تقرير حول وضع الحرّيات في تونس

المجلس الـوطني من أجل الـحريات في تونس

تقرير حول وضع الحرّيات في تونس

لتكن سنة  2000

سنة استرداد الحقوق و إطلاق الحريات

تونس في 15 مارس 2000

الرئيس الشرفي المرحوم الدكتور الهاشمي العياري

العنوان : 4 نهج أبو ظبي 1000 تونس- الهاتف و الفاكس:    (216-1) 335 871

العنوان بالانترنيت: http:// www.cnlt98.org

مقدّمة

            إنّ تونس لم تشهد أبدا طوال تاريخها المعاصر مثل ما تشهده اليوم من محاصرة مطلقة للحريات. إننا لم نعرف أبدا، مثل هذا الإحساس بانعدام الأمان من جرّاء هذا الحضور المكثف للبوليس و انخرام القضاء و تفشي ظاهرة الرشوة.

            و لقد نتج عن مصادرة المواطنة أزمة أخلاقية و سياسية و اجتماعية خطيرة، كانت الاضطرابات الأخيرة أبرز مؤشر عليها.

            إنّ ما حقّقته بلادنا من مكاسب قد ذهب أدراج الرياح. و هكذا فقد غابت صحف الرأي التي كانت تصدر في أواخر السبعينات و خلال الثمانينات، و كذلك الجمعيات المعبّرة عن مشاغل المجتمع المدني، و خاصة منها الاتحاد العام التونسي للشغل. كما تم تلجيم أحزاب المعارضة و تعطيل حركة الإنتاج الفكري و الفني.

ولقد استأصلت السلطة، تحت ستار مكافحة الأصولية، كلّ حظوظ الديمقراطية.

            ولم يعد أحد في تونس في مأمن من التعذيب و السجن التعسّفي و العقاب الجماعي والمحاكمات الجائرة، والاعتداء الجسدي، والحرمان من الشغل وخرق حرمة الحياة الخاصة والحرمان من حق التنقّل. ، و بجُرْح مواطنين بسبب استعمال السلاح الناري ضدّهم، و بأكثر من ثلاثين حالة وفاة تحت التعذيب، و بملاحقة الإسلاميين و مناضلي أقصى اليسار ملاحقة شرسة، و تفكيك الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، و فبركة شرائط الفضائح الجنسيّة، و اتباع “سياسة الأرض المحروقة” بهدف تحييد كلّ العاملين على إيجاد سلطة موازية (الاتحاد االعام التونسي للشغل، الاتحاد العام لطلبة تونس، عمادة المحامين، جمعية الصحافيين التونسيين،  و منظمات أخرى غير حكومية ).

            و قد بلغت الميزانية الرسميّة لوزارة الداخلية أربعة أضعاف ما كانت عليه سنة 1986، إذ انتقلت من1 ,116 مليون دينار إلى 2 ,535 مليون دينار في عام 1999 (النسبة بين ميزانية الداخلية و ميزانية التربية ارتفعت لنفس الفترة من 36,6  % إلى 49,8 %). و إنّه لمن المستحيل تقدير الموارد غير المحصاة ضمن ميزانية الداخليّة، مثلما إنّه لا يمكننا تقدير عدد أعوان البوليس الذين قد يكونون 130000 شخص لشعْب يعدّ تسعة ملايين نسمة. و هذا يعني أن عدد أفراد البوليس يساوي تقريبا مجموع عدد مدرسي التعليم الأساسي و التعليم الثانوي و التعليم الجامعي في كامل البلد(حوالي 140000).و الملاحظ أن فرنسا، مثلا، التي يبلغ عدد سكّانها ستّة أضعاف سكّان تونس لا تعدّ سوى 130000 شرطي.

و قد جاء في نصّ بليغ للمفكر التونسي محمد الطالبي : “إنّ تنظيما بوليسيا متطوّر جدًا و مزوّدا تزويدا كبيرًا بالأعوان يفرض النظام (…). و لكي تتمكّن من أن تحتجّ، في مثل هذه الظروف، ينبغي أن تكون متهيّئا للاستشهاد، و ذلك دون أن نذكر الأساليب الموازية التي هي أكثر ردعًا و أشدّ قسوة: اختفاءات، و اختطافات، و تعذيب إلى حدّ الموت، تخريب الممتلكات، و كلّ أصناف التنكيل التي تجعل الحياة اليوميّة جحيما لا يطاق”.

إنّ الخوف أصبح مهيمنا على النفوس، الشيء الذي انجرّت عنه ظواهر كريهة مثل الوشاية وخطيرة مثل الاستقالة الجماعية التي قضت على كل إمكانيات الخلق والإبداع.

إنّ نسبة 99,44% تمثل سَبَّة لذكاء للتونسي، وهي تمثّل، أيضا، سَلْباً لسيادة هذا الشعب.

أمام هذه الدوّامة البوليسية التي حوّلت الأفق إلى أفق قاتم، وقضت على كل بوادر البديل، قرر المجلس الوطني من أجل الحريات في تونس كسر حاجز الصمت.

فلتكن سنة 2000 سنة القضاء على آفة التعذيب و سنة استعادة الحقوق المشروعة.

      التقييد و المراقبة    

            قد يكون التونسي من أكثر الناس، في العالم، تقييدا بالبطاقات. و فعلا فإنّ كلّ تونسي بلغ 18 سنة من العمر مطالبٌ  بأن يحمل بطاقة هوية (بطاقة تعريف) مغناطيسية تُحيل رُموزُها المخزّنة في حواسيب البوليس إلى ملفّ (بطاقة). و في تونس يسلّط عقابٌ ربما فريد من نوعه في العالم: عدم حمل بطاقة الهويّة. و لدى البوليس التونسي بطاقة آليّة خُزّنت فيها المعطيات المتّصلة بسلوكيات الأفراد، و المعلومات المتّصلة بعملهم، و بعلاقاتهم الحالية و السابقة… و يتلقى البوليس الدعم في أعمال مراقبته اليومية للمجتمع من آلاف المُخْبرين، و لجان الأحياء الخاضعة لسلطة وزارة الداخلية و المنتشرة في كلّ أرجاء البلد، و من المنتمين للحزب الحاكم: “التجمع الدستوري الديمقراطي”.

            و في بعض الكليات تُعرض نتائج مناظرات  التّعيين على البوليس قبل التصريح بها. و كثيرا ما يقع مراجعة  تلك النتائج من البوليس و قد حُذفت منها بعض الأسماء. ففي جوان 1999 تم احتجاز عدد من الأساتذة “العُصاة” لساعات عديدة و تهديدهم من قبل الإدارة إلى أن قبلوا التوقيع على القائمة التي تمّت مراجعتها.

            و يتدخّل البوليس أيضا في تشكيل المجالس البلديّة، و الهيئات المسيّرة للجمعيّات الثقافيّة و الرّياضيّة و حتى هيئات الجمعيات غير الحكوميّة.

الحملات، و التفتيش، و التعسّف في استعمال السلطة، و الرشوة     

            إنّ الشباب معرّض أكثر من غيره إلى التفتيش و المراقبة عديد المرات في اليوم و خاصة في عطلة نهاية الأسبوع. و يَستَعمل البوليس في تعامله مع الشبان أساليب العنف من كلام بذيء و لكم، و يمنع أولياؤهم من تسلّمهم. فبالنسبة إلى المهدي و صديقته أحلام، انتهت السهرة التي قضياها مساء يوم السبت 28 نوفمبر 1998 في احد مقاهي حيّ المنار باحتجاز دام 24 ساعة بعد التعرّض إلى عنف جسدي ما يزال المهدي يحمل آثاره.

و في الأحياء الشعبية (ولكن أيضا في الشوارع الكبيرة مثل شارع الحبيب بورقيبة) تعدّ حملات الإيقاف أمراً عاديّا و تكون مصحوبة بالاعتداءات العنيفة. و إنّ العمال اليوميّين القادمين من المناطق الأكثر فقرًا في البَلَد و العاملين في حضائر البناء هم أيضا مستهدفين. و تتولّى عربات البوليس (“الباقا”) حمل كلّ الأشخاص الموقوفين إلى مركز الاحتفاظ ببوشوشة حيث تتمّ عملية فرزهم، فيوجّه البعض إلى الثكنات لأداء الخدمة العسكريّة، و يُعاد الباقون قسرًا إلى مناطقهم الأصلية. وتعتبر تفتيشات البوليس ذريعة أيضا لمختلف أشكال الابتزاز الفردي.

و بخصوص التفتيشات التي تستهدف السواق  نجد أن سائقي التاكسيات تتركّز عليهم، بصفة خاصّة، كلّ اهتمامات البوليس. فأفراد البوليس يقيمون على كلّ المحاور الرئيسيّة للمدن حواجزَ لا علاقة لها بسلامة المرور بقدر علاقتها بابتزاز أموال بصورة غير قانونية. على أنّ سائقي العربات الخاصّة هم أيضا عرضة لمثل هذه الممارسات.

و في الطرق الرئيسية (الوطنية) للبلَد نجد أنّ سائقي العربات مضطرّون إلى دفع “ضريبة”

 عند كلّ حاجز.

و تُعدّ المحلاّت غير القانونيّة لبيع الخمر – و هي محلات كثيرة العدد في كامل البلد – أحد ركائز  جهاز المخابرات من جهة و مورد ربح لبعض أفراد البوليس من جهة أخرى. فهذا المسمّى م.ز. (المعروف بـ”كورف”) و الذي يدير حانة بدون رخصة يقول إنّ أفراد البوليس “يشربون مجانا، إضافة إلى أنّني أدفع لهم يوميّا رشوة. كما أنّني مطالب خاصة بأن أعلمهم بكلّ ما يحدث في الحي…”. و كلّ ذلك لم يمنع البوليس من مداهمة محلّه أربع مرّات و ذلك خلال سنة 1999 فقط. و قد كان نصيبه شهريْن من السجن، كما أنّ البوليس قد حجز بضاعته التي قيمتها 1000 دينار. و علاوة على ذلك فقد دفع لخزينة الدولة غرامة قدرها 500 دينار.

و يعمد بعض أفراد الشرطة البلديّة – و مهمّتهم مطاردة الباعة المتجوّلين و تفكيك الأسواق العشوائيّة – إلى استغلال مهامّهم للاستيلاء على بضائع هؤلاء الباعة.

هرسلة السياح العرب وخاصة الجزائريين والليبيين حيث يعمد البوليس وأعوان الجمارك إلى تفتيش سياراتهم عند كل نقطة مراقبة.

البوليس الجامعي

إنّ الجامعات التونسيّة، و هي حلبة لكلّ الصراعات السياسيّة، تعيش حصارًا حقيقيّا. و بالإضافة إلى “البوليس الجامعي” الذي يتجوّل بحريّة في الحرم الجامعي فإنّ كلّ أجهزة البوليس السري لها ممثلوها. و قد أُعدّت مراكز مراقبة عند كلّ باب. و تنتشر الحواجز في الطريق المؤدّي إلى المركّب الجامعي. و “الاستعلامات” (البوليس السري) ممتزجة بالطلبة، و هي تحضر المحاضرات و الدروس و تسجّل درجة الحريّة التي يمكن لمدرّس أن يتيحها لنفسه خلال درسه. و هي تجري التحرّيات حول “الرؤوس المدبّرة” (عبد الناصر عويني، إبراهيم الزغلامي…)  تَوَقُّعًا للهبّات المحتملة. إلاّ أنّها أيضا تختطف القادة   و تمنعهم من حضور الدروس.

في 15 نوفمبر 1998، عمدت “الداخلية” –لا بهدف تكسير حركة إضرابات و احتجاجات هامة شارك فيها أكثر من 90000 طالب من مجموع الطلبة التونسيين البالغ عددهم 130000 – إلى استعمال كلّ ما لديها من طاقات:

فرق النظام العام، وحدات التدخّل السريع، الوحدات الخاصة (النّسُور السود، الطلائع، وحدات الكلاب) الحرس الوطني… وفي 12 و 13 فيفري 1999، و حتّى تتحكّم الإدارة البوليسيّة في “انتفاضة” تلاميذ معهد الحسين بوزيان  مدينة قفصة، عمدت إلى تجنيد كلّ قوات المدن المجاورة ( سيدي بوزيد، القيروان، سوسة، بل تونس العاصمة أيضا). و قد عاشت مدينة قفصة خلال أسبوع كامل حالة حصار و مطاردة للتلاميذ. وقع تتبع 222 تلميذ عدليا قبل أن يفرج عنهم.

أماكن عموميّة تحت الرقابة الشديدة

من بين كلّ الفضاءات العموميّة نجد أن الملاعب الرياضيّة هي الأماكن التي تجتذب إليها أكبر عدد من أفراد البوليس. فهذه الملاعب التي هي متنفّس للتوترات الاجتماعيّة تعتبر أيضا مسرحًا لأشدّ ممارسات العنف. ففي شهر جوان 1999 تحوّلت مقابلة لكرة القدم في مدينة باجة إلى مأساة. و كانت الحصيلة الرسمية المعلنة هي أربعة موْتى      سرعان ما خفضت لثلاث . أما الحصيلة التي يذكرها رجل الشارع فتتراوح بين 17 و 42. و خلال شهر كامل عاشت مدينة باجة حالة منع جولان حقيقية. ففي الأزقة الخلفية كانت دوريات البوليس المترجّل أو المتنقّل بالعربات تتجوّل مكوّنة حواجز عند كلّ مداخل المدينة، ممّا يعسّر أي تسرّب للصحافيين أو أي فضوليين آخرين. و قد دُفن الموْتى على عجل…

وفي بداية شهر فيفري من سنة 2000، جدت اضطرابات خطيرة في عدة جهات من البلاد و لا سيّما الجهات الفقيرة و غير المحظوظة. و كان مسرحها ضواحي المدن الكبيرة و القرى المجاورة مثل جرجيس و الحامّة و شنني ومدنين و قابس و جربة و بنقردان  و قبلي و دوز و المظيلة و أم العرايس و جبنيانة و صفاقس و القصرين و باجة.

            وتحولت الاضطرابات في بعض الجهات إلى ما يشبه الانتفاضة. و كان جل القائمين بها من التلاميذ،        والشبان العاطلين عن العمل الذين وجدوا عطفا و مساندة من عموم الناس و الذين انصبّ غضبهم على كل ما هو يرمز إلى السلطة. فقد أقاموا الحواجز في الطريق العام و أشعلوا العجلات المطاطية و حطموا بعض سيارات الأمن.   و واجهوا بشدة قوات الشرطة التي أصابوا بعض أفرادها بجروح و أجبروا البعض الآخر على الفرار.

            أما الشعارات المرفوعة فكانت تنديدا بغلاء الأسعار و بتدني القدرة الشرائية و تفاقم البطالة و بالفساد المستشري في البلاد.

            هذه الاضطرابات العنيفة تزامنت مع الإضراب العام (1/02/2000) الذي شنه أصحاب سيارات الأجرة       وسواق النقل العام للبضائع ضد الإجراءات الجديدة لمجلة الطرقات و ما سمي بـ”نظام النقاط” في رخص السياقة معبرين عن قلقهم مما سيتعرضون له بسبب هذه الإجراءات من ابتزاز و مضايقات و أضرار.

            ومما يدلّ على حدة غضب المتظاهرين أن السلط لم تستطع السيطرة على الأحداث إلى بتجنيد غير عادي لفيالق الشرطة المستدعاة من جهات مختلفة.

            وقامت السلط باعتقال المئات من الشباب الذين تعرضوا على يد أعوانها إلى التعنيف و سوء المعاملة. كما احتفظت الجهات الأمنية في كلّ من قابس و مدنين و صفاقس بأربعين معتقلا من المتظاهرين لإحالتهم على المحكمة بتهمة “الاعتداء على أملاك عمومية” و “نشر أخبارا زائفة من شانها تعكير صفو الأمن العام”.

هذه الاضطرابات الواسعة، التي لم تعرف البلاد مثيلا لها منذ أحداث الخبز سنة 1984، تفنّد ما تروّج له السلطة حول “المعجزة الاقتصادية” و تكشف، على العكس من ذلك، عن فاقة شديدة و عن حجم مخيف للبطالة خاصة في أوساط المتعلّمين ذوي الشهادات.

            فالفاقة التي عبرت عنها المظاهرات مستفحلة في الأحياء الشعبية و في الجهات الأكثر فقر، في الجنوب        والوسط و الشمال.

المداهمات و العقوبات الجماعية والاختطاف

و يخشى كثير من التونسيين “المداهمات”، و هي مصطلح متعدّد المعاني و يعني في آن واحد: حلول البوليس، و خرْق حرمة السكن، و المداهمة في معناها الحقيقي.

ففي الساعة الحادية عشر’ من مساء الجمعة 3 سبتمبر 1999 تعرّضت ثلاث عائلات بمنطقة السيجومي و لهم قرابة عائلية بالسيد حَمَّة الهمّامي إلى انتهاك حرمة منازلها. فقد هاجمت عشرات من أفراد البوليس مساكن السادة فرحات المرواني و الهادي المرواني و علي الكافي و ذلك عبر السطوح و الأبواب في وقت واحد. و بعد أن جعلوا كلّ ما في المنازل رأسًا على عقب، و سبّوا و روّعوا الساكنين من أجل الحصول على معلومات عن السيد حمّة الهمّامي، غادروا هذه المنازل حاملين معهم وثائق شخصيّة.

وفي ساعة متأخّرة من مساء الأحد 5 سبتمبر تعرّضت أسرة السيد التليلي العبيدي – وهي من قرابة السيد حمّة الهمّامي و تقطن بساحة معقل الزعيم – لنفس الترويع. و الأفظع من ذلك أيضا أنّ النساء و الرجال قد ضُربوا بحضور أطفالهم الصغار. و في فجر 7 سبتمبر تمّت مداهمة ضيعة السيد الصحبي المحمدي خال الأستاذة راضية النصراوي زوجة السيد حمّة الهمّامي، و الكائنة بمنطقة فوشانة على بعد 8 كم من العاصمة و ذلك من قِبل كومندوس يَعدّ أكثر من 50 عونًا من الأجهزة المختصّة مسلّحين بالهراوات، فأحتلوا المنزل و روّعوا زوجته و أطفاله بعد أن قطعوا خطّ الهاتف بمقراض.

ففي شهر أفريل 1998، شهدت منازل كلّ من السيد عبد المجيد الصحراوي النقابي الذي عبّر عن انتقاده للأمين العام للمنظمة الشغيلة، و السيد طارق الإمام النقابي أيضا، و عبد الكريم العلاقي نائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان نفس هذا الانتهاك. و في الصباح الباكر من يوم 27 ماي 1999 داهمت عشرات من أفراد البوليس منزل الصحافي توفيق بن بريك. و لمّا لم يعثروا عليه قاموا أيضا بتفتيش منزل أحد جيرانه (الجامعي عز الدين الحليوي) و توجّهوا إلى صديقيْه عالم الاجتماع صالح حمزاوي ثمّ محسن زعيّم قبل أن يقبضوا عليه عند شقيقه جلال بن بريك الزغلامي.

و قد تمّ الاعتداء يوم الاثنين 11 أكتوبر 1999 على السيد خميّس الماجري مِنْ قِبَلِ جارهِ المسمَّى محمد شلغوم وذلك أمام منزله و دون سبب ظاهر. و قد تقدّم السيد خميّس الماجري بشكوى في الموضوع، إلاّ أنّ البوليس المحلي رفض أخذ الشكوى مَأْخَذَ الجِدّ، فقُبرت لديه. و من الغد أي يوم الثلاثاء 12 أكتوبر، عمد محمد شلغوم نفسه، مدعوما بعدم وقوعه تحت طائلة القانون و برتبته العالية في صفوف الحزب الحاكم (“التجمع الدستوري الديمقراطي”) إلى إعادة الكرّة فاعتدى بالضرب العنيف إلى حد الإدماء على السيد خميّس الماجري بدون أي سبب إطلاقًا و ذلك في وضح النهار و على مرأى و مسمع من الناس وَسَطَ الحيّ، متهجّما في هذه المرّة الثانية على زوجته السيدة و على بنتيْهما ريم (12 سنة) و نور (7سنَوات) اللائي شُتِمن و ضُربن بصورة علنيّة. كلّ هذا تعرّضت له هذه العائلة لمجرّد قرابتها من الصحافي توفيق بن بريك.

إن البوليس التونسي لا يستجوب و إنّما يختطف؛ و هو ما حدث للنقابيّين المعارضين ليلة 10 ماي 1999 (انظر الفصل المتعلّق بانتهاك الحريّات النقابية. و في يوم 5 جوان 1999، عندما كان السيد منصف المرزوقي خارجًا من منزل السيد عمر المستيري، حاصرته من الخلف مجموعةٌ من الأشخاص و دفعوه بعنف داخل عربة قادته مباشرة إلى وزارة الداخلية.

المراقبة و تتبُّع الخُطى

بمناسبة محاكمة “حزب العمال الشيوعي التونسي” في 10 جويلية 1999 امتلأ قصر العدالة بمختلف الأجهزة البوليسيّة (الأجهزة المختصّة، الاستعلامات العامّة، أمن الدولة، الإرشاد… ). و قد كان الملاحظون الأجانب العديدون محلّ مراقبة. و لم يتمكّن التونسيّون الذين جاءوا لمتابعة المحاكمة من الدخول إلاّ بعد تسليم بطاقات هويتهم (بطاقات التعريف) التي لم يتمكنوا من استرجاعها إلاّ عند مغادرة المحكمة.

و خلال الحملة الانتخابية من 10 إلى 24 أكتوبر 1999 أُخضع الصحافيون الأجانب أيضا إلى مراقبة دائمة. و قد لاحظ بعضهم أنّ غرفته في الفندق قد تمّ تفتيشها في غيابه.

و تخضع كل الفضاءات التي يمكن أن تلعب دَوْرَ محطّات اتصال في حياة المجتمع المدني (مقرات الأحزاب السياسية المعارضة و الاتحاد العام التونسي للشغل و الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و الجمعية التونسية للمحامين الشبان و الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات و منظمة العفو الدولية و الاتحاد العام لطلبة تونس و المجلس الوطني للحريات…) إلى مراقبة دائمة. و إنّ المقاهي (مثل مقهى “دلكابو”، مقهى “الأمير”…) التي تمثّل أماكن لقاء المخالفين أو المعارضين هي أيضا شبه محتلّة من قِبَلِ البوليس السرّي.

و هنالك نشطاء عديدون في المعارضة يخضعون لمراقبة دائمة أو حينية من البوليس السرّي: نائبي رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، صاح الزغيدي و خميّس قسيلة، ومحمد مواعدة، رئيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين و مسؤولون آخرون في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان مثل عبد الكريم العلاقي و فاضل الغدامسي، و المحامين المختار الطريفي و أنور القوصري، ونجاة اليعقوبي، و رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بشرة بالحج حميدة، و الناشطة في مجال الدفاع عن النساء عضو المجلس الوطني للحريات خديجة الشريف، و عالم الاجتماع صالح الحمزاوي، والنقابي الطاهر الشايب و نزار عمامي وعبد المجيد الصحراوي. و في بنزرت، يخضع منزل السيد علي بن سالم أمين مال المجلس إلى مراقبة مستمرة.

كما يتعرّض العديد من مناضلي حقوق الإنسان في مدينة سوسة إلى ملاحقة مستمرة. فقد  أُستُهْدفوا  للملاحقة طوال الأشهر الأخيرة ليلا نهارا بواسطة سيارات عادية نذكر منها سيارة بيضاء اللون رقم 9390 تونس 69   و السيارة الزرقاء رقم 8103 تونس 77. و بنفس المدينة يقوم أعوان الشرطة السياسية بالتردّد على المحاكم لمتابعة بعض القضاة والمحامين، نذكر من بينهم الأستاذ الهاشمي جغام الرئيس السابق لفرع تونس لمنظمة العفو الدولي. ومن بين الأعوان الذين عرفوا بمثل هذا النشاط نذكر المختار بوغطاس وكمال لكسوري والمنجي عياد  والمنذر ابراهيم  ومحمد علي الخنيسي و بوبكر حسن.

و هذه الملاحقات الاستعراضية تهدف إلى المضايقة أكثر ممّا تهدف إلى المراقبة، و هو ما يتضح جليّا خاصّة بالنسبة إلى حالة الأستاذة راضية النصراوي بداية من شهر أوت 1999. فهنالك أكثر من عشرة أعوان من البوليس يتناوبون أمام شقتها و خاصة و إن بنتيْها نادية (17 عاما) و أسيْمة (11) تخضعان للملاحقة عندما تذهبان إلى المدرسة. و قد تعرّضت صغراهما إلى اختطاف صوري. و هؤلاء الأعوان الذين يقفون أيضا أمام مكتب راضية النصراوي يسعون كذلك إلى صدّ حرفائها.

اتصالات تحت المراقبة الشديدة

تخضع وسائل الاتصالات أيضا لمراقبة ما فتئت تتفاقم . إلاّ أنّ إحدى التقنيات استعمالا لدى البوليس هي العزْل؛ ذلك أنّ كثير من المدافعين عن حقوق الإنسان يشتكون من قطع خطوط هواتفهم و قد أرست السلطات التونسيّة نظاما ضخما للتصنّت سواء على الخطوط الهاتفية الثابتة أو الخطوط المتنقّلة. كما أنّ الجمعيات المستقلّة و مسؤوليها يعيشون باستمرار تحت الرقابة الهاتفية.

و إنّ الحرمان من الهاتف بصورة مستمرّة أو مؤقّذتة، أو تشويش الخطّ هما من بين الممارسات الكثيرة التي يعمد إليها البوليس لإنهاك المناضلين و تهرئتهم. و من ضحايا هذه الممارسات راضية النصراوي، و المختار الطريفي،  و غيرهم كثير. و إنّ خميّس قسيلة محروم من الهاتف منذ خروجه من السجن في سبتمبر الماضي و المنصف المرزوقي منذ 4 سنوات، و نجيب الحسني منذ 3 سنوات، و خط مقر المجلس  منذ 11 شهرًا و أخيرا “دار الصبّار للنشر”.

الاعتداءات الجسديّة والسرقات، و نهب الممتلكات

يوم 20 ماي، عندما كان توفيق بن بريك عائدًا إلى منزله لَمَحَ ثلاثة أفراد من البوليس السِرّي واقفين في زاوية الشارع. و قد ناداه أحدهم في حين أنّ الآخريْن قد سارعا إلى التقدّم نحوه مسلّحيْن بالهراوات و السلاسل انهالوا عليه ضرْبًا. و قد لاحظ الطبيب المعالج أنّ المعتدَى عليْه يحمل آثار أورام دَمَويّة و كدماتٍ و رضوضًا خاصّة في ذراعه الأيمن و هو ما يكشف إن هدف الاعتداء. و يبدو أنّ هذا الاعتداء، الذي كان يهدف إلى منع الصحفي من الكتابة، هو إجراء انتقاميّ على إثر نشر الجريدة اليومية السويسريّة “لوتان” له (الزمان) لمقال انتقادي جديد .

و هنالك مناضلون آخرون كانوا ضحايا السرقة أو تخريب السيارات: مصطفى بن جعفر، فاطمة قسيلة، راضية النصراوي. أما عمر المستيري فإنه قد خسر بأسلوب “السرقة” ثلاث عربات و لم يتمكّن حتَّى من الحصول على تعويض من شركة تأمينه، إذ أنّ البوليس قد رفض مدّه بنسخة من محضر السّرقة.

و إنّ السطو على المكاتب مَعَ سَرِقَةِ الممتلكات أو بدون سَرِقةٍ (الشيء الذي حدث مؤخرا للأستاذة نجاة اليعقوبي) هُوَ ممارسة تعرّضت لها خاصّة الأستاذة راضية النصراوي التي فقدت، بهذا الأسلوب، أَثاثًا و ملفّاتِ قضايا كثيرة كانت تتابعها باعتبارها مُحامية. و قد تعرّضت مكاتب “دار الصبّار للنشر” لنفس الممارسة في مناسبات ثلاث خلال شهري نوفمبر و ديسمبر. و قد تَمّت “الزيارة الليلية” الأخيرة ليلة رأس السنة الميلادية 1999، و فيها أُخذت كلّ المعدّات  المستخدمة في النشر. و بمناسبة إحدى المُعاينات حذّرها رئيس مركز البوليس من “أخطار العثور بمقر دار النشر  في المرّات القادمة على مخدّرات!”.

بوليس الحدود

إنّ الحرمان التعسّفي من جواز السّفر يُعدّ إحدى تقنيات القَمع الأكثر شُيوعًا.

وفي الوقت الراهن فإن صنفين من المواطنين ما يزالان الهدف المفضّل لهذا الإجراء التمييزي: الشبان الراغبون في الهجرة و المثقّفين (إذ أنّ الحصول على الجواز باهظ الثمن).

و إدراكًا من الإدارة للأهمية الحيويّة التي يكتسيها جواز السّفر بالنسبة إلى الجامعي أو المحامي أو الصحافي أو الطبيب حتّى يتمكّن من المشاركة في الملتقيات العلمية و المهنيّة الدّوليّة فإنّها، تتلاعب بهذا الحقّ مُهَدِّدةٍ بحرمانهم من هذه الوثيقة لشراء صمتهم و مواقفهم الباهتة.

بَلْ إنّ الأمرَ لَيَصِلُ بالعديد من المواطنين إلى حَدِّ الامتناع عن تقديم طلبٍ للحصول على وثيقة السفر خِشيَةَ أن يكون المطلب منطلقا لتتبُعات قضائية ملفقة  بالكامل، و هو ما حدث بالفعل في مناسبات عديدة. و في بيان مؤرّخ في 7 جوان 1999 عَبّرتْ كُلُّ مْنْ  التونسية  للنساء الديمقراطيات و جمعية المحامين الشبان و الرابطة  عن احتجاجها على هذا الشكل من أشكال مُصادرة الحرّيات. و من جهة أخرى فإنّ عددًا من المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان (منظمة العفو الدولية، الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، مراقبة حقوق الإنسان، صحفيين بلا حدود، لجنة حماية الصحافيين…) قد أثارت هذا الموضوع في العديد من المناسبات، لكنّ السلطات التونسية مع الأسف، لم تُعِرْ ذلك اهتمامًا يذكر.

وعلى الرغم من التنقيحات التي أُدخلت سنة 1998 على قانون 1975 المتعلّق بجوازات السّفر، و هي التنقيحات التي قيل إنها جاءت لتحدّ من تعسُّف الإدارة و ذلك بجعل القاضي هو المخوّل لسحْب جَواز سَفَرِ لدى المواطنين، فإنّ الإدارة العامّة للحدود و الأجانب واصلت التصرّف في هذا الحقّ الأَسَاسِي المتمثّل في حرّية المواطن في امتياز التنقّل، جاعلةً من منْح الجواز و تجديده بمثابة المنّة. لذلك فإنّه ليس لهذا القانون المنقّح مِن وظيفةٍ سوى إضفاء بَهْرَج الشرعيّة على واقع التعسّف.

ويتعرّض آلاف الأشخاص المنسوبين إلى الحركة الإسلامية لهذه الاضطهادات. و من هؤلاء بن عيسى الدمني العضو السابق للهيئة المديرة للرابطة و فاضل البلدي أحد القياديين السابقين في “حركة النهضة” الممنوعان من السفر منذ سنوات عديدة. كما أنّ أقاربهم هم ضحايا هذه الاضطهادات مثلما هو حال رشيدة بن سالم و راضية العويديدي و سُعاد الشربطي.

وهنالك محامون قد سُلّط عليهم أيضا هذا المنع منذ سنوات عديدة: الأساتذة أنور القوصري المسؤول في الرابطة، ومُحسن الربيع، نائب رئيس جمعية المحامين الشبان، وعبد الفتاح مورو، القيادي السابق في “حركة النهضة”، والعياشي الهمامي، وسمير بن عمر، وجمال الدين بيدة، الكاتب العامّ السابق للهيئة الوطنية للمحامين، المحروم من جواز سفره منذ سنتين و الذي شنّ إضرابًا عن الطعام في جويلية و أكتوبر 1999 بسبعة أيّام في كلا المرّتين، وذلك احتجاجًا على هذا الإجراء المسلّط عليه. كما أنّ نجيب الحسني محروم أيضا من السّفر منذ ديسمبر 1996.

وتُسلّط هذه العقوبة خاصّة على المثقفين الملتزمين مثل عالم الاجتماع صالح الحمزاوي و السجين السياسي السابق محمد الهادي ساسي أو مثل الطالب عبد الوهاب الهمامي(شقيق لطفي الهمامي) المسجّل بالمرحلة الثالثة في جامعة باريس 1. على أنّه يحدث أيضا أن يحرم بعض أقارب المناضلين من جواز السّفر، مثلما هو الحال بالنسبة إلى نادية و أسيْمَة بنتيْ حمّة الهمّامي.

و قد مُنع خميّس قسيلة نائب رئيس الرابطة من التحوّل إلى الخارج في شهر أوت 1996، و هو منذ ذلك التاريخ محروم من وثيقة سفره. كما أنّ زوجته فاطمة لم تتمكن من السّفر لتلتقي في جينيف بالسيدة ماري روبنسن المندوبة السامية لدى الأمم المتحدة المكلّفة بحقوق الإنسان.

وإنّ الدكتور المنصف المرزوقي قد وجد نفسه، منذ ماي 1996، تحت طائلة هذا الإِجْراء. كما أنّ سهام بن سدرين محرومة هي أيضا من جواز السفر منذ سبتمبر 1995. و يخضع الدكتور مصطفى بن جعفر الأمين العام لـ”التكتّل الديمقراطي من أجل العمل و الحرّيات” لنفس الإجراء الزجري و ذلك منذ أكتوبر 1994. و الأمر نفسه بالنسبة إلى السيد علي رمضان القيادي النقابي و المحروم من جواز سفره منذ خمس سنوات. كما أنّ السيد علي بن سالم هو أيضا في نفس الحالة منذ 5 سنوات. وقع حرمان يسين الحمزاوي أحد مناضلي الحركة الطلابية و عبد الرؤوف البكوشي و حاتم العويني طيلة أشهر من جواز السفر.

وعلاوة على سحْب جواز السفر أو رفض تسليمه فإنّ الإدارة العامّة للحدود و الأجانب لا تتورّع عن استعمال أي وسيلة لمنع بعض الأشخاص من السفر. و مثال ذلك ما حدث لتوفيق بن بريك. فقد مُزقت صفحة من جواز سفره خِلْسة في المطار إبان تقدمه إلى حواجز العبور!

قطع الأرزاق

            بالإضافة إلى أنّ وزارة الداخليّة تعدّ أكبر مشغّل في الوظيفة العموميّة فإنّها تحقّق في أي طلب يتقدّم به أي مواطن لشغل منصب شاغر في مؤسسة عمومية أو مستشفى أو حتى إحدى رياض الأطفال. و إذ نذكّر بآلاف من المطرودين من العمل نتيجة اعتقالات أو سجن إثر محاكمات جائرة، فإنّ كثير من المواطنين الناجحين في مناظرات الوظيفة العمومية (التعليم، الصحة العمومية، إلخ.) يمنعون من الانتداب بناءً على رأي وزارة الدّاخليّة.

في الفترة الأخيرة أنصفت المحكمة الإدارية السيد”ع.ميم” الذي طعن في قرار وزارة النقل الرافض ترسيمه بعد مدة التربص “لعدم الكفاءة”. و ردا على استفسار المحكمة أتى في تعليل الوزارة المعنية أنّ هذا الرفض انبنى في الواقع على أساس تقرير سلبي لوزارة الداخلية تذكر فيه الميولات السياسية المعارضة للسلطة و مسؤولياته السابقة في النقابة الطلابية و تردده على مقرات أحزاب المعارضة القانونية.

فالسيدة بثينة الطبيب التي أجرت في سنة 1998 مسابقة لتعيين مسؤول عن روضة أطفال لم يتمّ تعيينها لأنها “متزوّجة من معارض”. و فعلا فإنّ زوجها السيد شوقي الطبيب هو الرئيس الحالي للجمعية التونسيّة للمحامين الشبّان، و هي إحدى الجمعيّات القليلة التي لم تدعم ترشّح السيد زين العابدين بن علي للرئاسة.

و السيدة عواطف بن سعد، الحاصلة على الدكتوراة من كليّة الطبّ، و أرملة المرحوم سحنون الجوهري القيادي  السابق بالرابطة و بحركة “النهضة” المتوفّى رهن الاعتقال في الحادية و الأربعين من العمر، قد مُنعت من التعيين في المستشفيات التونسية. و قد أمضت مع المستشفى العسكري عقد تدريب لمدّة سنة (من 11/02/99 إلى 10/02/2000) لكنّه فُسخ في 24 أفريل 1999 دون تعليل. و إنّ السيدة الجوهري التي هي أمّ لثلاثة أطفال قد حُكم عليها بالبطالة، إذ أنّ المصحّات الخاصّة ترفض انتدابها و ذلك بناءً على تعليمات البوليس.

والسيد عباس شورو (شقيق السيد الصادق شورو القيادي في حركة “النهضة” و المحكوم عليه بالمؤبّد) هو أيضا ممنوع من العودة إلى الوظيفة العمومية و الحال أنّه لم يحاكم قطّ. فمنذ رجوعه إلى تونس في شهر فيفري 1989

 فهو يصطدم باعتراض وزارة التعليم العالي اعتراضا تامّا على عودته إلى التّدريس (و قد سبق له أن درّس بكلية العلوم بتونس بدرجة أستاذ مساعد إلى تاريخ نوفمبر 1982) على الرغم من موافقة لجان الانتداب في خمس مناسبات. و لم يكتف البوليس بسدّ الطريق أمامه في التّعْلِيم العمومي، بل أنّه يستميت في حرمانه من أي عمل في القطاع الخاصّ مستعملاً شتَّى الضغوط.

والسيد محمود الدقّي الباحث و المدير السابق لمركز الكيمياء بالمعهد الوطني للبحوث العلمية و التكنولوجية إلى جوان 1992 تاريخ الحكم عليه بالسجن ثمانية أشهر بسبب الانتماء إلى “حركة النهضة”، هو أيضا ممنوع، منذ ذلك التاريخ، من العمل في الوظيفة العمومية. و قد باءت بالفشل كلّ المحاولات التي بذلها للعمل في القطاع الخاصّ و لو بأداء أعمال متواضعة، و ذلك بسبب الإجراء الذي لم يَتَضمّنه الحكمُ الصادرُ ضدّه والقاضي ب”مراقبته أمنيًّا” بناءً على قرار من وزير الداخليّة. وقد قاسى السيد محمود الدقي ألوانًا أخرى من المضايقات بهدف إنهاكه وتهرئته وذلك من قِبَل البوليس السياسي الذي سعى إلى الضغط على مشغّليه. وتفككت العائلة وحصلت زوجته على حكم بالطلاق.

حالة السيد علي بن سالم من قدماء المقاومين:سجن بعد الاستقلال وحرم من حقوقه السياسية العمومية وفصل من عمله بقرار وزاري بتهمة ثلب الرئيس والتحريض على الاضراب والعصيان .ومن جراء نضاله المتواصل من أجل الحريات حرم من حقه في جراية التقاعد   وفي  بالعلاج المجاني في مختلف المستشفيات  وفي التعويض الذي أقرته المحكمة اثر فقد عينه اليمنى في حادث وعدم تعويض دفتر العلاج الخاص بالمقاومين الضائع رغم  قرار المحكمة الإدارية  بتسلمه هذا ا الدفتر.

المراقبة الإدارية

يُجبرُ العديدُ من السجناء السياسيين السابقين على المثول لدى مركز البوليس لتسجيل الحضور و الانصراف إلى حدّ أربعة مرّات في اليوم. و نشير إلى وجود صنفين من القرارات التي تخضع المواطنين لهذا الإجراء واحد عدلي وآخر أمني. و نشير هنا إلى أنّ المراقبة الإدارية لا تقتضي، حسب المجلّة الجنائية، الحضور لدى الأمن بل تخول فقط للإدارة “حقّ تعيين مكان إقامة المحكوم عليه” (الفصل 23) على أن لا تتجاوز خمس سنوات على أقصى تقدير.       و نذكر هنا أنه تم في 6 نوفمبر الأخير إعفاء أكثر من 4000 مواطن من الاستمرار في الإمضاء بالمراكز، إلا أنه تم التراجع عن ذلك بعد فترة بالنسبة للعديد منهم. و قد جاء ضمن تقرير الرابطة الخاص بـوضع حقوق الإنسان و الحريات في تونس(سنة 94) : “من أهم هذه التجاوزات من خلال ما لدينا من ملفات، المراقبة الإدارية المسلّطة على مواطنين قالت فيهم العدالة كلمتها و قضوا عقوبتهم أو حكم بعدم سماع الدعوى، وذلك بدون أيّ موجب قضائي أو إداري و يتمثّل الإجراء في إجبار هؤلاء المواطنين على الإمضاء بمراكز الأمن بدورية تتراوح بين عديد المرات في اليوم الواحد، و الإمضاء النصف الشهري تحت التهديد بإرجاعهم السّجن في حالة عدم الامتثال، و هو الشيء الذي يمنعهم عمليا من الاندماج من جديد في المجتمع و في الشغل بسبب الغيابات المتكرّرة”

فالسيد محمود الدقي لا يزال مجبورا إلى يومنا هذا مُجْبَرًا على الحضور لدى مركز البوليس في حيّه أسبوعيّا و ذلك دون أي مبرر قضائي. و قد كان طيلة فترة طويلة مُكرَهًا على الحضور في مواعيد غير منتظمة (ففي كلّ مرّة يتمّ إعلامه بموعد اليوم التالي) في أحد مراكز البوليس أو الحرس(الدرك) الوطني التابع لمنطقته للإمضاء في سجلّ للغرض. و قد تَمَّ تخفيف هذا الإجراء تدريجيّا فيما بعد.

و هنالك عدد من السجناء السابقون مكرهون على هذا الحضور، حتَّى بعد نهاية مدة المراقبة الإدارية المنصوص بها ضمن الحكم، و هي حالة السيد ك.ن. الذي أنهى حُكْما بخمس سنوات من المراقبة الإدارية، و مع ذلك فإنّ مركز الشرطة قد أجبره على مواصلة الحضور اليوميّ.

المنفى و السرّية  

            أمام المطاردة البوليسية و خنق كلّ نفس احتجاجي، لم يجد عديد التونسيين من مخرج سوى طريق المنفى، المحفوف بالمخاطر، معرّضين أنفسهم للهلاك و الموت.

فلقد شهدت السنوات الأخيرة تدفّق عشرات الآلاف من المواطنين  – شباب عاطل عن العمل و الموالين إلى حركة النهضة – خلسة نحو الحدود الجزائرية و الليبية و شقّ “الطريق البحري” الرابطة بين مدينة صفاقس و جزيرة لمبادوزا الإيطالية. و هنالك من اختار البقاء في البلاد و الدخول في السرّية و العيش تحت الأرض.

فالسيد حمّة الهمّامي يعيش في حالة فرار و في السرّية منذ 27 فيفري 1998. و قد صدر ضدّه حكم غيابي بـ9 سنوات و 3 أشهر في قضية حزب العمال الشيوعي التونسي(أوت 1999). كما صدر في القضية ذاتها نفس الحكم الغيابي ضد كل من سمير طعم الله و عبد الجبّار المدوري اللذان يعيشان أيضا في السرّية لحد اليوم.

حالة البدون: عاش جلال الزغلامي من بداية التسعينات إلى حد اليوم ما بين المنفى و السرّية في انتظار أن يزجّ به في السجن. ففي فيفري 1992 أصدرت المحكمة الابتدائية بالكاف حكما غيابيا ضده بـ11 شهر سجن بتهمة “الانتماء لجمعية غير معترف بها” (“منظمة الشيوعيون الثوريون”). و وقع القبض عليه في نوفمبر1993 و تم تعذيبه مدة 12 يوما. و من غرائب الأمور ،بعد اعتراضه على الحكم  الابتدائي الغيابي وجد نفسه أمام المحكمة الابتدائية و   محكمة الاستئناف في نفس الوقت و لنفس التهمة. و في مطلع أكتوبر 1995 أصدرت المحكمتين حكمين: 11شهر سجن و 3 سنوات إبعاد من ولاية الكاف ابتدائيا… و 9 أشهر استئنافيا.  عندها قرر جلال الدخول في السرية. و منذ ذلك الوقت لم يكف البوليس عن مضايقة أفراد عائلته. و في 12 أكتوبر 1999 يقع إيقافه من طرف دورية عادية و اقتياده لمركز نهج كلونيا. هناك تم استنطاقه لمدة 8 ساعات ثم افرج عنه دون تقديمه لمحكمة الكاف. وهو يعيش اليوم وضعية لا مواطن بدون بطاقة تعريف، وبدون جواز سفر، وبدون عمل (وهو مجاز في الحقوق)، و بدون حقوق مدنية و سياسية…

حتى لا ترتكب البشاعة أبدا

بالرغم من مصادقة الدولة التونسية، بدون تحفظ، على المعاهدة الدولية لمناهضة التعذيب في 20 أكتوبر 1988، و رغم النداءات و التنابيه الصادرة عن المحامين و منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، و خاصة، لجنة الأمم المتحدة ضد التعذيب، فإنّ ممارسة التعذيب استفحلت بالبلاد التونسية. إذ أنّ مراكز الأمن و دهاليز وزارة الداخلية و كذلك ثكنة بوشوشة تحوّلوا إلى “ورشات للتعذيب”. إن هذه المكائن الصمّاء لا تستهدف فقط المعارضين، بل أيضا صغار المنحرفين الذين يتم عادة تسليمهم، عزلا إلى أعوان مراكز الأحياء حيث يقع تعذيبهم من طرف “هواة” و في سرية تامة.

في اليوم الخامس من رمضان الأخير (13ديسمبر 1999) تعرض الشاب محمد صالح الدريدي، المولود في 18 جانفي 1983 و القاطن بحي الخضراء، إلى الضرب المبرح و الركل و التعليق و وضع رئيس المركز كمال… و مساعده محمود… عصا بدبره ثم وضعا خصيتيه داخل قجر و اعتمدا الضغط عليهما بقفله. تم ذلك داخل مركز الأمن بمكان سكناه إثر إيقافه في نطاق التحقيق في عملية سرقة كلب (تم العثور عليه فيما بعد). و احتفظ الشاب بآثار جلية بخصيتيه شهرا بعد تعذيبه حسبما صرح به أمام القاضي الذي مثل أمامه في حالة إيقاف من أجل قضايا تم تلفيقها له -وقعت مطالبة أسرته مبلغ 500دينار لمحوها- تشفيا في أسرته التي طالبت الأعوان باحترام الإجراءات عندما اقتحموا المنزل.

            و يستخلص من مجموعة رهيبة من الشهادات التي تم جمعها من 150 شاب، أكثرهم من المتعاطين للمخدرات بصورة ظرفية، و من الذين تم إيقافهم في سنة 1997، أو كذلك من المتهمين ال16 في قضية “حزب العمال الشيوعي التونسي”، في شهري فيفري و مارس من سنة 1998، أنّ “حصص التعذيب الأكثر شيوعا تتمثّل في الضرب المتصاعد إيلاما على كامل البدن و على باطن القدميْن باستعمال هراوات و مَقَامع، من أحجام مختلفة و المغمّسة الماء قليلاً أو كثيرا، أو باستعمال أنابيب من البلاستيك. و يعلّق المعرّض للتعذيب مشدودا إلى قضيب حديدي أفقيّ، و يداه موثقتان خلف ركبتيه. و يضرب إلى أن يغمى عليه، فيتمّ إنزاله ليقف على رجليه، ثم تعاد حصة التعذيب مجددا، و تكون أحيانا مشتملة على إحراقا بماء الجافال أو الأثير للأجزاء الحساسة من الجسم، و باستعمال الصعقات الكربائية و تغطيس الرأس في ماء ممزوج بالبول، أو الفضلات البشرية، و الرش بماء محرق و رش كحول الإشعال على الشعر و إشعال النار فيه. و من بين أدوات التعذيب المستعملة : “الخراقات، القوارير”.

 التعذيب في محلات البوليس السياسي

السيد الفاهم بوكدوس تم إيقافه يوم 21 فيفري 1999 من طرف البوليس السياسي و اقتيد إلى ثكنة بوشوشة ثم إلى محلات وزارة الداخلية و تعرض إلى الاعتداء باللكمات و الضرب على الرأس (عملية “الدربوكة” التي لا تترك آثارا و لكنها تتسبب في آلام حادة)؛ و تم وضع كيس كريه الرائحة على رأسه خلال حصص عديدة و مطولة –   و الحال أنه مصاب بشكل حاد من مرض الربو يتسبّب له في عدة أزمات في اليوم الواحد – و هو ما استدعى نقله إلى مستشفى “شارل نيكول” ثم إلى “مستشفى المرسى لقوى الأمن الداخلي” للعلاج المكثف. و كانت هذه الأعمال قد جرت تحت أوامر المدعو”سي توفيق”. و تجدر الإشارة إلى أن استنطاق السيد الفاهم بوكدوس تم بدون أدنى موجب قانوني حيث لم يصدر قاضي التحقيق إنابة في هذا الشأن. و عند تقديمه، لاحقا، إلى عميد قضاة اتحقيق، السيد نور الدين بن عياد، كمتهم – في نطاق القضية التحقيقية عدد 78301/1 لـ”حزب العمال الشيوعي التونسي” – رفض القاضي طلب الدفاع الهادف إلى عرض منوبهم على الفحص الطبي.

السيد عبد المؤمن بالعانس قام أعوان البوليس السياسي باقتحام منزله “يوم 21 فيفري 1999 دون إذن قضائي     و ألقوا عليه القبض”

 و “بمجرد إخراجه من محل سكناه انهال عليه الأعوان بالضرب المبرح في الطريق العام حتى أن الدم سال من خده الأيسر”

 و اقتيد إلى ثكنة بوشوشة حيث قضى اليوم الأول و “كان خلال الوقت الذي قضاه هناك تلقى كل أنواع التعذيب : الضرب ركلا و لكما على كامل أجزاء الجسد و خاصة على الوجه و الرأس. ونزع الأعوان ثيابه كلها و تركوه عاريا تماما ليلة كاملة. وقُيّد على كرسي بالغلّ و حرم من النوم إذ كلّما أغمض عينيه ضربه الأعوان و سكبوا الماء على جسده و حركوا رأسه بعنف”

. و بالإضافة إلى كل ذلك، فقد هدد بحضور زوجته الحامل، لطيفة الكوكي الموقوفة هي الأخرى، “بالاعتداء بالفاحشة عليه”

 ثم “باغتصابها على مرأى منه”، ونُقل من الغد إلى وزارة الداخلية وبمجرد وصوله شرع أعوان أمن الدولة، تحت إشراف محافظ الشرطة رضا الشابي، في تعذيبه بالضرب على كامل أجزاء الجسد – مع التركيز على الرأس حتى الإغماء عليه – و “بتهديده بالقتل و مسكه من شعره و لطم رأسه على الحائط بكل عنف” و “بحرمانه من النوم مدة أربعة أيام بلياليها”

.

و لقد سبق أن تعرض السيد عبد المؤمن بالعانس للتعذيب سنة 1995 حيث أوقف يوم 28 نوفمبر صحبة الطالبين البشير عبيد و علي الجلولي و تم اقتيادهم إلى محلات أمن الدولة الموجودة  بالمبنى المركزي لوزارة الداخلية    و تعرض للتعليق – في الوضعية المسماة بـ”الدجاجة المصلية”- لحصص مطولة و متكرّرة خلال سبعة أيام. كما تعرّض إلى “البلانكو”

 و إلى الصعقات الكهربائية و الحرمان من النوم طيلة سبعة أيام بلياليها و التهديد بالموت…

 ثمّ عاش يوم الجمعة 2 ماي من سنة 1997 داخل الجناح التأديبي لسجن الناظور حصصا أخرى من التعذيب.

إن ما تعرض له السيد عبد المؤمن بالعانس لا يمكن اعتباره “تجاوزات” أو “تصرفات فردية”. و تجدر الإشارة هنا إلى أنّه عند حدوث جميع هذه الوقائع بادر محامو السيد بالعانس بمكاتبة وزير الداخلية عن طريق برقية عاجلة لإعلامه بأن منوبهم قد تعرض للتعذيب من قبل أعوان مصالح راجعة بالنظر للوزارة. و قامت، من جهتها، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان باتصالات في نفس الغرض. كما تمت مكاتبة وكالة الجمهورية ومطالبتها بالإذن بعرض المعتقل على الفحص الطبي حسبما يخوله القانون. و لم تأت هذه المراسلات بأي جدوى و لم تقع الاستجابة إلى أي واحد من مطالب العرض على الفحص الطبي. و لم تأت كل هذه التدخلات بأية نتيجة و لم تتضايق المصالح المسؤولة عن التعذيب من هذه التدخلات، حيث استمرت في تعذيب السيد بالعانس في حصانة تامة. و إضافة إلى هذا فإن قاضي التحقيق الذي مثل أمامه إثر الاحتفاظ به في ديسمبر 1995 ثم في مارس 1999 و استمع في كل مرة إلى شهادته بل و تمكن من معاينة البعض من آثار التعذيب على جسده. لكنّه اكتفى، و بإلحاح من الدفاع، على التنصيص على ذلك ضمن محاضر البحث و رفض الإذن بإجراء الفحص الطبي مثلما يقتضيه القانون و اعتمد محاضر الشرطة، التي امتنع السيد بالعانس من التوقيع عليها، لإدانته و الإذن بإيداعه السجن و إحالته على المحكمة. و كان في استطاعة وكيل الجمهورية – الذي يطلع وجوبا على جميع أوراق الملف أثناء التحقيق – أن يأذن بفتح بحث عدلي في شأن أعمال التعذيب لكنه لم يفعل. علما و أن ما تعرض له السيد بالعانس من أعمال تعذيب سنتي 1995 و 1997 كان من بين العناصر المعروضة على اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب ضمن التقرير المشترك المقدم من طرف “الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان” و “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” و “لجنة احترام الحريات   و حقوق الإنسان في تونس”، و اعتمدت حالة السيد بالعانس

كمرتكز لقرار الأمم المتحدة المشار إليه بداية.

 التعذيب بالسجون

سبق أن أوردنا ضمن “تقرير حول أوضاع السجون”، الصادر في 20 أكتوبر 1999، عينات ضافية، حول أعمال التعذيب المتفشية داخلها، و منها حالة سجين، يدعى “عماد طنقا”

 قد يكون توفى تحت التعذيب بسجن برج الرومي في شهر جوان من هذه السنة و كذلك القائمة الأولى من الضباط و الأعوان التابعين لإدارة السجون و المورطين في أعمال تعذيب. و لم يبلغ إلى علمنا بأن إجراءات ذات مفعول يذكر قد اتخذت في هذا الشأن بل علمنا أن جلهم مازال يباشر الإساءة للسجناء بل هناك من تمتع بترقية مهنية. كبلحسن الكيلاني الذي أصبح مديرا و تورط في قتل السيد الطاهر بن بشير الجلاصي تحت التعذيب يوم 24 جويلية 1999 بسجن قرنبالية. وهذا المواطن العاطل عن العمل في سن يناهز الثلاثين عاما كان قد وصل يومها السجن بسبب حكم ب 15 يوم من أجل السكر. و قد يكون رفض التعري و الخضوع لإجراء “طبس كح”

 Aتقرر

 فتقرر عقابه و اقتيد داخل الجناح التأديبي حيث انهال عليه الأعوان – تحت إشراف مدير السجن بلحسن الكيلاني – بالضرب المبرح و الركل و الرفس بأحذيتهم العسكرية حتى تسبب له ذلك في نزيف  باطني أدى إلى وفاته.

ظاهرة العزل الانفرادي: إنّ عزل السجين لفترة طويلة “يعتبر من قبيل أعمال التعذيب المحظورة” حسب ملاحظة لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رقم 20 (44) على الفصل 7 من العهد الخاص بالحقوق السياسية و حسب أحكام لها في بعض القضايا كقضية لاروزا دين ماريتاس… إلاّ أنّه إجراء معمول به في سجوننا، يعمل به كنظام سجني أو كعقوبة و خاصة بالنسبة للمساجين السياسيين حيث تواتر إلى علم المجلس أن المحكومين بالإعدام يعيشون هذه الوضعية منذ سنوات عديدة… و كذلك الشأن بالنسبة للعناصر القيادية بحركة النهضة الذين يخضعون للعزل الانفرادي منذ محاكمتهم. كما فرضت على السيد محمد مواعدة طيلة المدة التي قضاها بالسجن.

مسالك قضائية معطلة

            جل الدعوات التي تقدم بها ضحايا التعذيب – بالأحرى الذين تجرءوا على تجاوز الضغوط و التهديدات     و سوء المعاملة – حفظت دون أن يقع الاستماع إلى المتضرر و دون أن تؤدي  إلى فتح مجرد بحث إداري. و كانت اللجنة الأممية في قرارها المذكور الصادر في 20 نوفمبر 1998 قد عبرت عن انشغالها بخصوص الضغوط التي تسلط على ضحايا التعذيب من قبل الموظفين الحكوميين و التهديدات التي تهدف إلى منعهم من تقديم شكواهم إلى القضاء.      و نذكر فيما يلي البعض من هذه الدعوات التي رفعت و لم تأت بنتيجة تذكر في تتبع الجناة :

 دعاوى مرفوعة دون جدوى و ضغوط على الشهود

 رفع السيد إبراهيم الرزقي في سنة 1997 دعوى بشأن ابنه  محسن الذي توفى أثناء إيقافه لدى الشرطة العدلية بالمكان، فتحت إثرها قضية لدى قلم التحقيق بمحكمة الكاف تحت عدد 18518. وعلمنا أن القضية حفظت و سبب ذلك راجع إلى أن بعض المدنيين، الذين كانوا شهود عيان للحادثة، تم تهديدهم من قبل شرطة الكاف إذا ما شهدوا بأي شيء

. فاضطرّ السيد إبراهيم الرزقي إلى التوجّه إلى جهات سياسية و قضائية و إدارية عديدة، دون جدوى تذكر، باستثناء زيارة مسؤول قدم من العاصمة ليسأله. مع العلم أنه تمت نقلة الأعوان المورطين في الحادثة من مدينة الكاف لمدة زمنية ثم أرجع العلمي و صلاح للعمل بنفس المدينة و في نفس الخطة.

كما تقدم السيد حمة الهمامي عن طريق محاميه بشكاية ضد هشام العوني – مدير سجن الناظور سنة 1995 – و مساعده سامي قلال في الاعتداء بالعنف الشديد سجلت بمحكمة بنزرت يوم 3 جويلية 1995 تحت عدد 29781. أحيلت هذه الشكاية على التحقيق بنفس المحكمة الذي فتح في شأنها بحثا تحت عدد 13916/1. و في 19 نوفمبر 1996 حفظت هذه القضية ل”عدم كفاية الحجة” دون أن يتم حتى الاستماع إلى الشاكي.

لكن الحالة التي تبرز بأكثر وضوح الأبعاد المختلفة للتعذيب ببلادنا هي قضية المرحوم فيصل بركات – المتوفى تحت التعذيب في 8 أكتوبر 1991 – التي عرضت أخيرا على اللجنة الأممية الخاصة بمناهضة التعذيب و قد أصدرت في 10 نوفمبر 1999 قرارا فيه جملة من المعاينات، إثر بحثها في الشكاية المقدمة من طرف السيد خالد بن مبارك و في حق السيد جمال بركات شقيق الهالك. سجلت اللجنة خرق الحكومة التونسية– التي لم تأذن بالتحقيق إلاّ يوم 22 سبتمبر من سنة 1992 أي قرابة السنة بعد الواقعة – للمادة 12 من المعاهدة العالمية

بضرورة السهر على عدم إيذاء أصحاب الدعوى  و الشهود وذويهم جميعا. و نذكر هنا أنه ورد على اللجنة الأممية ما يفيد أن مضايقات عديدة و خطيرة سُلّطت على جميع الشهود في قضية المرحوم فيصل بركات و بلغت إلى حد اعتقال أحدهم ثم سجن زوجته، و هي ربة بيت، بإدعاء “تورطها في نشاطات سياسية”.

في الجملة هناك ثلاث أبحاث فتحت في شأن هذه الوفاة :

الأول في 6 نوفمبر 1991 و تم حفظ القضية في 30 مارس 1992؛

ثم فتح تحقيق عدلي ثان في 22 سبتمبر 1992 إثر التقرير الصادر عن “لجنة رشيد إدريس”؛

ثم بحث ثالث سنة 1994 إثر الدعوى الأولى المرفوعة أمام اللجنة الأممية (لم يقع قبولها آنذاك).

و الجدير بالملاحظة أنه تقرر حفظ جميع هذه الأبحاث دون أن يقع الاستماع إلى إي من أعوان الأمن المتهمين بالتورط في قتل المرحوم فيصل بركات و هم: عبد الفتاح الأديب(ضابط) و عبد الكريم الزمالي و محمد قابوس       و محمد المومني و الفاضل و صالح و توفيق.

حالة رئيس مركز نابل…

الفحص الطبي : إجراء غير معمول به

لم نلاحظ خلال الاحتفاظ عرضا على الفحص الطبي في أية حالة من مئات حالات التعذيب التي أحصيت خلال السنوات الفارطة.

و حتى خارج فترة الاحتفاظ الحرجة فكلما اشتكى متهم من التعرض للتعذيب امتنع القضاة المباشرون للملف عن الإذن بالعرض على الفحص الطبي سواء كان ذلك في طور التحقيق أو لدى مختلف الأطوار القضائية الأخرى حتى و لو شاهدوا بأعينهم بالجلسة آثار ذلك على المتهم و أقصى ما توصل له المحامون هو تسجيل الآثار البدنية. و حالة الاستثناء الوحيدة هي قضية الإسلاميين أمام المحكمة العسكرية سنة 1992.

تدخل الإدعاء العمومي في اتجاه واحد

إن النيابة العمومية بما لها من صلاحية فتح التتبعات بمجرد العلم بالجرم و الخروقات القانونية تمتنع عن ذلك رغم إطلاعها بالتحقيق على تصريحات الضحايا و سماعها لهم مباشرة بالجلسات العمومية – التي لا تنعقد بدون حضورها – بل و معاينتها للآثار على أشخاص كانوا موقوفين. كما أنها لا تفعل شيئا عند قيام أدلة على تجاوز مدة الاحتفاظ و تزوير تاريخ الإيقاف… بل و تمانع آليا في طلب العرض على الفحص الطبي و في تلقي أدلة الضحايا حول تجاوزات أو جرائم تكون اقترفت في حقهم كما تعترض دائما على مطالبة الدفاع الرجوع إلى السجل الخاص بالاحتفاظ الموجود بالمراكز بمقتضى الفصل 13 مكرر للتثبت في حالات تجاوز مدة الاحتفاظ…

عدم احترام الحق في التقاضي

و في بداية التسعينات عندما وردت شكاوى عديدة ضد أعمال التعذيب المتفشية خلال موجة الاعتقالات الواسعة التي طالت حركة “النهضة كانت وكالة الجمهورية قد اعتمدت تسجيل هذه الدعاوى ضمن دفتر خاص.   و في العديد من الأحيان يوكل البحث فيها للموظف المشتكى به؛ و هكذا وجد بعض الضحايا أنفسهم تحت رحمة المسؤول عن تعذيبهم. و هذا ما دأبت عليه المحاكم في إحالة الشكاوي ضد أعضاء الأجهزة الأمنية إلى هؤلاء لبحثها! فيصبحون خصما و باحثا.

و تبدو الاستهانة بحق التقاضي واضحة في ما آلت إليه الشكاية المرفوعة في 9 أوت 1991

 من طرف والد و ورثة المرحوم عبد الرؤوف العريبي، في حق هذا الأخير المتوفى تحت التعذيب حوالي 27 ماي 1991. و قد قدّمت الشكاية عن طريق محام ضد “السيد عبد الله القلال وزير الداخلية و من سيكشف عنه البحث” من أجل “القتل طبق أحكام الفصل 204 من القانون الجنائي”: فقد وقع محو هذه الشكاية من دفتر الشكايات و سجلت مكانها شكاية أخرى. لكن المحامي احتفظ بنسخة منها

 عليها ختم مكتب الضبط. كما أن آثار المحو ظاهر للعيان و هو محو يمثل تدليسا ماديا يستوجب السجن بقية العمر.

النفوذ المطلق و الحصانة الكاملة للجلادين

            إن هذه التصرفات تضفي في الواقع حصانة للموظفين المورطين في أعمال التعذيب تمكنهم من الإفلات من العقاب – اعتبرت اللجنة الأممية، في قرارها المذكور ليوم 20 نوفمبر 1998، أن السلطة التونسية بتماديها في نفي دعاوى التعذيب تضفي في الواقع حصانة على المسؤولين عن هذه الأعمال البشعة و تشجعهم على الاستمرار فيها – بل هي تضمن لهم الاستمرار في اقتراف جريمة التعذيب و التخصص و الرفع من أداءهم. و هم يواصلون منذ سنوات عديدة القيام بأنشطتهم الإجرامية في صلب أجهزة الدولة حتى بلوغها أعلى المراتب النافذة. فحسن عبيد – المسؤول إلى وقت قريب على جهاز الاستعلامات – هو بلا منازع قيدوم الجلادين التونسيين و اشتهر منذ نهاية الستينات  كمنسق سامي للتعذيب قي تونس. و من أبرز الأسماء الملاصقة لأعمال التعذيب يورد منذ بداية الثمانينات اسم محمد الناصر (مسؤول)، أصيل قرية السعَدْ (قرب مدينة المهدية) و يدعى في الواقع “حمادي حلاس”. و توجد قرائن عديدة على تورطه في قتل المنصف زروق سنة 1987 و عامر الدقاشي سنة 1991. كما تم ذكر اسم علي منصور خلال جلسة 10 جويلية 1999 لمحاكمة المجموعة المحسوبة على “حزب العمال الشيوعي التونسي” من طرف الطالبة إيمان درويش التي صرحت أن هذا الضابط أمر بالاعتداء عليها جنسيا. و تمت بعد ذلك تسمية هذا الضابط السامي، الذي أشرف على جل عمليات التعذيب في هذه القضية، في خطة مدير إدارة الحدود و الأجانب. و تتستر أجهزة الأمن على موظفين عرفوا [إخفاء هويتهم تحت أسماء مستعارة. و هناك من أتقن فنيات ممارسة التعذيب بدون ترك الآثار على أجساد الضحايا من أمثال “بوكاسا” المختص في التعليق و “البلانكو”. و روى  عديد ضحاياه أنه يجيد فن ربط الأيدي دون ترك الأثر كما يتقن إحداث التوازن في التعليق حتى يستخرج منه أقصى النجاعة و هو متهم بتعذيب المئات بهذه الطرق.  و يختفي وراء هذه التسمية عبد الرحمان القاسمي أصيل جرزونة بمنطقة بنزرت أين كان يشتغل في السبعينات بمركز المكان و حوكم بالسجن لمسؤوليته في حالة وفاة. و كذلك المشهور بـ”الحاج” الذي برز في ممارسته الاعتداءات الجنسية على قريبات الإسلاميين. و نذكر أيضا من بين الأسماء التي تورطت في أعمال التعذيب عمر السليني، شهر “التوكابري” و البشير السعيدي –رئيس فرقة- و محمود بن عمر شهر “هشام كريم” و عبد القادر… شهر “دحروج” و محرز… شهر “القتلة”… و المدعو ال”casse “…أما محمود الجوادي، المسؤول عن وفاة فتحي الخياري في ثكنة بوشوشة  –و كان يشرف عليه آنذاك عبد الحفيظ التونسي- حيث كان يشغل خطة رئيس فرقة الإرشاد بمنطقة إقليم تونس، فقد أصبح يعمل الآن  بفرقة “أمن البنوك”. و المدعو جمال العياري المشهور أكثر تحت اسم “رامبو” هو أيضا من أبرز الجلادين بفرقة “الإرشاد” ببوشوشة و هناك أيضا ضباط آخرون يواصلون نشاطهم دون أدنى مضايقة من أمثال الرئيس السابق لفرقة الإرشاد بمدينة بنزرت، زياد القرقوري، الذي تم إبعاده منذ مدة وجيزة إلى مكان عمل آخر.

ضحايا محرومون من العلاج و من جبر الأضرار

            مقابل هذه الامتيازات التي يتمتع بها المسؤولون عن التعذيب من قبل أجهزة الدولة، فإن ضحاياهم ذهبوا لغير رجعة أو بقوا يعانون طوال سنوات من الإصابات المتنوعة و المتفاوتة الخطورة التي لحقت أجسادهم، و منها التي تسببت في عجز قار.

و في السجون التونسية يقبع عشرات من ضحايا التعذيب في انتظار علاج جدي و بعضهم ينتظر منذ سنوات طويلة. هذه هي حالة السادة الصادق شورو و فتحي الورغي الذين تم تعذيبهما حتى إصابة الجهاز التناسلي. كما يحتفظ السيد عبد المؤمن بالعانس بمخلفات عديدة في أماكن مختلفة من الجسم تستدعي العلاج العاجل أحدثتها حصص التعذيب المتعددة التي عاشها. ونذكر كذلك حالة السيد الأسعد الجوهري

بعد استكمال العقوبة. و كذا حال نجيب البكوشي وعلي الجلولي…

إن هذه الأمثلة من المخلفات البدنية للتعذيب لا يجب أن تجنبنا التطرق إلى المخلفات المعنوية التي تطال بالضرورة كل الضحايا و أطفالهم خاصة و قد تكون أخطر من المخلفات البدنية لأن معاينتها أصعب. و اليوم و أكثر من أي وقت مضى تتأكد بإلحاح ضرورة أن تسخر الدولة مجهودا جديا لإحاطة العدد الضخم من ضحايا التعذيب ببلادنا، على امتداد الأجيال و العهود، بمعالجة متعددة الاختصاصات. و يجب التأكيد هنا على أن كل الضحايا التي تقدم على المعالجة تقوم بذلك على نفقتها الخاصة، إذ تمتنع الدولة عن تخصيص أي تمويل لجبر الأضرار التي تسبب فيها موظفون يعملون بمصالحها.

إلاّ أنه بلغ إلى علمنا أن البعض من أسر المتوفين تحت التعذيب سنة 1991 قد تتلقى جراية شهرية من طرف مصلحة حكومية؛ هذا هو حال أرملتي فتحي الخياري و عبد الرؤوف العريبي التي تم استقبالهما من قبل الصادق شعبان، مستشار رئاسي آنذاك – إثر صدور تقرير لجنة الرشيد إدريس الذي أثار شكوك جدية بخصوص الأسباب المقدمة من طرف البوليس السياسي حول وفاة بعض المعتقلين أثناء الاحتفاظ –  الذي أبلغهما “أسف” الدولة لوفاة زوجيهما و سلمهما مبلغا ماليا عينيا. و فيما بعد مُكنت أرملة فتحي الخياري من مسكن “سبرولس” كما مُكنت أرملة المرحوم عبد العزيز المحواشي الذي توفى في نفس الظروف في نفس الفترة من مساعدة حكومية لاقتناء منزل.

إرادة سياسية منعدمة في مكافحة التعذيب

 تطوير التشريعات

تفاعلت الحكومة التونسية مع الانتقادات الموجهة ضدها بإدخال تحويرات على التشريعات المتعلقة بالاحتفاظ و التعذيب – بمقتضى القانون عدد 90 لسنة 1999 المنقح للفصل 13 مكرر لمجلة الإجراءات الجزائية و القانون عدد 89 لسنة 1999 المتم لأحكام المجلة الجنائية بإحداث الفصل 101 مكرر و المؤرخين في 2 أوت 1999. و قد كانت اللجنة الأممية الخاصة بمناهضة التعذيب في قرارها الصادر يوم 20 نوفمبر 1998 قد حثت الحكومة التونسية على تقليص المدة القصوى للاحتفاظ إلى 48 ساعة و تحوير التشريعات لجعل التعريف بالتعذيب مطابقا للمادة الأولى للمعاهدة العالمية و حتى يضمن عدم اعتماد الاعترافات المنتزعة بواسطة التعذيب، باستثناء اعتمادها كحجة ضد المسؤولين عن أعمال التعذيب. و هكذا و بمقتضى التنقيح المدخل على الفصل 13 مكرر لمجلة الإجراءات الجزائية وقع الحط من المدة القصوى للاحتفاظ إلى 6 أيام بدلا عن 10 سابقا. و تم أيضا ضبط بعض النواحي الإجرائية مثل ضرورة تنصيص المحضر على إعلام المحتفظ به بالإجراء و سببه وبالضمانات القانونية التي يتمتع بها و على إعلام عائلته و على طلب الفحص الطبي إن وجد. كما وقع التنصيص على ضرورة إمضاء وكيل الجمهورية أو من ينوبه على صفحات السجل الخاص بالاحتفاظ الموجود بالمراكز و الذي أصبح  أيضا من المفروض أن يتضمن أيضا إعلام العائلة. أما المجلة الجنائية، فقد أضيف لها فصل جديد، و هو الفصل 101 مكرر

للمعاهدة الدولية، و هذا الفصل أستثنى من الإدانة كل موظف رسمي أو شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية يحرض على التعذيب أو يوافق عليه أو يسكت عنه و حدد هذا الفصل العقوبة لارتكاب التعذيب بثمانية أعوام سجن.

عدم تطبيق القوانين و الإجراءات المتعلقة بالتعذيب

دون تعمق في مناقشة حيثيات و أبعاد تنقيحات 2أوت 1999 يمكننا القول أن تفشي ظاهرة التعذيب راجع إلى انعدام الإرادة في تطبيق و تفعيل النصوص القانونية أكثر منه إلى حدود النصوص القانونية ذاتها. و كانت اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب،  في القرار المشار إليه أعلاه، حثت الحكومة التونسية على اتخاذ عدد من التدابير في هذا الشأن، منها السهر على احترام التشريعات و الإجراءات المتعلقة بالإيقاف و الاحتفاظ و ضمان حق الضحايا في التقاضي(التشكي). و نسجل خاصة إصرارا قويا – و ذلك في مختلف الأطوار القضائية – على عدم تطبيق “المعاهدة الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة” التي صادقت عليها الدولة التونسية دون تحفظ يوم 20 أكتوبر 1988 و أصبحت بذلك “أقوى نفوذا من القوانين” حسب البند 32 من الدستور التونسي.

المحاكمات السياسية

            لئن قلّ عدد المحاكمات السياسية عما كان عليه في بداية التسعينات إلا أنها لم تتوقف رغم المعارضات        و التقارير و النداءات الصادرة خاصة عن المنظمات المعنية بحقوق الإنسان.

            و تواصل سيرها بناء على نفس الأسباب و في ظل نفس الخروقات المتعلقة خاصة بالحرمة الجسدية و حقوق الدفاع، مفضية دوما إلى أحكام بدنية قاسية لا تتناسب و واقع الأفعال التي لا تشكل في سائر الأحيان، سوى ممارسة لحقوق مضمونة دستوريا.

إن التشريعات الأممية المعرفة بمفهوم وشروط الاعتقال الاعتباطي تتمثل في جملة من المبادئ المضمنة بالمواثيق الدولية عموما، و خاصة التي تبنتها “مجموعة العمل الخاص بالحبس الاعتباطي” و التي بعثت بموجب قرار 42/1991.   و التي تنص على “أنّ الحبس  يعتبر اعتباطيا عندما يكون غير مؤسس على قرار شرعي أو نتيجة تتبعات و أحكام تتعلق بممارسة لحق الرأي أو إحدى الحريات المضمونة في البنود 7-13-14-18-19-20-21-للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والبنود 12-18-19-21-22-25-26-27 للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية  أو عندما تحصل إخلالات جزئية أو كلية في الشروط الأولية الخاصة بالحق في محاكمة عادلة”.

و تنطبق جلّ هذه المفاهيم على جل القضايا المذكورة أعلاه و خاصة على حالتي خميس قسيلة و محمد علي البدوي الذين تبنتهما مجموعة العمل الخاص بالحبس الاعتباطي.

            و لقد تمكن المجلس من رصد البعض من هذه القضايا :

حالة السيد خميس قسيلة : سجن نائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان  وعضو مجلس إدارة المعهد العربي لحقوق الإنسان يوم 29 سبتمبر 1997 إثر إصداره بلاغا للرأي العام، يدين فيه انتهاك سياسة الحكم في تونس للحريات وحقوق الإنسان، و يحتجّ فيه على ما يتعرض له هو وعائلته من اضطهاد و عسف. و كان أعلن في بيانه الشروع في إضراب عن الطعام .ويعتبر سجن السيد خميس قسيلة تعسفيا لأنه جاء إثر ممارسة حق التعبير السلمي ونتيجة محاكمة غير عادلة تميزت بإخلالات خطيرة من الناحية القانونية كعدم الاستظهار ببطاقة جلب أو إيقاف عند اختطافه من منزله من طرف البوليس السياسي مساء يوم 29 سبتمبر 1997وتغير تركيبة المحكمة اثناء المحاكمة دون إعادة المحاكمة وإعادة الاستماع للمعني بالأمر والحضور المكثف للبوليس ومنع عديد أصدقاء المتهم وعائلته من حضور المحاكمة. وقد اصدرت مجموعة العمل الأممية الخاصة بالحبس التعسفي في 4ماي 1999 قرارا باعتبار خميس قسيلة محبوسا تعسفيا كما دعت اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان  لفتح تحقيق ومتابعة في شأن ثمانية من المدافعين لحقوق الإنسان منهم السيد خميس قسيلة .

قضية السيد محمّد علي البدوي (القضية عدد1337) : حكمت المحكمة الابتدائية بقبلي على السيد محمد علي البدوي، في 11 مارس 1999، بستة اشهر سجن. و هو الحكم الذي أكدته محكمة الاستئناف ومحكمة التعقيب و ذلك في نفس القضية التي سبق أن  نفس المحكمة حكمت فيها بنفس العقوبة في السنة المنصرمة . وتتعلق القضية في المرتين برفض مزعوم للمواطن من قبل الشرطة للإمضاء يوميا في المركز وفقا لقرار محكمة  قابس سنة 1994 بالحكم عليه بسنتين سجن لانتمائه لجمعية غير مرخص فيها ومراقبة إدارية لمدة سنتين . وتشكل قضية البدوي واحدة من أدقّ المؤشرات على الاستعمال الخطير لجهاز القضاء  من قبل السلطة لتصفية حساباتها السياسية دون إعطاء أدنى قيمة لهيبة العدالة روحا ومضمونا .فكل ما تعرض له البدوي هو محاكمات سياسية تأتي دوما في الابان لإرهاب أخيه الدكتور المرزوقي حيث أن المحاكمة الأولى وقعت عشية عقد مؤتمر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان  والقضية الثانية عند بدء العمل في تكوين المجلس الوطني للحريات سنة 1998 والقضية الثالثة أياما معدودة بعد الإعلان عن ولادة المجلس. ونذكر أن المجموعة الخاصة بالحبس التعسفي قد اعتبرت في جويلية 94 أن الدكتور المرزوقي سجن تعسفيا أربعة اشهر بدون موجب او محاكمة على إثر ترشحه لرئاسة الجمهورية. وتفضح قضية محمد علي البدوي  ظهور أساليب لم تعهدها بلادنا أبدا في التعامل مع المعارضين  حيث يقحم بأبرياء وينكل بهم ويحكم عليهم في غياب النص القانوني ورغم بطلان الإجراءات الشكلية و  تجاهل مبدأ أساسي هو تواصل القضاء وعدم جواز عقاب شخص مرتين وذلك لمجرد كونهم  أقارب مناضلي حقوق الإنسان يجب عقابهم والضغط عليهم . ويشار إلى أن محمد علي البدوي تعرض للنقل المتواصل من سجن إلى سجن حتى تنقطع صلته بعائلته فنقل من سجن قابس إلى سليانة ثم الكاف في المحكومية الأولى ومن قابس إلى القيروان في المحكومية الثانية .

قضية طلبة الاتحاد العام لطلبة تونس : شملت هذه القضية مجموعة من الشبان ينتمي غالبهم إلى الاتحاد العام لطلبة تونس و هم : نور الدين بن تيشة و طه ساسي و هيكل مناعي و حبيب الحسني و لطفي الهمامي و نجيب البكوشي و الفاهم بوكدوس و إيمان درويش و هندة عروة و عفاف بن روينة و رضا و قيس الوسلاتي و برهان القاسمي و علي الجلولي و الشذلي الهمّامي و رشيد الطرابلسي، تمّت إحالتهم جميعا بحالة إيقاف يوم 15 ماي 1999. كما أحيل فيها السادة حمّة الهمامي و سمير طعم الله و عبد الجبار المدوري بحالة فرار و الأستاذة راضية النصراوي، المحامية، بحالة سراح. وقد وجهت لهم تهم الانتماء إلى جمعية غير معترف بها تدعو للكراهية وثلب النظام العام  وثلب دوائر قضائية وتوزيع مناشير و نشر أخبار زائفة و الدعوة إلى العصيان فيما خصت الأستاذة راضية بتهمة “المساعدة على عقد اجتماعات غير مرخص فيها”.

و لقد اشتكى جميع المتهمين الموقوفين من شراسة التعذيب الذي سلّط عليهم و الذي بلغ حد الاعتداء الجنسي على الطالبة إيمان درويش و إصابة الطالب لطفي الهمامي بأضرار بليغة بجهازه التناسلي.

وثبت تجاوز مدّتي الاحتفاظ و الإيقاف التحفظي حيث بلغت هذه الأخيرة مدة سنة و نصف.

ولم يقبل القاضي فوزي بن عمارة سماع دفاع المتهمين في خصوص هاتين النقطتين و بلغت به درجة التحيز إلى حدّ منع الطالبة إيمان درويش من التعرّض إلى تفاصيل الاعتداء الجنسي الذي سلّط عليها و من ذكر هوية المعتدي عليها. كما عمد القاضي المذكور إلى عرقلة عمل المحامين بمنع القادمين من  المغرب و من الجزائر ومن فرنسا، ومنها عميدة المحامين بباريس، من ارتداء زيهم الرسمي و من الترافع في القضية و ذلك خرقا للاتفاقيات القضائية المصادق عليها من طرف الحكومة التونسية. و بالنسبة إلى المحامين التونسيين، فإن القاضي منع الدفاع من إبداء ملاحظاته الجوهرية. كما تعمد في آخر الأمر تهديد الأستاذ جمال الدين بيدة و سحب الكلمة منه، الأمر الذي أجبر الدفاع على الانسحاب.

و لقد صدرت أحكام قاسية بلغت حد تسع سنوات و ثلاث أشهر سجن، دون أن تقل عن عام و نصف، إلا بالنسبة للأستاذة النصراوي، التي نالت عقابا بالسجن لمدة ستة أشهر مع إسعافها بتأجيل التنفيذ. و تجدر الإشارة إلى أنّ الأستاذة راضية النصراوي حوكمت خلال شهر أفريل 1999 بـالسجن مدة 15 يوما مع تأجيل التنفيذ، لأجل حضور جنازة حماتها ببلدة بوعرادة خارج حدود ولاية تونس، مما اعتبر مخالفة لقرار قاضي التحقيق الذي حجّر عليها مغادرة تونس الكبرى.

و فيما أقرت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي دون أي تعديل لقساوته، فإن سراحا شرطيا مكن جل الموقوفين،  عدى السيد الفاهم بوكدوس، من مغادرة السجن. و قد اتفق الملاحظون، الممثلون لـ14 منظمة دولية، على أنّ هذه القضية لا تتوفّر فيها أدنى شروط المحاكمة العادلة.

عبد المؤمن بالعانس: (راجع باب التعذيب) تمت محاكمته يوم 17 أوت 1999 في القضية عدد 36766  بنفس الدائرة السابق ذكرها و التي يترأسها القاضي فوزي بن عمارة، و التي أصدرت في شأنه حكما بالسجن مدة أربعة أعوام من أجل “الاحتفاظ بجمعية غير مرخص فيها” و “توزيع مناشير” و “نشر أخبار زائفة من شأنها تعكير صفو الأمن العام” و “الدعوة إلى خرق قوانين البلاد” و “الاعتداء بالثلب على النظام العام” و “الاعتداء بالثلب على الدوائر القضائية”، و ذلك دون الاستجابة إلى مطالب الدفاع في عرض منوبهم على الفحص الطبي و الاختبار على الخط. كما رفض القاضي المذكور مطلب الدفاع المتعلّق بتأخير القضية للاطلاع على الملف و تقديم دفوعه. مما أجبر المحامين على الانسحاب. هذا و لم تقم المحكمة بتسخير محام للمتهم، حسب ما طلبه بجلسة 10 أوت.

و لدى الطور الاستئنافي، برئاسة القاضي عمر فاروق الغربي، تم تقرير الحكم الابتدائي برمته يوم 10 سبتمبر (عدد 8354).

و في إطار قضية ثانية ( القضية عدد 4097)، أيدت الدائرة الاستئنافية، التي يترأسها القاضي الجديدي الغني، الحكم الابتدائي (16822/996) القاضي بسجن عبد المؤمن بالعانس و البشير عبيد و علي الجلولي

مدة عام و نصف، من أجل “توزيع مناشير…” و “التحريض على ارتكاب جرائم ضد أمن الدولة الداخلي”. و ذلك بتاريخ 14 جويلية 1999.

نزار الشعري: (راجع بلاغ المجلس بتاريخ 10 ماي 1999) هو جامعي حوكم يوم 11 ماي 1999 من طرف الدائرة الجنائية 12 لمحكمة الاستئناف بتونس بثلاث سنوات سجن من أجل “الانتماء إلى عصابة مفسدين” و لقد تم سراحه شرطيا قبل انتهاء العقوبة.

علما و أن هذا الأخير حوكم خرقا لمبدأ ترابية القوانين الجزائية – بمقتضى القانون 93-113 ليوم 22 نوفمبر 1993 و المنقح لمجلة الإجراءات الجزائية (الفصل 305)

– ذلك أنه حضر تظاهرة إسلامية بفرنسا، و الحال أن القانون الفرنسي لا يعاقب هذا الفعل، بل يعتبره من قبيل ممارسة الحق و الحريات العامة.

قضية السيد عبد الرؤوف الشماري: (راجع بلاغ المجلس الصادر في 29 جويلية ) الذي حوكم، من قبل المحكمة الابتدائية بتونس برئاسة القاضي الهادي العياري، بالسجن مدة عام من أجل “ترويج أخبار زائفة” (ثمانية أشهر) و من أجل “القذف” (أربعة أشهر) لأجل تصريح ُنسب إليه، في مجمع خاص، حول قضية ارتشاء قد يكون وزير البيئة السابق، السيد مهدي مليكة مورط فيها، و ذلك رغم خلو الملف من شكوى للمزعوم قذف عرضه. و تجدر الإشارة أنه تم الإفراج عن السيد عبد الرؤوف الشماري، بمقتضى قرار في السراح الشرطي، بعد أن تم تقرير الحكم الابتدائي لدى الاستئناف.

قضية السيدتين السيدة العلمي وحياة الفرشيشي: طالبتان شاركتا في بداية التسعينات في مظاهرة مناصرة للعراق. فأحيلتا بحالة سراح من أجل “المشاركة في تجمهر مسلح”  على المحكمة الابتدائية بتونس ( 490/33887 )  التي قضت في 29 أكتوبر 1990 بسجنهما مدة ستة أشهر. ولدى الاستئناف (39746) قضت المحكمة، غيابيا في 8 مارس 1991 ، بتقرير الحكم الابتدائي. وتم الاعتراض على هذا الحكم يوم 5 فيفري 1993.

 وفي 30 جوان 1998

 قضت المحكمة (القضية عدد 82316)، بعد 5 سنوات و 31 جلسة، بسجنهما مدة ستة أشهر مع تأجيل التنفيذ. إلاّ أنّ هذا الحكم تم نقضه بعد مدة وجيزة، بناء على تعقيب النيابة، و أحيلت القضية على الدائرة الاستئنافية التي يترأسها  القاضي الجديدي الغني للنظر فيها من جديد، تحت  عدد 1636.

ومن تأخير لآخر، لاستدعاء المتهمتين، أخّرت  القضية من جلسة 29جانفي 2000 إلى جلسة  26فيفري 2000. لكن السيدة العلمي، تلقت استدعاءً  ليوم 19فيفري 2000، ولم تتمكّن نتيجة لذلك من الحضور. و في جلسة  يوم 26 فيفري 2000، اعتبر رئيس المحكمة أن الاستدعاء بلّغ للمتهمة قانونا. وقضى يوم 6 مارس بالحكم بالسجن مدة ست أشهر مع حذف ظرف التخفيف (تأجيل التنفيذ) التي سبق أن انتفعتا به. واستوجب إصدار هذا الحكم تزوير ما لا يقل عن 3 محاضر جلسات.

و الغريب في هذه القضية أن الاستدعاء للجلسة بلّغ للسيدة العلمي عن طريق فاكس من المتفقد العام للمصالح العدلية، محمد صالح بن عياد (قاضي تحقيق محكمة أمن الدولة سابقا). و في ذلك دليل واضح على تدخل الوزارة في شؤون القضاء  …!

قضية السيد المنصف العرايسية (عدد 92709) : اعترض يوم 26 جوان 1998 على حكم غيابي صدر في شأنه في 30 ديسمبر 1991 و قضى بسجنه مدة عام من أجل “الانتماء إلى جمعية غير معترف بها” و 16 يوما من أجل “عقد اجتماعات دون رخصة”. و في 17 مارس 1999 قضت المحكمة برئاسة القاضي الجديدي الغني ، ورغم سقوط العقوبة بمرور الزمن، بتقرير الحكم الغيابي، خلافا لمقتضايات الفصل 349 من مجلة الإجراءات الجزائية.

السيد توفيق الكباوي (بن محمد بن صالح) المولود بجزيرة جربة سنة 1958 حوكم من طرف محكمة الاستئناف بالكاف في 15 جويلة 1992 بالسجن مدة ثمانية أعوام ضمن المجموعة المحسوبة على حركة “النهضة” و التي تخلت عليها المحكمة العسكرية بحيث كان من المفروض الإفراج عنه يوم 18 جانفي 1999 باعتبار أن تاريخ إيقافه الرسمي كان يوم 18 جانفي 1991. بيد أنه لم يسرّح إلى يومنا هذا بدعوى أنه حوكم في قضية ثانية تتعلق بحرق المعهد الفني بالكاف  و الحال أن هذا الحريق حدث في شهر مارس 1992 لما كان توفيق الكباوي موجودا بالسجن.

قضية السيد الفاضل البلدي (20/17111) : هو أحد قادة “حركة النهضة”، أبلغ بداية الصيف الفارط حكما استئنافيا غيابيا صدر في 24 أفريل 1992، يقضي بسجنه مدة سنتين ( القضية عدد 59548)، من أجل “نشر أخبار زائفة…” و “ثلب النظام العام” – في حين أن الحكم الابتدائي أجّل تنفيذ العقاب –  والحال أن الأفعال تتمثل في إصداره سنة 1990 لبيان يتعلق بأحداث العراق.

و بعد قيامه بالاعتراض يوم 13 جويلية 1999، مثُل يوم 3 أوت 1999 أمام  الدائرة الاستئنافية التي يترأسها القاضي عمر فاروق الغربي الذي قضى بنفس الجلسة بسقوط العقاب بمرور الزمن في قضايا حق عام. إلاّ أنّه عدل عن البتّ في الأصل في قضية السيد الفاضل البلدي وأحال القضية على دائرة أخرى، تترأسها القاضية عقيلة جراية، في حين كان بإمكانه القضاء بعدم سماع الدعوى بناء على سقوط العقاب بمرور الزمن. و القضية لا زالت منشورة لدى الدائرة المذكورة. و أجلت الجلسة، للتصريح بالحكم، إلى يوم 17 مارس.

قضية أحلام قارة علي وسلوى ديماسي وعمر الصغير (قضية عدد 27174 بالدائرة 13 لمحكمة الاستئناف بتونس) بها 15 متهما، متابعون من أجل “تكوين عصابة مفسدين”، (الانتماء لـ”حركة النهضة”) عن أفعال ترجع لسنة 1990. و المرأتان تم تعذيبهما عند إيقافهما في ماي 1996. ولقد تدخلت لفائدتهما منظمتا “العفو الدولي” و”مراقبة حقوق الإنسان”.

السيد محمد البدوي :سجين محكوم في نطاق سلسلة المحاكمات التي طالت حركة النهضة في بداية التسعينات بعامين سجن لم يترك سبيله بعد قضائهما فتقدم أهله لدى النيابة العامة بتونس حيث و بعد التثبت من الملفات أصدر السيد المدعي العام بطاقة إخراج في شكل برقية موجهة لإدارة السجون يوم 9 فيفري 1998 و طمأن والدته الشاكية بأن ابنها سيعود إلى المنزل يوم إصدار البرقية. إلا أن البرقية لم تنفذ و لم يطلق سراح السجين إلا بعد أيام معدودة.

قضية السيدة راضية العويديدي (القضية عدد 8746 بالدائرة الجنائية بصفاقس) : اتهمت مع الغير بـ “المشاركة في عصابة مفسدين”. و قضت المحكمة يوم 25 نوفمبر 1999 بتبرئتها. إلاّ أنّ النيابة العمومية عقبت هذا الحكم.       والقضية لا زالت جارية لدى محكمة التعقيب.

هشام حمودي و محمد محسن السوداني : لقد حكم عليهما يوم 22 أفريل  1999، في القضية رقم 28100، من طرف الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس التي يترأسها القاضي رضا بوبكر، بالسجن مدة أربع سنوات من أجل “تكوين عصابة مفسدين”.

رضا البوكادي و زهير بعقوب و شكري القرقوري و يوسف بن خضر وغيرهم

تمت إحالتهم من أجل “المشاركة في وفاق جماعي و دعمه بالمال بقصد التحريض على التعصب الديني والكراهية والتباغض والتحضير لارتكاب اعتداءات على الأشخاص و الأملاك” – الفصول 52 مكرر و 131 و132 و 133 و 258 و 264 … – (القضية عدد 8790) : تعهّدت بهذه القضية الدائرة الجنائية لحكمة صفاقس، و بعد النظر فيها في جلسات 9 ديسمبر 1999 و 20 جانفي 2000، أصدرت، يوم 24 فيفري 2000، أحكاما بالسجن 3 سنوات في حق كل من رضا البوكادي و زهير يعقوب، في حين أنها حكمت باتصال القضاء في شأن عدد من المتهمين. و الملفت للنظر أن المحكمة رفضت اعتماد الفصل 52 مكرر. و لقد شملت مجموعة من المواطنين محسوبين على “حركة النهضة”، سلّمت البعض منهم الجماهيرية الليبية. و هذا التسليم، فضلا عن تناقضه مع الأخلاق والتقاليد العربية التي تؤمن حرمة المستجير، فإنهّ يشكل انتهاكا للأعراف و المعاهدات الدولية التي تمنع مثل هذا التسليم، إذ  “لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أي شخص أو أن تعيده (أن ترده ) أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توفّرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب “. (الفقرة أولى من الفصل 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب، الصادرة في10 ديسمبر 1984). و هذا ما أكدت عليه المادة 14 (الفقرة الأولى) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : ” لكلّ فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى و التمتع به خلاصا من الاضطهاد”. و يبدو أن هذا التسليم قد جاء تطبيقا لـ”الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب”، الموقعة سنة 1998، والتي هي في الواقع أداة تنسيق بين الأنظمة العربية لمحاربة معارضيها.

أحمد العماري و زهير يعقوب و غيرهم ( القضية عدد 29466/12 استئناف تونس) و هي قضية تشمل أيضا مجموعة كبيرة من المواطنين محسوبين على “حركة النهضة”، سلّمت كذلك البعض منهم السلطات الليبية، وهي تؤخر من جلسة إلى أخرى منذ 23 ديسمبر 1999 وأجلت إلى غاية 30 مارس 2000 وذلك لتسخير محامين عن المتهمين و تقديم ما يفيد اتصال القضاء. و السيد زهير يعقوب محال من أجل نفس الأفعال في القضية السابقة. وتجدر الإشارة إلى أنه تكاثرت، في السنوات الأخيرة، حالات رفض المحاكم الحكم باتصال القضاء، في قضايا تهم متهمين محسوبين على التيار الإسلامي و تتعلق بأفعال سبق مقاضاتهم من أجلها.

إن العفو الخاص صلاحية يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية. لكنه لم يستجب، منذ مدة طويلة، لأي طلب عفو من المحكوم عليهم بالإعدام. و ظل وضع هؤلاء المحكومين، الذين يقدر عددهم بحوالي 30 شخصا معلقا دون فصل. وإذا كان العفو قيمة إنسانية قديمة، قدم النظم المجتمعية، في إرساء روح الغفران و طي صفحة الماضي، فإنّه في بلادنا يمارس هو الآخر عن طريق وزارة الداخلية في شكل سراح شرطي شاع منذ 1996.

و هذا أمر مخالف في كثير من الأحيان للقانون، إذ أن جل المسرحين لم يقضوا المدة الدنيا للحبس التي يشترطها هذا الإجراء. كما أن السراح الشرطي لا ينتج آثار العفو حيث يبقى صاحبه مقيدا بالعقوبات التكميلية     ومهددا “إذا ظهر ما يدل على سوء سيرتهّ (فصل 359 مجلة إجراءات الجزائية) بالرجوع إلى السجن بقرار من وزير الداخلية.

حقّ التنظّم : حريّة مصادرة

تصطدم في تونس حرية التنظم داخل جمعية أو حزب سياسي أو نقابة بترسانة من النصوص القانونية التي تضرب حجرا على ممارستها تبطل مفعولها  وتنكر على المواطنين حقهم فيه.

و يعبر عن هذه العراقيل ذات الأوجه المتعدّدة ضبابية النص الدستوري و استبدادية النص التشريعي والتعسف الإداري.

إنّ نص دستور 59 يضمن شكليا هذا الحق و يرجع للقوانين أمر تحديد إطار ممارستها.

إذ أنه في نفس الذي يضع فيه مبدأ “أن المواطنين يمارسون حقوقهم كاملة وفق الصيغ و الشروط التي ينص عليها القانون”، فإنّ الفصل 7 يجيز إدخال قيود عليها “بقانون يوضع لحماية حقوق الغير و احترام النظام العام        والدفاع الوطني و التنمية و الرقي الاجتماعي”. و إذا كانت حريات الرأي و التعبير و الصحافة و النشر والاجتماع والتنظم، حريات مضمونة، فإنّها، وحسب عبارات الدستور ذاتها “تمارس وفق الشروط القانونية”(الفصل8).        و كذلك الشأن بالنسبة للأحزاب السياسية الذي يعدّ إدراجها المتأخر في نص الدستور من باب البهرجة القانونية، أكثر منه من باب الإرادة الحقيقية، في تفعيل دور الأحزاب في الحياة السياسية للبلاد.

و إنّ هذه المراجعة، و المراجعات التي تلتها، لم تغيّر شيئا من مسألة الحقوق و الحريات بل، بالعكس، فإنّها دعّمت الطابع الرئاسي الأصلي و زادت في انخرام التوازن بين السلطات سواء داخل السلطة التنفيذية (بين رئيس الدولة من جهة و الوزير الأول و الحكومة من جهة أخرى و اللذان يحملان مسؤولية سياسة لا يسطرونها)، أو في علاقة مجلس النواب بالرئيس حيث يتمتّع هذا الأخير بأولوية تقديم مشاريع القوانين، و بثلاث أصناف من المراسيم   و بسلطة التنظيم العامة و المستقلة و بحق الاستفتاء و بوسائل ضغط لا مثيل لها عند المجلس.

و في هذا السياق العام لم يبق مضمونا سوى الحق النقابي دون أي توضيح آخر (راجع باب الحريات النقابية).

و مساهمة في وحدانية الفكر السياسي الذي يحمله الدستور، فإن القوانين المؤطرة للحريات، على تنوعها، هي قوانين قاتلة للحرية.

و كذا القانون المتعلّق بالجمعيات (قانون 7 نوفمبر 1959) حيث إنّه يُخضع تكوينها إلى نظام متستّر للترخيص المسبّق و يعطي لوزير الداخلية سلطة مهولة للاعتراض على وجودها القانوني، يلزم تسيير وفق نظام موحد كما يفرض عليها وجوب الانضمام إلى أحد الأصناف الـ8 التي أتى بها تنقيح 2 أفريل 1992. كما يمنع على مسييريها المواقع  القيادية داخل الأحزاب السياسية، و يعاقب بشدّ مخالفة نصوصه، إذ يتضمّن عقوبات إدارية         و جزائية تصل حدّ السجن 5 سنوات.

أمّا قانون الأحزاب، الصادر في 3 ماي 1988 و الذي كان قانونا ظرفيا، فإنّه وضع نظاما صارما للترخيص المسبّق يتصرّف فيه بدون حدّ وزير الداخلية. كما يضع الحزب تحت مراقبة إدارية مستمرّة، و يعاقب بشدّة المخالفات. و تغطّي هذه القوانين التعسّف الإداري و تقف حجر عثرة أمام الممارسة الحرة للحقوق الجماعية.

و لقد انقلبت طريقة الوصل- الذي لا يسلّم عادة – من مجرّد إجراء بسيط، على الإدارة تسليمه حال إيداع الملفّ، إلى تأشيرة في الواقع. و بذلك يعلّق أجل الجواب و معه حياة الجمعية و الحزب.

و إن تعليل قرارات الرفض – أن وجد – يقتصر على صيغ جوفاء في “عدم تطابق الجمعية مع مقتضيات القانون”. و إذا أضفنا لهذه النصوص قانون الاجتماعات العامة و المواكب و الاستعراضات و المظاهرات و التجمعات، الصادر في 28 أفريل 1975، فإن هذه التشريعات و هذه الأساليب تعدّ وسائل لمحاربة المعارضين السياسيين و النقابيين و المناضلين عموما الذين يريدون ممارسة مواطنتهم باعتبارهم فاعلين أحرار في المجتمع المدني.    و تشهد الأمثلة الآتية على اتساع القمع و تنوّعه :

ملاحقة المجموعات التي تكوّنت من تلقاء نفسها

إنّ الساحة السياسية في تونس مليئة، في الماضي و الحاضر، بأمثلة الجمعيات و الأحزاب التي اعتبرت هذه القوانين منافية للحريات و أعلنت عن تكوين نفسها بنفسها مما جعل منخرطيها محلّ تهديد و محاكمون بعقوبات سجنية ثقيلة تضطرهم للإفلات منهم إلى التخفّي أو الغربة عن الوطن.

وإن المثال النموذجي على ذلك هو “حزب العمال الشيوعي التونسي” الذي تحدّى، في البداية، النظام التشريعي للتنظم القانوني، فسقط بذلك تحت طائلة القانون، ووجد قياديوه واتباعه أنفسهم ملاحقين ومحاكمين مسجونين ومعذبين. وفي استفادة من فترة اتسمت بشيء من التسامح، مكن “حزب العمال” من إصدار جريدته، “البديل”، لكن هذا الانفراج لم يدم طويلا، إذ وجد نفسه، من جديد، تحت مطرقة النظام و تمّت محاكمات عديدة لمناضليه بتهمة “الاحتفاظ بجمعية غير معترف بها” و بجملة من الجرائم السياسية الأخرى. و يعيش الناطق باسم الحزب، السيد حمة الهمامي، في السرية منذ عامين.

ولقد سلكت نفس التمشّي “منظمة الشيوعيين الثوريين” – التي تكوّنت في سنة 1985 – فوجدت نفسها عرضة للقمع. في آخر سنة 1991، مثل 24 من مناضليها أمام محاكم الكاف وسيدي بوزيد،  من أجل “الانتماء لجمعية غير معترف بها” و سُلّطت عليهم عقوبات بالسجن النافذ و جرّدوا من حقوقهم المدنية و مُنعوا من العمل    ومتابعة دراستهم بصفة طبيعية. وحتى اليوم، فإنّ أثنين من مناضليها، وهما جلال الزغلامي ورفيق الخلفاوي، لا زالا محلّ تتبعات قضائية.

وإنّ هذا الاضطهاد لا يمسّ الأحزاب فحسب بل، و كذلك، الهيئات المؤقتة كـ”لجنة الدفاع عن مساجين الرأي” (التي عرفت بـ”لجنة الـ18″) و التي تكوّنت في جانفي 1993، حينما كانت “الرابطة تحت وطأة قرار الحل. إذ بمجرّد الإعلان عن تكوينها، تمّ إيقاف جميع أعضائها و إحالتهم على قاضي التحقيق، كما سجن منسقها السيد صالح الحمزاوي لمدة 16 يوما. وإلى اليوم لم يطو هذا الملف.

قمع المجموعات التي اتبعت كامل المراحل القانونية

أعلن وزير الداخلية يوم 7 جوان 1989 قراره رفض مطلب الترخيص الذي تقدّمت به قيادة “حركة النهضة”، وهي التسمية الجديدة التي تبنّتها “حركة الاتجاه الإسلامي” بغية الاستجابة لمقتضيات القانون الجديد للأحزاب. وجاء قرار وزير الداخلية بعد أن أسندت النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية، التي جرت قبل ذلك بشهرين، أكثر من 10% من الأصوات للقائمات المستقلة التي دعمتها هذه الحركة، و التي وضعتها في المرتبة الثانية بعد الحزب الحاكم. بيد أنّه في ماي 1990 مكّنت هذه المجموعة من إصدار جريدة “الفجر” التي ظهرت بعض الأشهر، حتى تاريخ منعها و سجن مديرها السيد حمادي الجبالي يوم 31 جانفي 1991.

وفي مارس 1991 تم حلّ “الاتحاد العام التونسي للطلبة”، القريب من “حركة النهضة”.

ولقد شهدت بداية سنة 1991 انطلاق حملة ملاحقة شملت الأعضاء و المتعاطفين مع هذه الحركة، قادها عبد الله القلال، الوزير الجديد للداخلية، آنذاك، و التي تعدّ اضخم حملة قمع شهدتها تونس في تاريخها المعاصر حيث أفضت إلى إيقاف و تعذيب (حد الموت في عديد الحالات) و سجن آلاف التونسيين لأجل “الانتماء لجمعية غير معترف بها”. و لقد كانت هذه الحملة تعلّة لبسط نفوذ آلة بوليسة ضخمة على المجتمع.

إنّ اتباع جميع المراحل و الإجراءات التي يشترطها قانوني الجمعيات و الأحزاب، لا يحمي مؤسسيها من القمع، الذي يمكن أن يطالهم في كل حين. و مثال ذلك ما حدث بالنسبة للأستاذ البشير الصيد، الأمين العام للتجمّع الديمقراطي الوحدوي، الذي بعد قيامه بإجراءات و انتضاره أجل أربعة أشهر – الذي يعدّ سكوت الإدارة، بعد انقضائه، بمثابة القبول – و قيامه بالإعلان بالرائد الرسمي، وجد نفسه محكوما و مرمي بالسجن لمدة تفوق ثلاثة سنوات، لأجل “جريمة حق عام”. و هذه القضية المفتعلة ليست الأولى من نوعها، و هي تساعد على معرفة حقيقة واقع العلاقة بين القضاء و السياسة.

الإيقاف و السجن عند الإعلان عن تأسيس جمعية أو حزب               

إنّ “التكتّل الديمقراطي من أجل العمل و الحريات” المكون في 9 أفريل 1994، و بعد محاولاته الثلاثة الفاشلة للحصول على وصل الإيداع من مكتب الضبط لوزارة الداخلية، أصدر بيانا للصحافة. و في مساء نفس اليوم تم إيقاف أمينه العام، الدكتور مصطفى بن جعفر و استجوابه.

وتكرّرت معاناة “التكتل” بعد استلامه، عن طريق البريد، وصل الإعلام بالبلوغ لوزارة الداخلية. و في 19 أكتوبر 1994، تم إيقاف مؤسسو هذه الحركة إثر إصدارهم لبيان للصحافة يعلن  تكوينها القانوني بعد مرور أجل الأربعة أشهر المحتوم.

وفي 25 أكتوبر 1999 أصدر “التكتل” بيانا يدين نتائج الانتخابات الرئاسية و التشريعية التي جرت يوم 24 أكتوبر، فتم إيقاف أمينه العام، الدكتور مصطفى بن جعفر، و مثوله أمام عميد قضاة التحقيق نور الدين بن عياد     واتهامه بـ”نشر أخبار زائفة…” و “الاحتفاظ بجمعية غير معترف بها”.

إشكالية الوصل

في حين توجد الإدارة مقيدة الصلاحيات في هذا الباب فإنّها تمْنَحُ لنفسها فعليا سلطة مطلقة. وبذلك يَتحول إجراء الإيداع، في الواقع، إلى صراع حقيقي بين الأشخاص الراغبين في تكوين جمعية أو حزب، وبين الولاية و وزارة الداخلية، حسب الحالة. و هاتان الأخيرتان ترفضان تسليم الوصل في كل الحالات تقريبا.

وهذا الامتناع بعيد عن أن يشكّل مجرد نسيان أو إهمال فهو يندرج ضمن استراجية لعرقلة الحركية  الجمعياتية و السياسية و تفكيكها. و دليل ذلك أنّ “التجمع من أجل بديل عالمي للتنمية”، و هو جمعية محلية منخرطة في “آتاك” (الجمعية العالمية الغير حكومية لمجابهة العولمة الاقتصادية و وضع ضرائب على الصفقات التجارية) لا زالت  تنتظر منذ 9 ستبمبر وصل الإيداع و الذي بدونه لا يمكن أن تتذرّع بالقبول الضمني ولا الاستدلال أمام القضاء “بعدم  دستورية  قانون الجمعيات  رغم كلّ التحركات المحلية والعالمية للفت نظر وزير الداخلية ومطالبته بالتدخل  العاجل لفضّ الموضوع فإنّ الجمعية لم تتصل بأي جواب.

الرفض الاعتباطي

إنه من الاستثنائي إعلام المعنيين بقرار صريح بالرفض، و من الاستثنائي أكثر أن تقوم وزارة الداخلية بتعليل قرارها في الرفض. و لقد مرّ “المجلس الوطني للحريات بتونس” بهذه التجربة  المريرة، فبعد شهرين من إيداع الملف، أبلغ  وزير الداخلية قرار رفضه، دون تعليل، واضعا بذلك بصفة تعسفية كلّ تظاهرة للمجلس تحت طائلة قانون الجمعيات. ومنذ ذلك الحين وقع فتح تحقيقات ثلاثة ضدّ الناطق باسم المجلس الدكتور المنصف المرزوقي من أجل الاحتفاظ بجمعية غير معترف بها و توزيع مناشير و “ترويج أخبار من شأنها تعكير صفو الأمن العام” و من أجل “القذف”. و في نفس الإطار، ألزم الكاتب العام عمر المستيري بمقتضى التحقيق القضائي لشهر جويلية بعدم مغادرة  إقليم تونس مما منعه من التنقل إلى موطن فلاحته.

احتواء الجمعيات و الأحزاب القائمة

            لا تسلم الجمعيات والأحزاب المكونة من المضايقات والأعمال المنافية للحريات . والمثال الصارخ على ذلك هي “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”، أول رابطة عربية و إفريقية، و قد لعبت، منذ نشأتها في 77، دور السلطة المضادة بصفة ناجعة؛ و عقب سلسلة من البيانات (جوان 91 وديسمبر 92)، التي شهرت فيها بحالات موت مشبوهة بمقرات البوليس طيلة مدة الاحتفاظ، قررت السلطة احتواءها تحت غطاء القانون، حيث بدأت في مراجعة قانون الجمعيات (مراجعة 2 أفريل 1992) كان الهدف منها إخضاع الرابطة لنظام خاص بالجمعيات ذات الصبغة العامة و إلى وجوب قبول عضوية كل إنسان يلتزم باحترام مبادئها وقراراتها.

وعندما رفضت الرابطة الخضوع لقانون  يهدد  كيانها واستقلالها تمّ حلّها يوم 13 جوان 1992. ولم تعد للنشاط إلاّ بناءً على قرار للمحكمة الإدارية قبل في، مرحلة لاحقة، طعنها الرامي لتأجيل التنفيذ

.  إنّ هذا القانون المكيّف حسب أغراض السلطة يستهدف كل الجمعيات غير الحكومية و التي ما فتئت تتعرّض لانعكاساته و آثارها السلبية عليها.

و إن الأحزاب الموجودة بالساحة و المعترف بها ليست في مأمن من هذه الممارسات، كما هو الحال بالنسبة إلى “حركة الديمقراطيين الاشتراكيين” و التي تعيش منذ 91 –92  عمليات تطهير منظمة من طرف السلطة و التي تكوّن القيادات و تقضي على أخرى بحسب  الولاء  – أو عدم   الولاء – الذي تظهره. و لئن لقي الوضع في هذه الحركة صدى كبيرا في وسائل الإعلام المكتوبة، فإنّ كلّ أحزاب المعارضة “المعترف بها” عاشت في فترة أو أخرى أزمات و انقسامات كانت من نتائجها فصل و إقصاء أكثر الأعضاء تشبثا بالاستقلال عن السلطة.

المراقبة والتضييقات والخنق

تتعرض الأطر المدافعة عن حقوق الإنسان و أجهزة الأحزاب المعترف بها للمضايقة المستمرة ولشتى أنواع الضغط: التصنت إلى الهاتف و قطعه، و التقاط الفاكس و المراسلات، مراقبة و تتبع المناضلين، و إرسال التهديدات المباشرة و غير المباشرة نحوهم… و يضاف إلى ذلك إجراءات عقابية متستّرة ضد المنخرطين، مثل حجز جواز السفر و النقلة المهنية التعسفية و إلغاء الخطة المهنية و رفض منح الإلحاق… ذلك هو حال “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” و “الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات” و “الجمعية التونسية للمحامين الشبان”، التي يحجّر عليها بصفة تكاد تكون دائمة استعمال الفضاءات العمومية لعقد الندوات و الاجتماعات العامة، كما حدث للتظاهرة المشتركة التي قررت هذه الجمعيات تنظيمها، مع كل من الفرع التونسي لـ”منظمة العفو الدولية” و “الاتحاد العام لطلبة تونس”، لإحياء خمسينية “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” حيث منعت هذه التظاهرة بطريقة فضة.

إن هذه الأمثلة توضح بما فيه الكفاية الصعوبة الشديدة للمساهمة بحرية  في الحياة العامة سواء في إطار جمعية أو نقابة أو حزب : فالميدان العمومي محاصر من كل ناحية و لا ينظر له إلاّ كفضاء أحادي اللون، مخصص لأهل الشأن وحدهم، للمؤيدين و المادحين للسلطة الحاكمة؛ وتكوّن الجمعيات المصطنعة

في صلبه لمَلْءِ الساحة ولتكون سندا لسلطة تبحث عن الشرعية.

زمـن الصمت

            إنّ الساحة الإعلامية في تونس، وعلى الرغم من تعدد العناوين فيها(166)، قاحلة نتيجة سياسة تدمير منظمة تمادت منذ أثنتي عشرة سنة، لم تبق إلاّ على جهاز دعائي ضخم. فمجلّة الصحافة خالية من أي مرجعية تشير إلى مفهوم “حقّ المواطن في الإعلام”. فإن وكالة تونس إفريقيا للأنباء تصدر يوميا “الإعلام اللائق” حول شتى المواضيع، من النشاط الرئاسي و الحكومي… إلى الأنباء الثقافية و حتى النشرة الجوية. في حين اختصّت الصحف المزورة لحقيقة كـ”الحدث” و “الإعلان” و “الملاحظ”…  في الثلب و القدح في أعراض المواطنين ممن لا ذنب لهم سوى أنّهم لا حضوة  لهم لدى الأمير. مع العلم أنّه لا وجود لأي رادع لهذه الصحف الرذيلة. حيث أنّ عديد القضايا رفعت ضد “الحدث”، مثلا، و بقيت حبراً على ورق. نذكر، على سبيل المثال، القضية التي قام بها السيدين سعدون الزمرلي  وخميس الشماري سنة 1997 والأستاذة علياء الشريف الشماري سنة 1998.

إنّ الدستور التونسي يقرّ بأنّ “حرّية الرأي و التعبير و الصحافة و النشر و الاجتماع و بعث الجمعيات مضمونة في الظروف التي يضبطها القانون”. و لكنّ مجلّة الصحافة أفرغت هذه الحريات من محتواها و أسندت إلى وزير الداخلية وحده نفوذا يمكّنه من التصرّف في هاته الحقوق على هواه. و في المقابل ليس للمواطن أي إمكانية للطعن في هذا القانون حيث أنّ للمجلس الدستوري صبغة استشارية لدى رئيس الدولة.

أعلن رئيس الدولة في خطاب 15 نوفمبر 1999 عن مراجعة قانون الصحافة “بهدف استئصال الرقابة الذاتية  التي أعاقت انطلاق الصحافة الوطنية”. و إثر هذا الإعلان انطلق الصحافيون المأجورون في تكهّناتهم حول التدابير المزمع اتخاذها. و لئن تبنوا انتقادات الحركة الديمقراطية في هذا الصدد،  فهم اقترحوا استبدال الإجراءات الإدارية التعسفيّة بحاجز مالي في صيغة مبلغ مجمّد في بنك، يقوم مقام الرخصة (طالع مجلة “حقائق” عدد 731 الصادرة 23-29 ديسمبر 1999). و لا شكّ أنّ مثل هذا الإجراء سيكون عائقا للنشر بالنسبة للمثقّفين جاعلا من حرية التعبير و النشر امتياز للأثرياء.

و في انتظار ما سيجرى من تحويرات، فإنّ نشر الدوريات يبقى رهين نظام الترخيص المسبق المتستّر بنظام الإعلان. و أسلوب المراوغة بسيط يتمثّل في أنّ على مدير النشرية أن يقوم بالإعلان لدى وزارة الداخلية مقابل وصل تسلّمه له الإدارة (الفصل 13 من مجلّة الصحافة). و في الواقع فإنّ الوزارة تمتنع من تسليم الوصل علما و أنّ عملية الطباعة تستحيل بدونه (الفصل 14 من مجلّة الصحافة). و فعلا فقد تقدم المفكّر محمد الطالبي، منذ سبتمبر 1989، بإعلان يخصّ إصدار نشرية “مقاصد” أراد من خلالها وضع إطار للحوار و البحث حول قضايا الإسلام بين المختصّين و المثقّفين ممن يرغبون تناول المسألة من زاوية الاجتهاد و الانفتاح على الديانات الأخرى و على متطلّبات العصر. كما تقدّمت السيدة نورة البرصالي – و هي مسؤولة في جمعية النساء الديمقراطيات  – منذ سنة 1991 بإعلان يخصّ نشرية “المغربية” النسائية. و هما إلى يومنا هذا ينتظران الوصل الذي بدونه لا يمكن لأي صاحب مطبعة أن يقوم بطباعة النشرية. و  و في 16 نوفمبر تقدّمت السيدة سهام بن سدرين بإعلان يخصّ صحيفة ذات طابع عام “كلمة”. فقوبلت بنفس الرفض و لم تتحصّل على الوصل، فاحتجّت لدى وزير الداخلية و توجّهت بنداء تدعو فيه الصحافيين للالتحاق بالصحيفة الجديدة.

إنّ مجلّة الصحافة، و إضافة لما وضعته من حدّ لحريّة التعبير، أصبحت النص القانوني المعتمد عليه بالأساس في محاكمات الرأي حيث شكّلت الجنحة الواردة بالفصل 49 و المتعلّقة بـ”توزيع أخبار زائفة من شأنها تعكير صفو الأمن العام” بمثابة السيف المسلّط على حرّية التعبير. و الفصل المذكور لا يحدّد مفهوم الأمن العام و في نفس الوقت يفرض عقوبات في حالات يكون فيها “تعكير صفو الأمن العام” مجرّد افتراض، و قد زاد تنقيح 1993 الطين بلّة      و شدّد بعض العقوبات. فالفصل 52 الخاص بثلب أعضاء الحكومة و نواب البرلمان و مزظفين سامين بالإدارة لم يعد يسمح – في صيغته الجديدة – للقاضي بإصدار عقوبة دون الحدّ الأدنى الوارد في الفصل 51 أي شهر سجن و خطية بألف دينار. و في شهر فيفري من سنة 2000 تمّ محاكمة التلامذة الذين تظاهروا في قابس و صفاقس و مدنين و قفصة بمقتضى فصول هذه المجلّة.

الرقابة عن طريق الإيداع القانوني         

في الأصل كان المقصود من الإيداع القانوني هو المحافظة على التراث الثقافي الوطني. إلاّ أنّ الإدارة زاغت بهذا الإجراء عن وجهته الأصلية و جعلت منه وسيلة للرقابة المسبقة حيث أنّه لا يقع تسليم وصل الإيداع إلاّ بعد القراءة  و المصادقة على محتوى النشرية. و في غياب ما يثبت الإيداع يستحيل التوزيع. إنّ هذا الأسلوب في التعامل لا يمسّ الصحف و الكتب فحسب بل يطال النشريات الداخلية للجمعيات المستقلّة و مثال ذلك ما تعرّضت له “جمعية المحامين الشبان” حيث صودر العدد الثاني من نشريتها “أقلام” في جويلية 1999. و سبق أن تم منع المجلّة البيداغوجية “إينابس” التي يصدرها “المعهد الأعلى لعلوم التربية البدنية” بقصر السعيد في 1997. و لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الفصل 14 يحمّل المسؤولية لصاحب المطبعة عوضا على الناشر و هكذا و بمجرّد مكالمة هاتفية يتمّ حجز المطبوع بالمطبعة دون أن يكون للناشر أية وسيلة للطعن.

توزيع العناوين الأجنبية

إنّ العناوين الأجنبية خاضعة هي الأخرى لإجراء الإيداع القانوني قبل توزيعها و لكنّ القانون التونسي لم يتعرّض إلى حالات المنع أو إلى أسباب تبرّرها. و قد أدّى هذا الصمت القانوني إلى حدّ أسند فيه وزير الداخلية لنفسه سلطة مطلقة تخوّل له أخذ قرارات المنع دون أي مبرر. و هكذا، ومنذ 1989، فإنّ الصحف المغاربية و الجزائرية لا توزّع في تونس، منذ أن تحصّل صحافيو البلدين على حرية في التعبير يخشى أن تسرى عدواها في بلدنا.

كما أنّ عددا هاما من النشريات الأجنبية وقع منع دخولها إلى تونس بتعلّة ما جاء فيها من نقد للسلطة، خاصة خلال الحملة الانتخابية في أكتوبر 1999. و هكذا تعرّض إلى الحجز كلّ من “القدس” و “الحياة” و “الباييس” و “الأيكسبريس” و “كرواسانس” و “لو كوريي أنترناسيونال” و “لافي” و تيليراما” و “لومانيتي” و “لو نوفيل أوبسرفاتور” و “لو فيغارو” و “ذي أنديبندنت” و “ذي فايننشيال تايمز” و “هيرالد تريبيون” و “فرانكفورتر ألجماين زايتونغ”. أمّا “لو مند” و “لو مند ديبلوماتيك” و ليبيراسيون” و “لو كانار أنشيني” و لا كروا” فقد منعت تماما كما تمّ قطع الإرسال للقناة الهرتسية “فرانس 2” منذ 25 أكتوبر 1999.

قانون المحلاّت العموميّة للهاتف

إنّ أمر 9 أكتوبر 1996، المتعلّق بظروف استغلال خدمات الاتصال، نصّ على مسؤولية جزائية بخصوص محتوى البريد و الفاكس. و هكذا، في مفهوم مجلّة الصحافة، يقوم صاحب المحلّ مقام مدير صحيفة، و من ثمّة فهو “يتحمّل مسؤوليّة محتوى الخدمات التي يقدّمها لحرفائه. و لهذا الغرض فإنّ “أصحاب هذه المحلات ملزمون بالمراقبة المستمرّة لمحتوى الخدمات للحيلولة دون رواج أخبار مخلّة بالأمن العام أو منافية للأخلاق الحميدة”. كما “يجب عليهم الاحتفاظ تحت مسئوليتهم بالمراسلات و بأي وثيقة لازمة لإثبات الدليل”. فأين نحن من النصوص الدستورية الضامنة لسرّية المراسلات ؟

قانون البريد

في جوان 1998 دخلت حيز التنفيذ مجلة البريد الجديدة (القانون عدد 38 الصادر في 2 جوان 1998). إنّ الفصلين 20 و 21 من هذا القانون يسمحان للإدارة بفتح و مصادرة كلّ المراسلات التي من شأنها “المسّ من النظام العام و الأمن الوطني”. و ذلك دون أن يمكّن المشرّع المواطن من أي وسيلة للطعن. و هذا خرق فادح لسرّية المراسلات التي يضمنها الفصل التاسع من الدستور. فمنذ صدور كتاب “صديقنا بن علي”، على سبيل الذكر، عاش ساعي البريد حالة استنفار قصوى. فكلّ طرد يحمل من الكتب أو ما شابه ذلك (شكلاطة، أدوية…) يقع التكشف عليه.

قانون الفضائيات

إنّ الفصل 6 من هذا القانون ينصّ على أنّ الهوائيات الفضائية الخاصة بالتقاط البرامج التلفزية غير خاضعة لترخيص. إلاّ أنّ الفصل 5 أصبح محلّ إشكال منذ أن أدخل عليه تنقيح سنة 1995 الذي أخضع امتلاك الهوائيات لترخيص إداري يسنده الوزير المكلّف بالاتصالات بعد الأخذ برأي رئيس البلدّية. و نتج عن هذا الوضع تواجد فصلين متعارضين. وكان من الأفضل تنقيح الفصل 5 ضمانا لانسجام النظام القانوني الخاص بالهوائيات و هو، منذ 1995، نظام الترخيص المسبق.

الانترنيت

            وقع في السنوات الأخيرة بعث شركتي “بلانيت” و “قلوبالنيت” يديرهما أفراد من العائلة الحاكمة. و تم الترخيص لهما لتوزيع الاشتراكات في الانترنيت على الخواص. كما سُلّطت رقابة شديدة على المحطات التي يقع الاتصال بها. أمّا المحطّات التي من شأنها “تعكير صفو الأمن العام”، حسب ما جاء في “عقود الاشتراكات”، فهي مغلقة بإحكام. كما أن مجلّة البريد تسمح بمصادرة المراسلات الألكترونية. فإنّ بعض رجال الأعمال تذمروا من إتلاف المراسلات الموجّهة لهم. و في نفس الاتجاه يقف الموزّع بالمرصاد أمام منابر الحوار، التي تمكّن مستغلي الانترنيت من تبادل الآراء بينهم، و سرعان ما يقع إقصائهم منها. كما تجهّزت الدولة التونسية بالآلات و البرامج (logiciels) اللازمة للرّصد المتواصل لمحتوى الوثائق كي تتمكّن من قطع الاتصال حالما تبرز كلمة “حسّاسة”.

            و قد حدث أن استنطق البوليس بعض مستعملي الانترنيت حول الأسباب و الدوافع التي حملتهم على الاتصال ببعض المحطّات التي يتّصلون بها. كما حُجزت تجهيزات بعض المولعين بالتجول في أروقة الانترنيت من طرف البوليس و استنطاقهم  لقيامهم بزيارة محطات “غير لائقة” أو “غير مسموح بها”.

            كذلك، فإنّ أغلب مواقع المنظمات غير الحكومية التي تهتمّ بحقوق الإنسان مغلقة تماما (من بينها موقع المجلس). فقد وقع إقفال موقع “أتَّاكْ” لمدة 15 يوم. و أغلق نهائيا موقع “أَتَاكْ رون” على إثر حملة مساندة نظمتها هذه الجمعية لفائدة “التجمع من أجل بديل عالمي للتنمية”. كما وقع إغلاق مواقع أغلب الصحف الأوروبية (“لو مند”، “ليبراسيون”، “لو كانار أنشيني”، “لاكروا”، “تربون دي جينيف”، و “لو تان” السويسرية…) و وكالات الأنباء (الوكالة الفرنسية للأنباء، “رويتر”، “اسوشايتد براس”، “سيفيا”، انفو سيد…).

            إن هذه الحرب الإلكترونية احتاجت في شهر أكتوبر 1999 إلى 400 عون إضافي لتدعيم بوليس الانترنيت.

الرقابة و الرقابة الذاتية

            مبدئيا، إنّ النظام القانوني للصحافة في تونس، هو نظام تحرّري، لا وجود للرقابة فيه. و قد تم في سنة 1997 إلغاء “كتابة الدولة للإعلام”. ولكنّ سرعان ما تمّ تعويضها بـ”إدارة عامّة للإعلام” تابعة للوزارة الأولى قبل أن تبعث، في نوفمبر 1999، في ثوب جديد، “وزارة حقوق الإنسان و الاتصال و العلاقة بمجلس النواب”. و الحقيقة، التي لا تخفى على أحد، هي أنّ مصدر القرار في مجال الإعلام هو الخلية التي يديرها من قصر قرطاج عبد الوهاب عبد الله، و هي خلية تشرف على “وكالة الاتصال الخارجي” المسيطرة على قطاع الإشهار الذي يشكّل المورد الأساسي بالنسبة للصحف والنشريات.

            إنّ استبطان الرقابة و تبريرها كوسيلة ضرورية من أجل البقاء، أعطيا لوظيفة الرقابة طابعا آليا. فمن يخضع للرقابة يعتقد أنّ “قدرا قليلا من الحرّية أفضل من انعدامها” و أنّ “المهم هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه” و هو من خلال تعامله هذا يسند للرقابة شرعية و يتغافل عن أنّ نظام الحرّية المطوقة يؤول حتما إلى انعدام الحرّية حيث أنّ الرقيب ميّال بطبعه إلى تغيير الحدود لصالحه.

            إنّ تطبيع العلاقة بين الطرفين المعنيين – سلطة الرقابة و وسائل الإعلام – يتمّ بواسطة وسائل الترغيب المختلفة، من تسهيلات مالية تسندها المؤسسات الاقتصادية بإيحاء من السلطة إلى حصص هامّة في الإشهار توزعها “وكالة الاتصال الخارجي”… إلى تسهيلات خاصة للبلوغ إلى مصادر الخبر إلخ.

            إنّ هذا الجهاز الذي يعمل في حالة استنفار دائمة تمكّن من تدجين جلّ وسائل الإعلام و لم يتوان في خنق الأصوات الثائرة مثل “لو فار” و “الرأي” سنة 1988 و مثل مجلة “المغرب العربي” سنة 1991، قبل أن يزجّ بمديرها، الصحفي المرموق، عمر صحابو في السجن لمدة 14 شهر. و في بداية عام 2000، توقّفت عن الصدور مجلّة “7/7″، التي تديرها الصحفية سهير بالحسن، و ذلك بسبب خنق الموارد الإشهارية.

حريّة الصحفي

            إنّ مخطّط التدجين لم يستهدف ضرب مؤسسات الإعلام المستقلّة فحسب، بل كذلك المهنيين المتعلّقين بحرّيتهم و بأخلاقيات المهنة. فالحصول على المعلومة ليس حقّا يتمتّع به الصحفي، بل امتياز تخصّ به الوزارات و الإدارة العمومية الصحفيين الموالين. إنّ أي صحفي، سواء كان تونسيا مقيما أو مراسلا معتمدا، على وعي بهذه القاعدة المتصلّبة و هو يعلم أيضا أنّ السحب الفوري  الاعتماد مآل كلّ من يتجرأ على الخروج عن هذه القاعدة. في هذا الإطار يبقى  توفيق بن بريك المثال الوحيد للصحفي الذي رفض بكلّ إصرار الخضوع لقانون الرقابة. ولم يبق له سوى الكتابة في وسائل الإعلام الأجنبية فتجنّب بذلك مزالق الرقابة الذاتية وهو على دراية بما سيكلّفه تعنّته         وتجاوزه للخطوط الحمر التي رسّمها الرقيب. وبالفعل فقد وجد نفسه عرضة لضربات السلطة تأتيه متنوّعة من كلّ حدب و صوب

.

            إنّ الرقابة تنسحب أيضا على المبعوثين الخاصين : ففي أواخر نوفمبر 1998 أتى إلى تونس فريق من قناة “فرنس 3″ التلفزية، بقيادة جان إيف سيران، للقيام بتحقيق مصوّر بمناسبة خمسينية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.   وعلى الرّغم من أنّه وقع إعلام مسبق لـ”وكالة الاتصال الخارجي” فقد وقع حجز آلات التصوير و الالتقاط في المطار ممّا أضطرّ الفريق، و حرصا منه على القيام بما جاء من أجله، اقتنى آلات تستعمل عادة من طرف الهواة…

            وقد سبق لجان بيار تيكوا، الصحفي بجريدة “لو مند” أن تعرّض إلى قرار من السلطة يقضي بأنّه “غير مرغوب فيه” و السبب أنّه ارتكب “خطأ” الاهتمام بما لا يعنيه، عندما تنقّل إلى قرية الجريصة المنجمية بالشمال الغربي للبلاد التونسية.

             وفي 23 جانفي 2000، تعرّض فريق من إذاعة “فرنس أنتار” يقوده الصحفي دانيال مارمي إلى عملية حجز قامت بها مصلحة الجمارك بالمطار و شملت التسجيلات الصوتية و المكتوبة، التي تحصّل عليها خلال أسبوع كامل من التحقيقات، غير مستثنية كنش العناوين الخاص و الشخصي. و قد وقع تبرير العملية رسميا بالاعتماد على أنّ الصحفي لم يسترخص من “وكالة الاتصال الخارجي” قبل القيام بتحقيقه. و الحال أنّ ليس هنالك من قانون يفرض مثل هذا الترخيص المسبق.

            إنّ الرقابة ليست مسلّطة على الصحفيين فقط. ففي فيفري 2000 وقع، في ظرف وجيز(36 ساعة)، طرد جان فرنسوا بواريي، و هو جامعي يدرّس بكليّة العلوم الإنسانية، لا لشيء سوى أنّه رافق صحفيين تنقلا إلى منطقة قابس في وقت كانت فيه مسرحا لانتفاضات مدرسية و شعبية.

            و الفنانون أيضا معنيون بـ”وجوب الصمت”. فمحمد القرفي،  وهو مؤلّف موسيقي ذا صيت، يتعرّض منذ 1995 إلى صعوبات جمّة تحول بينه و بين الظهور على المسرح أو شاشة التلفاز، ذنبه ما عهد فيه من كلمة حرّة. و قد حكم عليه في صائفة 1999 بخطية رمزية إثر صدور مقالات، نشرتها له جريدة “الصباح”، انتقد فيها السياسة الثقافية الرسمية و شهّر فيها بتبذير الأموال العمومية.

            واليوم يمكن القول بأنّ الصحافة التونسية خسرت السبق و أصبح الناس يبحثون عن الخبر في وسائل الإعلام الأجنبية. و انتشرت ظاهرة استنساخ و توزيع المقالات الصحفية الممنوعة و أصبحت القنوات الفضائية الأجنبية ملجأ التونسي.

عسكرة الجامعة

يتواصل العمل داخل الكليات والمدارس العليا بالمنشور  السيئ الذكر ل12مارس 1991  المنظم للعمل النقابي  و السياسي و قد أتى هذا المنشور لعسكرة الجامعة وإخضاع كل نشاط ثقافي ونقابي  للموافقة المسبقة للإدارة . وهكذا وضع حدا لتقاليد حرية الرأي والتنظم التي ناضلت من اجلها الحركة طلابية.

فقد منعت الملصقات و النشاطات الثقافية غير الرسمية بينما يتمتع طلبة الحزب الحاكم بالتسهيلات           وبإمكانيات مادية كبيرة .

وقع سنة 1991 حلّ الاتحاد العام التونسي للطلبة – القريب من حركة النهضة – و سجن  العديد من مسئوليه ومنخرطيه، بعد أن وقع تمكينه من الرخصة القانونية سنة 1988. أمّا الاتحاد العام لطلبة تونس فلقد تمت محاكمة

وقع خلق جهاز  بوليسي جديد “البوليس الجامعي مسؤوليه

و أعضاؤه في عديد المرات و تعرضت نشاطاته إلى المضايقات و سلطت شتى الضغوط على مناضليه. “بزيّ خاصّ  و بنيت مراكز الشرطة داخل الجامعة.  ويراقب هذا  الجهاز عن قرب كل حركات و سكنات الطلبة : بطاقات الهوية الطلابية، معاينة كل ما يدور داخل الحرم الجامعي، منع الاجتماعات العامة و التحرّكات الاحتجاجية…، كما تسهر فرق خاصة من مختلف مصالح البوليس السياسي على خنق الحياة الطلابية و ملاحقة النقابيين و مراقبة الأساتذة داخل الفضاء الجامعي في الممرات والساحات وداخل الأقسام  عبر عناصر تابعة لهذا الجهاز و تحمل الهوية الطلابية. و تشارك هذه العناصر في إيقاف الطلبة و بحثهم و إرهابهم بمناطق الأمن.

على اثر التحركات التي تلت إصدار مشروع “مناظرة الكفاءة للأستاذية بالتعليم الثانوي ” والتي عمت العديد من الأجزاء الجامعية سنة 98/99 ،  تم إيقاف ومحاكمة 7طلبة من كلية الحقوق بتونس بهم ملفقة يوم 23 و24 ديسمبر وهم عبد الناصر العويني (سنتين سجن ) وياسين الحمزاوي (22 أشهر) وعبد المالك صهيم (سنة سجن ) وفطوم بشار (10 أشهر ) وإيمان العش (سنة سجن ) وفريد البرهومي (10 أشهر ) ووسام السعيدي (سنتين سجن).

وقد أدت هذه المحاكمات إلى خلق مد تضامني ساهم في الضغط على السلطة لإطلاق سراحهم وفي يوم 7 جانفي 99 . ثم وقع مجددا إيقاف عبد الناصر لعويني وحكم عليه بستة أشهر سجن قضاها فعلا.

كما سبق أن شهدت الجامعة التونسية حملة اعتقالات واسعة، انطلقت يوم 18 فيفري 1998 وتواصلت عدة أسابيع، استهدفت عشرات من النقابيين و النشطاء بالساحة الطلابية تمت محاكمة البعض منهم في صائفة 1999.

وفي الوقت الذي كانت فيه كل الحساسيات السياسية ممنوعة من التواجد كان  فيه  الحزب الحاكم يتمتع بكل التسهيلات .فقد  شهدت كلية الآداب بالقيروان في نهاية سنة 1999، إبان انتخابات المجلس العلمي، سلسلة من الاعتداءات على النقابيين نظمها الطلبة المنتمين إلى الحزب الحاكم، “التجمع الدستوري الديمقراطي”، بقيادة كاتبهم العام سمير الحداد. فيوم 26 نوفمبر انتظم حزام بشري قصد منع أعضاء الاتحاد العام لطلبة تونس من دخول الكلية و تم خلاله تعنيف كل من عبد الوهاب الرداوي و عبد العزيز القمودي و جمال التليلي و لم تتدخل الإدارة و لا الشرطة الموجودة بكثافة لضمان سلامة الطلبة و حرية الدخول. و تواصل تعنيف النقابيين داخل الكلية طيلة الحملة الانتخابية. و يوم 13 ديسمبر تعرض الطالب عبد الستار منيسي أمام مبنى الكلية إلى اعتداء جسدي خطير – من قبل كل من سمير الحداد و جميل حجيري و نورالدين مباركي – تسبب له في إصابات عديدة. و في مساء نفس اليوم قامت نفس المجموعة، مدعمة بعناصر أخرى و مسلحة بالسلاسل و الحجارة و العصي و السكاكين، بتنظيم هجوم على المبيتات الطلابية بالمنصورة و الاعتداء على كل من عبد الستار منيسي و نعيم بوفايد و عمارة جداري و نصر الصيد و لمية حجرية و الهاشمي علياني و شوقي سليماني. و تم ذلك مرة أخرى في ظل حضور مكثف من الأمن. و يوم 15 ديسمبر، بعدما تقدم الطالب نصر الصيد بشكاية إلى السيد وكيل الجمهورية، اعتدت عليه مجددا نفس المجموعة      و أحدثت له كسر في أنفه. و يوم 16 ديسمبر اعتدت أيضا على الطالب فريد إبراهيم، عضو المجلس العلمين عند مغادرته المحكمة. والغريب في الأمر أن تدخل الشرطة اقتصر على استدعاء الضحايا و بحثهم في تهم بالعنف رفعت ضدهم.

5-من بين الممارسات الخطيرة التي يعتمدها البوليس هذه السنوات الأخيرة للتدخل في حياة الكلية خطف الطلبة الاحتجاجيين من أمام الكلية وإطلاق سراحهم بعد ساعات بعيدا حتى لا يمارسوا نشاطاتهم النقابية ومنع بعض الطلبة من دخول الحرم الجامعي بدون أدنى موجب قانوني، خاصة في كليتي الحقوق والعلوم و الآداب و أخذهم أحيانا لمركز الشرطة للاعتداء عليهم معنويا وجسديا. وقد تواصلت هذه الممارسات طيلة العديد من الأسابيع أو حتى إبان الامتحانات الأمر الذي أدى بثلاث  طلبة إلى  الاعتصام بمقر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان يوم 19 مارس.

وفي شهر فيفري  2000استعملت نفس الأساليب مما جعل بعض الطلبة النقابيين يشتكون إلى المجلس الوطني للحريات.وقد انتقل كاتبه العام للمعاينة وتعرض للتعنيف البوليسي . وفي اعقاب هذا الحادث أمضى العميد السيد دلالة قرارا بطرد لمدة خمسة عشر يوما تسعة من قادة الحركة و مثولهم أمام مجلس التأديب.

تواصل حرمان الطالب حاتم العويني من حقه في التسجيل سنتي 97-98 و 98-99 بدون سبب، أو لمجرد أنّه عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس مما اضطره للاعتصام بوزارة التعليم العالي التي قبلت تسجيله لسنة 99- 2000. ونذكر أن الطلبة فاهم بوكدوس ونجيب البكوشي وسمير طعم الله ونجوى الرزقي  قاموا بإضراب جوع لمدة 19 يوم من 1-10-97  إلى 20-10-97 لنفس االسبب.

كذلك حرم الطالب الطاهر الشابي سنة ثالثة طب من إعادة تسجيله – بعد أن قضى عقوبة في السجن، كسجين رأي، بـ35 شهرا و ذلك بمقتضى قرار غير مبرر من رئيس الجامعة الأستاذ علي بوسنينة بتاريخ 30سبتمبر 1995. و كما منع من التسجيل كلّ من الطالب عبد المجيد الزار سنة رابعة طب و الطالب جلال عياد سنة خامسة طب وحسن بلدي و مراد بالسرور لمختلف الذرائع لكن أساسا لنشاطاتهم النقابية.

7- منع طلبة تعرضوا للسجن من أجل آرائهم من التقدم إلى مناظرة الكفاءة لأن الشرطة رفضت مدهم البطاقة عدد 3 المطلوب للتسجيل في كل ناظرة انتداب .

قيادة مركزية تصادر الحرية النقابية

             إن الحديث عن الاتحاد العام التونسي للشغل، يجرنا حتما الى استقراء مجال محدد من العمل الاجتماعي حيث يقع تكرار آليات نظام سياسي مؤسس على القمع.

إنّ مؤتمر سوسة في أفريل 1989 أفضى إلى تركيز قيادة نقابية تابعة، اجتهدت في لعب الدور الموكول لها و المتمثل في إضفاء النجاعة اللازمة على الجهاز النقابي قصد التصدّي لكل من يحاول عرقلة ديمومة وجودها و وجود السلطة السياسية. كما أنّ هذه القيادة مرتبطة بأواصل متينة وملموسة و مالية مع السلطة، مدعمة بعشرات ملايين الدينارات التي تصرف لها شهريا.

إنّ هذه السياسة مكّنت القيادة النقابية من التخلص من منافسيها ، كما قاومت كل نفس احتجاجيا. وقد استغل الأعراف هذه الوضعية لتعميق التضييقات على الحريات النقابية وأيضا للتراجع في المكتسبات الاجتماعية بما في ذلك الاستقرار في العمل . وبفضل تقنين المرونة في التشغيل وقع تسهيل عمليات الطرد. كما اصبح الطرد الجماعي الناتج عن خوصصة المؤسسات يتم الاتفاق عليه مباشرة  بين الحكومة ومنظمة الأعراف والتحاد العام التونسي للشغل.

            فعلى سبيل الذكر، فإنّ عملية تطهير شركة “اللحوم”، في نطاق “برنامج الإصلاح الهيكلي”، نتج عنها تقلّص مهول في صفوف العمال بتزكية من قيادة الاتحاد. فثلاثون توقيف عن العمل و اثنتي عشرة إضراب شرعي، و استقالة نجيب الزغلامي، الكاتب العام للنقابة الأساسية، كلّ هذه الاحتجاجات لم توقف عملية الطرد الجماعي. فلم يبق، سنة 1997، سوى 100 عامل من مجموع 1400 التي كانت تعدهم الشركة سنة 1991.

 وعايشنا في المدة الأخيرة عملية طرد لثلث موظفي شركة التأمين “اللويد” بموافقة الجامعة الوطنية للبنوك التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل.  وأمام هذا الموقف المجامل لجامعتهم النقابية حاول الموظفون بكل جهد مقابلة كاتب العام الجامعة لكن دون جدوى.  فالتجئوا للجنة التنسيق للتجمع الدستوري.

كما أن الفصول الخاصة بإبقاء مواطن الشغل غالبا ما تتضمنها كراس الشروط بشكل صوري حيث لا يقع احترامها من طرف العرف المستفيد من الخوصصة.  فبعد ثلاثة أشهر من خوصصة “نافيتور” مثلا، قام العرف الجديد –دالسندرو- بتثبيت فرقة من حرّاس المؤسسات لتمنع المطرودين من الدخول للمؤسسة

و لتدعيم سلطاته اتخذ المكتب التنفيذي جملة من الإجراءات. فقد اصدر مثلا منشورا تنظيميا منافيا للاتفاقيات الدولية يجعل من موافقته المسبقة شرطا أساسيا حتى يكون الإضراب المقرر من النقابة الأساسية شرعيا. ونذكر أن شرط الإعلام المسبق بعشرة أيام لإضفاء الشرعية على الإضراب هو تأكيد على نفس التوجه .ففي نفس السياق فان تمكين المسؤول النقابي من التفرغ مرتبط بتبعيته للقيادة.

وقد أدت هذه الوضعية إلى إزاحة عدد هام من النقابين عن مسؤولياتهم بسبب رفضهم الانصياع لسلطة الأمين العام الحالي. فقيادات وطنية مثل المداحي وبالرميلة والصحراوي تم إزاحتهم من المكتب التنفيذي بقرار من الهيئة الإدارية.  وغداة مؤتمر سوسة  في أفريل 89 وقعت تنظيم حملة تطهير للنقابات الأساسية في كامل انحاء البلاد. وفي مؤتمر سوسة 93 تم إقصاء بطرق غير ديمقراطية من الصعود للمكتب التنفيذي كل من علي رمضان و الطاهر الشايب وكمال سعد.

وفي جانفي 97 على اثر صدور بيان يندد بإقالتهم غير الشرعية قام البوليس بالتحقيق مع كل من عبد المجيد الصحراوي وأحمد بالرميلة – عضوي المكتب التنفيذي – ومحسن زواوي الكاتب العام للاتحاد الجهوي بحندوبة وحامد بن نجيمة عضو الاتحاد الجهوي بسوسة .

وفي أفريل 97 على اثر شكاية تقدمت بها  القيادة المركزية بسبب عريضة تطالب بعقد مجلس وطني  قامت السلطات بإيقاف لمدة خمسة أسابيع كل من أحمد بالرميلة عضو المكتب التنفيذي الجيلاني الهمامي الكاتب العام لجامعة البريد ورشيد النجار عضو سابق بجامعة الفلاحة، ومنجي صواب عضو بجامعة التجهيز . كما تم إصدار برقية تفتيش في حق عبد المجيد الصحراوي. ولقد وصلت هته الحملات الموجهة ضد النقابيين المعترضين إلى حد طرد عمال يشتغلون بمؤسسات تملكها المركزية مثل نزل أميلكار وشركة التأمين الاتحاد . وبناسبة الإعداد لمؤتمر افريل 99 وأثناء انعقاده لوحظت عدة خروقات كالسماح للأمين العام المتخلي برئاسة أشغال المؤتمر وأيضا انتخابه عن طريق المؤتمرين مباشرة على خلاف ما ينص عليه القانون الداخلي بأن يكون عن طريق المكتب التنفيذي.

إن هذه الوضعية أدت إلى بروز موجة من الاحتجاج في صفوف النقابيين إذ عبر البعض منهم عن إرادتهم في اللجوء للقضاء للمطالبة بإلغاء المؤتمر واعتباره غير شرعي. لكن، سابقة خطيرة، بالرغم من احترام كل الإجراءات ترفض كتابة المحكمة الابتدائية تسجيل شكوى لتي تقدم بها ثلاث مرات متتالية  محامي النقابيين (ماي 1999-نوفمبر 99 وفي فيفري 2000 ). والأخطر من ذلك تم في عدد من جهات البلاد يوم 10 ماي 1999  إيقاف رموز من المعارضة النقابية ة استنطاقهم بوزارة الداخلية  وهم علي، رمضان الحبيب بن عاشور، عبد المجيد الصحراوي، عبد النور المداحي، حليم شعبان، حامد بن نجيمة،  عبد الجليل البدوي، نور الدين ونيسة، هاشمي لكحل،  شاكر بن حسين …وبعد أيام وقع إيقاف النقابي محمد الطاهر الشايب  عند نزوله من الطائرة وتم التحقيق معه يومين في نفس الشأن . ولم يطلق سراحهم إلا بعد التدخل الصارم “للسيزل” باسم “منخرطيها الـ124 مليون” .

و بخصوص التعليم العالي، فلقد ألغى المكتب التنفيذي في مناسبتين الإضراب الذي قررته نقابة

الجامعيين ولم يقع الترخيص له إلا لإخماد الغضب الذي عم الأساتذة. لكن المكتب التنفيذي ممثلا في الكاتب العام لنقابة التعليم العالي تجاوز قرارات مجلس الإطارات أمضى اتفاق مع وزارة الإشراف. وردّا على ذلك أمضى في  شهر خانفي 2000 أكثر من  ألف جامعي عريضة تطالب بإلغاء الاتفاق وسحب الثقة من الكاتب العام واستدعاء المؤتمر الذي لم يلتئم منذ أكثر من تسع سنوات.

لنحلم بالديمقراطية…

لِنَحْتلّ الفضاء العام و لِنَسْتَرْجِعَ الكلمة حتى نفرض:

ضمان الحريات الفردية

محو ظاهرة التعذيب: إنّ ضمان الحرمة الجسدية للمتهمين و المساجين و احترام المعاهدة الدولية لمكافحة التعذيب ( بما يفترض ذلك من تشهير بالقضاة الذين يمتنعون عن تطبيقها)،  و جعل جريمة التعذيب، جريمة غير قابلة للتقادم، و وجوبية حضور المحامي خلال الأبحاث الجارية مدة الاحتفاظ، و فتح باب السجون للمراقبة من طرف الجمعيات المستقلّة، و بعث هيئة وطنية لتقصّي الحقائق حول أعمال التعذيب، و تَحَمُّلِ الدولة كل أعباء التأهيل         و التداوي، و تعويض الضحايا، و فتح أبحاث عدلية ضد كل من ثبتت تورّطه في ممارسة التعذيب.

إطلاق سراح كل المساجين السياسيين، و الإعلان عن العفو التشريعي العام مع استرداد الحقوق المدنية و السياسية، و إرجاع كل الذين اطردوا من أجل آرائهم إلى سالف عملهم، و رجوع المنفيين و وضع حدّ لجميع التتبعات ضدهم.

إلغاء عقوبة الإعدام.

التخلّي عن الخيار الأمني :بالتخفيض من الحضور البوليسي من الفضاء العام، و سحب الشرطة من الكليات و المعاهد و وضع حدّ للابتزاز الذي يستهدف المواطنين، و إيقاف حملات التفتيش و مراقبة الهوية بدون مبرّر، و وضع حدّ لقطع خطوط الهاتف و الكفّ عن تصنّت المكالمات الخاصة، مع احترام سرية المراسلات.

حرية التنقّل :إلغاء أحكام القانون المتعلقّ بجوازات السفر التي تحدّ من حرية التنقّل، و منح جواز السفر لكل المواطنين المحرومين منه.

 إنّ حرية الرأي و التعبير تفترض :

حرية المعتقد و العبادات؛

حرية الإبداع الفني و الأدبي؛

رفع جميع الحواجز التي تعرقل النشر و توزيع الصحف و كذلك تحرير وسائل الإعلام        و الوسائل السمعية البصرية؛

تحرير استعمال شبكة الانترنيت؛

فتح المجال للصحافيين قصد استعمال مصادر الإعلام بكل حرية.

إنّ استقلال القضاء يفترض :

انتخاب جميع أعضاء “المجلس الأعلى للقضاء”، الكفيل وحده بتقرير ترقية القضاة و نقلهم برضاهم؛

إرساء الحقّ النقابي للقضاة؛

اتخاذ قرارات لمكافحة الرشوة و الارتشاء؛

مراجعة القوانين المنظمة للحياة العامة :

مجلة الصحافة و قانون الجمعيات و المجلّة الانتخابية و القوانين المنظمة للاجتماعات العامة    و المظاهرات و مجلة البريد و مجلة الطرقات؛

الاعتراف بجميع الأحزاب و المنظمات و الجمعيات التي تعمل بصفة سلمية وفقا للمعاهدات الدولية؛

ضمان حياد الإدارة في كل ما يتعلق بالمساواة بين الأفراد أمام الشغل، و الشفافية في التصرّف في الاعتمادات و التمويلات العمومية؛

إلغاء جميع القوانين التي تميّز بين الجنسين، و فتح حوار وطني حول المساواة في الإرث؛

حماية المرأة من كل أشكال العنف؛

بعث محكمة دستورية للبت في دستورية القوانين و تمكينها من التعهّد بصورة تلقائية.

إنّ المجلس الوطني للحريات بتونس يتوجه بنداء لعقد مؤتمر وطني ديمقراطي لوضع البدائل الضرورية و أسس دستور جديد قوام دولة ديمقراطية عصرية.

ملحــق

نص الشكاية التي تقدم بها “ورثة المرحوم عبد الرؤوف بن خميس بن الصادق العريبي” ضد “السيد عبد الله القلال وزير الداخلية ومن سيكشف عنه البحث”  يوم 9 أوت 1991.

شكاية في القتل

            سيدي وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس

حرسه الله و رعاه

            المعروض على جانبكم ما يأتي:

            حيث وقع إيقاف مورث المنوبين المرحوم عبد الرؤوف بن خميس بن الصادق العريبي المولود بباردو بتاريخ 8/2/1958 حرفته أستاذ تعليم ثانوي منذ يوم الثالث من شهر ماي 1991 حوالي الساعة منتصف النهار وذلك على إثر خروجه من المعهد الذي يدرس به ( معهد الغزالي الخاص بجهة الحلفاوين ) من طرف أعوان أمن بزيهم المدني و في نفس ذلك اليوم و حوالي الساعة الرابعة بعد الزوال تقريبا توجه ثلاثة أعوان أمن بزيهم المدني من مصلحة أمن الدولة لمعاينة و تفتيش منزله الكائن بنهج تونس عدد15 بباردو و قد صرح أحد الأعوان لزوجة المرحوم وقتها “أن الغاية من إيقاف عبد الرؤوف هو نريده أن يلتزم فقط”.

            و حيث أنه بعد الإيقاف اتصلت عائلة المرحوم بالسلط الأمنية المعنية بالأمر فلم تجد جوابا مقنعا كما أنه وقع إعلام والده أنه لا يمكن إرشاده على أي موقوف من “المصلين” و بناء على ذلك و بعد مضي الأربعة أيام الأولى للإيقاف التحفظي تقدمت زوجته للجناب بشكاية و مطلب للعرض على الفحص الطبي رسمت لدى مكتب الضبط تحت عدد 5/54204 بتاريخ 8 ماي 1991 و بنفس التاريخ تمت إحالة تلك الشكاية على مدير أمن إقليم تونس للإرشاد و إجراء اللازم في الموضوع و بقيت حالة الشكاية على ما هي عليه إلى حد الآن.

            و حيث أنه بتاريخ السابع و العشرين من شهر ماي 1991 و حوالي الساعة الخامسة بعد الزوال اتصل عوني أمن بزيهم المدني بمنزل والد الهالك و قاما بجلب والده معهم إلى منطقة الأمن ببوشوشة أين وقع إشعاره من طرف رئيس الدائرة بوفاة أبنه لدى مصالح الأمن بوزارة الداخلية كما قام ذلك الشخص بإعلام والد الهالك أن موعد الجنازة سيكون صبيحة الثامن و العشرين من شهر ماي 1991 على الساعة السابعة و النصف صباحا بمقبرة “الجلاز”. و قد وقعت محاولة من الورثة في الاتصال في الاتصال ببعض السلط الأمنية عن طريق أحد المحامين لمحاولة تأخير موكب الدفن إلا أنهم لم يفلحوا في ذلك مما اضطرهم إلى التوجه صباح يوم 28-5-1991 إلى المقبرة المذكورة في ساعة مبكرة. و حوالي الساعة السابعة و 45 دقيقة وقع وصول سيارة إسعاف عسكرية على متنها “التابوت” الذي يوجد به الهالك و عــدد سيارة شرطة كبيرة الحكم بها عدة أعوان أمن “بوب” مع مجموعة من السيارات المدنية لأعوان أمن بزيهم المدني و سيارة نوع “ألفا” به رئيس فرقة الأمن ببوشوشة الذي قام بإعلام والد الهالك بالوفاة. و إثناء عملية إنزال الجثة بالقبر التي كانت ملفوفة بزاورة جيش وقع التكشف عليها من قبل أفراد عائلته و بعض الحاضرين  و من بينهم الأستاذ عبد الفتاح مورو الذي قام بإنزال الجثة بالمقبرة فلحظ على وجهه و رقبته و كتفيه و صدره “زرقة” و بعض آثار عنف كما لوحظ في رجليه آثار عنف و “زلعة” في قصبتيه. كما أن كم قميص الأستاذ مورو قد لطخ بالدم من جراء جرح في رقبة الهالك من الخلف و حسب ما لحظ من بعض الحاضرين أن الهالك يبدو أنه أصيب بنزيف دموي داخلي من جراء الاعتداء الذي تعرض له أثناء استنطاقه في خلف رقبته.

            و حيث لم يتمكن العارفين من التحصيل على أية وثيقة من وثائق الهالك الشخصية و ملابسه و ساعته اليدوية و محفظته التي كانت بحوزته عند عملية القبض عليه. كما أنه لم يقع تمكينهم من السلط المعنية من التحصيل على أية وثيقة لاتمام إجراءات استخراج حجة وفاته . هذا مع الإشارة أنه صباح اليوم التاسع و العشرين من ماي 1991 لما توجه أفراد عائلته الهالك إلى المقبرة وجدوا عوني أمن بالزي المدني و ثلاثة أعوان أمن بزيهم بصدد حراسة القبر الذي وقع بناءه من قبل أعوان الأمن فتوجه إليهم أحد الورثة طالبا منه تمكينه من الوثائق اللازمة المثبتة للدفن فأشار عليه بالتوجه إلى مستشفى شارل نيكول قصد التحصيل على شهادة طبية و استخراج نسخة من مضمون وفاته. فلما توجه إلى المستشفى المذكور يجد اسم الهالك مسجل فوقع الاتصال بواسطة الأستاذين مورو و البحيري   و الزمزمي بوكالة الجمهورية للتحصيل على نسخة من الإذن بالدفن فلم يتمكنوا من ذلك و اتضح أن عملية الدفن تمت بدون الحصول على إذن في ذلك.

            و حيث يتجه الإذن بفتح بحث في الموضوع و إحالة المشتكى به و من سيكشف عنه البحث على العدالة لمقاضاتهم من أجل ارتكاب جريمة القتل عمدا طبق أحكام الفصل 204 من القانون الجنائي.

            لـــــــذا

            فالرجاء من الجناب الإذن بإجراء الأبحاث اللازمة في الموضوع ثم إحالة المشتكى به و من سيكشف عنه البحث على العدالة لمقاضاتهم من أجل ارتكاب جريمة القتل عمدا طبق أحكام الفصل 204 من المجلة الجنائية.

و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل

و لكم جزيل الشكر مسبقا

عن الاعتناء بالموضوع

و السلام

شهادة الطالب لطفي الهمامي: نداء من أجل مقاومة التعذيب

“في الليلة الفاصلة بين 22 و 23 فيفري 1998 في ساعة متأخرة من الليل و بعد 48 ساعة من اليقظة و التعذيب ليلا-نهارًا كنت موضوعًا في غرفة صغيرة بها مكتب وكرسي و قد شدّت يدي اليسرى بالمينوت (الغلّ) في الطاولة و أنا جالس على الكرسي و شاب من الفرقة يحرسني يجلس أمامي و كلّ ما أغمضت عيني ضربني بالكف. كان الطقس باردًا جدًا و أنا أرتعدُ دخل خمسة عرفت اثنان منهم كانوا قد عذبوني في شهر آب 1996 بنفس المكان لمدّة إحدى عشر يَوْمًا. قال أحدهم – هل تكلم ولد القحبة – مسكني من شعر رأسي ثم جذبني إليه حتَّى تحركت معي الطاولة ثم دفعني إلى الخلف فسقط بي الكرسي على الأرض و يدي المشدودة إلى الطاولة فُصِعَتْ. و قد ظلت مدة طويلة منتفخة. حملوني ذلك الوقت إلى مكتب آخر أمروني بالجلوس على كُربتيّ فرفضت. تقدم أحدهم نحوي و كان ظهري مسنودًا إلى الحائط ثم أسقطني أرضًا بمقص على سافي و جذبني من شعري إلى وسط المكتب – خلعوا لي ثيابي كاملة – حاولت المقاومة ربطوا يدي إلى الخلف بالمينوت. وضعوني على كرسي غم أسقطوا بي الكرسي إلى الخلف فكان ظهري ممدّدًا على الأرض و رجلاي على حافة الكرسي و مسك أحدهم عِصًا غليظًا –سماه مسعودة – فكانت العملية مشابهة تمامًا لـ”الفلقة”. رغم ذلك البرد كان جسدي ينز بالعرق. كنت أصيح فوضعوا لي كُمّ (يدي) السورية في فمي. انتفخت ساقاي و بدت عليهما الزرقة. أوقفوني أسرعوا بي ذهابا و إيابا ثم بطحوني عاريا على الجليز. شعرت أن نهايتي اقتربت. لم أعد أتحكم في حركات جسمي. كان معذبي سنة 1996 هو ذاته يبحثني و كان به زكام فمن الحين إلى الآخر يَبْصِق على وجهي فأحس برائحة كريهة و أشياء عفنة تتخلل بصاقه ثم بعد ذلك يمسح لي وجهي بسروالي الملتقى جانبًا. كان يتحاشى الضربات العشوائية حتَّى لا تبقى أَمَارَاتْ. و بعد ذلك وضعوني على الكرسي، و يديّ كالعادة موثوقة إلى الخلف، و كانوا يغضبون و في بعض الأحيان يضحكان على جسدي العاري تمامًا. بعد ذلك تقدم نحوي القصير القامة صاحب البطن المنتفخة قليلا بكاوتشو بلاستيك أحمر بارد مثني و ضربني على الرأس ثم شدني من شعري بقوة و أخذ يدور حولي و يضربني بيديه بطريقة “الدربوكة” حتَّى نزّ من أنفي الدم    و كان البقية يمسكون بي من كلّ جهة حتَّى لا أقاوم. و بعد ذلك أغمي علي حوالي الربع ساعة و لما نهضت وجدتهم ألبسوني سروالي فقط و وضعوا لي حقنة لا أعرف نوعها. أعادوني إلى مكاني و أناارتعدُ عافيًا إلى ضلوع النهار.     و في يوم 23 فيفري على حوالي الساعة الثامنة و خمسة دقائق سلمني الحارس الليلي إلى الباحث الذي عذبني في الليل    و كان في تلك الليلة الباردة يبدو عليه السّكْرُ و منذ ذلك الصباح حملت إلى غرفة “البلانكو” الذي علّقت به عديد المرات في ذات اليوم و كان يقول لي – حتَّى لو قتلناك مِتَّ كلب في زبالة لأنك إلى اليوم لم نبلغ عنك فأنت لست عندنا – لم أكن أتصور في تلك اللحظات أنني سأعيش إلى هذه اللحظة : فلقد بلغت الموت عديد المرات. و حوالي اليوم السادس، و لما كنت معلقا من يدي في “البلانكو” عريانًا، وقف أحدهم لم أكن قادرًا على فرز وجهه تماما      و كان يمرر يديه على مؤخرتي و يصدر أصواتًا. كنت أشعر أنني كنت مشنوق من رقبتي حاولت الحركة فلم أقدر على ذلك. ثم أنزلوني و أخذوا يحركون يديّ و ساقيّ و أنا في حالة شبه إغماء. و بعد حوالي الساعة أعادوا ربط يدي بشوليقة و تم تعليقي و قد عمد أحدهم إلى ربط جهازي التناسلي بخيط، لم أتثبت نوعه لكنه كان حاد، و ربطه في الجهة المقابلة بساق الطاولة، مما جعل جسدي ينحني إلى الأمام و لا أقدر على أية حركة أخرى، ثم في تعليقي ثانية ربط جهازي التناسلي بمغلق الباب : فلما ينغلق الباب يقل الألم و لما ينفتح يجذب جسدي بأكمله و كانت تدوم حصة التعليق حوالي الربع ساعة و لمني كنت أتحسسها ساعات طوال من عمري.”

شهادة الطالب قيس الوسلاتي

تمّ إيقافي بتاريخ 18 فيفري 1998 على الساعة السادسة و النصف مساءً ببن عروس من طرف أربعة أعوان من جهاز الاستعلامات بطريقة الاختطاف و دون وجه قانوني و تم اقتيادي إلى مقر الاستعلامات أين قضيت الأسبوع الأول من مدة الإيقاف التي تواصلت أسبوع ثاني في وزارة الداخلية بإدارة سلامة أمن الدولة و دامت مدة إيقافي إذا 14 يوما.

في مقر الاستعلامات الكائن بنهج الحسين بوزيان بجانب مقر الإدارة العامة للسجون (من 18 إلى 24 فيفري ليلا)

أعتمد أعوان الاستعلامات أسلوب الإرهاب النفسي و الضرب و التعذيب أثناء الأسبوع الأول من إيقافي و نذكر:

-إدخالي إلى مكتب منذ وصولي إلى الجهاز و هجمة عدد مهول من الأعوان الذين يحيطون بي من كل جانب بصورة لم أعد أرى لا الجدار ولا أي شيء سوى البوليس بالزي المدني، و انهالت الأسئلة من كل صوب وانهالت اللكمات بقبضات البوليس اتجاه منطقة الكتف و المعدة في مرحلة أولى.

-قام البوليس بتجريدي من ثيابي بعنف و إجباري على السقوط على منطقة البطن في القاعة و تم تقييدي من يديّ إلى الوراء و إلحاق ساقيّ إليها من طرف العون المسمى عادل التليلي (طالب بكلية العلوم الإنسانية بشارع 9 أفريل) و انهال علي بالضرب الشديد مع مجموعة من الأعوان.

-اعتماد “الفلقة” باستعمال “شطّار”(معلاق) بوضعي بين طاولتين و شدّ ساقيّ إليه

– الضرب بعصا طويلة

-إجباري على الجلوس على الركبتين بدون ثياب حاملا كرسي إلى أعلى لمدة ساعات و تعنيفي في حالة إنزال الكرسي و نفس الوضعية يتم اعتمادها لكن إجباري على التنقل على الركبتين حاملا الكرسي في مكتب من مكاتب الاستعلامات

-إجباري على الجلوس على الركبتين و حمل كرسي إلى أعلى و ضربي بعصا على منطقتي الكلى و ضربي بشدة على نفس المنطقة بالأرجل و خاصة على اليمين. و تأزمت حاتي الصحية بسببها أكثر في السجن بسبب خوضي إضرابات الجوع و لا زلت أتابع مداواتها لحد الآن و العون الذي ارتكب هذه الجريمة طويل القامة شعره طويل يتجاوز كتفه بقليل و لونه أصفر و أكحل و لون بشرته أصفر و يحمل بقع سوداء في وجهه

-إجباري على الجلوس في نفس الوضعية السابقة لكن في اتجاه الحائط

-إجباري على الجلوس على الركبتين و لكن إلى أعلى ملتصقا بالحائط و ضربي بشدة و بقساوة على رأسي من وراء و تبعا لذلك تصطدم جبهتي بالحائط و يستعمل البوليس في هذه الوضعية قبضته أو عصا صغيرة (25 صم حوالي) كما يستعمل جهاز الهاتف اللاسلكي ومن بين الأعوان الذين أرتكبوا في حقي هذه الجريمة نذكر عون غريب من الناحية الخلقية أنفه طويل جدا جدا وطريقة حديثه غريبة جدا و بطريقة سريعة طويل القامة نسبيا ونحيف

-تم ضربي على وجهي عديد المرات في الاستعلامات و نفس الشيء في سلامة أمن الدولة مما انجر عنه تكسر نظاراتي الطبية بسبب سقوطها

-قام أربعة أعوان بنزع ثيابي عنوة قصد مفاحشتي  وفي مرحلة ثانية قصد إدخال عصا في المؤخرة ثم التراجع عن ذلك وفي هذه الوضعية نذكر: عون لا يحسن نطق السين متوسط القامة قمحي لون بشرته، أصلع و لون شعره أسود

-منعي من النوم و حرماني من الأكل و توجيه ضوء ذات إشعاع قوي لمنعي من النوم و التأثير على العين

-تهديدي باغتصاب أمي أمامي و أختي

-تهديدي بقتلي باصطناع حادث مرور

-تهديدي بتلفيق قضايا لكل المقربين مني

-تهديدي بتلفيق قضية لي في المخدرات

-الإهانات و السب و الشتم و الكلام البذيء طبعا و بصفة دائمة

-و يشرف على هذه الممارسات مدير الاستعلامات : يدعى “سي عبد الله” و هو قصير القامة نسبيا، نحيف، شعره أبيض

و يتجاوز عدد الأعوان الذين قاموا بالبحث أو بتعنيفي أو تعذيبي ال15 عون لأن اتضح فيما بعد أنني كنت لوحدي بمقر الاستعلامات و بقية المجموعة بـ”سلامة أمن الدولة”

في مقر سلامة أمن الدولة بوزارة الداخلية (من 24/02/98 ليلا إلى 3 مارس 98)

نذكر نفس الأساليب مع صب الماء البارد على جسدي و أنا عاري و نذكر بالإضافة إلى ذلك:

فتح الحنفيى قطرة قطرة و بعد مدة زمنية طويلة نسبيا يتم الإبقاء على نفس الوضعية المذكورة أعلاه مع فتح كاسات بها أصوات صراخ قوية جدا جدا و بصفة متواصلة و بدون انقطاع لإرهابي نفسيا

ربط يدي الأثنين بقطعة من الزاورة من قبل عون اسمه المستعار “بوكاسا” لعدم ترك أثار الحبل و تعليقي إلى أعلى في بلانكو لونه برتقالي و به السلسلة لون الصدأ و بها زيت لتسهيل عملية التعليق و تتواصل عملية تعليقي ساعات حتى الإغماء و أثناء تعليقي يقوم البوليس بالتحرش الجنسي و خزي بمساك بوراس في منطقة الابط و الجهاز التناسلي، وضربي بالسلسلة على كافة انحاء جسدي و ضربي بها على الجهاز التناسلي و ضربي على منطقة الكلى بآلة الكلى (تشبه الهاتف اللاسلكي) و نفس الوضعية يتم تعليقي و يديّ إلى الوراء أو تعليقي من الساقين و بنفس الطريقة باستعمال قطعة من الزاورة  و وضع رأسي في بانو به ماء و جافال. وبعد إغمائي يصب عليّ الماء البارد.

إجباري على الجلوس على ركبتين حاملا كرسيا إلى أعلى متوجّها إلى الحائط و وضع سجان وراء ظهري

ضربي وركلي بوحشية و بصفة دائمة من طرف البوليس السياسي في كل منطقة من جسدي

الضرب المرّكز على منطقة الجبهة

إن البوليس السياسي، إثناء ضربي و تعذيبي يستعين بطبيب للسيطرة على  مدى خطورة حالتي الصحية   و كان يمدني بـ”أنالقان” ( analgan) بصفة دائمة و متواصلة. و منذ إيقافي بسبب ضربي و تعذيبي و إيداعي السجن لا زلت الآن أعالج على : الكلى و الرأس بسبب أوجاع منجرة عن التعذيب.

بعد إيداعي السجن بمدة طويلة نسبيا (تقريبا أربعة أشهر) كنت لا أستطيع مطلقا وضع يدي اليسرى في جيب المعطف، إذ كنت أضع يدي اليسرى في الجيب باستعمال اليد اليمنى بسبب التعليق. و هذا الأمر يحلله طبيب مختص. لأن التعليق تم من يديّ الاثنتين معا.

بسم الله الرحمان الرحيم

“و لقد كرمنا بني آدمَ” (الإسراء 70:17)

خــتــام

محمد الطالبي

إنّ الدستور التونسي مستوحى من الدساتير التي، في أواسط هذا القرن، أذلّت بني آدم، ونظّرت لما يسمّى بالديمقراطية الشعبية التي، باسم الشعب ككل، حرمت الفرد من  كل الحريات، و سلبته من حقّه في الكرامة و في حرية الرأي و الاختلاف، باسم فوقية الشعب على الفرد. فجمعت كل السلط في يد القائد أو الرئيس الذي يرأس الحزب الواحد و يعين قيادته، ويراقبه، و يزكّي ـ أو لا يزكي ـ المرشّحين لأي نوع من الانتخابات داخله و خارجه. و بهذه الصورة، و ان كانت نظريا السيادة للشعب، فالشعب عمليا محروم من كل سيادة لفائدة الرئيس. و إنْ أُدْخِل فيما بعد ما يسمى بـ”التعددية الحزبية”، تحت ضغوطات خارجية، فإنّ الواقع لم يتغير في شيء، لأن الرئيس هو الذي يصيغ القوانين، و هو الذي يصيغ كيفية تطبيق القوانين بفضل كل دواليب السلطة التي لا تتحرك إلا بأمره. فما يشتهيه هو القانون، و ما لا يشتهيه مخالف للقانون، و كل مخالف للقانون يقع تحت سلطة القانون. فالأحزاب التي سُمح لها بالتكوّن ـ سماحة بقدر ما يرضاه الرئيس ـ تبقى دائما مهددة بأنواع التهديدات المختلفة التي يصوغها النظام في شكل قوانين ردعية تسلّط على قياديي هذه الأحزاب كما تسلّط على المنتمين إليها كلما زاغوا عن شهوة الرئيس، أو تحرّكوا خارج الفضاء المحدد لهم. و الفضاء المحدد لهذه الأحزاب، و إلى المنتمين إليها و إلى قيادييّها، هو القيام بالتمويه الديمقراطي، و أن تكون أنصابا و مساطب يشعّ من فوقها العملاق، و يقاس بها قِزْم الأقزام، إلى حدود تنال  من الكرامة البشرية بصورة لا يرضاها و يأباها كل من بقيت له ذرة من الكرامة. تلك هي الديمقراطية التي تمَارس في بلادنا، و يُنظِّر لها دستورنا بما يبيحه، من بين سطوره، من تأويلات، تجعل القائد يأخذ بِيَدٍ قويّة، أضعاف ما يعطيه الدستور بيد مشلولة مسبقا.

هكذا أصبح الدستور التونسي دستورا مثاليا بفضل القوانين التطبيقية _ يبرّر كل أنواع الإهانة، و القمع، و التعذيب، وممارسة السلطة بالإرهاب، و تكميم الأفواه، و سحق كل من يطالب باحترام الإنسان، و حقوق الإنسان، وذلك بدون أدنى مبرر. فكيف السكوت ؟! ورحم الله أم كلثوم “لِلصَّبْر حدود!” ورحم الله كل الشهداء من أجل كرامة الإنسان. قال النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين : “الدين النصيحة”.

النصيحة تقتضي، لا البحث المجاني الاعتباطي عن الاستشهاد – ذلك انتحار، و الله حرّمه – وإنّما الثباة عند الاقتضاء و الحاجة، حتى الاستشهاد. ذلك حقّ لأبنائنا و أحفادنا علينا. فكيف بنا، عندما نرى طلبتنا الذين علّمناهم النصيحة في كل شيء يستشهدون! أيليق بالأستاذ أن يجبن ؟!

كلاّ ! فإنْ كان لا محالة من عذاب في الدنيا، من أجل الكفاح في سبيل الحرية و الكرامة، مع رفض العنف، و سلوك طريق الذين “يدرؤون بالحسنة السيئة” (الرعد، 22:13) في علاقتنا مع السلطة المستبدّة القهريّة الإرهابيّة و جلاّديها – غفر الله لهم.  “ذلك بأنهم قوم لا يعلمون” (التوبة، 6:9) _ أذكّر بقوله تعالى، تحذيرا من الخذلان في الحقّ و نسيان آياته : “و لَعذاب الآخرة أشدّ و أبقى” (طه، 127:20 )؛ و بقوله : “و ما عند الله خير و أبقى” (القصص، 60:28؛ و الشورى، 36:42). و لا حرية بلا دفع ثمن الحرية. أقول هذا توقعا لما قد ينجر عن نشر هذا التقرير، عملا بسنة القهر التي دأب عليها النظام، و اتخذ منها سياسة… سياسة بوليسية تجعل من عدد البوليس عددا يقارب رجال التعليم بكل أصنافه، و لعلّه سيفوقه.

تونس في 15 مارس 2000

 أنظر تقرير المنظمة الدولية لحقوق الإنسان و المقدّم إلى لجنة مناهظة التعذيب لشهر نوفمبر 1998

 يطالب بها الأعوان بقيمة خمسة دنانير-خميّسْ”- و تصل إلى عشرة-“عاشور”- و حتى إلى ثلاثين دينار-“وبلقاسم “(في إشارة إلى ورقة الثلاثين دينار التي تحمل صورة الشاعر أبو القاسم الشابي).

 أنظر قسم “عسكرة الجامعة” ص.

 الحق في الحرية و في الحياة الآمنة ص.32

 نص الدعوى المرفوعة باسمه في 24 مارس 1999 من طرف محاميته الأستاذة راضية النصراوي لدى السيد وكيل الجمهورية بتونس.

المصدر نفسه.

 يتم شدّ وثاق اليدين إلى الخلف ثم تصلب الضحية من رجليها بواسطة رافع ميكانيكي (“بلانكو”) رجلاها مطلوقتان إلى أعلى  و رأسه إلى وسط إناء مملو بالماء الممزوج بمادة الجفال     و كلما أشرفت على الاختناق يتم رفع الضحية إلى أعلى بواسطة هذه الآلة و تتكرر العملية عشرات المرات و في كل مرة يضغط على بطن الضحية ليخرج الماء الذي ابتلعته.

 وذكر أحد السجناء القدامى أنه شاهد عبد المؤمن بالعانس في تلك الفترة بدهاليز محكمة تونس و هو  يمشي معوجا. فلما سأله عن السبب كشف له عن رجليه حيث وجد آثار إطفاء السجائر عليها.

 حجز البوليس السياسي بمنزله في 21 فيفري 1999 مخطوط شهادته الموجهة للأمم المتحدة و تم اعتمادها من بين عناصر الإدانة في محاكمته خلال شهر أوت

استدراك : أوردنا خطأ، عند تعرضنا لهذه الحالة  في “التقرير حول أوضاع السجون”، اسم ياسين المالكي.

 أنظر التقرير عن السجون المذكور سلفا ص.10

 أنظر حالة السيد أحمد العماري في قسم المحاكمات السياسية ص.

 وصورة الواقعة حسب استقراءات المجلس أن الضحية أوقف مرة أولى ثم أخلى القضاء سبيله فعاود الأعوان البحث عنه. و تمت يوم 11 أفريل 1997 مشاهدة الشاب محسن الرزقي صحبة الأعوان صلاح و العلمي و سامي  على مشارف مدينة الكاف و كانوا يعتدون عليه  حيث قام أحدهم بكسر غصن من شجرة و راح ينهال عليه ضربا و آخر يركله و يشتمه… فلما أراد الفرار وجد مرتفعا التجأ إليه و هو موثوق اليدين إلى الخلف. فلحقه العون صلاح و ضربه بلكمة على عنقه حتى سقط من أعلى المرتفع. و لما نقل إثرها إلى مستشفى الكاف، منع ثلاث أعوان و ضابط برتبة نقيب والده من مقابلته و التحدث إليه. و في الغد نقل إلى معهد تقويم الأعضاء بقصر السعيد، في العاصمة، لأصابته بكسور على مستوى الفقرة الأولى و الثانية و أيضا بيده… إلاّ أنّه توفى في 20 أفريل 1997. و لم يسلم رفاته إلاّ بعد ثلاثة أيام. و تؤكد العائلة أن المحامين بمدينة الكاف الذين تم الاتصال بهم لتكليفهم قد رفضوا قبولها.

 يفرض بمقتضى هذه المادة على الدول الأطراف القيام بتحقيقات فورية “كلما وجدت أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملا من أعمال التعذيب قد ارتكب في أي من الأقاليم الخاضعة لولايتها القضائية”

 مثلما صرح به لوفد من المجلس زاره في مهمة تحقيقية

ألغتها رسميا اللجنة للحكومة التونسية، صحبة نص الشكاية، يوم 23 جانفي 1997

 سجلت تحت عدد 5/57208

 نورد نصها في الملحق ص.

 شقيق المرحوم سحنون الجوهري الذي توفي في الاعتقال يوم 26 جانفي 1995 دون أن يتمتع بالعلاج الأدنى المطلوب، و هو يتقلب من جراء الآلام البليغة.

 أنظر نص شهادته في حصص التعذيب التي تعرض لها. ص. …

 أنظر “تقرير المجلس عن واقع السجون ” الصادر في 20 أكتوبر 1999 ص. 12.

 و يذكر أحدهم أنه عند خروجه من السجن طلب العديد من المرات دفتر العلاج المخصص للمعوزين إلاّ أن إدارة المعتمدية كانت تصده و في يوم تمكن من الدخول للمعتمد الذي شاهده و هو متكأه على عصاويه و لم يرفع نحو عيناه قائلا له : معدناش …

“يعاقب بالسجن مدة ثمانية أعوام الموظف العمومي أو شبهه الذي يخضع شخصا للتعذيب و ذلك حال مباشرته لوظيفه أو بمناسبة مباشرته له.

يقصد بالتعذيب كل فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أو عقليا يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول منه أو من غيره على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على فعل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو غيره أو تخويفه هو أو غيره أو عندما يقع إلحاق الألم أو العذاب الشديد لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه.” (التشديد من عندنا)  “لأغراض هذه الاتفاقية، يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه، هو أو شخص ثالث-أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. و لا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.” (التشديد من عندنا)

 تعرض المتهمين لدى باحث البداية إلى شتى ألوان التعذيب. أنظر قسم التعذيب ص.

 كما يمكن تتبع و محاكمة التونسي من قبل المحاكم التونسية، إذا أرتكب خارج التراب التونسي إحدى الجرائم المشار إليها بالفصل 52 مكرر من المجلة الجنائية، و لو كانت الجرائم المذكورة غير معاقب عليها في تشريع الدولة التي اقترفت فيها“. ( التشديد من عندنا)

أصبحت، في الأثناء، السيدة الفرشيشي باحثة جامعية و السيدة العلمي أستاذة  تعليم ثانوي و أسّست كلاهما أسرة.

 في الجملة 26 متهم، منهم 7 بحالة إيقاف و 3 بحالة سراح و 14 بحالة فرار.

 أرجع وثيقة “تقرير عن السجون التونسية”، سالفة الذكر ص.17.

 أنظر سم “المحاكمات السياسية”. ص.

 في بداية 1997، أُنصفت الرابطة بحكم المحكمة الإدارية القاضي برفض قرار وزير الداخلية تصنيفها ضمن الجمعيات “ذات الصبغة العامة”.

 مثل “الأطباء الشبان بلا حدود”، “المحامون الشبان بلا حدود”…

 أنظر قسم “حكومة البوليس” ص.

 أنظر قسم المحاكمات السياسية

 أنظر قسم المحاكمات السياسية

 وهم لطفي الهمامي، ونجيب البكوشي وعثمان قوادر والطيب صيود وطه ساسي والحبيب الحسني ومحمد المومني وطارق الكحلاوي وحسن سلامة.

نموذج من الملاحقة  البوليسية

السيد ناصر الفطناسي تقنني سامٍ في مجال الصحّة لم يتمكّن من العودة إلى عمله بالمستشفى على إثر حكم قضى بسجنه بضعة أشهر من أجل “الإنتماء” إلى” حركة النهضة”و نُفّذ في حقّه ببداية التسعينات. و بعد ذلك لم يستطع الاحتفاظ طويلاً بعمله في إحدى المصحات الخاصّة في العاصمة بسبب الضغوط البوليسيّة. و لم تفلح محاولاته للحصول على عمل في مصحات أخرى. لذلك اضطرّ إلى تغيير نوع عمله، فمارس تجارة مستقلّة، إلاّ أنّ الملاحقة  البوليسية كانت مستمرة : مداهمة منزله ليلا و نهارًا، الضغط على حرفائه لمنعهم من التزوّد منه، إلقاء بضاعته على الأرض من قبل أعوان البوليس، سبٌ بعبارات حاطّة من الكرامة، رفع قضايا عديدة ضدّه لدى محكمة الناحية بمنّوبة ممّا إدّى إلى إصدار حكم بسجنه خمسة عشر يوم نافذة المفعول بدعوى “إحداث الهرج و التشويش” في الطريق العام”(بتاريخ 27/11/97، القضية عدد13944)، اعتداء أعوان من البوليس جسديّا بتاريخ 24 ماي 1997 على ابنه البالغ من العمر اثنيْ عشر عاما آنذاك(مثلما تؤكده شهادة طبية في معاينة إصابات في مواقع عديدة من الجسم)… و هذه المطاردة لا تزال مستمرّا إلى يومنا هذا في نطاق القضية المرفوعة ضدّ زوجته أُمّ الأطفال السبعة و التي حكمت عليها نفس محكمة الناحية بمنّوبة أيضا بتاريخ 16/9/99 بشهرين سجنًا مع النفاذ العاجل بتهمة “تعنيف أعوان الأمن”!

لن يجتاز علي امتحان الباكالوريا !

تمّ إيقاف علي المطوي، وهو في السادسة عشر من عمره، في اليوم الثاني من شهر جانفي سنة 1991. وبعدما تعرض إلى حصص من التعذيب الوحشي في محلات ثكنة بوشوشة السيئة الصيت، أصدرت في شأنه محكمة الأحداث بتونس حكما بستة عشر شهر سجن من أجل “صنع متفجّرات” و “المشاركة في تجمع مسلح”.  ومرّت مدة وجيزة حتى دخل والده عبد الكريم، المنتمي إلى حركة النهضة، السجن. أمّا والدته فتعرّضت هي الأخرى إلى مضايقات البوليس السياسي المستمرّة من خلال عمليات جلب متكرّرة إلى مراكز الأمن، ترافقها أحيانا ابنتها في التاسعة من عمرها. كما تمّ إخضاعها لحصص مرهقة من الاستنطاقات حول مورد عيشها.

            ولم تنته معاناة علي مع نهاية عقوبته، إذ أُجبر على المثول بمركز الأمن كلّ ساعتين خلال أكثر من سنة. ولئن تمّ التخفيف من ذلك الإجراء فيما بعد، فإنّه استمرّ في شكل يومي إلى حدّ 6 نوفمبر 1999. وتوالت مداهمات البوليس السياسي للمنزل العائلي، ليلا نهارا، طوال هذه الفترة، قاد معظمها المدعو “رامبو” – و هو جلاّد معروف، كان علي من بين ضحاياه.

            ولم تمنع المعاناة علي من استئناف دراسته، بمعهد خاص من العاصمة، والتقدّم في جوان 1996 إلى امتحان الباكالوريا. وحين كان يجتاز مادة الرياضيات، إلاّ أن اقتحم أعوان أمن القاعة وأخرجوه منها، بتعلّة استجوابه في أمر طارئ، ثم آذنوه بالانصراف  حالما بلغ الشارع. وبالطبع استحال عليه استئناف الامتحان. و في العام الموالي، قبل موعد الباكالوريا بأسبوعين، عاد البوليس السياسي ليجلبه من مكان شغله و أعلموه أن يسترخص منهم قبل أن يباشر أي عمل. و شكل هذا التدخل فقدانه لشغله. فتركّزت آماله مجدّدا على الامتحان، رغم أنّ الاستدعاء لم يبلغه إلاّ ليلة المسابقة الأولى. و تكرّر سيناريو السنة السابقة، في مادة الجغرافيا، و لكن علي رفض هذه المرة مغادرة القاعة. فتم إرغامه بالعنف على ذلك ثم وقع اقتياده إلى منطقة الأمن بالسيجومي حيث تم تعنيفه و شتمه و تهديده قبل أن يتم استنطاقه لـ “إعداد بطاقة إرشادات”. و عندها تدخّلت وزارة التربية الوطنية لإبلاغه قرار منعه من اجتياز امتحان السنة الموالية بررته بتعلّة “الغش”. و بهذه الطريقة حُرم من اجتياز امتحان سنة 1998. أمّا في 1999، فكان الأمر في منتهى البساطة : لم يبلغه الاستدعاء.

الأشخاص المورطون في أعمال التعذيب

بمقتضى الفصل الأول للمعاهدة العالمية لمناهضة التعذيب و ساير المعاملات السيئة

الموظفون بإدارة الأمن الوطني

(قائمة أولى)

عزالدين جنيّح

حسن عبيد

علي منصور

حمادي حلاس

المنصف بن قبيلة

رضا الشابي

عبد الحفيظ التونسي

محمود بن عمر

عمر السليني

محمود الجوادي

البشير السعيدي

زياد القرقوري

عبد الرحمان القاسمي

محمد الطاهر الوسلاتي

جمال العياري

عبد الفتاح الأديب

عبد الكريم الزمالي

محمد قابوس

محمد المومني

عادل التليلي

حمودة فارح

عماد الدغار

مراد العبيدي

رشيد رضا الطرابلسي

أعوان و ضباط الإدارة العامة للسجون

)قائمة ثانية)

أحمد الحاجي

التومي الصغير المزغني

الجديدي العلوي

نبيل العيداني

أحمد الرياحي

كريم يالحاج يحيى

الحبيب عليوة

علي بن عيسى

صلاح الدين مبارك

البشير النجار

الهادي الزيتوني

مراد الحناشي

الهادي العياري

رضا بالحاج

عمر اليحياوي

الصادق بالحاج

عبد الرحمان العيدودي

صالح الرابحي

علي شوشان

هشام العوني

جمال الجربي

سامي القلال

هندة عيادي

*نشرت القائمة الأولى ضمن الـ”تقرير حول أوضاع السجون”، الذي صدر في 20 أكتوبر 1999.

 

حالة نموذجية

            حوكم في  أوت 1992 السيد أحمد العماري، وهو أب لستة أطفال ومسؤول نقابي سابق بالاتحاد الجهوي للشغل بمدنين وعضو بالرابطة، بعامين سجن من أجل الانتماء إلى “حركة النهضة”، ضمن المجموعة التي نظرت فيها آنذاك المحكمة العسكرية بتونس. ثمّ حوكم من طرف محكمة الاستئناف بمدنين بعام سجن من أجل عقد اجتماعات. وأعيد تتبّعه بعد خروجه من السجن إثر انتهاء عقوبته، أمام المحكمة الابتدائية بمدنين التي قضت في 7 أفريل 1994 بعدم سماع الدعوى. و نقض الحكم المذكور لدى الاستئناف في 28 سبتمبر 1994 و قضيَ بسجنه 3 أعوام من أجل “الانتماء…” و “عقد الاجتماعات” و “جمع أموال بدون رخصة”. ففرّ إلى ليبيا. وهناك تم إيقافه يوم 12 فيفري 1997 حيث أودع مركز الهضبة الخضراء – و تواجد آنذاك بالمركز المذكور 35 مواطنا عربيا، 12 من تونس والبقية من الجزائر ومصر والسودان و المغرب – وسط مدينة طرابلس، في زنزانة انفرادية ضيقة(2×2م.) بدون أي مرفق صحي، لا يخرج منها إلا مرة في اليوم للأكل و قضاء حاجة بشرية. ويسلّم يوميا رغيف خبز ولتر ماء واحد. ودام هذا الوضع حتى تسليمه يوم 17 جوان 1997، مع شخص آخر، بعد 15 يوم من شنّ الموقوفين إضراب عن الطعام، تعرضوا خلاله إلى شتى ألوان التعذيب. و بعد الاحتفاظ به بوزارة الداخلية مدة 16 يوم و تعذيبه يوميا بالتعليق و الضرب على الرأس، أودع يوم 3 جويلية 1997 السجن المدني بتونس في غرفة انفرادية…

 و في 2 جوان 1998 قضت الدائرة 14 بمحكمة الاستئناف بتونس غيابيا بسجنه مدة 4 سنوات دون استنطاق من طرف الشرطة أو القضاء، رغم وجوده بالسجن! و بعد الاعتراض خفّضت العقوبة إلى سنتين. وقضت الدائرة الجنائية بصفاقس حضوريا في  6 ماي 1999، و من أجل نفس الأفعال، بسجنه مدة 5 سنوات.

            ويوجد، منذ 10 أكتوبر 1997،  السيد أحمد العماري في الانفرادي، بجناح E بالسجن المدني بتونس، حيث تم جمعه بعد عام بسجين آخر، و هو محروم من الصحف و من الكتب و من التلفزة، و لم يمكّن يوميا من الفسحة إلا نصف ساعة فقط. و يعيش هناك حالة من التعذيب النفسي نتيجة الاستماع إلى جلد المساجين الآخرين و بقيت جميع مطالبه الهادفة إلى تحسين ظروف إقامته بدون جدوى، بل تم نقله في  أكثر من مناسبة إلى وزارة الداخلية حيث أخضع للتعذيب.

            ونتيجة كل الممارسات التعسفية التي عاناها في السنوات الأخيرة، وخاصة حصص التعذيب المختلفة   التي تركت مخلفات بليغة بأماكن عديدة من بدنه و نتيجة ظروف سجنه القاسية، أصبح اليوم مصابا بعدد من الأمراض المزمنة جعلته يعتقد أنه لن يغادر السجن إلاّ معاقا.

            ولم تستثن عائلته من العقاب حيث تم حرمانها من التمتع بالماء الصالح للشراب، رغم إدخاله لكامل منازل الحي. و نفس الشيء بالنسبة إلى ربط منزلها بشبكة الهاتف. أما ابنته الكبرى، الطالبة بالمعهد الأعلى للتوثيق بمنوبة، فإنها لم تمكن من المنحة و لا حتى من الاقتراض، بسبب عدم تسليمها شهادة في انعدام الدخل للولي. مما أجبرها على العمل بالمزارع خلال العطل لتمويل دراستها.

أعضاء المجلس

محمد شقرون

محمد الطالبي

التيجاني حرشة

عبد الجبار بسيس

محمد مختار العرباوي

مصطفى بن جفر

منصف المرزوقي

سهام بن سدرين

صدري الخياري

محمد نجيب الحسني

عمر المستيري

خديجة الشريف

سناء ابن عاشور

فاطمة قسيلة

علي بن رمضان

خليل الزاوية

صالح الحمزاوي

جمال الدين بيدة

احلام بلحاج

توفيق بن بريك

علي بن سالم

الطاهر المستيري

الهادي المناعي

عادل العرفاوي

كمال الجندوبي                                        

أحمد المعروفي

عبد اللطيف عبيد

 

 عبد القادر بن خميس

هالة عبد الجواد

نورة برصالي

علي الزديني

محمد المستيري

إبراهيم بن حميدة

احمد القلعي

احمد السميعي

ألفة لملوم

عبد اللطيف بن سالم

أحمد الكيلاني

محمد علي البدوي

جلال الزغلامي

إيمان درويش

عبد الرؤوف العيادي

فيصل شراد

جمال الدين الجامي

الرئيس الشرفي

المرحوم الدكتور الهاشمي العياري

هيئة الاتصال

منصف المرزوقي : ناطق رسمي

محمد نجيب الحسني

عمر المستيري : كاتب عام

علي بن سالم : أمين مال

توفيق بن بريك

جمال الدين بيدة

صدري الخياري

 

المجلس الـوطني من أجل الـحريات في تونس