والتدريب والتسليح للمنشقِّـين عن الجيش السوري، وفتحت معسكرات للاجئين قبل نزوحهم، بما شجعهم على النزوح. لقد ارتكبت تركيا أكبر أخطائها عندما تحولت تدريجياً إلى طرف في النزاع الداخلي السوري وخرجت عن سياسة الحياد الإيجابي. مما أفقدها إمكانية القيام بأدوار وساطة كان يمكن أن تعاظم من نفوذها بدل أن تفقدها معظم، إن لم يكن كل ما بنته من علاقات سياسية واقتصادية.

وهذا الأمر، كان جرس الإنذار لموسكو وغيرها حيث فسّر سعي انقرة لإسقاط النظام في سوريا كهجوم استطلاعي على روسيا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وتحجيم سعيها لاستعادة دورها العالمي. وكان ذلك وراء الموقف المتشدد لموسكو من الوضع في سوريا وحماية نظامها، وبات عاملاً إيجابياً في ظهور نظام عالمي جديد أكثر توازناً.

إنه لمن المؤسف لتركيا أن تخسر هكذا عامل الثقة الذي بنت عليه علاقاتها مع روسيا وإيران وسوريا والعراق ولبنان. كما خسرت دعم قوى واسعة في المجتمعات الإسلامية، باستهداف الحضور الشيعي في المنطقة لصالح الطرف السني، والاخلال بالتالي بالتوازنات التاريخية والمذهبية. حسمت الأزمة في سوريا موقف أنقرة باتجاه طلاق مع سياسة الاعتدال، التي بدأها رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان منذ عام 2002، لاسيما مع طهران ودمشق. وهي خطوة بدت واشنطن المستفيد الأكبر منها، ومن ورائها إسرائيل.

محاضرة قدمت في مؤتمر جرى في اسطنبول في 28/04/2012