القمة العربية في تونس 2019 – فيوليت داغر

“تجمعهم الطبلة و تفرقهم العصا”و اليوم تجمعهم قمة عيونهم على أمريكا و قلوبهم في البيت الابيض يصمتون عن إبادة اليمنيين و باعوا القضية الفلسطينية دمروا سوريا و العراق و البقية آتية, يدعون الدفاع على المصالح العربية ويناضلون من اجل تجويع شعوبهم أجندات عدوهم التاريخي و تجريدهم من كل حقوقهم في انتظار توجيه الضربة القاضية عبر “صفعة العصر” ما يسمونه باطلا بصفقة القرن.

كان هذا غيض من فيض بما أصدحت به السيدة “فيوليت داغر”رئيسة اللجنة العربية لحقوق الانسان لالوسط نيوز” في حوار خاص كشفت ضمنه انها نفضت كما الشعوب العربية يدها من كل القمم العربية و ان البحث عن موقع لها  ضمن الفاعلين في العالم لا يمكن ان يكون بقادة خوالف من صنف “انا هنا قاعدون”و مسؤولون غير اكفاء دورهم ابتزاز شعوبهم و التلاعب بالامانة التي عهدت لهم. مشيرة الى ما يقع في تونس من تنكيل بالتونسيين عبر هيئات نالت من كرامتهم و توكلت بتصفيتها –في اشارة لهيئة بن سدرين– هو  صورة مصغرة عن مسؤولي العالم العربي الذي يدعون في العلم معرفة و يبيعون أوطانهم بدون مقابل للخارج.

و فيما يلي نقل حرفي لما ورد عن “فيوليت داغر” التي أحجمت عن الكلام لعديد وسائل الاعلام بسبب حالة المرارة التي تعانيها جراء ما تعلمه عن القادة العرب و العروبة عملا بمقولة “الصمت في محضر الكلام كلام”.

بمناسبة انعقاد القمة العربية في تونس هذه الأيام، كيف تنظرين لها و ما تقديرك لمخرجاتها و نتائج ذلك عملياً ؟

لا أمل يرجى من هذه القمة التي ستكون كسابقاتها دون نتائج تذكر، إنما هي تضييع للوقت و إهدار للجهد و لأموال الشعوب العربية بما لا يخدم مصالحها فعلياً شعوب المنطقة نفضت يدها من الجامعة العربية و من القمم العربية منذ زمن و خاصة منذ الانتفاضات العربية و بروز مواقف الطبقة السياسية واضحاً جلياً مما يجري من تحولات و أزمات و اعتداءات على هذه الأمة.

هذه القمة لن تحمل قرارات نوعية كما يأمل وزير خارجيتكم, القرار بعودة سوريا للجامعة العربية لن يتخذه الزعماء العرب هذه المرة و لو أن منهم من قد يرغب بذلك.

القرار لا يعود لهم، فأجندات أغلبهم مرتهنة للخارج و للصهيوأمريكي الذي يضغط كي لا تسوى الأوضاع في المنطقة و تبقى النيران مشتعلة، بانتظار أن يمددها لأماكن جديدة يأتي الدور عليها ضمن ما رسم من خطط تقسيمية و تفتيتية للمنطقة.

يضاف لذلك غياب الإرادة الكافية على مستوى الساسة للمواجهة و ترتيب الجبهة الداخلية و اتخاذ القرارات الصائبة التي تشدد المناعة الداخلية بالاتكاء على اتفاقيات بينية و تحالفات إقليمية و دولية لمواجهة الأخطار المحدقة.

العرب الذين بدأوا بالعودة لسوريا على سبيل المثال انكفؤوا سريعاً بعد تشديد الضغوط عليهم كي لا يذهبوا بعيدا في هذا الاتجاه. إلا إذا كانت حينها فقط عملية جس نبض لمعرفة إن كانت سوريا ستتخلى عن شروطها للالتحاق بركب المفرطين بالحقوق و التطبيع مع العدو.

ردت سوريا على شرط الابتعاد عن إيران بزيارة سريعة لطهران و ذهب الرئيس اللبناني للقاء الرئيس الروسي بعد زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة للبنان. لم يستطع هذا الأخير إملاء شروطه على لبنان كما أراد و هناك من سرب في هذا الصدد أن من أهداف الزيارة كان الإطلاع و بشكل سري على مواقع في منطقة جبيل يريد الأمريكي أن يجعلها قاعدة له لمراقبة حزب الله من الداخل اللبناني، بعدما فشل في محاولاته تطويق هذا الحزب و محور المقاومة الذي حرر الأراضي دون تبجح و جعجعة فارغة و عنتريات كما يفعل الأمريكي الذي لا يهتم إلا بزرع الفتن و إشعال الحروب و جمع الإرهاب من كل العالم لاستهدافنا به.

بالتالي لم يعد الكثير من شعوب المنطقة يؤمن بأن هناك شرعية دولية و نظام دولي يعيد له حقوقه و كرامته و ثرواته المسلوبة دولة الكيان الغاصب أظهرت أنيابها دون مواربة و رفعت من منسوب عنترياتها و عدوانيتها، بعدما كانت قد ضربت بعرض الحائط كل القرارات الدولية و الاتفاقيات المعقودة على مر السنوات كما تلاعبت بالمباحثات لتأخذ كل شي و تجرد الطرف الآخر تدريجياً من كل شيء إلى أن وصلنا للحديث عن صفقة القرن التي ما زالت بعض شروطها غير معلنة.

بالمناسبة أنا لا أسميها صفقة القرن بل صفعة العصر، لأن إبرام الصفقات يفترض وجود طرفين، و ليس أن يكون الطرف المعني و الأصيل مغيب ليجري التعامل مع البديل و فرض الأمر الواقع بالقوة.

لذا، ليس من رد على مسلسل هذا الاستسلام المخجل و الخطير من طرف الحكام العرب أو بالأحرى بعضهم الأكثر على الأقل إلا بتشكيل محور مقاوم يمتد على طول الجبهات المشتعلة و من يمكن أن تنضم لها لتنسق فيما بينها و تقف بوجه المؤامرة المتدحرجة.

فهي لم و لن تنتهي و إن كنا لا نتمنى المزيد من القتل و الدمار لشعوبنا إلا بحرب كبيرة شاملة يستعيد بعدها كل ذي حق حقه دون غلبة و تجبر من المعتدي و المحتل و الطامع و المستخف بإرادة الحياة عند البشر مهما بلغ ضعفهم خلال حقبة من تاريخهم.

و لنا مثال على ذلك في ما يحصل من مقاومة شرسة في اليمن و إحباط لمآرب المعتدي رغم الدمار الكبير و الحصار المجرم على مدى 4 سنوات. المقاومون في هذا البلد غير السعيد اليوم يبشرون بأن التحولات في سير الحرب في السنة الخامسة ستكون كبيرة و مفاجئة و لنا ثقة كبيرة بمن يدافع عن حقه تجاه معتدي غاشم مهما عظم المصاب.

هذه هي سوريا التي واجهت حربا أشبه بأن تكون كونية و تكاد تسترجع كل أراضيها بمواجهة جحافل من مجموعات تسمى إسلامية لكنها تقوم بدور جيوش جرارة تدار بأيادي غربية أمريكية و صهيونية.

هذه تجربة حزب الله الذي استعاد أراضي لبنانية رغم تكالب القريب قبل الغريب على وجوده و محاربة دوره و تأليب الرأي ضده.

مقاومات شعبية هنا و هناك على الأرض العربية اتخذت أسماء مختلفة لكنها تشكلت من أبناء هذه الأرض التي انتفضت لاسترجاع حقوقها بيدها رغم المؤامرات و الفتن ضدها.

العدو يتربص بنا بتجريعنا أجندته و تجريدنا من كل حقوقنا رويداً رويداً، فهل نبقى غافلين و لا نتحضر للمواجهة قبل أن يوجهوا لرؤوسنا ضربتهم القاضية ؟ خارطة للكيان الغاصب دون حدود واضحة ظهرت مطبوعة على عملة سنة 1989 نشرتها مجلة أمريكية صهيونية تتحدث عن إسرائيل الكبرى و تبشر بأنها ستضم كل فلسطين و لبنان و الأردن و نصف سوريا و سينا و ثلثي العراق و ثلث السعودية.

إذا كانوا هم لا يهذون و يعملون جاهدين لتحقيق مشاريعهم فأين نحن ؟ نحن الذين نشهد كيف تقضم الأرض تدريجياً بالحرب و توضع اليد على أخرى بقرارات رعناء و كأن النظام الدولي هو فقط النظام الصهيوأمريكي دون حول أو قوة للشعوب الأخرى. فتعلن دولة غزة بعد الاستيلاء الكامل على الضفة و تفرغ الأرض الفلسطينية من الفلسطينيين بما فيهم من بقوا في أراضي 48، و توهب الجولان لإسرائيل بجرة قلم بعد أن وهبت القدس لها و كأن السياسات و الإطلاع بالشأن العام بهذه الطريقة تدار.

العدو مستعجل جداً للحصول على ما يريد بفرض الأمر الواقع كيفما كان لكن الاستهانة الرعناء بحقوق الشعوب ستشعل لا محالة المنطقة حيث لن تبقى شعوبها تتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى لما لا نهاية.

المقاومات الشعبية و العسكرية هي من سيكسر هذا المسلسل التفريطي الانهزامي و ستقول كلمتها مثلما قالتها في بلدان شهدت أعتى الحروب لتسليم رقبتها للأعداء خلال السنوات الفائتة.

تحولات كبرى قادمة، و نحن نعيش حالياً منعطفاً خطيراً. لكن لن يقودنا لحتفنا، و إنما العكس. فالآتي قريب و الباقي صبر ساعة.

كنت من القلائل الذين نبهوا للهنات و الخروقات التي تعتري عمل هيئة الحقيقة و الكرامة و اليوم ألا تعتبرين أن تقرير دائرة المحاسبات جاء لتاكيد ما ذكرته مرارا بأن تونس فشلت في ان تكون تجربة يحتذى بها  في العدالة الانتقالية ؟

اطلعت بالفعل على تقرير دائرة المحاسبات الذي سلمته لهذه الهيئة كي تجيب على الخروقات التي شابت عملها. أبدأ بتوجيه الشكر لهؤلاء القضاة الذين عملوا على مدار سنة كاملة بمهنية و منهجية و حيادية كاملة و دبجوا 119 صفحة و قدموا 369 ملاحظة حول خروق و تجاوزات و فساد.

فيها ما يصدم و يذهب لأبعد مما يتوقعه المطلع على سير أعمال هذه الهيئة خلال حوالي 5 سنوات من عمرها. هناك الكثير من التفاصيل لكن للأسف لا يمكن اختصارها كلها في هذا المكان كون المساحة المتاحة لا تسمح بإيرادها كلها.

من الملاحظات الأولية التي سجلتها دائرة المحاسبات أن فريقها لم يتمكن من الحصول على وثائق ضرورية للقيام بعمله كما هو مطلوب، بل لاقى تعطيلات جمة بسبب عدم تمكينه من هذه الوثائق رغم طلبه لها عديد المرات.
لم يتمكن فريق البحث من الإطلاع على محاضر جلسات مجلس الهيئة و بعض لجانها الفنية و اعتمد على ملخصات عن المحاضر لم يكن مضمونها أميناَ في نقل سير الجلسات بل جاء منقوصاً حسب اعتراف أحد أعضاء الهيئة. الأمر الذي أثر سلباً على العمل المنوط بفريق دائرة المحاسبات.

مما ذكره التقرير أن غياب هيكل تنظيمي للهيئة أدى لإخلالات أثرت على نشاطها و منها على سبيل المثال : المصادقة بعد انقضاء أكثر من أربع سنوات من تاريخ إحداثها على الهياكل التنظيمية لعدد من الإدارات العامة. علاوة على عدم انتداب الأعضاء الذي أقيلوا أو استقالوا و عدم تنفيذ قرارات المحكمة الإدارية.

كذلك لم تكلف الهيئة نفسها عناء كتابة تقارير دورية و سنوية كما كان يفرضه القانون و لم تنجز أدلة إجرائية لمكاتبها الجهوية و ادارتها المركزية و لم تتقيد بالنظام الداخلي و بالقوانين المنظمة في موضوع صرف الأموال و إنما أباحت الرئيسة لنفسها أذون الصرف على هواها و دون الحصول على تفويض من مجلس الهيئة و دون نشره بالرائد الرسمي.

و بذلك وقعت كل التجاوزات المالية و الادارية في هذا الصدد و صرفت مبالغ لمهمات في الخارج لم يكن لبعضها علاقة بنشاط الهيئة بالرغم من تحمل الجهة الداعية للمصاريف من إقامة و تنقل و جرى تصرف بالسيارات الوظيفية دون تقيد بالأصول.

كما تضاربت بيانات المحاسبة مع التقارير السنوية للميزانية حول مسألة السيولة و كانت الإعتمادات التي حصلت عليها الهيئة من الدولة التونسية قد فاقت حجم الإنفاق بحيث بلغت نسبة الاعتمادات المستهلكة أقل من النصف في السنة الثانية على سبيل المثال وأكثر من النصف بقليل في الثالثة و أعلى بعض الشئ في السنة الأخيرة.

و هو ما يؤكد وجود تحريف متعمد في وضع الميزانيات و احتياجات الهيئة للأموال و من دون احتساب الفائض المتوفر من السنوات السابقة.

أما ما يخص أنظمة المعلومات فقد كانت تشكو من نقائص على المستويين التنظيمي و المادي ومنها مخالفة القواعد المنظمة لسرية المعطيات الشخصية و حصول عمليات تجسس على الأعضاء في مكاتبهم و على هواتفهم و بريدهم الالكتروني و حصل تأخر في تعيين مراقب حسابات و انعدمت الشفافية و النزاهة في إسداء خدمات للهيئة من الأطراف الخارجية.

من ناحية ضحايا الانتهاكات تمت تحويلات لبعضهم عبر حوالات بريدية لم تصل لأصحابها، كما أرسلت حوالات مضاعفة لنفس المستفيدين، إلى جانب إصدار قرارات بالتدخل العاجل دون ثبوت صفة الضحية، حيث أن بعضهم حصل على مساعدات مالية أو صحية دون أن يحمل صفة ضحية أو قد تمتع سابقاُ بخدمات من مؤسسات أخرى مثل وزارة العدالة الانتقالية و غيرها، مقابل تمتع البعض الآخر بشروط العناية الفورية دون الحصول على الانتفاع المطلوب.

لقد تم رصد أوامر بالصرف لا تحمل أرقام تسلسلية، كما عبَر فريق المراقبين عن شكوك بإخفاء تدليس وثائق من قبل أعوان بالهيئة بهدف الانتفاع بمبالغ عوضاً عن الضحايا دون وجه حق.

و يشار هنا إلى أن لجنة جبر الضرر ورد الإعتبار كانت قد أسندت مهامها لخمسة أعضاء منتخبين، لم يبق منهم منذ 2016 سوى عضو واحد يقوم بالمهمة.

أما في موضوع التحكيم، يجدر الإشارة لما ذكرته دائرة المحاسبات من أن 11.7 بالمائة من الملفات فقط قد جرى درسها حتى أواسط 2018 من طرف لجنة التحكيم و المصالحة و أقل من نصف الاتفاقيات المبدئية صدرت فيها قرارات تحكيمية نهائية أي حوالي 5.8 بالمائة.

في الأخير، سجل فريق دائرة المحاسبات ملاحظة ثبوت إخلالات فادحة في أعمال البحث و التقصي (كل أعمال الهيئة تتوقف أصلاً على أعمالها)، كما في العناية الفورية و التحكيم و المصالحة و حصول عجز كامل في لجنة الفحص الوظيفي و إصلاح المؤسسات التي نظمت وحدها 9 ورشات عمل على مدى سنة و أربعة أشهر دون أن يتوفر ما يبين استغلال مخرجات هذه الورشات.

لكل ذلك و لغيره مما لم يذكر هنا أعتبر أن هذه الهيئة لا تحمل لا واقعاً و لا فعلاً الاسم الذي منح لها ول ا تستحق الآمال التي بنيت عليها بسبب كل ما حصل داخلها خلال ممارستها لمهامها.

لقد كنا كحقوقيين و ناشطين، أكان تونسيين أو عرب، نأمل منها أن تكون نموذجاً للعدالة الانتقالية يحتذى به و تجربة يبنى عليها في منطقتنا للانطلاق في تجارب قادمة لدول عربية ستأخذ ربما هذا المسار لاحقاً بعد الحروب و النكبات التي ألمت بها لكن من تولوا أمورها من داخلها – و أيضا من وظفوها من خارجها – لم يعملوا لمصلحة تونس، و إنما لمصالح فئوية و بعمالة معيبة لأعداء البلد، كما لمآرب شخصية و بقصر نظر و قلة دراية بهذا النوع من المهام رغم التدريبات الكثيرة التي تلقوها، إلى جانب عدم الاقتدار الذاتي على رفع المستوى و التسامي على جراح الماضي لإنجاح المهمة مما سيكون وصمة عار على جبين كل من واصلوا المهمة رغم كل ما حصل من : طعن في الظهر بحق زملائهم و مواصلتهم العمل دون استكمال النصاب في خرق فاضح و واضح للقوانين الأساسية الناظمة، ور غم معرفتهم بالمخالفات التي استمروا بالتغطية عليها، و رغم الخلاف الذي اشتد فيما بينهم و انقسامهم لفريقين موالي و معارض للقابضة على القرار بيد من حديد، لدرجة انفراط الأمر و خروجه عن الأعراف المهنية و اللياقات المسلكية.

المصدر: صحيفة الوسط نيوز الالكترونية التونسية 31-03-2019