العدالة المغيبة في البحرين – فيوليت داغر

رغم توصيات اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق والمراجعة الدورية الشاملة بالأمم المتحدة، ورغم المساعدات الكثيرة الخارجية لإجراء إصلاحات سياسية وحقوقية وتوفير المساعدة الفنية والتدريب للسلطات في البحرين، فالقلق ما زال كبيرا بشأن حقوق الإنسان والحقوق المدنية، حسبما يقول تقرير حقوق الإنسان والديمقراطية ل 2014.

ذلك بالنظر لكل ما يحدث في البحرين من انتهاكات جسام لحقوق الإنسان من استخدام مفرط للقوة وغازات سامة ضد المعارضين بمن فيهم داخل السجون وبنوع خاص سجن جو الذي أصيب بأحداثه أكثر من 1000 سجين. أما عن الإيداع في السجن لأتفه الأسباب وبشكل متكرر مع منع التواصل والزيارات فحدّث ولا حرج، علاوة على أن التعذيب يمكن أن يصل لحد فقدان الحياة. أما إطلاق السراح، فقاضي تنفيذ العقوبات يبت فيه، لكن بناء على تقرير مدير السجن. بما يعني أن هذا الأخير يتحكم في تقييد حرية السجناء، وبما يخالف أبرز مسلمات القانون في البحرين.. هذا إلى جانب إصدار أحكام جائرة بحق النشطاء وصلت لحد الأحكام بالإعدام. كذلك المنع من السفر خلافاً لمبادئ حقوق الإنسان التي صادقت البحرين ووقعت عليها، ونزع الجنسية بشكل اعتباطي لمن هم من أبناء البلد وتجنيس أجانب مكانهم، وغيره الكثير.

عندما تكون هذه الأمور غيض من فيض، فمن المستغرب حصول مكتب التظلمات بوزارة الداخلية البحرينية والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان على جائزة شايو من الأمم المتحدة عن منطقة الخليج، تقديرا لما حققاه من تقدم بالترويج لحقوق الإنسان. إنها سخرية ما بعدها سخرية من عقولنا هذه الجوائز، خاصة وأن الأمانة العامة للتظلمات قد تبنت رواية السلطة في أحداث سجن جو وحاولت الالتفاف عليها، بما جعلها طرفا غير محايد. كما ولم تهتم لتعرض السجناء للتعذيب واستخدام الغازات السامة ضدهم واستهداف عقائدهم.

يجب التذكير في هذا المضمار بأن ال55 توصية التي قدمها تقرير بسيوني لم تجد في غالبها طريقها للتطبيق. كما أن دولة البحرين هبطت في السنتين الأخيرتين لأدنى المراتب حسب تصنيفات دولية بما يخص احترام حقوق الإنسان.

بما يتعلق بالأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان، الذي لا يزال ومنذ بداية عمله السياسي ينادي بإصلاح النظام، فقد رفض ما نسب إليه من تهم الترويج لقلب وتغيير النظام السياسي بالقوة والتهديد، بوسائل غير مشروعة، والتحريض لعدم الإذعان للقوانين ولبُغض طائفة من الناس بما من شأنه اضطراب السلم العام، علاوة على إهانة وزارة الداخلية والتهديد باستخدام القوة العسكرية.

لكن داعية السلم والتوافق الوطني ولمنهجية الحوار كاستراتيجية عمل هو أحد مهندسي سياسة اللاعنف كما وثيقة المنامة التي تحمل مطالب المعارضة ومنها التداول السلمي للسلطة. هو وراء القضبان لأنه طالب بالحقوق المدنية والسياسية. محاكمته هي محاكمة لحرية العمل السياسي وحق التعبير عن الرأي. لذا، طالبت كبريات المنظمات الحقوقية الدولية بالافراج الفوري عنه كسجين رأي.

هذا القضاء الذي سبق وحكم بأحكام جائرة أيضاً على مناضلين كبار صمدوا في وجه الجلاد وقاوموا كل أشكال العسف التي تعرض لها شعبهم، ومنهم من طالتهم أحكام بالإعدام، كانت المفوضية السامية لحقوق الإنسان قد وصفت أحكامه بأنها تنم عن الاضطهاد السياسي. إنه منهج حكم هذا التعسف باستعمال القوانين والاختباء وراء عدالة زائفة.

إن استعمال القبضة الحديدية لضرب فرص المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية يشكل خطرا كبيرا على المجتمع البحريني، في حين أن شرعية أية سلطات حاكمة لا تستمد إلا من شعوبها. رغم كل الحيف الذي لحق بهم، ورغم الصمت الدولي والتواطؤ المجرم لقوى كبرى تتحرك ضمن أجنداتها ووفق مصالحها، أظهر شعب البحرين ومعارضته الديمقراطية التعقل والنضج والوعي السياسي. لم يسقطوا في رد الفعل اللاسلمي، على غرار ما حصل في بلدان عربية أخرى شهدت انتفاضات ما أسموه “الربيع العربي”. المؤشرات تدل على أن استهداف هذا البلد يندرج ضمن خطة استهداف المنطقة، بتخطيط خارجي وتنفيذ داخلي. وليست الجماعات المسلحة الإسلامية الممولة بأموال الخليج والتي خططت لها أجهزة مخابرات دولية سوى واحدة من أشكال هذا الاستهداف.

هل سمع جيدا قادة الخليج العربي الرئيس الأمريكي عندما نطق مؤخرا بعدما صمت دهراً وبما يمكن لمرة الاستشهاد به، وقال أن التهديدات لهذه الدول لا تأتيها من إيران وقنبلتها النووية، بل من داخل مجتمعاتها التي هي أشد خطورة على أمنها واستقرارها. وأنه على هذه الدول الخليجية أن تشرع أبوابها لمشاركة فاعلة من كل أبنائها وأن تجري إصلاحات سياسية وأن توفر لشبابها بديلا آخر عن “داعش”. فالخطر هو من حالة عدم رضا هذه الشعوب ومن تهميش شبابها العاطل عن العمل ومن الإحساس بعدم وجود مخرج سياسي للمظالم؟

لذا وكي لا يحيد هذا النضال السلمي عن مساره الصحيح ويشرع الباب أمام التدخلات المباشرة والتفكيك، نطالب كمجتمع مدني عربي بالاستعجال في اتخاذ الاجراءات الكفيلة بإجراء مصالحة وطنية، بدءا من الإطلاق الفوري لسراح المعتقلين والشروع في حوار وطني يضع برنامج تحول ديمقراطي. نطالب بالسماح للمقرر الخاص بتحقيق مستقل وبإصدار قرار لحماية المدافعين البحرينيين عن حقوق الإنسان ورموز المعارضة الديمقراطية وإسقاط التهم عنهم وإعادة تأهيلهم وتعويضهم على الضرر الذي لحق بهم وإعادتهم لعملهم. نطالب بتفعيل توصيات تقرير بسيوني في 2011 وغيرها من توصيات دول، كما بتفعيل أدوات الالتزام بالعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والانضمام للمحكمة الجنائية الدولية.

إننا ننادي بالتضامن مع شعب البحرين وتبني قضيته، نشدانا لمنتظم دولي جديد خالي من الحروب المدمرة وإلغاء الآخر المختلف دينا أو فكرا أو لونا..إن الجرائم ضد الإنسانية التي تخطط في الغرف المغلقة ومن عقول منحرفة وشاذة لن تسقط بالتقادم أو تبقى دون محاسبة مهما طال الزمن. والتاريخ لن يرحم من يسقط حمماً ملتهبة على شعب شقيق أعزل تحت أعذار لا تنطلي على أحد.

صدر في كتاب: البحرين، انتقاص العدالة وإخلال بالالتزامات الدولية، بمناسبة انعقاد المؤتمر الحقوقي الدولي الرابع، بيروت في 22-23 ابريل/نيسان 2015