القضاء في الكويت – د.فيوليت داغر

تتناول ورقتي موضوع القضاء في دولة الكويت، بالاعتماد في جانبها النظري على أهل الاختصاص فيه، وصولاً لعرض حالة عيانية توضيحية تابعتها بنفسي من داخل وخارج الكويت، تاركة لكم في الأخير تكوين الرأي واستخلاص الاستنتاجات التي يتكشف عنها هذا البحث.

يجدر بأي نظام ديمقراطي حقيقي، أن تحظى السلطة القضائية بالحقوق والصلاحيات والامتيازات التي تحوز عليها السلطتان التشريعية والتنفيذية. ذلك، حماية للحقوق والحريات دون ضغوط وابتزاز السلطة التنفيذية، وحرصاً على إقامة العدل باستقلالية ونزاهة تبعاَ لما نادت به المواثيق الدولية المختصة.

تبنى الدستور الكويتي هذا التوجه الدولي، عندما نص في المادة 163 أنه “لا سلطان لأي جهة على القاضي في قضائه، ولا يجوز بحال التدخل في سير العدالة..”. لكن المشرّع خالف هذا المبدأ حينما نظم أحوال القضاء الكويتي عام 1990، عندما ألحق السلطة القضائية بالحكومة ووزير العدل تحديداً، ناسفاً بذلك مبدأ استقلاليتها. لقد منح، في المادة 35 من قانون تنظيم القضاء، لوزير العدل “الحق في الإشراف على القضاء”، وذهب في مادته الستين للتأكيد على أن “أعضاء النيابة العامة يتبعون جميعاً النائب العام، ويتبع النائب العام وزير العدل”. وأعلن في المادة 64، أنه “لوزير العدل حق الرقابة والإشراف على النيابة العامة..”

منح هذا القانون إذن صلاحيات كبيرة لوزير العدل في التدخل في أعمال السلطة القضائية، كصلاحيات الاعتراض على قرارات الجمعيات العامة للمحاكم (م12)، التدخل في تقارير النيابة كما في تعيين القضاة وأعضاء النيابة العامة وترقيتهم ونقلهم وندبهم لعمل آخر غير عملهم الأصلي (م 17)، وتبليغهم بقرار إنهاء أعمالهم (م 32). لوزير العدل كذلك الأحقية بإقامة الدعاوى التأديبة على القضاة (م 41)، وتعيين وكلاء النيابة وعزلهم (م 61)، والقيام بكافة إجراءات الدعوى التأديبية ضد النائب العام (م 66)، وتعيين ومحاسبة كافة الموظفين المعنيين والمسؤولين عن تولي مهام الشؤون الإدارية والمالية للسلطة القضائية (م 67). كما تعود لوزارة العدل (م 69) مسؤولية الميزانية المالية للسلطة القضائية، ولوزير العدل (م70) كافة اختصاصات ديوان الموظفين بالنسبة لشؤون القضاء والنيابة العامة، علاوة على صلاحية تحديد مقار دوائر المحاكم وتبعية معهد القضاء، وإلى ما هنالك من صلاحيات يكفي بعضها لنسف استقلالية القضاء المفترضة نظرياً والمطلوبة دستورياً.

وفي الحين الذي يُمنح فيه البنك المركزي وهيئة أسواق المال على سبيل المثال، أو حتى هيئة حديثة العهد، كهيئة مكافحة الفساد، صلاحية الإشراف التنفيذي والإداري والمالي على الهيئة وموظفيها، تسلب السلطة القضائية هذا الحق. وذلك خلافاً لما يحدث في العديد من التشريعات القضائية الدولية التي تحرص على تعزيز الاستقلالية، وتمنح وفق ضوابط محددة، أحقية للسلطة التنفيذية في التوجيه العام والمراجعة والاعتراض.

إن ما سبق ذكره يفسر في جانب منه، لكن لا يبرر بأي حال بالطبع، أن تشهد دولة الكويت انتهاكات جمة لحقوق نشطاء وسياسيين وحقوقيين واحالتهم لمُحاكمات على خلفية اتهامات لم تسند لقرائن دامغة. ليس في تركيب الملفات وعدم توفير الضمانات القانونية أثناء التحقيقات، انتهاك فحسب لحرية الرأي والتعبير، بل استهداف واضح وفاضح ومشين لأصحاب الرأي والمُفكرين والغيورين على مصالح البلد، بإيعاز في بعض الأحيان من أطراف خارجية. تتوفّر كذلك دلائل جديّة بتعرض بعض المُتهمين للتعذيب وغيره من ضروب المُعاملة المسيئة والحاطة بالكرامة أثناء الاحتجاز، لإجبارهم على الاعتراف بما لم يقوموا به فعلاً. وكنا سبق وقدمنا قبل سنتين شهادة حول الموضوع في لجنة التعذيب في الأمم المتحدة بوجود مسؤولين قدموا من الكويت لتمثيل وجهة نظر بلدهم، ثم عادوا أدراجهم دون أن يجري أي تغيير في الأمر. لقد أصبحت للأسف ظاهرة التعذيب مُتفشية في الجهاز الأمني، أثبتها القضاء الكويتي في العديد من القضايا، كما في قضية العبدلي التي يعتقد أصحابها أنه تم تجاهل الأدلة في ذلك لاعتبارات طائفية..

في هذا الملف، كان أمين عام حركة التوافق الوطني الإسلامية، وأمين سر مجلس العلاقات الإسلامية المسيحية، الأستاذ زهير عبد الهادي المحميد، قد تعرض في أغسطس/آب 2015 لإنتهاكات جسيمة، إثر توجيه اتهامات له في قضية أمن دولة رقم 51/2015، أو ما سمي بخلية العبدلي. هذه القامة الوطنيّة الكبيرة المشهود لها في خدمة بلدها من عدة مواقع إقتصادية ودفاعية وسياسية وبأبحاثها المُتعددة في خدمة التعايش السلمي، كان ضابطاً مقاوماً للغزو العراقي للكويت وناشطاً بارزاً في قضية القدس وفلسطين. وقد شهدت خلال مشاركتنا معية في العديد من المحافل الأكاديمية والحقوقية العالمية أنه كان خير مُمثل لدولة الكويت وداعم لقضاياها. ونحن كحقوقيين، ما زلنا رغم كل ما تعرض له من اتهامات، مُتيقنين من إخلاص هذا الرجل لبلده، لما لمسناه في لقاءاتنا معه داخل وخارج وطنه من أطروحات ومواقف تسهم في بناء ومنعة وطنه وتعزز المواطنة وتعلي شأن الكويت خارجياً. وقد يكون في هذا الحضور والدور ما يفسر اعتقاله وإبعاده عن الشأن العام ولغرض في نفس يعقوب القابع في الكواليس لتحريك خيوط المؤامرة على هذا البلد.

اليوم وبعد مرور أكثر من سنتين في السجن الاعتباطي، يستمر، لا بل يتسارع، تدهور الحالة الصحية للأستاذ زهير المحميد الذي يعاني من أمراض عدة، ذكرناها في بياناتنا ونداءاتنا للسلطات الكويتية. ذكّرنا بأنه يعاني من تصلب في شرايين التاجي وتصلب وتمدد في الأورطي، وهو بأشد الحاجة لعملية قسطرة عاجلة. والأمر لا يتوقف على القلب وحده، كونه يعاني من آلام في العمود الفقري نتيجة فتق في الفقرات L4-L5، وانزلاق غضروفي، وآلام شديدة في الركبة، وغرغرة وانتفاخ في القدم لنمو مسمار اللحم، ومشاكل في الأسنان تحتاج جميعها لعلاج ومتابعة جدية ومسئولة قبل فوات الأوان.

كانت الإيقافات قد حصلت إثر اقتحام منزل السيد المحميد، كما منازل المتهمين جميعاً، وإتلاف محتوياتها وانتهاك حرماتها دون إذن من النيابة العامة الكويتية. كما وتعرض الموقوفون للتهديد أثناء التحري معهم لانتزاع اعترافات بالقوة، وللتعذيب البدني الوحشي إثر نفيهم التهم التي وجهت لهم. وكان قد بلغنا بأن الزميل المحميد فقد وعيه وقواه مرتين بفعل تعذيبه تعذيباً شديداً، أحيل إثرهما للمستشفى العسكري، وفقاً لإفادته وللثابت بالمستندات لدى محاميه. لكن القضاء الكويتي تجاهل هذه الممارسات، مقابل ترضيات إقليمية ودولية، كان ضحيتها من يفترض أنه مواطن يتمتع بكامل شروط وحقوق المواطنة.

الأنكى من هذا أن محاميّ الدفاع في هذه القضية مُنعوا طوال فترة التحقيق مع موكليهم من حضور التحقيقات أمام النيابة العامة، رغم إصرارهم على ذلك وتكرار طلباتهم إعمالاً لحقهم القانوني. ذلك علاوة على منع أسرهم من الزيارة للاطمئنان عنهم طوال فترة التحري والتحقيق، حيث نقلوا  فيما بعد إلى السجن المركزي رغم الظروف الصحية الصعبة لبعضهم.

عقب هذه التوقيفات وخلال زيارتنا للكويت، قمنا بتقديم كتاب حول المُعاملة المسيئة والحاطة بالكرامة التي تعرض لها المُتهمون في القضية المذكورة. وهو مُحرر في 1/12/2015، وتم تسلمه رسمياً بتاريخ 14/12/2015 من طرف لجنة حقوق الإنسان التابعة لمجلس الأمة الكويتي. تضمن كتابنا نداءاً بخصوص النزلاء في السجن المركزي (3) في دولة الكويت، المُتهمين في القضية رقم 51/2015 جنايات أمن دولة، وذلك بناء على ما وردنا من معطيات من الأهالي. وكنت قد استمعت في تسجيل سابق بلغني، لمداخلة للنائب السابق دكتور دشتي عندما طرح السؤال بخصوص مآل رسالتي هذه أمام المجلس وما زلت لا أعلم ماذا كان الجواب يومها إن كان من جواب قد ورد عليها.

كنا كممثلين للّجنة العربية لحقوق الإنسان، كما سوانا من حقوقيين ومهنيين، قد راقبنا المُحاكمة المُتعلّقة بالقضية ككل في مرحلة الاستئناف، واستنتجنا بعد قراءة متأنية لنص الحكم المُكوَّن من 186 صفحة، وجود العديد من الخروقات والملاحظات، وأصدرنا نداء تضمن ما يبين فساد الحكم. لكن تم تجاهل الأدلة الثابتة حول التعذيب والتي تهدم كيان القضية بكاملها، حيث لا تستند إلا على الاعترافات التي انتزعت بالقوة وباللجوء للتعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة التي يمكن أن تتصوروا ماهيتها.

احتوى الحكم على آراء سياسية وعقائدية، وجاء مُعبِّراً عن رأي وقناعات خاصّة، دون الإستناد لمبادئ تطبيق الإجراءات القانونية الصحيحة المُنصفة، التي نصّت عليها القوانين التي يفترض أن يُعمل بها. فالمشكلة الحقيقية تتمثل في عدم جواز إبداء آراء من خارج أوراق القضية دون دلائل جادة ملموسة يقينية. وهو ما لم نلمسه أو نفهمه في صفحات الحكم أرقام 124 و 125 و 144 و146. لقد توسَّع هذا الحكم في ارتكازه لمعلومات تاريخية تناقض التاريخ والواقع، وفي ذهابه لحد القول كمثال بأن هناك من المتهمين من تدرَّب في منطقة عيتا الشعب في الجمهورية اللبنانية. هذا الأمر وحده لو توقفنا عنده هو مدعاة للسخرية، كون هذه المنطقة من جنوب لبنان كانت تقبع تحت الإحتلال الصهيوني في ذلك التاريخ، وكون متهم بذلك كان له من العمر سبع سنوات حينها. وتأتي بعد ذلك محكمة التمييز، التي جاء حكمها النهائي صادمًا بكل معنى الكلمة للأوساط القانونية والحقوقية عندما غلّظ العقوبات. كما تجاوز الإجراءات المتبعة في محاكم التمييز، حيث بدل النظر بمدى تطابق الحكم مع القانون، خاض في موضوع الحكم الذي هو ليس من اختصاص هذا النوع من المحاكم.

وحيث أن ذلك لا يكفي على ما يبدو، سلّمت الكويت  مذكرة احتجاج رسمية للحكومة اللبنانية، دعتها فيها إلى “تحمل مسؤولياتها” تجاه ما وصفته بـ”الممارسات غير المسؤولة” لحزب الله، فيما يخص “خلية العبدلي”. وذلك بالاستناد لما ورد في تفاصيل الحكم من “ثبوت مشاركة ومساهمة حزب الله في التخابر وتنسيق الاجتماعات ودفع الأموال وتوفير الأسلحة والتدريب على استخدامها داخل الأراضي اللبنانية بقصد هدم النظم الأساسية في دولة الكويت”.

لا أعرف ماذا كان رد السلطات اللبنانية حينذاك، لكن المعني الأساسي بالاتهام أجاب بالقول: “إننا حريصون على العلاقة بين لبنان والكويت وبين الدولتين والشعبين وحاضرون لنناقش أي التباس”. وأكد الأمين العام لحزب الله: “ما يقال عن أننا أرسلنا سلاحا إلى الكويت غير صحيح، وما يقال عن أن لدينا سلاحا في الكويت غير صحيح… إننا لا نريد في الكويت إلا كل الأمن والسلامة، وما سيق من اتهامات هي اتهامات سياسية… إن حزب الله ليس لديه خلايا ولا أفراد ولا تشكيلات في الكويت، نعم لديه محبون في الكويت كما في كل العالم..والرهان كبير على حكمة أمير الكويت (الشيخ صباح الأحمد الصباح) في معالجة هذا الملف”.

أما الدولة الأخرى المعنية بهذه الاتهامات، إيران، فاعتبر المتحدث بإسم وزارة خارجيتها، أن مزاعم المسؤولين الكويتيين بشأن ملف العبدلي باطلة، مؤكداً ” أن إيران لم يكن لديها أي ارتباط بهذا الملف أبدا، وأبلغت المسؤولين الكويتيين هذا الأمر في بداية البت بالملف”.

من ناحيتنا، نؤكد اليوم، مجدداً ومن على هذا المنبر، تصميمنا على مواصلتنا الوقوف بوجه الظلم، إحقاقاً للحق ودفاعاً عن العدالة المغيبة، متمنين على دولة الكويت إيقاف سياسات الترضيات الإقليمية والدولية على حساب مواطنيها. يفترض بها إغلاق هذا الملف الذي يعطي مؤشرات سلبية لأجيالها الصاعدة بأن بلدهم لن يحميهم من غدر المتآمرين عليه لتذريره والاستحواذ على قراراته ومقدراته وضرب استقراره. نأمل منها اللجوء للآليات القانونية والدستورية لإطلاق سراح المتهمين زوراً وظلماً، والاعتذار لهم وتعويضهم على ما تعرضوا له على كافة الأصعدة. عليها الشروع بمصالحة الشعب بكل فئاته، لزيادة منعته الداخلية ووقف التمزيق الطائفي ذو النتائج الكارثية على هذا البلد الصغير. مفيد الاتعاظ من دروس الصراعات التي حصدت الملايين من الجيران والأشقاء عبر المخططات الهدامة المرسومة لمنطقتنا منذ أزمان، والتي باتت اليوم أشد فتكاً ووحشية وأكثر انكشافاً واستعجالاً من أمرها لتحقيق مآربها التخريبية.

 

مداخلة لندوة “العدالة وحقوق الإنسان في دول الخليج العربية”، 12 آذار 2018، الأمم المتحدة، جنيف