بين حرب الإرهاب والحرب على الإرهاب – فيوليت داغر

من جديد يضرب الإرهاب تونس، بشكل تصعيدي ونوعي، موجهاً عبر اختيار أهدافه ورمزيتها رسائل واضحة. فهذا الحدث وقع قبل يومين من عيد الإستقلال وفي خضم أيام قرطاج الموسيقية وقبل أسبوع من استقبال تونس للمنتدى الاجتماعي العالمي. هذه الفعاليات التي تحمل لتونس الكثير من الزوار والمشاركين من كل أنحاء العالم، بما يعني أنها ضربة موجعة جداً لصورة تونس ولاقتصادها. لكن هذا الحدث يفترض أن لا يُقرأ إلا ضمن سياق عام يشمل كامل الأرض العربية، حينما يضرب هذا الإرهاب نفسه بعد يومين عاصمة عربية أخرى واضعاً حداً لحياة 7 أضعاف عدد قتلى باردو من الذين أموا مسجدين في صنعاء للصلاة. ويستهدف في نفس اليوم مدينة الحسكة السورية مودياً بحياة 4 أضعاف هذا العدد. ناهيك عن أعداد أخرى لشهداء سقطوا في نفس اليوم على يد تفجيرات إرهابية للقاعدة وداعش في بلدان أخرى كالعراق وليبيا، بحيث يتحول قتلاها لأرقام مع توالي الجرائم بحق هذه المجتمعات، حتى كادت أن تصبح خبراَ عادياَ في نشرات الأخبار.

لم أكن اعتقد يوماً أن تونس بمنأى عن هذا المخطط، وأشرت لذلك بمناسبات عدة، متمنية بنفس الوقت أن تكون قراءتي مخطئة. لكن من يتابع مجريات الأحداث عن كثب، ويقرأ على ضوء ما يحصل في المنطقة العربية، لا يمكن إلا أن يربط ذلك مع إستراتيجية المتربصين بالأمة، والتي لا يخفونها قولا وكتابة قبل أن يحولوها لعمل في وضح النهار. للأسف، هناك من لا يقرأ أو من يغالطك بالاتهام بالترويج لنظرية المؤامرة، إما لغباء أو لغرض في نفس يعقوب، أقله الانتهازية أو سياسة التعمية على الحقائق أو الرغبة بدفن الرأس في الرمال. والسؤال الملح هو أن هذا الإرهاب طال أيضاً بلداناً أوروبية أكثر تحصيناً أمنياً ولوجستياً، فلماذا تخرج إثر عملية باردو صحيفة ليبراسيون الفرنسية على سبيل المثال بعنوان رئيسي يتكهن بتوقف السياحة؟ هل نسوا أن باريس نفسها تعرضت لهذا النوع من الإرهاب قبل أسابيع ووقف العالم متضامناً معها؟ لحسن الحظ أن وزير داخليتها وقف في تونس معزياً التونسيين ومتضامناً مع مصابهم.

بكل الأحوال، الجميع يتمنى أن لا يكون ما جرى في باردو دخولاً في منعطف حاسم ضمن مخطط الحرب المتنقلة في أرجاء هذه المنطقة. حرب من نوع جديد تتدثر أحياناً بعباءة الدين وتحريك النوازع الطائفية والمذهبية، وأحياناً أخرى تشن باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وثورات ربيع تكسرت براعمه قبل أن تتفتح. حرب تتم بأصابع داخلية وتحركها، بقيادة من الخلف، قوى صهيو-امريكية مع تحالف متآمرين حاقدين اقليميين ومحليين. فهؤلاء يبدون كمن نسوا مقولة “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”. وكأن التاريخ يعيد نفسه دون اتعاظ من عبره والتنبه إلى أن من اقترف إبادات جماعية، للاستحواذ على مقدرات شعوب بعيدة وقريبة قديمة وحديثة، لم يغير من نمط سلوكياته ونهجه الإجرامي مع تقادم السنين. بل ازداد تفنناً ومراوغة والتفافاً، معتمداً على التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة وما يسمى بالقوة الناعمة. كما على جحافل من المسلحين الذين يندرجون تحت مسميات وأشكال جديدة، ومنها متشددين وهابيين أخرج كثير منهم من السجون لتصديرهم لبلدان شقيقة يُزرعون فيها كقنابل بشرية موقوتة. هؤلاء يتآمرون في الظلام ويعملون على إقناع العالم بصدق نواياهم عندما ينقضون على ضحاياهم ثم يمشون في جنازتهم.

تفكيك الجيوش واستهداف القوى الأمنية وإعادة تقسيم المقسم وتأمين أمن دولة الكيان الغاصب الذي زرع في خاصرة المنطقة، كما الاستحواذ على منابع النفط والغاز وطرق إمداداتها، يفترض أنها عناوين رئيسية لهذه الحرب لم تعد خافية على أحد. أما الصراعات الداخلية وما سمي بحروب أهلية، فهي لم تحصل لتباغض بين شرائح المجتمعات التي كانت تتحابب وتتعايش على مدى الزمن، وإنما بفعل استفادة من نقاط ضعف كان يمكن أن تبقى هامشية. شروخ تم التلاعب بها وتعظيمها وتأزيمها وتجييرها لصالح المتآمر الجديد الذي وجد فيها مدخلاً لتحقيق أهدافه.

وعندما يندلع الحريق، تمر سنوات طوال قبل التوصل لإقناع الفرقاء المتحاربة بأن الحسم العسكري لصالح طرف غير ممكن، وإن المخرج هو الحل السياسي وطاولة الحوار لتجنيب البلاد المزيد من الدماء والدمار والدموع. فالصراع عندما لا يكون داخلياً لا يمكن أن يحسم بغلبة طرف على طرف آخر، وإنما يبقى رهين توافقات خارجية تلعب ما أمكن على عامل الوقت وإبقاء أطرافه في حالة شبه توازن من وضعية اللاإستقرار.

باشتعال ثورات الربيع المزعوم لم يكن الكثيرون بعد قادرين على التمييز بين الثورة والإصلاح وبين المؤامرة والاستهداف. خاصة مع اللجوء لأساليب التضليل الكثيرة والاعتماد على بعض الفضائيات والإعلام المتورط، كما على المنظرين المأجورين. مذاك الوقت، تهاوت أنظمة بسرعة البرق وقضت النزاعات على حاضر ومستقبل أجيال. فُبركت قيادات جديدة على مقاس الدول المتدخلة وعقدت الاجتماعات المكوكية واللقاءات الفولكلورية لتسوية الأوضاع علناً وتسعير الحريق سراً.

تونس لم تصل لهذا الحد من المشهد الدراماتيكي الذي خبرته بلدان عربية أخرى. ما زال بإمكانها تجنب ذلك برص الصفوف وتحييد التجاذبات السياسية التي تعمق الخلافات. بوضع إستراتيجية محكمة للتصدي للإرهاب تنطلق من تفاهمات داخلية حقيقية بين الأطراف المتعارضة كما داخل الصف الواحد. إستراتيجية تعتمد على مقاربات عدة منها الاقتصادي-التنموي والنفسي-الاجتماعي كما الأمني بالطبع.على مجلس نواب الشعب أن ينتهي بأسرع الآجال من وضع قانون يجرم من تسول له نفسه المساس بأرواح البشر، دون استغلال الإرهاب كذريعة لتشديد القبضة الأمنية أو التضحية بحقوق الإنسان. فبعد أن تم تطليق الدكتاتورية ما زال الخوف مشروعاً من تحوّل الديمقراطية الناشئة لنظام سلطوي.

أشدد على ضرورة المقاربة متعددة الميادين للإحاطة بجوانب هذه الظاهرة المعقدة والإشكالية ولوضع حلول ناجعة ضمن معالجة شاملة. إن من يستمع لبعض هؤلاء البشر يجد أن الفقر أو ضعف التعليم ليس دوماً عاملاً بارزاً. كما أن المنطق الذي يعبر به بعضهم الآخر عن قناعاته قد يبدو لغير المختصين مقنعاً، حتى يكادوا ينساقون لابتزازهم العاطفي ولبروزهم بمظهر الضحية التي لفظها عالم لم يلتفت يوماً لحاجاتهم الأساسية. في حين أنه في حالات عديدة يبدو لعمليات غسيل الدماغ التي خضع لها الكثيرون التأثير الكبير. هذا التأثير يمكن أن يتم بالطرق الناعمة كما بالضغط والابتزاز، والمال ليس أقلها.

كذلك، كثر من المأزومين يلجأون للدين وللغيبيات، كما للمخدرات، للإتكاء عليها حينما افتقدوا مقومات القوة الداخلية التي تعينهم على مواجهة صعاب الحياة. علاوة على أن الانتماء للجماعة وللنحن يصبح بمثابة حاضنة تمنح القوة للأنا. بكل الأحوال، هناك في تربيتهم وطفولتهم خاصة ما يفسر ضعف البناء النفسي وتشوه صورة الذات والشعور بتهديد الهوية. الأمر الذي أودى بهم، خاصة بوجود حوافز ضاغطة، لسلوك هذا المسار الذي يبتعد بمقدار أو بآخر عن الوضع الصحي ويصب في واحدة من التصنيفات الباتولوجية التي يتعامل معها المختصون في علم النفس. هذا الوضع الشخصي يفسر لماذا تبرز قوة الموت عند هذا النوع من الناس أكثر فاعلية من قوة الحياة، حيث أن هاتين القوتين هما عادياً في صراع دائم فيما بينهما عند جميع البشر. وعندما يتمكنوا من الاستفادة من جو أقل تشدداً، فبالطبع سيتركوا لغرائزهم العنان للتعبير عن نفسها دون وجل. أما الجدال معهم لإقناعهم بوجهة نظر مغايرة لما يتمسكون به، فهو ليس بالأمر المجدي الذي يفضي في الغالب لنتيجة. كما أن العمل معهم وعليهم وإن كان أساسياً، فهو يتطلب وقتاً طويلاً ويتضمن التأهيل النفسي والاجتماعي كما الثقافي والإيديولوجي.

هناك من الأهالي من لا يفهم تحوّل أبنائهم الغريب بعد أن كانوا أناساً عاديين لا يلفتون النظر لهم ومتأقلمين في المجتمع ولهم عمل، ثم فجأة أصبحوا من المتشددين والانتحاريين كما في حالة العبيدي الذي قتل في باردو على سبيل المثال. هؤلاء الأهالي معاناتهم شديدة أيضاً والثمن الذي يدفعونه في مجتمعهم كبيراً بسبب انحراف أبنائهم وأخوتهم وهم ليسوا عن ذلك بالضرورة مسؤولين.

من المهم في هذه المناسبة لفت النظر إلى أن انحرافات سلوكية حصلت أيضاً عند أناس اشتهروا كمعارضين للدكتاتورية ثم أتت الثورة وبرزوا كنجوم. لكن ظهر بعضهم على حقيقتهم عندما أتيحت لهم فرصة تبوء مواقع هامة، أي بدوا حاملين لفكر وسلوك لا يختلف عن سلوك الحاكم الذي رحّلته الثورة، فهم نهلوا من معين نفس الثقافة. الأخطر من ذلك عندما تصرفوا بما يخالف طبيعة المناصب التي حصلوا عليها وخالفوا الأخلاقيات التي يفترض بمن هم في أماكنهم أن يتحلوا بها. الأمر الذي يسئ لبلدهم وإن لم يكن القتل في صدارة المشهد. مما يحيلني للقول أن تشكيل هيئات جديدة أو إصلاح مؤسسات قائمة يتطلب حسن انتقاء الأشخاص أيضاً، حيث لا يكفي أن توضع قوانين للاطمئنان على مسيرة التحول الديمقراطي. علماً أن هذه القوانين نفسها صيغت بما يسمح لأكثر من تفسير وقراءة، وبالتالي إمكانية استغلالها بما تذهب إليه مصلحة الأقوى.

هناك كذلك من أجرم بحق الشعب وأراد تصفية حساباته السياسية عندما شغل مناصب هامة في الدولة، وتمكن من زج أشخاص في السجن دون أدلة، ثم استمر بتحريك خيوط اللعبة السياسية من الخلف والبقاء خارج دائرة الاتهام والمحاسبة حتى اليوم. فهل هؤلاء هم أيضاً عناصر جيدة لمجتمعهم، أم أن الفساد الذي نخر عميقاً في جسد المجتمع بات مرضاً عضالاً من الصعب استئصاله؟ معالجة الإرهاب مسألة أساسية تواجه المجتمع التونسي، كما غيره، اليوم. لكن يجب أن لا توضع في المؤخرة مشاكل أخرى ترقى لمستوى الداء الذي ينخر في الجسد ويعيق حكماً التحول الديمقراطي بشكل جدي.

هذا الشباب التونسي الذي نراه حاضراً وفاعلاً، لا بل مبدعاً في ساحات وميادين مدنية وثقافية كثيرة، من الضروري أن يحمى بالعمل على التنمية والتشغيل، كي لا يشكل مصدراً لنزيف جديد يضعف مجتمعاً لم يتعاف من إرثه التسلطي بعد. يجب أن لا يستقيل الشباب الذي بقي ردحاً طويلاً من الزمن مغيباً عن الفعل السياسي وعن المشاركة بتقرير مصيره. أو لا يترك أمامه سوى فرصة البحث عن نفسه خارج وطنه ووهب إمكانياته وإبداعاته لمن لم يتكلف عليه شيئاً بل حصد ثمرة ما زرع من كانوا في أصل التأسيس والبناء. على الشبيبة التونسية أن تنتزع فرصة المساهمة في التغيير، لا أن يكون الإحباط والإنسحاب من المشهد مآلها. كما على العائلات أن تتوقف عن تصدير فلذات أكبادها للخارج بحجة الدراسة أو عدم توفر فرصة عمل، فهؤلاء بمعظمهم لن يعودون. لنهضة الوطن ومعافاته من تركة العسف والفساد، لا بد أن يتغلب الوعي بالتحولات الحالية المستند لبرامج وطنية داعمة لقوى الحياة والعطاء والبناء على قوة الموت والعنف والإرهاب. أملنا أن يتوقف نزيف القوى الحية وتنتصر تونس على نفسها وعلى المخططات التدميرية التي تتربص بها لتبقى نموذجاً ناجحاً يهتدي به العالم، ويعود أبنائها إليها وإلى أنفسهم للمشاركة في بنائها والعيش الكريم في رحابها.

* ناشطة حقوقية وأخصائية نفسية