المحكمة الخاصة بلبنان وعولمة قضاء التعليمات – فيوليت داغر

شكل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وزملائه في 14/2/2005 المنعطف الأهم في الاغتيالات السياسية بلبنان منذ تصفية الزعيم كمال جنبلاط. وإن كان السبب المباشر لذلك رفضه التدخل العسكري السوري في لبنان، اعتبر خروج القوات السورية من لبنان النتيجة الأهم لاغتيال الحريري. إثر هذا الحدث، شهدت الساحة اللبنانية زخماً شعبياً سلمياً كبيراً قدم المثل للآخرين بأهمية التحركات السلمية، لكنه أوجد شرخاً عميقاً في التركيبة اللبنانية لم يتم ردمه حتى اليوم. فرغم قدرة شعب لبنان على تعبئة أكثر من مليوني شخص في شوارع بيروت- سواء كانوا من قوى 14 آذار أو قوى 8 آذار- في مظاهرات سلمية، جرى الطعن في قدرة اللبناني على إدارة شؤون بلده بنفسه. وقد سجلت تصريحات للرئيسين الفرنسي شيراك والأمريكي بوش الإبن حول ضرورة ضمان أمن واستقرار لبنان بكل الوسائل. بل وكتب الأمين العام للأمم المتحدة في تقريريه لعامين متتاليين عن عدم قدرة لبنان على مواجهة مشكلاته الداخلية والتدخلات الخارجية أو قيام محكمة وطنية بمحاكمة الجناة في الجريمة الإرهابية التي نالت رئيس وزرائه السابق.

رغم الطابع غير الدبلوماسي لهكذا تصريحات تمس المشاعر الوطنية لكل لبناني، تداعى عدد من السياسيين اللبنانيين لتكرار نفس الخطاب، لينزلق لبنان، بشكل مباشر أو غير مباشر، في لعبة التدخل الخارجي. ففي 22/2/2005، طلبت الحكومة اللبنانية من مجلس الأمن تشكيل لجنة تحقيق في الوقائع لتقدير الأسباب والظروف والنتائج الناجمة عن اغتيال الرئيس الحريري. هذه اللجنة، التي ترأسها وقتئذ بيتر فيتزجيرار، طالبت بلجنة تحقيق دولية لوجود ضعف وخلل في إمكانيات التحقيقات اللبنانية. وبسرعة غير معهودة، تشكلت اللجنة بقرار من مجلس الأمن رقم 1595 (7/4/2005) ليبدأ مسلسل المحقق “ديتليف ميليس” السيء الذكر، والذي دفعت فكرة لجان التحقيق الدولية المستقلة المنبثقة عن مجلس الأمن بسببه ثمناً غالياً في سمعتها ومصداقيتها. (تتكرر اليوم نفس المهزلة بتشكيل مجلس الأمن لجنة تحقيق “غير منحازة” للتحقيق في جريمة أسطول الحرية بمشاركة شخص مطعون في مصداقيته وأمانته).

فانطلاقاً من قناعته بعدم قدرة القضاء اللبناني على ملاحقة الجناة وبالضغوط التي يمكن أن يتعرض لها القضاة، طالب رئيس الوزراء اللبناني حينها فؤاد السنيورة، ودون مشاورة أو موافقة رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، في رسالة موجهة بتاريخ 13 كانون الأول/ديسمبر 2005 إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بإنشاء “محكمة ذات طابع دولي” لمحاكمة جميع المسؤولين المفترضين عن الاعتداء الذي وقع في 14 شباط/فبراير 2005 في بيروت وأدّى لمقتل رئيس الوزراء اللبناني و22 آخرين. وعملاً بقرار مجلس الأمن 1664 (2006)، أجرت الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية مفاوضات لإبرام اتفاق بشأن إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان. ورغم النتائج الكارثية المعروفة على عمل الحكومة والبرلمان والرئاسة اللبنانية (عدم انعقاد مجلس النواب، استقالة خمسة وزراء، عدم تصديق رئيس الجمهورية..)، وفي سباق مع الوقت كون التصلب الفرنسي كان ابن علاقة شخصية معروفة بين شيراك والحريري، تم إصدار القرار 1757 عن مجلس الأمن بإقامة المحكمة وفق الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة في 30/5/2007، أي مع مغادرة شيراك للإليزيه.

هكذا ولأول مرة في التاريخ، تتشكل محكمة خاصة بقرار من مجلس الأمن دون حرب أهلية أو حرب دولية سابقة ولمجرد وقوع حادث إرهابي. علماً أن أحداث سبتمبر 2001 الإرهابية لم تستدع قيام أية محكمة خاصة لمحاسبة الجناة. كما لم تحل الأوضاع المضطربة في العراق دون محاكمة القيادة العراقية السابقة في ظروف غير عادية وفي ظل دبابة الاحتلال من قبل محكمة عراقية.

بموجب قرار مجلس الأمن 1757، دخلت المحكمة الخاصة بلبنان حيز النفاذ في 10 حزيران/يونيو 2007. تتمثل ولاية المحكمة إذن في مقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الهجوم الذي وقع في 14 شباط/فبراير2005 وأدى لمقتل رئيس الوزراء اللبناني وقتل وإصابة أشخاص آخرين. كما يمكن توسيع اختصاص هذه المحكمة بتجاوز نطاق التفجير المشار اليه إذا رأت أنّ الهجمات الأخرى، التي وقعت في لبنان في الفترة ما بين 1 تشرين الأول/أكتوبر 2004 و 12 كانون الأول/ديسمبر 2005، متلازمة وفقاً لمبادئ العدالة الجنائية، وأن طبيعتها وخطورتها مماثلتان لطبيعة وخطورة اعتداء 14 شباط/فبراير 2005. يشمل هذا التلازم، على سبيل المثال لا الحصر، مجموعة من العوامل التالية: (الدافع) والغاية من وراء الهجمات، صفة الضحايا المستهدفين، نمط الاعتداءات (أسلوب العمل) والجناة. كما يمكن للجرائم المرتكبة بعد 12 كانون الأول/ديسمبر 2005 أن تكون مؤهلة لأن تُدرَج ضمن اختصاص المحكمة وفقاً للمعايير نفسها، إذا قررت حكومة الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة ذلك وبموافقة مجلس الأمن.

من الجدير بالذكر أنه منذ اليوم الأول لاغتيال الرئيس الحريري، طالبت اللجنة العربية لحقوق الإنسان بلجنة تحقيق عربية مستقلة ومحكمة عربية خاصة، بما يفتح المجال لتقليد جديد في قضايا الاغتيال السياسي والاعتداء على سلامة العاملين في الشأن العام. والسبب أولاً، أن المحاكم الدولية اختصت بجرائم ليست هذه منها (جريمة العدوان والجريمة ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجرائم الحرب). وثانياً، لإمكانية حدوث توافق عربي على قضية بهذه الأهمية، مما يسمح بتخطي غياب آلية عربية للمحاسبة حتى اليوم. ففي حين يمكن متابعة هكذا قضية في المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان، في حال الاختصاص المكاني واستنفاذ السبل الوطنية، لا يمكن أن نجد مرجعية عربية تسمح بالمحاسبة في حال وهن أو تبعية القضاء الوطني. كذلك، يمكن للزخم الذي اكتسبته القضية دولياً، وبغض النظر عن دوافعه، أن يوظف إقليمياً لدفع القضاء العربي خطوة للأمام. وقد أخذت اللجنة العربية في موقفها هذا بعين الإعتبار تجربة المحاكم المختلطة المشابهة في كمبوديا وتيمور الشرقية: حيث انتظرت الأولى وفاة مسؤولي الجرائم الكبار لتتحرك، في حين طالب الرئيس التيموري مؤخراً بإلغاء المحكمة الخاصة ببلده لأنها لم تفعل شيئاً وتجرّ أكلافاً دون طائل. ذلك إضافة إلى العناصر القضائية التالية:

– حتى اليوم، لا يمكن الحديث في القانون الجنائي الدولي عن محكمة ذات طابع دولي لا تحمل أية صفة من صفات العدالة الجنائية الدولية المعروفة،

– توجد حالة قطيعة مع التقاليد التي تعطي محكمة خاصة للرد على جرائم معروفة ومحددة سلفاً كالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية. هذا النوع من الجرائم يقع عادة ضمن اختصاص القضاء الوطني، ولم تتشكل يوماً محكمة غير وطنية من أجلها. خاصة وأن الجماعة الدولية لم تتفق بعد على تعريف دولي للعمل الإرهابي مثلاً،

– لا تعقب المحكمة حالة حرب أهلية أو خارجية، وإن كان الوضع غير مستقر تماماً، فالتعبئة الشعبية لطرفي الخلاف في لبنان كانت سلمية محضة، بحيث نزل أكثر من مليوني شخص للشارع دون إصابة جريح واحد،

– تتبنى مسيرة المحكمة والمدافعين عنها مسيرة الفهم الأمريكي بعد الحرب الباردة للعدالة الانتقالية. أي العدالة التي تتبنى المفهوم الوقائي والجيوسياسي عوضاً عن اعتبارها أحد أركان مثلث السلام الأهلي والمصالحة الداخلية،

– لا توجد سابقة أنشأت محكمة خاصة دولية أو ذات طابع دولي بهدف محاكمة مرتكبي جريمة سياسية. ويبدو من توصيف الجريمة في الأساس على أنها عمل إرهابي هدفه إتاحة الفرصة لمجلس الأمن التدخل لأهداف سياسية متعلقة ببعض دول المنطقة،

– كيف يمكن اللجوء لمحكمة غير وطنية للمحاكمة في قضايا غير دولية؟ ولماذا يغلق هذا الباب عندما يتعلق الأمر ببلد مثل “إسرائيل”، رغم أن موضوع الإغتيال السياسي، الذي لا تتنصل من المسؤولية الجنائية فيه أحياناً حتى في تصاريح مسؤوليها(وفقاً لتقرير لمركز المعلومات والإعلام وصل عدد جرائم الاغتيال السياسي التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق قادة سياسيين وناشطين فلسطينيين، منذ بدء الانتفاضة في 28/9/2000 وحتى 30/4/2004، إلى 177 جريمة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أي بمعدل جريمة كل أسبوع) راح ضحيتها 374 مواطن فلسطيني، بينهم 239 من المستهدفين (ضمنهم 5 أطفال). مع ذلك، كل هذه الجرائم الموثقة لدى مجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن لم تستحق حتى بياناً رئاسياً من مجلس الأمن،

– في حين يناضل بشر بكل الوسائل لتأصيل مبادئ العدالة الدولية في العالمين العربي والإسلامي، يأتي قرار الثلاثي الأمريكي-البريطاني-الفرنسي ليساهم بقوة في بناء رأي عام عربي سلبي تجاه الاختصاص الجنائي العالمي والمحكمة الجنائية الدولية وكل ما هو دولي باعتباره بالضرورة “أمريكي”،

– كما سبق ونوه د. خليل حسين في مداخلة له، تمَّ التنازل عن كل ما حفظه مجلس الأمن، في قراره الرقم 1595 الذي أنشأ لجنة التحقيق الدولية، للسلطات اللبنانية من سيادة بالنسبة لإدارة التحقيق وتطبيق القانون في شأن الأعمال الجرمية التي رافقت اغتيال الرئيس الحريري وآخرين، إذ نصَّت المادة (4) من مسودة النظام الأساسي للمحكمة «عند تعيين المدعي العام وفي فترة لا تتعدّى الشهرين، ستطلب المحكمة الخاصة من السلطات القضائية الوطنية المسؤولة عن قضية الهجوم الإرهابي على رئيس الوزراء رفيق الحريري وآخرين، الخضوع لاختصاصها». كذلك سوف تحيل السلطات اللبنانية، بناء على طلب المحكمة الخاصة، الموقوفين ونتائج كل التحقيقات ونسخ عن سجل المحكمة. وبناء على طلب المحكمة أيضاً، “ستخضع السلطة الوطنية المعنية لاختصاص المحكمة”،

– هناك مشكلات كثيرة من حيث قضايا المخاصمة الإدارية ومعايير التشابه والخطورة في الجرائم والتوسيع الاعتباطي لتحديد الإختصاص، سببها الولادة القيصرية الإجبارية للمحكمة بالفصل السابع، لغياب التوافق السياسي اللبناني. فما جرى كان في جانب واحد ومن طرف واحد، ولم يكن الطرف اللبناني فاعلاً إلا في واقعة وجود أقلية من قضاة لبنانيين وتمويل 49% من دافعي الضرائب اللبنانيين.

منذ قيام المحكمة الخاصة بلبنان، لم يعد بالإمكان الحديث عن عدالة دولية بريئة من موازين القوى الجيوسياسية. وبعد أن أعطى المثل العراقي للاستقواء تحطيماً منهجياً لبلد غني بسكانه وثرواته، تعود فكرة الاستقواء بقوة إلى بلد ضعيف وهشّ، حتى لا نقول برسم الحريق لتحمله إشكالات فوق طاقاته وإمكاناته. ورغم معرفة معظم اللاعبين بأن سقف هذه المحكمة لا يتجاوز نسخة بائسة لأزمة لوكربي، التي لم تسقط النظام الليبي بل نجحت بابتزازه مالياً وسياسياً، فإن الأوساط الموالية لإسرائيل لا تخفي تعويلها على مواجهة المقاومة اللبنانية بسلاح المحكمة الخاصة.

إننا نعيش مأساة اختراق تُخلط الأوراق فيها بين العدل والقوة من جديد. ففي وقت نجحت فيه أوساط حقوق الإنسان الأكثر التزاماً وصدقاً في وضع مقرر لمتابعة تجاوزات الحرب على الإرهاب، وبدأت ملفات المحاسبة في العدوان على العراق بالظهور، وفي حين تُنجز تقارير عالية المستوى تدين السجون السرية والتعذيب وغوانتانامو والحرب في العراق والعدوان الإسرائيلي على لبنان وغزة، ويعود تقرير غولدستون رغم الفيتو الأمريكي عليه، وتصدر قرارات إدانة في أعلى المؤسسات الأوربية التشريعية والحقوقية لحرب مفتوحة على “الإرهاب” دفعت دولة القانون وأممية العدالة ثمناً باهظاً لها، ويوضع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في الزاوية في الملف الفلسطيني، في هذا الوقت بالذات، شكلت المحكمة الخاصة بلبنان عملية اختراق كبيرة خلطت الحابل بالنابل، عبر إقرارها من مجلس الأمن بالقرار 1757 وفق الفصل السابع. وذلك بغياب إجماع محلي وإقليمي ودولي عليها وعلى آليات عملها (نذكّر بامتناع روسيا والصين وقطر وجنوب إفريقيا وأندونيسيا عن التصويت على هذا القرار لاعتباره تدخلاً في الشؤون اللبنانية وعنصر اضطراب لبناني وإقليمي). وفي نهاية الأمر، ليست المشكلة التي تقسم اللبنانيين وتشد أعصابهم وتلهب رؤوسهم في القرار الظني للمحكمة، وإنما في المحكمة نفسها وفي أغراضها وتداعياتها الحالية والمستقبلية على هذا الشعب، لتدميره من داخله باشعال الفتنة بين اطرافه المتنازعة بعدما فشلت الحروب الإسرائيلية في النيل منه.

نشر في الجزيرة نت في 24-08-2010