تقرير بعثة المنظمة العربية لحقوق الإنسان في العراق

مآسي الحاضر، فظاعة الماضي، ورهانات المستقبل

تقرير بعثة المنظمة العربية لحقوق الإنسان في العراق
(أرسلت المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ومقرها القاهرة ولها فروع في معظم الدول العربية، بعثة تحقيق لعراق أصدرت تقريرا هاما يغني النقاشات الدائرة حول أوضاع حقوق الإنسان في ظل الاحتلال، نجد من الضروري نشره ومناقشته على أوسع نطاق- هيئة تحرير صفحة اللجنة العربية لحقوق الإنسان)

تقديـم المهمـة :

في ضوء التطورات التي لحقت بالعراق جراء العدوان الأمريكي البريطاني ووقوعه فريسة للاحتلال، وتصاعد الانتهاكات التي تمارسها القوات الأمريكية والأجنبية فيه، وانكشاف الغطاء عن مزيد من الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها الحكومة العراقية السابقة قبل الاحتلال، قرر مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان إيفاد بعثة تقصى حقائق إلى العراق تعنى بالبحث في تطوراتحقوق الإنسان في العراق والنظر في الأوضاع الإنسانية.
تشكلت البعثة من الأستاذ بوجمعة غشير” عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة (رئيساً)، والأستاذ “احمد عبيد” الباحث لدى المنظمة (عضواً)، والأستاذ “علاء شلبى” عضو الأمانة العامة للمنظمة (عضواً).
زارت البعثة بغداد فى الفترة من 25 فبراير/شباط 2004، إلى 2 مارس/آذار 2004، وعقدت خلال هذه الفترة عشرات اللقاءات مع كل من منظمات حقوق الإنسان والنقابات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى العاملة في العراق، والمسئولين الرسميين وممثلي المرجعيات الدينية والأحزاب والكتل السياسية، فضلاً عن لقائها مع المسئول الأمريكي لدى سلطة الاحتلال عن السجون ومراكز الاحتجاز في العراق.
وقد لمست البعثة خلال لقاءاتها اهتماماً كبيراً بأعمالها وزياراتها باعتبارها تعبير عن الاهتمام الشعبي العربي بالأوضاع في العراق، وعلى الرغم مما أبدته الفعاليات العراقية من شعور بالمرارة تجاه المواقف العربية في فترة الحكومة العراقية السابقة.
مشاهدات البعثة:
أولاً : ممارسات الاحتلال :
أ- مبادئ عامة :
1- 
تصنف أعمال الغزو العسكري الأمريكي البريطاني للعراق كجريمة عدوان وفقاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، خاصة بعد الرفض الواضح لأعضاء مجلس الأمن الدولي لمنح القوى الغازية قراراً يضفى أي مشروعية على أعمالها العدوانية.
2-
يمثل احتلال القوى الغازية للعراق وبقائها على أراضيه مخالفة لميثاق الأمم المتحدة وتنتهك ممارساته مبادئ القانون الإنساني الدولي و تخرق قواعد اتفاقيات جنيف للعام 1949، وتعد انتهاكاً لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
3-
تقع أغلب أعمال التدخل التي تقوم بها سلطة الاحتلال في العراق في جوانب التشريع والقضاء والمؤسسات العامة للدولة باطلة وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 الخاصة بتنظيم قواعد معاملة المدنيين وقت الحرب وتحت الاحتلال في الدولة أو الإقليم الخاضع للاحتلال.
4-
توجب اتفاقيتى جنيف الثالثة والرابعة للعام 1949 على الدول الأطراف المتعاقدة فيهما ملاحقة من يرتكب مخالفات لأي من بنود الاتفاقيتين، ولا سيما جرائم استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، وتعذيب الأسرى وإساءة معاملتهم.
ب- انتهاكات حقوق الإنسان :
1- 
الحق فى الحياة :
مارست قوات الاحتلال، وخاصة القوات الأمريكية انتهاك الحق فى الحياة على نطاق واسع فى العراق، وتقع هذه الممارسات نتيجة أعمال القتل العمد، والقتل الناتج عن تعذيب المحتجزين المشتبه فى علاقتهم بالمقاومة أو سوء معاملتهم، وكذا القتل الخطأ، فضلاً عن الغياب شبه التام للرقابة الأمنية أدى لغياب الاستقرار الأمنى وتفشى الجريمة وسيادة مناخ من الخوف العام لدى المواطنين من حرية الحركة الليلية.
– 
القتل العمد :
استمعت البعثة إلى شهادات بعض المراقبين التى أفادت بوقوع حالات قتل عمدية، ومن بينها قيام جنود أمريكيون متمترسون على أحد الحواجز العسكرية جنوبى بغداد فى مطلع يناير/كانون ثان 2004بملاحقة شابين عراقيين فى سيارة نقل عقب عدة دقائق من تفتيش سيارتهما والسماح لهما بعبور الحاجز، والقبض عليهما وتقييدهما بأسلاك بلاستيكية ذات أسنان حادة وتغطية رأسيهما بأكياس سوداء تحول دون الرؤية، قبل ضربهما بالأيدى والبنادق، ثم نقلهما إلى أحد سدود المياه العالية، وإلقائهما فى المياه الجارفة، مما أدى إلى وفاة أحدهما الذى لم يكن يعرف السباحة، فيما تمكن الآخر من النجاة بصعوبة، وقد سعت البعثة للقاء به، غير أن مخاوفه دفعته إلى الاختباء خشية التعرض للمخاطر.
كما أفاد ناشطون حقوقيون وسياسيون بقيام جنود الاحتلال بإثارة الفزع ليلاً بين السكان خلال دورياتهم الليلية فى المناطق السكنية الهادئة، وذلك من خلال طرق الأبواب والنوافذ، وإطلاق النار العشوائى على المارة فى الظلام بهدف إجبار المواطنين على التزام مساكنهم ليلاً، مما أدى إلى مقتل طفل فى العاشرة من عمره فى نهاية ديسمبر/كانون أول 2003 أثناء محاولته التسلل عائداً إلى منزله على غير رغبة والده، كما أدى إلى سقوط العديد من الجرحى في أحداث متفرقة.
وأيدوا التقارير الصحفية التى تؤكد قيام القوات الأمريكية بإطلاق النيران عشوائياً على المواطنين العراقيين المتواجدين في محيط أية منطقة يتعرضون فيها لعمليات المقاومة، الأمر الذي يؤدى لسقوط قتلى وجرحى.

– القتل الناتج عن التعذيب وسوء المعاملة :
أفادت شهادات معتقلين سابقين جرى الإفراج عنهم خلال شهر فبراير/شباط 2004 بوقوع حالات تعذيب وسوء معاملة وسقوط وفيات من جراء التعذيب ونقص الرعاية الطبية فى مراكز الاحتجاز.
ومن ذلك، توفى أحد الشيوخ مجهول الاسم” خلال احتجازه فى سجن أبو غريب المكتظ، يعتقد أنه فى الثمانين من عمره نتيجة أزمة قلبية، وروى الشاهد الذى شاهد الواقعة من خلف القضبان الحديدية المفتوحة لزنزانته أن أحد الجنود الأمريكيين قد سعى لإسعاف الشيخ وطالب زملائه الحراس بطلب إسعاف طبى عاجل، ولكنهم لم يحركوا ساكناً، مما أدى إلى وفاة الشيخ بعد دقائق فشلت خلالها مساعى الجندى الأمريكى لإسعافه بالتنفس الاصطناعى، وبحسب الشاهد فقد انتفض الجندى الأمريكى يصرخ منتقداً زملائه وحكومته التى وصفها بالظالمة.
ومن ذلك أيضاً، رواية أحد المفرج عنهم مشاهدته من خلف الأقفاص الحديدية المودع بها رجلاً فى الخمسين من عمره تظهر على وجهه آثار الضرب والتعذيب ويطلب من الجنود الأمريكيين الرعاية الطبية لجراحه، ولكنهم لم يحركوا ساكناً، حتى فارق الحياة.
وأكدت إفادات المعتقلين وذويهم أن رفات الضحايا المتوفين من المعتقلين لا تسلم إلى ذويهم إلا فى نهاية فترة اعتقال الضحية، والتى لا يعرف مدتها سوى سلطة الاحتلال نفسها.
– 
القتل الخطأ :
تكثر بين العراقيين روايات قيام الجنود الأمريكيين بالقتل الخطأ، وخاصة على حواجز الطرق لدى عبور السيارات التى يتم إطلاق النيران عليها عشوائياً مما يؤدى لمقتل جميع ركابها فى العادة، كذلك تقع أحداث قتل خطأ فيما يسمى فى المصادر الصحفية بالنيران الصديقة، وكان من بين ضحاياها قبل نهاية فبراير/شباط 2004 رجال شرطة عراقيين.
وقد أفاد الدكتور “عبد الباسط تركى سعيد” وزير حقوق الإنسان لدى مجلس الحكم الانتقالى العراقى خلال مناقشاته مع أعضاء البعثة بأنه قد رفع شكوى إلى السفير “بول بريمر” رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة بشأن قيام جنود أمريكيين بمداهمة أحد المنازل فى مدينة الموصل بناء على بلاغ بارتباط أفراد عائلته بالمقاومة، وقيامهم خلال عملية الدهم بقتل كل أفراد الأسرة بما فى ذلك النساء والأطفال الصغار، ثم ما لبثوا أن كتشفوا أنه لم يكن المنزل المستهدف، وأفاد الوزير بأن وزارته تتابع التحقيقات حالياً سلطة الاحتلال فى هذا الحادث. تقع غالبية الجرائم الأمريكية فى بغداد ومحيطها، وكذا فى المحافظات المجاورة لها، والتى تتسم بغالبيتها العربية السنية.
– 
فوضى الميليشيات المسلحة :
حرص العراقيون فى مختلف لقاءاتهم بالبعثة على تحذير أعضائها من التجوال ليلاً نتيجة انتشار أعمال السلب المسلح، وعرض البعض تدبير حراسة للبعثة خلال تحركاتها ليلاً، وقد رفضت البعثة هذا العرض، وحرصت على تفقد الحال الأمنية ليلاً على هامش أحد لقاءاتها مع بعض ضحايا الانتهاكات، ولاحظت البعثة الغياب التام للمارة فى الشوارع والإغلاق المبكر لغالبية المحلات التجارية، وتتركز حركة الطريق فى السيارات، وخاصة من السيارات الحديثة فقط، وذلك رغم أن الحركة الليلية أسهل من حالة الازدحام الشديدة فى العاصمة العراقية والطرق الرئيسية أغلب فترات النهار نتيجة إغلاق قوات الاحتلال لستين شارعاً رئيسياً فى بغداد.
وتظهر بعض الدوريات الليلية للشرطة فى مناطق وسط بغداد وتغيب عن أطرافها، وتتركز الحراسة الليلية على مراكز التواجد العسكرى الأمريكى وبعض الدواوين العامة، وتظهر بعض الدوريات العسكرية الأمريكية المدججة بالسلاح والمتأهبة دوماً فى شوارع العاصمة العراقية ليلاً ونهاراً.
تتولى الشرطة العراقية وأفراد أمن خاص عراقيين أعمال الرقابة والتفتيش المتقدمة فى المراكز الحيوية بالنسبة للاحتلال، يليهم أفراد الأمن الخاص الأجانب من مختلف الجنسيات، ثم بعض الحواجز العسكرية الأمريكية.
يعانى المواطنين من معاملة سيئة وتعنت فى أعمال المرور والتفتيش من جانب أفراد الأمن الخاص الأجانب والجنود الأمريكيين على السواء، ولوحظت ممارسات ساخرة من القيم الثقافية للعراقيين.
ويعد من أخطر مظاهر الفوضى الأمنية فى ظل غياب القانون والنظام هو انتشار الميليشيات المسلحة، حيث تقوم مختلف العشائر والمذاهب بتد بير حراسة مباشرة من أبنائها بتشكيل ميليشيات مسلحة منهم تتولى حماية مراكزهم الحيوية، ويمكن تلمس قدر كبير من التوتر والحدة لدى أفراد هذه الميليشيات وبشكل خاص عند خطوط التماس بين مناطق الغالبيات العرقية والمذهبية فى بغداد، فضلاً عما يمكن توقعه من ممارسات غير منضبطة قد يقوم بها أفراد هذه الميليشيات صغار السن.
وبجانب هذه الميليشيات تعد الفرق التى تشكلها شركات الأمن الأجنبية الخاصة من أفراد عراقيين ومن أجانب معظمهم من الجنود المحترفين السابقين ميليشيات مسلحة إضافية، تعتقد البعثة أنها قد تعمق من فوضى الأمن فى العراق، لا سيما وأن بعض هؤلاء الأجانب قد احتكوا مباشرة بأعضاء البعثة خلال تحركاتها، ولمست لديهم استعداداً عالياً لممارسة العنف.

2-الحق فى الحرية والأمان الشخصى :
يعد الحق فى الحرية والأمان الشخصى أوسع الحقوق التى تنتهكها قوات الاحتلال الأمريكى بصفة خاصة وبشكل يومى، وطبقاً للشهادات العديدة، التى تلقها البعثة، تشمل ممارسات القوات الأمريكية قدراً كبيراً من الإهانة والإذلال والعنصرية.
ويعانى العراقيون بصفة خاصة من عمليات الدهم التى تتسم بقدر كبير من العشوائية حيث عادة ما تضم عدة منازل متجاورة، والتى تشمل ترويع النساء والأطفال والشيوخ، وتتم عمليات الدهم بناء على الاشتباه أو الوشاية للمشتبه فى علاقتهم بالمقاومة العراقية، وتبدأ عمليات الدهم عادة باقتحام إحدى الدبابات الأمريكية لباب البيت الخارجى، مترافقاً معها عملية إنزال جنود من الطائرات المروحية فوق أسطح المنازل، تتبعها عملية تفجير للأبواب بمواد ناسفة تستعمل معها قنابل صوتية، وعادة ما يرفض الجنود المقتحمين السماح لأى من ساكنى المنزل بفتح الأبواب بيسر، ويصرون على إغلاقها وتفجيرها، ثم تبدأ عمليات تفتيش عنيفة لأرجاء المنزل تؤدى إلى تدمير قدر كبير من المحتويات والمنقولات، تترافق مع جمع كافة النساء والأطفال فى إحدى الغرف، مع إلقاء القبض على كافة الرجال والصبية القاطنين بالمنزل وتقييد أيديهم إلى الخلف بالقيود البلاستيكية المسننة ووضع الأكياس السوداء على رؤوسهم وإجبارهم على التمدد على الأرض فى الطريق العام أمام المنزل ريثما تنتهى عملية التفتيش، والتى تشمل التفتيش الدقيق للنساء والأطفال بما فى ذلك الأطفال الرضع، ولا تنتهى عملية التفتيش قبل مصادرة الأموال والمنقولات الثمينة المملوكة للعائلة، فضلاً عن كافة أوراق الهوية وشهادات الجنسية.
وتنتهى عملية التفتيش والمداهمة بنقل الرجال والصبية المقبوض عليهم فى عربات مدرعة فى العادة إلى أحد مراكز الاحتجاز الأمريكية، حيث يتم الإبقاء على الموقوفين مكتوفى الأيدى إلى الخلف بالقيود البلاستيكية، كما يتم الإبقاء على الأكياس السوداء فوق الرأس، ولا يمكن فكهما فى مركز الاحتجاز الأول إلا مؤقتاً عند رغبتهم المقيدة فى قضاء حاجتهم، والتى لابد أن تتم تحت سمع وبصر جنود الحراسة الأمريكيون، وأحيانا يتم نزع الكيس فقط خلال التحقيق والاستجواب الذى لا يعد خطوة أساسية فى الاحتجاز.
وعادة ما يتم ضرب وركل المعتقلين خلال عملية النقل وفى مراكز الاحتجاز وأحياناً خلال التحقيقات، ولا تقدم لهم سوى وجبة واحدة يومياً، وفى حال تقديم وجبة ثانية فإنها تكون من الضآلة بحيث لا تغنى أى من المعتقلين عن الجوع والحاجة إلى الطعام.
ويتم الإفراج عن عدد قليل من المحتجزين بعد مدة لا تقل عن ثلاثة أيام وبعد توجيه بعض الأسئلة إليهم، فيما يبقى العدد الأكبر من المحتجزين رهن الاحتجاز لمدد تصل إلى عشرة أيام فى مركز الاحتجاز الأول، وقد لا يعرض الموقوف للتحقيق.
ثم يجرى نقل الموقوفين إلى أحد السجون التى قد تكون خصصت للمعتقلين الذين تطلق عليهم سلطة الاحتلال صفة “المعتقلين الأمنيين”، أو إلى أجنحة فى السجون مخصصة لاحتجازهم.

وتندر التحقيقات مع الموقوفين فى السجون، وعادة لا يتم إعلامهم بالتهم الموجهة إليهم أو بالوقائع التى على أساسها تم اعتقالهم، وليس لاحتجازهم مدد قانونية معلومة، وتصل مدد احتجاز أكثرهم لأكثر من خمسة شهور.

وقد يعرض على بعض المحتجزين أوراق يعلمهم المترجمون العراقيون بأنها بغرض استئناف احتجازهم، ولكنهم لا يدركون محتواها المكتوب باللغة الإنجليزية ولا يتوفر لهم الإطلاع الكافى عليها.

ويتعرض بعضهم للتعذيب خلال التحقيقات أو فى أعقابها بشبهة إخفائه لمعلومات عن المقاومة، وتتنوع أعمال التعذيب بين أعمال مادية تشمل الاعتداء بالضرب والحرمان من النوم بتشغيل موسيقى صاخبة عالية الصوت لأوقات طويلة قد تصل إلى أربع وعشرين ساعة يومياً، وكذا أعمال تعذيب معنوية مثل خلع كافة ملابس المعتقل أو النساء من ذويه أمام المعتقلين والحراس كوسيلة لإرهابه وإجباره على الإدلاء بمعلومات عن المقاومة.

إن هذه الممارسات تتناقض تماما مع ما هو معلن و كذلك محتوى المذكرة رقم 2 المتعلقة بإدارة مرافق الاحتجاز والتي جعلت الأحكام الواردة في القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء كأساس لها. كما تتناقض مع الادعاءات المتعلقة بالمراجعة التي تجريها قوات التحالف على قانون العقوبات العراقي لسنة 1969 وقانون الإجراءات الجنائية لسنة 1971 بهدف جعل بنودهما متسقة مع المعايير الدولية.

وفى أعقاب تصريحات صحفية لممثلى منظمات حقوقية غير حكومية فى ديسمبر/كانون أول 2003 قدرت خلالها أعداد المعتقلين بخمسة عشر ألف معتقل “أمنى” فى أقل تقدير، أعلنت سلطة الائتلاف المؤقتة بأن أعداد المعتقلين العراقيين تبلغ ثلاثة عشر ألفاً وخمسمائة معتقل عراقى، فيما رفضت تحديد أعداد المعتقلين العرب.

المحتجزون الأمنيون

واجهت البعثة صعوبة كبيرة في الحصول على معلومات حول حقيقة عدد المحتجزين الأمنيين أي الذين يخضعون للإشراف المباشر لسلطة الاحتلال ، فبينما كشفت مصادر وزارة حقوق الإنسان وأن العدد يبلغ 8400 محتجز- وهو نفس الرقم تقريبا المنشور على موقع سلطة الاحتلال على الإنترنت (www.cpa-iraq.org)

بينما تشير الروايات المتواترة إلى أن الرقم الحقيقي أضعاف ما هو معلن، ومما يزيد في الغموض أن هؤلاء المحتجزين تحت الإشراف المباشر للسلطات العسكرية لقوات الاحتلال التي لا تحترم حقهم حتى فى القوانين التي أصدرتها سلطة التحالف ومنها المذكرتين 2 و3.

إزاء التعتيم الممارس حول المحتجزين الأمنيين وعددهم وأماكن اعتقالهم ومدة الاعتقال والتهم الموجهة لهم ورفض السماح للمحامين بزيارتهم، فان البعثة تلقت شكاوى من أسر بعض المحتجزين تعبر عن خشيتها على حياتهم وخاصة أنهم مصابون بأمراض خطيرة ومزمنة وفي حاجة إلى متابعة مستمرة ومنها شكوى من أسرة رئيس مجلس شيوخ عشائر سامراء الحاج قحطان يحى السالمالسمرائي تتعلق بحالته الصحية وأرفقوها بوثائق طبية تفيد أنه مصاب بمرض القلب وتخشى على حياته من استمرار احتجازه في ظل ظروف غير إنسانية.
وتتناقض هذه الممارسات تماما مع ما هو معلن، وكذلك مع محتوى المذكرة رقم 2 المتعلقة بإدارة مرافق الاحتجاز والتي جعلت الأحكام الواردة في القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء أساساً لها.
وعقب إعلان “عدنان الباجه جى” الرئيس الدورى لمجلس الحكم الانتقالى العراقى خلال شهر يناير/كانون ثان عن عقد المجلس اتفاقاً مع سلطة الائتلاف المؤقتة لتصفية أوضاع المعتقلين الأمنيين بدءاً بالإفراج عن مائة معتقل فى غضون أسبوع، جرى الإفراج عن بضعة مئات فقط من هؤلاء المعتقلين حتى نهاية شهر فبراير/شباط 2004 بحسب مصادر حقوقية غير حكومية، فيما أعلنت سلطة الائتلاف المؤقتة عن وجود قرابة ثمانية آلاف وأربعمائة معتقل أمنى فقط قيد الاحتجاز، وسلمت إلى وزارة حقوق الإنسان فى مجلس الحكم الانتقالى قائمة بأسمائهم، وهو الرقم الذى تشكك فيه مصادر عراقية مختلفة غير حكومية.
وأكدت مصادر حقوقية غير حكومية أن بين المعتقلين بضعة عشرات من النساء، وأن سلطات الاحتلال سمحت لإحدى المنظمات الحقوقية بزيارة هؤلاء المعتقلات فى سجن الرصافة خلال ديسمبر/كانون أول 2003، وأكدت المنظمة أن تضارباً وقع بين حراس السجن الذين أفادوا بوجود 625 سجينة، بينما أفاد ضابط أمن عراقى بوجود 54 سجينة بينهن 13 معتقلة “أمنية” فقط.
وأبلغ وزير حقوق الإنسان بمجلس الحكم الانتقالى أن سلطة الائتلاف المؤقتة أحاطته خلال ديسمبر/كانون أول 2003 بوجود 13 معتقلة أمنية فى أحد السجون، وأنه طالب السفير “بول بريمر” رئيس سلطة الائتلاف بضرورة تصفية وضع النساء المعتقلات وحساسية المجتمع العراقى الشديدة تجاه اعتقال النساء، وقد ابلغ لاحقاً فى شهر يناير/كانون ثان 2004 بالإفراج عن 11 سيدة منهن، وبقرب الإفراج عن السيدتين المعتقلتين.
غير أن المصادر الحقوقية غير الحكومية تشكك فى صحة التقديرات الصادرة عن سلطة الائتلاف، وتؤكد استمرار اعتقال نساء خلال حملات الاعتقال ووضعهن كرهائن لحين تسليم ذويهن من الرجال المشتبه فى علاقتهم بالمقاومة.
كما تشير إلى وجود عدد من زوجات وقريبات ضباط من الجيش والاستخبارات السابقين وأيضاً زوجات لكوادر من حزب البعث الحاكم سابقاً قيد الاعتقال.
3- 
الحق فى المحاكمة العادلة :
استمر القضاء العراقى فى ممارسة مهامه وفقاً للقوانين المعمول بها فى العراق، ولم يصل إلى علم البعثة وقوع انتهاكات محددة للحق فى المحاكمة العادلة خلال الأشهر العشرة الماضية.
غير أن البعثة استمعت باهتمام كبير إلى تطور حال السلطة القضائية فى العراق، فمن ناحية اتخذت سلطة الاحتلال خطوة إيجابية بتشكيل مجلس أعلى للقضاء منفصلاً عن السلطة التنفيذية (وزارة العدل)، لكنها تلقت بقلق كبير قيام سلطة الاحتلال عقب هذا الفصل بتشكيل لجنة تأديبية للقضاة، تتكون من ثلاثة خبراء أمريكيين وثلاثة خبراء عراقيين بينهم قاض واحد، وتقوم هذه اللجنة التى لا تتبع وزارة العدل بالنظر فى ملفات القضاة واتخاذ قرارات بعزلهم.
وبينما أفاد وزير العدل فى مجلس الحكم الانتقالى بأن هذه اللجنة تستجوب القضاة المتهمين قبل اتخاذ قرارها، فقد أفادت مصادر حقوقية مطلعة بأن هذه اللجنة تنظر فقط فى الملفات دون إجراء أية تحقيقات وتتخذ قرارها بعزل القضاة، ولم تتلق البعثة تقديراً بأعداد القضاة المعزولين، كما لم تتلق تأكيداً بارتباط هؤلاء القضاة بحزب البعث فى الحكومة السابقة، ولكن فى كافة الحالات فإن هذه اللجنة ليست قضائية بطبيعتها أو تشكيلها ولا تتبع مجلس القضاء، ورغم تعيين عضوين عراقيين فيها فى القضاء لاحقاً، إلا أنها تمثل اعتداءاً مستمراً على استقلال السلطة القضائية.
كما استمعت البعثة بقلق بالغ لواقعة قيام قوات الاحتلال بالعدوان على قدسية القضاء العراقى من خلال قيامها باقتحام إحدى المحاكم ومهاجمتها لأحد المحامين الموجودين فيها “مجهول الاسم” بأداة كهربائية أدت إلى إغمائه ثم نقله إلى سيارة عسكرية.
وقد أكدت المنظمات الحقوقية أن عملية تعويض ضحايا الجرائم الأمريكية ولا سيما الذين يسقطون قتلى منهم تتضمن عمليات تدليس واضحة، حيث يتولى ضابط أمريكى من أصل فلسطينى ويدعى كولونيل “منصور” عمليات التسوية المالية مع ذوى الضحايا، ويقوم بتسليمهم مبلغ 2500 دولار أمريكى على سبيل التعبير عن الأسف لحين استكمال إجراءات التحقيق فى الجريمة، ويطالبهم بالتوقيع على ورقة مكتوبة بالإنجليزية كإيصال استلام لمبلغ الـ 2500 دولار، ولا يلبث أهالى الضحايا أن يكتشفوا أنهم وقعوا عن تنازل عن كامل حقوقهم.
4-
معاملة السجناء وغيرهم من المحتجزين :
يجري احتجاز المعتقلين في سجون أبي غريب، والمطار، والرصافة، والكاظمية، وأم قصر والناصرية والرضوانية وغيرها من أماكن الاعتقال التي أحدتثها سلطة الاحتلال، وسط ظروف بالغة الصعوبة وغير إنسانية، حيث يتم الزج بالمقبوض عليهم في خيم مقامة في العراء وسط مناخ شديد القسوة. وتوضع المعتقلات من النساء في زنازين متهالكة وغير نظيفة، ويحرم الجميع من الغذاء عدة أيام وبعدها يقدم لهم طعام غير صالح للاستهلاك الآدمي، وتعطى لهم كميات قليلة من المياه ويقضي المعتقلون حاجاتهم في مراحيض بلاستيكية مكشوفة.
أشار بعض المحتجزين إلى أن عمليات تعذيب قد جرت لهم مثل إلقائهم في مياه مثلجة أو إجبارهم على السباحة في ساعات متأخرة من الليل، أو الضرب المبرح في أماكن حساسة.
تحتجز النساء والفتيات – ومن بينهن قاصرات- في سجون لا تخضع لإدارة وإشراف شرطة نسائية، وتمثل عملية احتجاز النساء في السجون بصورة عامة وتحت إشراف أمريكي بصورة خاصة، عارا يلاحق الأسر ويدفعها إلى التخلص من اللواتي أفرج عنهن قتلا. وهو أمر محزن ومؤلم وظالم بحيث تظلم المرأة مرتين، مرة من قوات الاحتلال ومرة أخرى من قبل أهلها وعشيرتها، وتفيد بعض الروايات أنه تم عرض بعض الفتيات عرايا أمام ذويهن كجزء من عملية الإذلال الماس بكبرياء الجانبين.
استمعت البعثة إلى شهادات حول تعرض بعض النساء المعتقلات لاعتداءات جنسية متنوعة، وسعت للقاء باثنتين من المفرج عنهن من ضحايا هذه الاعتداءات، ولكنها لم تتمكن من ذلك نتيجة خشيتهن من الفضيحة.
وقد سعت البعثة خلال لقائها مع المستشار “هاشم الشبلى” وزير العدل بمجلس الحكم الانتقالى إلى طلب السماح لها بزيارة السجون ومراكز الاحتجاز، وقد أفاد بأن جميع مراكز احتجاز المعتقلين “الأمنيين” تخضع للسيطرة العسكرية الأمريكية وغير مسموح بزيارتها، ووعد بالاتصال بالبعثة لترتيب زيارتها إلى سجون ومراكز احتجاز سجناء الحق العام، ولكن لم تتلق البعثة حتى نهاية زيارتها ما يفيد بإمكانية زيارة هذه السجون.
كما أكد وزير حقوق الإنسان بمجلس الحكم الانتقالي أن كافة مراكز احتجاز المعتقلين “الأمنيين” غير مسموح بتفقدها وتخضع للسيطرة العسكرية الأمريكية فقط.

وقد سعت البعثة لدى سلطة الاحتلال “سلطة الائتلاف المؤقتة” للقاء بالمسئولين فيها عن السجون ومراكز الاحتجاز، وتمكنت من الالتقاء بالسيد “تشيك رايان” المسئول الأمريكى عن السجون ومراكز الاحتجاز، والذى عرض على البعثة الخطوات التى اتخذتها سلطة الائتلاف بالتعاون مع وزارات الداخلية والعمل والشئون الاجتماعية والعدل بمجلس الحكم الانتقالى لإصلاح أحوال السجون وتحويلها إلى مراكز للإصلاح والتأهيل قبل نهاية العام 2004، وأشار إلى خلاف بين وزارتى الداخلية والعدل فى شأن أحقية كل منهما فى الإشراف على السجون، فيما أكد وزير حقوق الإنسان على أن مجلس الحكم يتوجه إلى إخضاع الإشراف على السجون لوزارة العمل والشئون الاجتماعية.
غير أن السيد “رايان” أكد للبعثة أن مراكز الاحتجاز والسجون الخاصة بالمعتقلين “الأمنيين” تخضع للسيطرة العسكرية الأمريكية المباشرة ومن غير الممكن زيارتها، وطلبت منه البعثة توفير وسائل الاتصال بالمسئول العسكرى الأمريكى عن سجون هؤلاء المعتقلين، وقبل مغادرة البعثة بيوم واحد تلقى أحد أعضائها رسالة بالبريد الالكترونى من السيد “بارتليت” مساعد السيد “رايان” تفيد بعنوان البريد الإلكتروني للكولونيل “بريجنت” كأحد المسئولين عن مراكز احتجاز هؤلاء المعتقلين، مع التأكيد بأن هذا المسئول غير متاح اللقاء به فى الوقت الحالى.
وقد أكد معتقلون سابقون أفرج عنهم قبل أيام من زيارة البعثة بأن أوضاع الاحتجاز غاية فى السوء، حيث :
– 
يتعرض المعتقلون خلال فترة احتجازهم الأولية وقبل النقل إلى السجون الكبيرة للتعذيب والضرب والسباب خلال التحقيقات.
– 
لا ينال المعتقلون فى هذه المرحلة أى قسط من الراحة ويبقون خلالها مقيدين من الخلف بالقيود البلاستيكية المسننة التى تهددهم فى حال الحركة بجرح اليد وربما قطع الأوردة.
– 
كما يبقون معصوبى العينين باستخدام الأكياس السوداء الكبيرة فوق رؤوسهم.

– لا يسمح لهم بقضاء حاجتهم إلا تحت سمع وبصر الحراس.

– يحصلون فى العادة على وجبة غذائية ضعيفة وباردة.

– يمكن تعذيبهم بإبقائهم جالسين لثلاثة أيام متصلة على مقعد خشبى.

– يتم تعذيب البعض بربط كلتا يديه بقيد حديدى إلى عمود معدنى فى الشمس لفترات طويلة.
– 
يتعرضون خلال نقلهم إلى السجون الكبيرة للاعتداء بالضرب والركل بالأقدام.
– 
تعانى السجون الكبيرة وأهمها سجن أبو غريب –أكبر سجون العراق-من اكتظاظ ضخم فى عدد السجناء، وبصفة خاصة المعتقلين “الأمنيين” الذين يشغلون ثلاثة أرباع السجن.
– 
أدى تكدس السجناء إلى إقامة خيام كبيرة فى العراء تضم أعداداً كثيفة من المعتقلين الأمنيين، ويضطرون إزائها للتناوب فى النوم والاستيقاظ.
– 
يتم صف المعتقلين لقضاء الحاجة مرتين يومياً.
– 
تمنح كل خيمة –يصل العدد إلى 55 معتقلاً- عبوتين ماء يومياً من عبوات تموين وقود السيارات العسكرية للشرب والاستحمام.
– 
تغيب بشكل شبه تام الرعاية الصحية اللازمة، ويؤدى التكدس ونقص احتياجات النظافة إلى انتشار الأمراض ويهدد بانتشار الأوبئة.
– 
يتم تشغيل موسيقى صاخبة عالية الصوت لمنع الراحة والنوم لمدد طويلة.
– 
يتلقى المعتقلون وجبتين باردتين يومياً إحداهما كميتها معقولة والثانية قليلة الكمية للغاية، وفى الحالتين فالطعام ردئ ويمتنع المعتقلون عن تناوله خلال الأيام الأولى من الاحتجاز، قبل أن تضطرهم الحاجة إليه.
– 
يتعمد حراس السجون الأمريكيين فى بعض الأحيان فتح أبواب الغرف التى يمارسون فيها التعذيب خلال التحقيقات أو بدونها لإسماع بقية المعتقلين صراخ زملائهم.
– 
غير مسموح لأى من المعتقلين الأمنيين بتلقى زيارات المحامين أو الأقارب، وصلاتهم مقطوعة بالخارج نهائياً.
– 
لا يتمكن أفراد الأسرة الواحدة المعتقلين معاً من الاطلاع على أحوال ذويهم المعتقلين معهم.
– 
يتعامل بعض الحراس الأمريكيين مع المعتقلين بعنصرية كبيرة، ويتمنون لهم الموت باعتبارهم كائنات لا تستحق الحياة.
– 
يتم فى بعض الأحيان إطلاق المعتقلين مقيدين ومعصوبين فى الطريق العام ومن دون متعلقاتهم الشخصية وبثياب السجن مما يعرضهم لمخاطر جمة.
– 
لا يتسلم المعتقلون عند الإفراج عنهم منقولاتهم، وخاصة الثمينة منها مثل الأموال وحلى النساء المصادرة خلال الدهم، فضلاً عن ضياع الأوراق الثبوتية الخاصة بهم وبذويهم.

– يبلغ المترجمون العراقيون المعتقلين قبل الإفراج عنهم بضرورة توجيه الشكر إلى قائد السجن الأمريكى عن حسن المعاملة فى الاحتجاز وعدم السؤال عن المتعلقات الشخصية، وإلا أعيدوا للاحتجاز.
– 
ينتمى غالبية المعتقلين الأمنيين إلى العشائر العربية السنية، وهو ما يؤدى إلى دفع الحال إلى مزيد من الاحتقان الأهلى.
وقد نقلت منظمات حقوقية إلى البعثة أن القوائم المعلنة بأسماء المعتقلين الأمنيين لا تشمل كثيراً من الحالات الموثقة لديها، وأن الانتهاكات التى يمارسها الاحتلال توصف بالانتهاكات المنهجية، وأفادت مسئولة المركز الدولى لرصد الاحتلال قيام مركزها بتوثيق 100 ألف حالة.
كما أفادت المنظمات الحقوقية بوجود عدة سجون معروفة، وهى سجون أبو غريب، والكاظمية، والموصل، وأم قصر والناصرية، فضلاً عن سجون أمريكية جديدة وتبلغ قرابة 10 سجون، ومعروف منها على وجه الخصوص الرضوانية والمطار الدولى.
وقد تسلمت البعثة من المسئول الأمريكى عن السجون لدى سلطة الاحتلال جدولاً بالسجون العراقية التى تضم سجناء الحق العام دون المعتقلين الأمنيين، كما تلقت مخططاً توضيحياً للقطاع الذى يضم سجناء الحق العام بسجن أبو غريب أكبر سجون العراق، وخلال إطلاع البعثة على بعض اللقطات الفوتوغرافية للسجون العراقية، طالبته بتسليمها إحدى اللقطات التى تصور سجن أبو غريب وتبدو فى خلفيتها خيام المعتقلين الأمنيين ذات الأوضاع بالغة السوء، ولكنه رفض قطعياً.
وأكد وزير حقوق الإنسان لدى مجلس الحكم الانتقالى إفادات المنظمات الحقوقية بأن غالبية حراس قطاعات النساء فى السجون هم من الرجال، وأن هناك افتقار للحارسات من النساء.
وعلمت المنظمة أن وزارة حقوق الإنسان بمجلس الحكم الانتقالى وبالتعاون مع مشروع حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية التى تتبع سلطة الائتلاف المؤقتة سيفتتحون مكتباً داخل سجن أبو غريب للتعرف على احتياجات السجناء، ولكن عمل هذا المكتب سيقتصر على سجناء الحق العام دون غيرهم من المعتقلين الأمنيين.
5-
الحريات العامة :
تنتشر فى العراق حالياً العشرات من الصحف صغيرة الحجم ضعيفة الطباعة، ولم تتخذ أية إجراءات تجاه أى من هذه الصحف، بما فيها الصحف التى تهاجم الاحتلال وجرائمه وتفضح ما يقوم به الجنود الأمريكيين حتى نهاية عمل البعثة فى 2 مارس/آذار 2004.
غير أن أحد قادة القوى المشاركة فى مجلس الحكم الانتقالى أشار إلى توجه المجلس إلى تأسيس آلية للضبط الإعلامى فى تناول الصحف للقضايا المختلفة.

تستأثر سلطات الاحتلال بالقنوات الإذاعية والتليفزيونية العراقية الرسمية وتديرها مباشرة كلسان حال لسلطة الائتلاف المؤقتة.
يتمكن المواطنون العراقيون فى الوقت الحالى من استعمال أطباق التقاط الأقمار الصناعية ومشاهدة الفضائيات المختلفة، وكانت ممنوعة فى عهد الحكومة السابقة.
تقوم هيئات طائفية وعرقية مختلفة ببث قنوات إذاعية وتليفزيونية فضائية.
تقوم سلطة الاحتلال فى كثير من الأحيان بمنع الصحفيين والمراسلين العراقيين والأجانب من أداء مهامهم.
حظرت قرارات لمجلس الحكم الانتقالى عمل مراسلى بعض القنوات الفضائية الإخبارية العربية من العمل فى العراق، وعاد بعض المراسلين الممنوعين لممارسة مهامهم بعد إلغاء قرار الحظر بحقهم.
وعلى صعيد الحريات الأكاديمية، يعانى الآلاف من المعلمين وأساتذة الجامعات والعلماء من الطرد من أعمالهم تعسفاً بشبهة عضويتهم فى حزب البعث سابقاً فى إطار الخطة المسماة باقتلاع البعث من الدواوين الحكومية والعامة، رغم تأكيدهم على أن علاقتهم بالحزب تأسست على الرغبة فى شغل الوظائف والترقى.
يمارس العراقيون الحق فى التجمع السلمى على نطاق واسع، ويقومون بمختلف أعمال الاحتجاج السلمى من تظاهرات وإضرابات واعتصامات، وقامت الشرطة العراقية بمعاونة القوات الأمريكية بقمع بعض أعمال الاحتجاج بدعوى استغلالها لإلقاء المتفجرات على مراكز وحواجز التفتيش الأمريكية، وتحولت بعض هذه المسيرات إلى مصادمات دامية.
أوردت روايات وقوع صدامات دامية بين تظاهرات لعشائر عربية سنية وعشائر تركمانية ومن عشائر كردية فى المناطق الشمالية وبصفة خاصة مدينة كركوك، وقد سقط خلالها قتلى من الجانبين، ولا تتدخل سلطات الاحتلال عادة لمنع الأعمال العدائية فى هذه المناطق، وإذا تدخلت فإن ذلك يكون متأخراً ويشمل عمليات دهم واعتقال عشوائية.
انتشرت على نطاق واسع الجمعيات الأهلية فى العراق، ويرتبط تشكيل أغلبها بتلبية احتياجات عرقية ومذهبية فى ظل غياب شبه تام لمؤسسات الدولة، ويتم تسجيل هذه الجمعيات لدى وزارة العمل والشئون الاجتماعية أو لدى سلطة الائتلاف المؤقتة.
وتتمثل عملية التسجيل الجارية حالياً فى تقديم طلب التسجيل، واستلام إيصال يفيد تسليم الطلب، دون أن يعنى ذلك موافقة نهائية على التأسيس، وتقوم الجمعيات بممارسة أنشطتها خلال فترة التأسيس.
أصدر السفير “بول بريمر” رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة الأمر رقم 45 فى أغسطس/آب 2003 الذى يقضى بضرورة توفيق الجمعيات لأوضاعها وفقاً له خلال ثلاثة أشهر، وإلا تعتبر الجمعية منحلة، وغلب على الأمر الذى يعد بمثابة التشريع المنظم للجمعيات الأهلية الطابع الأمنى.
فى مطلع فبراير/شباط 2004 أبلغت عدد من الجمعيات والنقابات شفهياً بصدور قرار من مجلس الحكم الانتقالى يعتبر كافة الهيئات الإدارية للجمعيات الأهلية ومجالس النقابات المهنية والعمالية منحلة إلى أن يتم إجراء انتخابات جديدة لهذه الهيئات تحت الإشراف المباشر للمجلس، وهو الأمر الذى رفضته مختلف الجمعيات والنقابات.
ضم القرار نقابة المحامين العراقيين التى أعيد تشكيل مجلسها فى أغسطس/آب 2003 بحضور مراقبين عن سلطة الاحتلال ومجلس الحكم الانتقالى والقضاة العراقيين وأعضاء فى بعثة الأمم المتحدة إلى العراق، فضلاً عن عدد من المنظمات العربية والدولية المعنية بينها اتحاد المحامين العرب الذى أرسل بعثته للرقابة على هذه الانتخابات.
عادت الأحزاب العراقية المعارضة في الخارج إلى العراق، ويعمل بعضها على بناء كيانه السياسى، وأعلن بعضها عزوفه عن المشاركة في مجلس الحكم الانتقالي رغم دعوته لذلك رفضاً لأسلوب تشكيله وطريقة عمله التى اعتبرها محاصصة عرقية ومذهبية تؤدى الى فتنة طائفية فى العراق.
تقوم بعض القيادات المبعدة من حزب البعث فى عقدى السبعينيات والثمانينيات بمحاولة إحياء حزب البعث فى العراق بناءاً على أسس برنامجه السياسى، لكنها لا تعتقد بأن سلطة الاحتلال أو الأطراف السياسية العراقية قد يسمحون لهم بذلك.
يعترض المواطنون العراقيون وغالبية القوى السياسية والمرجعيات الدينية على موقف سلطة الاحتلال الرافض لإجراء انتخابات يجرى خلالها تشكيل حكومة عراقية منتخبة لاستلام السلطة فى العراق.
أفادت قوى مشاركة فى مجلس الحكم العراقى باعتراضها على مضمون اتفاق نقل السلطة الموقع فى ديسمبر/كانون أول الماضى لأنه أغفل العديد من مصالح العراقيين فى وطنهم بينما رتب للمصالح الأمريكية فى العراق.
تطالب بعض القوى الحزبية والأهلية بعقد مؤتمر وطنى واسع يشمل كافة الأطراف العراقية، بما فى ذلك الأحزاب والمرجعيات الدينية ورؤساء العشائر ومنظمات المجتمع المدنى لانتخاب جمعية تأسيسية مؤقتة تتولى استلام السلطة من الاحتلال وإدارة شئون البلاد مؤقتاً لحين عقد انتخابات شعبية حرة ووضع الدستور الدائم للبلاد.
تشارك غالبية العراقيين المرجع الشيعى “آية الله السيستانى” موقفه الداعى لضرورة وضع جداول زمنية لانتخاب حكومة عراقية واستلامها للسيادة وانهاء الاحتلال الأجنبى للبلاد. وإن كانوا يرون أن نقل السلطة قبل 30 يونيو/حزيران 2004 إلى حكومة معينة هو أفضل من استمرار الاحتلال فى إدارة شئون البلاد.
يرفض المواطنون العراقيون التركمان عدم النص صراحة على ضمان حقوقهم كمواطنين فى قانون الإدارة الإنتقالية (الدستور المؤقت).
تنظر العشائر العربية السنية والمواطنين التركمان بريبة إلى إقرار قانون الإدارة الإنتقالية للفيدرالية فى العراق وخاصة الفيدرالية المتعارف عليها بالجغرافية، باعتبار أن عدم تحديد مضمونها قطعياً يعد بمثابة فتح الباب أمام القوى الكردية لضم كركوك والمدن النفطية المحيطة بها إلى الكيان الشمالى، بما يحقق أهداف كردية في إقامة دولة مستقلة فى المستقبل، خاصة مع المطلب الكردى الداعى لقيام حكومة كل كيان فى الفيدرالية العراقية بإدارة الثروات الواقعة فى إقليمه والاستفادة منها بشكل مستقل عن الحكومة الفيدرالية.
وبالنسبة لصلاحيات مجلس الحكم، فهى تعد مقيدة للغاية فى ظل سيطرة الاحتلال على مقاليد الأمور، فلا يمكنه إعمال القرارات والتشريعات الصادرة عنه إلا بتوقيعها من جانب سلطة الاحتلال “سلطة الائتلاف المؤقتة”، وفى جانب آخر، تقوم هذه السلطة بتعيين مستشارين أمريكيين وأجانب لغالبية الوزارات التى يتولى المجلس تشكيلها، وهؤلاء المستشارين هم الذين يمارسون فعلياًالمهام الوزارية، ويعدون مختلف السياسات والقرارات التى تمارسها الجهات التنفيذية فى الوزارات بعد توقيع الوزراء عليها.
ويتعرض مجلس الحكم عموماً لانتقادات لاذعة من طرف المواطنين والقوى السياسية في العراق لعدة أسباب أهمها:
– 
أنه مؤسس على أساس المحاصصة الطائفية.
– 
أنه شكل الحكومة على أساس الولاءات الحزبية، وحتى تعيين وكلاء الوزارات خضع لنفس المعيار ونفس الشيء بالنسبة للتوظيف .
– 
الوزراء أنفسهم حدوا حدو مجلس الحكم ووظفوا في وزاراتهم أشخاص على أساس طائفي عشائري.
6-
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية :
أدت فوضى قرارات سلطة الاحتلال بحل الجيش الوطنى العراقى وإعادة تشكيل أجهزة الشرطة العراقية، وكذا عمليات الطرد الجماعى من الوظائف الرسمية والعامة فى مختلف القطاعات ضمن الخطة المسماة باقتلاع حزب البعث إلى إصابة مئات الآلاف من العراقيين بالبطالة التى ترافقت مع الارتفاع الحاد فى أسعار السلع والخدمات، وبصفة خاصة الأساسية منها.
وعلى الرغم من زيادة قيمة الرواتب للعاملين فى القطاعات العراقية المختلفة، إلا أن حجم الارتفاع الحاد فى الأسعار يعطل أى فائدة لهذه الزيادات، كما يؤدى إلى مزيد من تدهور أوضاع العاطلين عن العمل.

وقد أدت حدة الأوضاع الاقتصادية إلى انتشار الجريمة والبغاء والمخدرات فى الشارع العراقى.
على صعيد الخدمات الصحية، فقد استمر تدهورها بشكل كبير، رغم انخفاض قيمة بعض الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة، ولكنها عادة تأتى متأخرة عن مواعيد تسليمها للمرضى.
ولا تمتلك وزارة الصحة إمكانات كافية لسد احتياجات المواطنين، وشكا مسئول السجون فى سلطة الاحتلال الذى التقته البعثة من تقاعس وزارة الصحة عن توفير الخدمات الصحية الضرورية لسجناء الحق العام فى السجون التى تتبعه.
ويغيب عن العراق برامج ومشاريع لصحة الأسرة والصحة الإنجابية، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف علاج النساء إلى الحد الذى يكلف موظفاً عراقياً كبيراً كل راتبه الشهرى.
وأفاد مركز أمراض السرطان منظمات حقوقية بتدهور كبير فى الصحة وازدياد معدلات الإصابة بالسرطان، بما تزامن مع ترك القوات الأمريكية لمجمع التويثة النووى مفتوحاً للنهب العام عقب استيلائها على بعض المواد التى تهمها.
وأفادت المصادر الحقوقية أن متابعتها للقضية أسفرت عن اكتشاف استخدام بعض المخابز لمواد مشعة فى عملها.
ولا توفر وزارة الصحة أو أى مؤسسات رسمية رقابة على الأسواق الغذائية، ويتداول العراقيون روايات عن رواج الأطعمة منتهية الصلاحية فى السوق العراقية.
وعلى صعيد التعليم، أوردت مصادر أهلية عراقية وبعض العاملين فى قطاعات التعليم تفشى التسرب من التعليم بين الأطفال ليصل إلى نسبة 30% من الأطفال فى سن التعليم تزامناً مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وبطالة أفراد الأسرة فى سن العمل.
كما أفادت المصادر بأن هناك نسبة عالية من الأمية، تصل بين النساء لأكثر من 40%.
فى ناحية أخرى، أدت عمليات اجتثاث غابات النخيل وبعض المحاصيل الزراعية وهدم بعض منازل المشتبه فى علاقتهم بالمقاومة إلى مزيد من الأضرار الاقتصادية بين ساكنى المناطق الريفية.
كما عززت الروايات من تقرير منظمة المؤتمر العالمى للمهجرين بأن عشرات الآلاف من العرب قد هجروا مناطق سكنهم فى المدن العراقية الشمالية باتجاه الموصل وقرى وبلدات محافظة ديالى نتيجة بعض الأعمال العدائية العرقية، وأنهم يعيشون فى خيام صغيرة أو منازل مهدمة أو بنايات حكومية مهجورة.

كما لاحظت البعثة انتقال المئات من الأسر للسكن داخل بعض المبانى الحكومية غير المستعملة، وخاصة تلك التى تعرضت للقصف العسكرى خلال عمليات الغزو، أو تلك التى تعرضت للحرق خلال عمليات السلب والنهب الفوضوية التى سمحت بها القوات الغازية.
وأكدت مصادر حقوقية وأهلية أنهم شاهدوا عمليات بيع المعونات الإنسانية الدولية إلى الشعب العراقى فى الأسواق، وأن عدداً من الضباط الأمريكيين يتولون المتاجرة فى هذه السلع، ورغم أن وزير حقوق الإنسان لدى مجلس الحكم الانتقالى قد استبعد علاقة الأجهزة الحكومية بهذه الأعمال، وأفاد بأن جهات غير حكومية ومنظمات تعمل فى المجالات الإنسانية هى التى تتولى استلام وتوزيع هذه السلع، إلا أنه ذكر أنه من الممكن أن بعض الضباط الأمريكيين قاموا بشراء هذه السلع سراً وتاجروا فيها.
7- 
الحقوق الثقافية :
استمعت البعثة إلى شهادات حول أعمال السلب والنهب التى طالت المؤسسات الثقافية والفنية العراقية المختلفة، ومن بينها مقار وزارة الثقافة وعدد من المسارح ودور السينما والمراكز الفنية.
ولعل من أخطر هذه الأعمال عملية نهب المتحف الوطنى العراقى – أحد أكبر المتاحف العالمية- التى يصفها المواطنون العراقيون بالمنظمة، ويتهمون أجهزة استخبارات أجنبية بالضلوع فى بعضها وبصفة خاصة الاستخبارات الإسرائيلية “الموساد” الذى يتهمونه بممارسة أنشطة خفية واسعة فى ظل الاحتلال، لا سيما ما وقع من عملية دقيقة باستخدام أحدث الوسائل التكنولوجية لاقتطاع جزء من لوحة جدارية تصور “السبي البابلي”.
كما استمعت البعثة إلى شهادات عن نهب عدد ضخم من الوثائق والمخطوطات التاريخية الهامة من مراكز فنية وأثرية، ومن الجامعات ومراكز الدراسات التاريخية الأكاديمية، والتي قيل أن بعضها يستهدف محو الهوية العرقية أو المذهبية لبعض الأقاليم العراقية.
وكما تعد إجراءات الاحتلال الفوضوية بفصل الآلاف من أساتذة الجامعات والمعلمين اعتداء على الحريات الثقافية والأكاديمية، فهى تعد تعطيلاً مهماً للقدرات العلمية العراقية فى خدمة المجتمع، خاصة وكونها ملمحاً من خطة كبيرة يشرف عليها مسئول أمريكى تستهدف فى نهايتها الفصل التام للجامعات عن المجتمع، وهو ما سبقت إلى تأكيده تقارير علمية غربية سابقة.
8- 
الاحتقان الأهلى :
يلمس المواطنون من التركمان وغالبية العشائر العربية السنية تهديداً كبيراً لحقوقهم وحرياتهم، ويعتقدون بأن تحالفاً قديما بين الأكراد والإدارة الأمريكية يساهم فى حماية الأكراد الذين يعيشون فى ظل شكل من أشكال الحكم الذاتى، خاصة وأن سلطات الاحتلال قد سمحت لهم بالاحتفاظ بأسلحة ميليشياتهم بما فى ذلك الأسلحة الثقيلة،خاصة بعد عمليات الطرد من كركوك لبعض العائلات العربية من المناطق الشمالية وخاصة في محيط مدينة كركوك، وسكوت الجهات الرسمية الكردية عن ذلك ويخشى السكان العرب والتركمان فيها من عمليات تهجير قسرى محتملة، أيدتها تقديرات بعض المنظمات الدولية (المؤتمر العالمى للمهجرين).
وقد عزز من هذا الأمر لقاء البعثة مع وزير حقوق الإنسان فى أربيل، الذى أكد أن عدد الجنود الأمريكيين فى مناطق الشمال يناهز قرابة 100 جندى فقط، وأن حكومته فى أربيل تباشر بنفسها عمليات حماية مناطقها وحفظ الأمن فيها، وعرض جهود وزارته لتعزيز ونشر ثقافة حقوق الإنسان وتنفيذها لبرامج رفع قدرات موظفى إنفاذ القانون فى هذه المناطق، وتعليقاً على اهتمام البعثة بأوضاع حقوق الإنسان فى المناطق الكردية أكد الوزير وقوع انتهاكات لحقوق المواطنين الأكراد تحت سلطة الحزبين الكرديين وأن السلطات المحلية تعمل على معالجتها.
كما لمست البعثة لدى العشائر العربية السنية فى بغداد ومحيطها تخوفاً من اندلاع أحداث فتنة مذهبية مع المواطنين الشيعة الذين يمثلون غالبية السكان فى العراق ويطمئنون لقدرتهم الحالية على نيل حقوقهم المهدرة خلال فترة الحكم السابق، ويقر قادة العشائر والمرجعيات الدينية للطرفين بأن هناك شبهات كبيرة تحوم حول دور دول مجاورة فى إشعال فتنة، فيما يختلفون فى تحديد هذهالدول ولكن الكل متفق على أن أياد للموساد ليست بعيدة على الكثير مما يحدث.
غير أن جهوداً حكيمة يبذلها القادة الدينيون والسياسيون فى الجانبين لضبط ردود الأفعال فيما قد يقع من أحداث، ولكن ذلك لا يمنع من وجود اتهامات متبادلة على ألسنة قطاعات الشباب من الجانبين.
9- 
معاناة المرأة العراقية فى ظـل الاحتـلال
تعيش المرأة العراقية وضعا مأساويا في زمن الاحتلال بحيث يمكن أن توجه لها أي تهمة، بعثية، أو زوجة بعثي، أو أخت بعثي أو أية تهمة أخرى وليس ضروريا اثباث التهمة ولا إجراء تحقيق، ويمتد الحجز لزمن غير محدود ووقائع التحرش الجنسي ثابتة باعتراف بعض السجينات أو صمت بعضهن في مجتمع يخشى عار البوح العلني.
الخوف والشعور بالعار يمنع النساء من التصريح بما جرى لهن وخاصة وأن امتهان كرامتهن لا يلق تفهما من الوسط العائلي والاجتماعي، فكرامة المرأة تمتهن من الذي ألقى عليها القبض ومن السجان وحتى إن خرجت من السجن ترفض من الأسرة والعشيرة.
حسب ما جمعته البعثة من معلومات فان عدد السجينات السياسيات بلغ 13سجينة وردت أسمائهن في الجريدة الشهرية للمركز الدولي لصد الاحتلال وهن:
– 
هيفاء عبد الرحمن (غير متزوجة) دكتوراه في الاقتصاد، عضو مكتب تنفيذي في الاتحاد العام لنساء العراق. تهمتها عنصر بعثي سابق، اعتقلت في 11/8/2003.
– 
فريال إبراهيم العزاوي، بكالوريوس إدارة اقتصاد، اعتقلت في 17/7/2003. التهمة الاعتداء على القوات الأمريكية.
– 
فكتوريا عبد الله درباش (بساق صناعية) موظفة في مصرف الرافدين، التهمة عنصر بعثي وتوزيع المنشورات، اعتقلت في 11/8/2003
– 
خديجة ياسين رمضان، شقيقة طه ياسين رمضان وزوجة معروف نوري الهاشمي، أم لأربعة أبناء التهمة بعثية وشقيقة طه ياسين رمضان، اعتقلت في 15/8/2003.
– 
سمية خالد محمد سعيد، أم لثلاثة أبناء، زوجة سعيد حسن علي المسجون بدوره، التهمة دعم المقاومة اعتقلت في سامراء في 24/9/2003.
– 
سعاد حسين صبري، تهمتها إنها زوجة صباح مرزا المرافق العتيق لصدام حسين وهو مشلول منذ 1989.
– 
نوال بدر إبراهيم، معلمة وأم لأربعة أبناء، زوجها معتقل في أبو غريب مع ابنه، اعتقلت بعد مداهمة بيتها بديالى الثالثة صباحا بتاريخ 28/9/2003.
– 
نزيهة إبراهيم محمد ، أم لأربعة أبناء، زوجها وأحد أبنائها قتلا في الحرب، مريضة وشبه مضربة عن الطعام، مسؤول السجن رفض نقلها للمستشفى.
– 
وجيهة محسن شلش بعثية من ديالى، اعتقلت في 24/7/2003.
– 
انتصار جهاد زيدان، التهمة حيازة أسلحة، رغم أنه لم يتم العثور على أي سلاح بحوزتها أو بيتها اعتقلت في 12/8/2003.
– 
علياء حامد جمال، اعتقلت في 28/7/2003 تعمل مترجمة في السفارة التركية، اعتقلت مع بعض الرجال الذين أطلق سراحهم فيما بعد، إلا هي رفضت قوات الاحتلال إطلاق سراحها.
– 
هناء إبراهيم فتاح، محامية، من بعقوبة، متهة بأن بيتها كان مكانا لاجتماع البعثيين، أم لأربعة أطفال مختبئون خوفا من اعتقالهم، اعتقلت في 14/9/2003.
– 
رنا كاظم جاسم من البصرة، عمرها 16 سنة لا علاقة لها بالسياسة، أبواها منفصلان وتزوج كل منهما بآخر، ترعاها جدتها التي طردتها لعجزها عن إعالتها، اتهمت نفسها بأنها فدائية حتى تجد المأوى والمأكل والمشرب.
في مصطلح قوات الاحتلال هؤلاء النسوة هن سجينات أمنيات، وبالتالي فهن يخضعن لسلطة الاحتلال حصرا وممنوع عليهن الزيارة والحق في توكيل محام.
وزير حقوق الإنسان السيد عبد الباسط تركي سعيد قال أنه عرض كفالته الشخصية لكل النسوة المعتقلات على سلطة الاحتلال مقابل إطلاق سراحهن لكن طلبه لم يستجب إليه.
– 
الوضع القانوني
الأحوال الشخصية في العراق يحكمها القانون 188 لسنة 1959 وهو قانون شرع ضمن الفقه الإسلامي ومأخوذ من كافة المذاهب الإسلامية، ويعتبره العراقيون قانونا جيدا لأنه حقق مكاسب للمرأة وقد أدخلت عليه تعديلات بقرارات مجلس قيادة الثورة، غلب عليها الجانب السياسي وتفضيل شريحة على أخرى.
بتاريخ 29 ديسمبر/كانون الأول 2003 أصدر مجلس الحكم القرار 137 ألغى بمقتضاه قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959، مما أثار ردود أفعال كثيرة اتجهت كلها نحو رفضه واعتباره قرارا يضطهد المرأة ويغمط حقوقها المشروعة ويعود بالمجتمع العراقي إلى الطائفية البغيضة.
كما أن الحاكم المدني الأمريكى اعترض على القرار وخرجت النساء في مسيرات منددة، مما أدى إلى إلغاء القرار.
خارج قانون الأحوال الشخصية فرضت على المرأة العراقية قوانين تقيد حريتها وتبيح دمها، وتعفي الجاني من العقاب، إضافة إلى منعها من السفر إلا بمرافقة محرم، وكل من اتهمت بالدعارة يقطع رأسها، هذا إضافة إلى أن المرأة تعاقب إذا تعرض زوجها أو ابنها أو أحد أقاربها إلى العقاب، بل وتحرم من الميراث ومن ممتلكاتها هي وأفراد أسرتها وأبنائها.
– 
الوضع الاقتصادي
نسبة البطالة بين النساء عالية وتصل إلى 70 بالمائة مع العلم وأن نسبة النساء في المجتمع العراقي تصل إلى 60 بالمائة من العدد الإجمالي للسكان، وبسبب الحروب وأعمال القتل التي قام به النظام السابق أو التي قامت بها قوات التحالف وزادت من مآسي النساء ومسئوليتهن على مستوى الأسرة. وهناك الآلاف من النسوة اللاتى يعانين الفقر والفاقة والحاجة إلى أبسط المستلزمات الحياتية مما يفرض على بعضهن للجوء إلى العمل في بعض المجالات التي تنتهك حقوقهن وكرامتهن وتمتهن إنسانيتها مثل البيع بالتجوال أو التسول أو البغاء.
– 
الوضع الاجتماعي
– 
انتشار التجمعات السكنية غير اللائقة نتيجة انعدام المورد المادي من أجل التمتع بسكن لائق.
– 
انتشار حالات الطلاق وحالات هجر الزوجة مع أطفالها والتخلي عن كل المسؤوليات اتجاه العائلة، وانتشار أشكال الزيجات غير المدنية والتي تسهل للرجل التنصل من واجباته اتجاه المرأة والتي ازدادت نسبتها نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
– 
ازدياد معاناة المرأة في البيت والشارع وبعض الدوائر الرسمية، بدءاً من التحرش الجنسي إلى التجاوزات المستمرة على حقوقها وبأشكال مختلفة.

– ازدياد عدد النساء اللاتي فقدن أزواجهن نتيجة الحروب المتكررة وأعمال القتل التي مارسها الاحتلال.
– 
ازدياد عدد الفتيات اللاتي حرمن من التعليم نتيجة الوضع الاقتصادي وحالة الأمن والاختطاف.
– 
ازدياد حالات القتل بدواعي الشرف، والنظرة الدونية للمرأة بما في ذلك من تعرضن للاعتقال من قوات الاحتلال.
– 
انتشار العنف العائلي بمختلف أشكاله.
– 
انتشار الأمراض النفسية بين النساء لأسباب مختلفة منها الوضع العام المتسم بالتوتر والقلق والخوف من المجهول إضافة إلى الحالة الاقتصادية والاجتماعية، وبقائهن داخل البيوت طيلة الليل والنهار، وغرقهن بين مشاكل العائلة والأطفال
– 
الوضع الصحي
تعاني المرأة من مختلف المشاكل الصحية ، فهي غير قادرة على دفع التكاليف الباهظة للعلاج بصورة عامة والعلاج المرتبط بالأمراض النسائية بصورة خاصة ، مما يؤدي إلى تحمل المرأة الآلام والمتاعب الناتجة عن الأمراض بأنواعها، مما أبرز بعض التشوهات الجسمية لدى بعض النساء ، وسبب تأثيرا مباشرا على الأطفال ، حيث أن نسبة الوفيات بين الأطفال كبيرة ونسبة الإعاقة تنذر بالخطر.
10- 
المشكلات البيئـــة
أكد وزير البيئة أن 35 بالمائة من المياه في العراق بحاجة الى تطهير وتحسين لتكون صالحة للشرب، وأن محطات تصفية المياه في حاجة الى العديد من المستلزمات الضرورية التي تفتقدها، لذلك فان الفحوصات على المياه هي فحوصات غير دقيقة.
وقد ظهرت أمراض خطيرة في بعض المناطق، انتشرت عن طريق المياه مثل وباء الكوليرا وذلك بسبب ندرة المياه الصالحة للشرب. وهناك مناطق في بغداد ينعدم فيها الماء تماما، وقد ذكرت اليونسيف أن نحو 100.000 طفل في البصرة مهددون بالإصابة بأمراض خطيرة بسبب توقف محطة تنقية المياه عن العمل.
الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988 ساهمت في تدهور البيئة وكذلك حرب الخليج 1991 كما أن الكيماوي الذي استعمل في حلبجة وتجفيف الأهوار(مستنقعات بلاد الرافدين) عوامل أضرت بالبيئة، كما القوات الأمريكية والبريطانية في حربها الأخيرة استعملت أسلحة محرمة وذخائر عنقودية أضرت بالبيئة، ولا تزال أكثر من مليوني قنيلة عنقودية حاملة لم تنفجر في الأراضيالعراقية، كما أن أماكن بها مواد مشعة رغم خطورتها على الإنسان أهملت وتركت عرضة للنهب ولم تحظ بأي اهتمام من سلطات الاحتلال.
11-
الصحافــة
تحت النظام السابق، كانت الحكومة والحزب الحاكم يملكان ويسيران ويشرفان ويراقبان جميع الصحف والمجلات ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، وكمـا كان إصدار الكتب يتطلب
الموافقة المسبقة لوزارة الإعلام والثقافة أو الأجهزة الأمنية.
كما كان الإعلام مسخراً لخدمة النظام وبالذات رئيس الجمهورية، لذلك لا مجال للحديث عن حرية الصحافة ولا حرية التعبير في ظل النظام السابق.
بعد سقوط النظام ومنذ دخول قوات الاحتلال يعاني الصحفيون من ظروف معقدة من الناحية المهنية ومن نواح أخرى خاصة الناحية المعيشية التي أخذت تتفاقم.
فقد سرحت قوات الاحتلال أكثر من ستة آلاف من العاملين في وزارة الإعلام معظمهم من الصحفيين. ورغم وجود حوالي 160 صحيفة ودورية الآن فإنها على كثرتها لم تستطع استيعاب العدد الكبير من الصحفيين الذين فرضت عليهم البطالة القسرية.
ورغم أنه لا توجد رقابة على الصحف والمطبوعات، إلى أن الظروف الأمنية الضاغطة ووجود ميلشيات مسلحة مرتبطة بأطراف سياسية، وانتشار الأسلحة في الشارع العراقي، شكل هاجسا يؤرق الصحفيين وأصحاب الرأي وخاصة بعد عمليات التصفية التي طالت بعض المفكرين والمثقفين، كما يمارس البعض رقابة ذاتية صارمة على ما يكتبه، واتجه البعض إلى معالجة قضايا خارجية وقضايا لا تجلب الضرر رغم خطورة وأهمية الشأن العراقي.
عدم وجود قانون للمطبوعات بالإضافة إلى كونه سمح للكثير ممن لا علاقة لهم بالصحافة لولوج هذا الطريق فانه عمليا ترك الحرية لسلطات الاحتلال والسلطات المرتبطة بها للتعسف في اتخاذ التدابير والإجراءات ضد الصحفيين وضد عدد من الصحف التي دوهمت مقراتها وأتلفت محتويات مكاتبها وأغلقت دون مسوغ قانوني.
المعيار السياسي هو السائد في إصدار الأحكام على المكاتب الصحفية، فقد تم قتل صحافيين ومراسلي فضائيات وصحف واعتقال البعض منهم، ومنع البعض الآخر من تغطية أحداث بعض المواقع السياسية.
12- 
سيادة القانون
الوثيقة الأساسية في العراق هي الدستور المؤقت لعام 1970 الذي تم تعديله عام 1973 وعام 1974 وحسب أحكام هذا الدستورفان مجلس قيادة الثورة في العراق هو الهيئة العليا في الدولة، ويمارس صلاحيات تنفيذية وتشريعية عن طريق اقتراح تشريعات ومراسيم إدارية، غالبيتها الساحقة تعارض مبادئ الدستور نفسه، والقضاء العراقي ليس له صلاحية مراجعة القرارات الإدارية، الأمر الذي أدى إلى هدم سيادة القانون.
أمثلة عن القرارات إلى اتخذها مجلس قيادة الثورة :
– 
القرار رقم 840 القاضي بإعدام كل من أهان بطريقة علنية رئيس الجمهورية، أو مجلس قيادة الثورة أو حزب البعث، أو المجلس الوطني أو الحكومة.
– 
القرار 59 لسنة 1994 القاضي بقطع يد السارق أو قطع الرجل اليسرى في حالة العود.
– 
القرار 92 لسنة 1994 القاضي بقطع اليد عن فعل تزوير الكتب الرسمية.
– 
القرار 109 لسنة 1994 القاضي بوشم جبين المعاقب بقطع اليد.
– 
القرار 115 لسنة 1994 القاضي بقطع أدن المتخلف عن الخدمة العسكرية ومن يأويه أو يخفيه أو يتستر عليه.
– 
القرار 117 لسنة 1994 القاضي بقطع اليد أو الأذن أو الوشم لكل من ساعد على إزالة وشم أو أجرى عملية تجميل لليد أو الأذان المقطوعة.
لذلك ومن أجل تجاوز أزمة حقوق الإنسان في العراق، يجب عدم الاكتفاء بالإشارة إلى التجاوزات والممارسات والانتهاكات، لكن لابد من تحديد مواطن الخلل في النظام القانوني في العراق، حتى يمكن اقتراح التعديلات اللازمة لهذا النظام حتى ينسجم مع مبادئ القانون الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
الاحتلال وسيادة القانون
عاين وفد المنظمة حالة انعدام القانون والنظام السائدة في العديد من مناطق العراق وقد أعرب الكثير من الذين التقى بهم عن إحساسهم بالخوف وانعدام الأمان، و خاصة وأن سلطات الاحتلال غير مكترثة بالأمر.
الأشخاص المشتبه فيهم جنائيا يختلف الأمر بالنسبة للمحتجزين من قبل قوات التحالف عنه عن المحتجزين على أيدي الموظفين العراقيين المكلفين بتنفيذ القوانين، مما يخلق نظاما ذا مستويين. ومذكرتي سلطة التحالف 2 و3 اللتين تناولتا تطبيق قانون الإجراءات الجنائية تكرسان هذا النظام وتضعان معايير مزدوجة بشأن المشتبه فيهم جنائيا.
المشتبه فيهم المحتجزين من قبل قوات التحالف، يتمتعون بضمانات أقل بحيث لا يحق لهم الاتصال بمحاميهم ولا ذويهم، وقد فتحت قوات التحالف مكتبا في قصر المؤتمرات حيث يتقدم أهل المقبوض عليه للسؤال عن مكان تواجده وبعد اثباث قرابته بالمبحوث عنه يسلم رقما ومكان تواجده، لكن هذا لا يعني إطلاقا أن زيارته مسموح بها. أو أن المحتجز له حق إبلاغ أهله باحتجازه ومكان تواجده وهذا خلاف للفصل 30-13 من المذكرة 2 لسلطة الاحتلال التي تنص على وجوب السماح للموقوفين الذين لم يحاكموا بإبلاغ عائلاتهم فورا باعتقالهم، أو أنه سوف يحال إلى هيئة قضائية مهما طالت مدة احتجازه مما يتناقض مع محتوى المذكرة رقم 3 لسلطة التحالف التي تنص على أن المحتجزين من قبل قوات التحالف يجب أن يمتثلوا أمام موظف قضائي في أقرب وقت ممكن، على أن لا تزيد المدة عن 90 يوما من تاريخ احتجازهم. كما أن هذه المذكرة نفسها تتحدث في الفصل الثامن منها على حق كل المعتقلين المشتبه في ارتكابهم أفعال جنائية في استشارة محام أثناء احتجازهم دون قيود زمنية إلا إذا كان المشتبه فيه في مركز اعتقال تديره قوات التحالف، حيث لا يمكن التمتع بهذا الحق إلا بعد مرور 72 ساعة على دخوله المركز، والواقع العملي أن هذا النوع من المشتبه فيهم محرومون من الاتصال بالمحامين.
أما أماكن الاحتجاز التي تديرها وزارة العدل فيسمح فيها بزيارات منتظمة كما يسمح بالاتصال بمحامي.
ومما تجدر الإشارة إليه أن سلطات الاحتلال قد لا تنفذ قرارات المحاكم القاضية بإطلاق سراح معتقلين بكفالة كما لا يتم تنفيذ قرارات المحاكم بإطلاق سراح المعتقلين بلا قيد أو شرط إلا بعد موافقة المسئول العسكري.
إن ازدواجية المعايير في التعامل مع المشتبه فيهم، وعدم احترام الولاية القضائية للمحاكم العراقية فيما يتعلق بالتهم الجنائية وعدم تنفيذ قوات التحالف قرارات المحاكم بإطلاق سراح المعتقلين بكفالة وإجبارية الحصول على الموافقة المسبقة للقائد العسكري على إطلاق سراح المشتبه فيه بلا شروط، عوامل تقوض سلطة القضاء العراقي ، كما تقوض مبدأ سيادة القانون.
المحكمة الجنائية المركزية العراقية
ألغت سلطة الاحتلال المحاكم الثورية ومحاكم الأمن القومي، وأصدرت القرار 13 أنشأت بموجبه المحكمة الجنائية المركزية العراقية بولاية قضائية عن الجرائم المرتكبة ابتداء من 19 مارس/آذار 2003 وتطبق قانون العقوبات العراقي وقانون الإجراءات الجنائية العراقي. ويعين قضاتها لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد من قبل مسئول سلطة التحالف
ويلاحظ على هذه المحكمة ما يلي:
– 
أنها منشأة من قوة محتلة، وحسب اتفاقية جنيف الرابعة فإن إنشاء المحاكم من قوى الاحتلال يجب أن يكون استثنائيا، وأن المحاكم في الأراضي المحتلة يجب أن تستمر في العمل.
– 
إن قضاتها يعينون لفترة مؤقتة، مما لا يوفر الأمان الكافي لشغل المنصب، ويشكل بدوره مسا باستقلالية القضاء.
– 
إن قرار إنشائها أغفل قضيتا الجنس والرأي السياسي ضمن القضايا التي لا يسمح للقضاة بممارسة التمييز على أساسها.
– 
أقر القرار المنشئ للمحكمة وضعية “صديق المحكمة” هذه الصفة تمكن من يحوزها من المثول أمام المحاكم لعرض الأدلة أو تقديمها، وهي وضعية غريبة عن القضاء بصفة عامة والقضاء الجنائي بصفة خاصة، وخاصة وأن التمتع بهذه الصفة مقصور على السلطة المؤقتة وقوات التحالف.
ولاية القضاء العراقي على سلطة وقوات الاحتلال
ألغت المذكرة رقم 3 لسلطة الاحتلال الولاية القضائية للمحاكم العراقية على أي فرد من قوات التحالف، سواء ما تعلق بالمسائل المدنية أو الجنائية بما في ذلك معاملة المحتجزين لدى قوات التحالف وبالتالي فان هناك غموض فيما يتعلق بالسبل الواجب إتباعها من أجل إنصاف الضحايا وتعويضهم وخاصة في مجال استخدام القوة أثناء الاعتقال وسوء المعاملة أثناء الحجز، مما يجعل من الضروري توضيح الآليات التأديبية والقضائية لمساءلة سلطة التحالف وقواتها عن التجاوزات المرتكبة، كما أنه من الضروري نشر المعلومات المتعلقة بهذه الآليات حتى يتمكن الضحايا من استخدامها.
القضــاء

الدستور العراقي أوكل تنظيم القضاء إلى القانون، ورغم الإشارة في الدستور إلى أن القضاء مستقل ولا سلطان عليه غير القانون وأن حق التقاضي مكفول لجميع المواطنين وإقراره بمبدأ افتراض البراءة وقدسية حق الدفاع في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة، فان القضاء في العراق في ظل النظام السابق لا يشكل سلطة مستقلة، لأن النظام لم يكن يعترف إلا بوجود سلطة واحدة في المجتمع – سلطة مجلس قيادة الثورة- وتتفرع على هذا المجلس مهام تشريعية ومهام إدارية ومهام قضائية، لذلك كان القضاء مجرد وظيفة تخضع في تنظيمها وتحديد اختصاصاتها وطرق إدارتها لإرادة مجلس قيادة الثورة.
لذلك فالعلة التي أصابت القضاء في العراق سببها ممارسات مجلس قيادة الثورة الذي كان يتدخل بصورة سافرة في عمل القضاء بتعزيزه المحاكم الاستثنائية، وإنشائه لمحاكم خاصة لمحاكمة أشخاص بتهم، الخيانة، التآمر على الحزب والدولة وفق إجراءات لا توفر للمتهمين أدنى الضمانات. كما أن أحكام هذه المحاكم غير قابلة لأي مراجعة من هيئة قضائية أعلى.
القضاة الحاليون في الهيئات القضائية العراقية كلهم عملوا في ظل النظام السابق، والبعض منهم عليه الكثير من التحفظات، مما حدى ببعض منظمات حقوق الإنسان – منظمة حقوق الإنسان والديموقراطية في العراق مثلا- أن تراسل وزير العدل والحاكم المدني لسلطة الاحتلال للمطالبة بإبعاد القضاة الذين تورطوا مع النظام السابق، والاعتماد على قضاة رفضوا بشكل أو بآخر أوامر الأجهزة القمعية أو المحامين المشهود لهم بالنزاهة.
مجلس القضاة
أصدرت سلطة الائتلاف الأمر 35 شكلت بموجبه مجلس القضاة، ليشرف على نظامي القضاء والنيابة في العراق، ويؤدي وظائفه بشكل مستقل عن وزارة العدل. وتكون له الواجبات المحددة التالية:
– 
توفير الرقابة الإدارية على جميع القضاة وجميع وكلاء النيابة، باستثناء أعضاء المحكمة العليا.
– 
التحقيق في الادعاءات الخاصة بسوء السلوك وعدم الكفاءة المهنية الواردة بحق أعضاء سلك القضاء والنيابة العامة، وكلما كان ذلك مناسبا/ اتخاذ الإجراءات التأديبية أو الإدارية المناسبة بحقهم، ويشمل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، تنحية القاضي أو وكيل النيابة عن منصبه، بما في ذلك أعضاء المحكمة العليا.
– 
ترشيح أشخاص أكفاء، كلما لزم الأمر، لشغل المناصب القضائية الشاغرة أو مناصب النيابة العامة الشاغرة، والتوصية بتعيينهم.
– 
ترقية القضاة ووكلاء النيابة وترفيعهم وتحديث مهاراتهم ونقلهم.
– 
تعيين أو إعادة تعيين القضاة ووكلاء النيابة لشغل مناصب محددة في الجهاز القضائي وفي النيابة العامة، كما ينص على ذلك قانون التنظيم القضائي (القانون160 لعام1979). وقانون الادعاء العام (القانون 159 لعام 1979).
بالتوازى مع إنشاء مجلس القضاة والنص على استقلاليته عن وزارة العدل، أصدرت سلطة الائتلاف الأمر 15 ل 22 يوليو/حزيران 2003 يقضي بإنشاء لجنة المراجعة القضائية المشكلة من ثلاثة قضاة عراقيين وثلاثة غير عراقيين يرشحهم كبير المستشارين ويعينهم المدير الإداري لسلطة الائتلاف ويعملون تحت إشرافه، ومهامها تتعلق بالتحقيق في مدى صلاحية القضاة ووكلاءالنيابة، وإمكانية التقرير بفصلهم. الشيء الذي يجعل مهام هذه اللجنة تتداخل مع مجلس القضاة، ويجعلها تتعارض مع المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية المعتمدة من قبل الجمعية العامة للأمم في 29/11/1995 وتنتهك المادة 54 من اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949 التي تحظر على دولة الاحتلال أن تقيم وضع الموظفين أو القضاة في الأراضي المحتلة أو أن توقع عليهم عقوبات أو تشرع ضدهم قوانين تعسفية أو تمييزية إذا امتنعوا عن تأدية وظائفهم بدافع من ضمائرهم.
الاحتلال والقانون الإنساني الدولي
الحاكم المدني السفير بول بريمر أكد في الرسالة التي وجهها لمنظمة العفو الدولية بتاريخ 27 يونيو/حزيران على أن اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 هي المعيار الوحيد ذو الصلة المعمول به في سياق ممارسات الاحتجاز من جانب قوات التحالف. على أساس أن هذه الاتفاقية تتقدم من الناحية القانونية، عل سواها من اتفاقيات حقوق الإنسان.
ويستخلص من العبارات التي تضمنتها الرسالة أن السفير بريمر يريد أن يفصل بين الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والنصوص الدولية التي تشكل القانون الإنساني الدولي، وأكثر من هذا يريد أن يجعل من اتفاقية دولية -اتفاقية جنيف الرابعة- أعلى من النصوص الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
إن هذه التفرقة وهذه التراتبية مرفوضتان لأن احترام القانون الإنساني الدولي يتطلب بالضرورة احترام أحكام معاهدات حقوق الإنسان، نظرا للتكامل بين المنظومتين، إضافة إلى أن العراق طرفا في أغلب هذه المعاهدات، ونصوصها أدمجت في القانون الداخلي وان عرفت إهمالا في ظل النظام السابق، فان المنطق يفرض أن سلطة الاحتلال مطالبة بتفعيل القوانين المنسجمة مع الشرعةالدولية لحقوق الإنسان، وحمايتها ،لأن الالتزام بهذه المعاهدات يشمل حتى الأراضي التي يتم احتلالها عسكريا وخاصة أن الدولة المحتلة صادقت على المعاهدات. ورغم إقرار الحاكم المدني بخضوع قواته لاتفاقية جنيف الرابعة، مع ذلك فإن ما هو معلن في الرسالة بكل أسف لا يجد التطبيق على الأرض وسلطة التحالف وقواته تنتهك قواعد القانون الإنساني الدولي ومظاهر الانتهاك تتمثل – ليس على سبيل الحصر- فيما يلي:
– 
إصدار تشريعات خارج النطاق الذي حددته اتفاقية جنيف الرابعة.
– 
الهجمات المباشرة ضد المدنيين.
– 
الهجمات العشوائية التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية.
– 
الاستعمال العشوائي للأسلحة.
– 
إهمال حماية السكان المدنيين من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية.
القيام بهجمات انتقامية.
– 
عدم حماية الأهداف الثقافية.
– 
عدم احترام أماكن العبادة.
– 
تلويث البيئة.
– 
إهمال المنشآت التي تحتوي مواد خطيرة.
المجتمع المدني

يحيل الحديث عن المجتمع المدني تلقائيا إلى الحديث على حرية التجمع وتكوين الجمعيات، وقد اعتقد العراقيون أنهم استرجعوا هذا الحق الذي حرموا منه لعقود بسقوط نظام صدام، وعليه شرعوا في تكوين جمعيات وروابط ومؤسسات ومنظمات مستقلة في غياب قانون عراقي ينظم ممارسة هذا الحق.
غلبة الهاجس الأمني والتخوف من أنشطة بعض المنظمات، جعل سلطة الاحتلال تصدر الأمر 45 في شهر أغسطس 2003 ليكون قانونا للجمعيات في العراق ومنحت المنظمات الموجودة أجل 90 يوما للامتثال لمقتضى هذا الأمر.
المجلس الانتقالي بدوره أصدر القرار رقم 3 لسنة 2004 أنشأ بمقتضاه “لجنة شؤون المجتمع المدني” وتشرف على تشكيل المجالس المؤقتة للاتحادات والجمعيات والنقابات وغيرها من التنظيمات.

الأمر 45 والقرار 3 لسنة 2004 كانا محل انتقادات من الفاعلين الأساسيين في المجتمع العراقي بحيث يعاب على الأمر 45 ما يلي:
– 
أنه أمر يغلب عيه الهاجس الأمني.
– 
إصدار قانون للجمعيات يدخل في باب التشريع الذي لا يحق لسلطة الاحتلال الخوض فيه.
– 
الأسباب التي من أجلها يحق لسلطة الاحتلال رفض منح المنظمة شهادة تسجيل، صيغت بصورة فضفاضة وغير محددة.
أما القرار 3 لسنة 2003 فيغلب عليه
– 
أنه مس هيئات إدارية لجمعيات ونقابات انتخبت بصورة ديموقراطية بحضور ملاحظين دوليين مثل حالة نقابة المحامين.
– 
أن لجنة شؤون المجتمع المدني التي أنشأها القرار للإشراف على تشكيل المجالس المؤقتة للاتحادات والجمعيات والنقابات وغيرها من التنظيمات الأخرى، تمس بصورة مباشرة الحق في حرية عمل التنظيمات المدنية مما يخالف نص المدة 8 فقرة ج من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع العلم وأن العراق انضم إلى هذا العهد سنة 1970.
قضايـا حالـة :
1- 
الحاج شوقى الكبيسى وأولاده
يبلغ الحاج “شوقى الكبيسى” 70 عاماً من العمر، وهو ميسور الحال ويعمل بالتجارة، ويسكن فى حى العامرية الهادئ فى بغداد، وهو حى تسكنه الطبقة المتوسطة ميسورة الحال، وله أربعة من الأولاد وثلاثة من الفتيات، فضلاً عن ابن خامس “أمجد” عثر عليه مقتولاً فى العام 1991 بعد اختطافه بواسطة بعض أصدقائه الذين تعتقد الأسرة بأنهم من عناصر الأمن والاستخباراتالعراقية الذين طالبوا الأسرة بسداد مبلغ خمسين ألف دولار أمريكى كفدية، وهو المبلغ الذى لم يكن ممكناً توافره فى ظل الظروف الاقتصادية اللاحقة على حرب الخليج الثانية.

فوجئ الحاج شوقى الكبسى وأفراد أسرته فى الساعة الواحدة من صباح 17 نوفمبر/تشرين ثان 2003 الذى وافق 13 رمضان الهجرى باقتحام المنزل بواسطة خمسين جندى أمريكى مدعومين بطائرات مروحية وعربة مدرعة، وقاموا باقتحام الأبواب بقنابل عرفها أفراد الأسرة بأنها “قنابل تفريغ هواء”، فضلاً عن قنابل صوتية، وقاموا بتوقيفه مع ثلاثة من أبنائه الذكور المتواجدين بالمنزل وسائقه السودانى الجنسية، وقيدوا أيديهم خلف ظهورهم باستعمال قيود بلاستيكية مسننة، ووضعوا فوق رؤوسهم الأكياس السوداء ليحولوا دون قدرتهم على النظر، فيما جمعوا النساء والأطفال الصغار فى غرفة واحدة، وحاولوا فتح خزائن خاصة بالأموال والأوراق، وعندما وجدوا صعوبة فى فتحها طلبوا من الأسرة مفاتيح هذه الخزائن وحصلوا عليها وقاموا بفتحها والاستيلاء على محتوياتها من أموال شملت خمسة ملايين وستمائة دينار عراقي وثمانية وأربعين ألف دولار أمريكي، فضلاً عن إحراق جزئي لمبلغ 1340 دولار أمريكي خلال محاولتهم فتح الخزائن عنوة، واتهموا الحاج بالمسئولية عن إحراقها لإتلاف أدلة تثبت مسئوليته عن تزييف العملات، كما استولوا على كل ما وجدوه من مصاغ وحلى خاص بالنساء وعدد من الأوراق والوثائق الخاصة بالملكيات والمتعلقة بالهويات والجنسية.
وسأل قائد الجنود الحاج عن مسئوليته عن بناء مسجد قريب من منزله، ورد بالإيجاب، فسأله عن أنشطة للمقاومة تدور فى المسجد ويمارسها أحد الخطباء، فنفى الحاج علمه بهذه الأنشطة قائلاً أنه يصلى صلاة الجمعة بانتظام فيه وبعض الصلوات الأخرى بشكل غير منتظم، وأن بناء المساجد أمر يحث عليه الدين الإسلامي كعمل من أعمال الخير والتقرب إلى الله.
واقتيد الحاج مع أبنائه الثلاثة “أسعد” 40 عاماً، و”أكرم” 33 عاماً، و”أرشد” 27 عاماً، وسائقه السوداني “ضوء البلول” 40 عاماً فى عربة مدرعة إلى مركز احتجاز بقصر السجود الرئاسي السابق، وفى البداية تم إجبارهم على الوقوف 20 ساعة متصلة ومنعهم من الكلام فى ظل استمرار تقييد، بينما رفعت الأكياس السوداء عن رؤوسهم، وذلك قبل نقلهم إلى غرف احتجاز منفصلة هى بطبيعتها عبارة عن قفص حديدى يمكن الرؤية من خلال اتجاهاته الأربعة يسميه الجنود الأمريكيون يسمونه“CPR”، بقوا به لمدة أسبوع، فيما جرى الإفراج عن السائق بعد أربعة أيام بعد التحقيق معه.
وقد جرى التحقيق مع الحاج شوقي حول مسألتين الأولى اتهام بتزييف العملة بناء على بلاغ لم يذكر صاحبه، والثاني بشأن علاقته بالمسجد الذى أقامه قريباً من مسكنه.
وبعد انتهاء احتجازه مع أبنائه الثلاثة لمدة أسبوع فى قصر السجود، تم نقل الأولاد إلى سجن أبو غريب ومن دون إخبار والدهم بذلك، فيما تم نقله إلى حجز آخر فى قصر الرضوانية الرئاسي السابق، وبقى به لأقل من أسبوعين حتى تم نقله أيضاً إلى سجن أبو غريب يوم 30 نوفمبر/تشرين ثان.
وعلم الحاج عند نقله إلى أبو غريب من معتقلين آخرين بأن أبنائه موجودين بذات السجن منذ نقلهم من قصر السجود، وقضى الحاج 6 أيام فى خيمة صغيرة تضم العشرات من المعتقلين الأمنيين (من 50 إلى 60 معتقلاً)، قبل نقله إلى زنزانة حديدية بأحد قطاعات السجن المشيدة.
وبحسب إفادته تبلغ مساحة الزنزانة واحد ونصف متر مربع، وقضى فيها أكثر من خمسين يوماً، قبل إعادته إلى إحدى الخيام، وبقي خلال هذه الفترة معزولاً عن أبنائه حتى تم الإفراج عنه يوم 24 فبراير/شباط 2004 مع أولاده الثلاثة.
عانى الحاج من تدهور حالته الصحية خلال الاحتجاز، لا سيما خلال حبسه بالخيام مع إصابته بأمراض الربو، فضلاً عن إصابته بمرض الارتفاع فى ضغط الدم، ولكنه أفاد بأنه تلقى رعاية طبية جيدة عندما احتاج لذلك.
ولكنه أكد معاناته من أعمال التعذيب النفسى التى يمارسها الحراس الأمريكيون من خلال وسائل عديدة أبرزها تشغيل أغاني وموسيقى أجنبية صاخبة بصوت عال بهدف إزعاج المعتقلين ومنعهم من النوم والراحة لمدد تصل إلى أربعة وعشرين ساعة فى معظم الأيام، فضلاً عن تعذيب معتقلين آخرين علنا بكشف عوراتهم وعرضهم عرايا أمام زملائهم فيما تبدو عليهم آثار الإعياء والجروح الشديدة نتيجة التعذيب. كما شكا من قلة مياه الشرب، والتى كانت ملوثة، وسوء وجبات التغذية وقلة حجمها.
وبينما أكد عدم تعرضه للاعتداء فقد أكد مشاهدته للكثير من أعمال التعذيب والاعتداءات ضد معتقلين آخرين.
وقال الحاج أنه لمس تفرقة مذهبية وطائفية فى المعاملة، حيث يقوم المحققين الأمريكيين عبر المترجمين بسؤال المعتقل عن دينه ومذهبه وعشيرته، مشيراً إلى أن عدداً محدوداً للغاية من المعتقلين الأمنيين كان من غير العرب السنة الذين يمثلون بحسبه 95 % من المعتقلين الأمنيين فى أبو غريب.
ولكنه أكد أن أعمال التعذيب وسوء المعاملة لا تقتصر على مذهب معين أو على العراقيين وحدهم، حيث أكد مشاهدته لبعض الإيرانيين المعتقلين، أحدهم كان مصاباً بجروح فادحة كنتيجة واضحة لضربه وتعذيبه.
وأفاد أنه شاهد كثيراً من رجال الدين العجائز المعروفين بين المعتقلين، خاصة من منطقة الفلوجة شمال غربي بغداد، وتذكر من بينهم الشيخين الشقيقين “جمال شاكر النزال” إمام وخطيب جامع الكبير بالفلوجة، و”كمال شاكر النزال” واللذين كانا محتجزان فى الخيام منذ أشهر طويلة.
كما أفاد الحاج بأن الفترة التى قضاها فى الخيام كانت غاية فى السوء نتيجة البرد القارس الذى اتسم به المناخ خلال فترة احتجازه، مشيراً إلى سوء الخدمات التى تشمل نقص فادح فى مياه الشرب والنظافة، وقذارة تجهيزات قضاء الحاجة، فضلاً عن اتسام كثير من معاملات الحراس بالعنصرية، ومنع زيارات الأهل والمحامين.
بخصوص التحقيقات، قال الحاج بأنه تعرض للاستجواب عدة مرات، ولم يذكر له أحد أنه متهم بأى شئ، مشيراً لأن الأسئلة كانت عادة ما تدور حول نشاطاته التجارية وأسفاره الخارجية وزياراته لبعض محافظات العراق بسبب تجارته، وكذا حول حيازته لسلاح مرخص من سلطة الائتلاف المؤقتة.

ولدى الإفراج عنه لم يجر تسليمه ملابسه المدنية، وخرج بلباس السجن إلى الطريق العام يبحث عمن ينقله إلى بيته، وقد طالب قوات الاحتلال لاحقاً برد أمواله ومنقولاته والأوراق المصادرة، وحصل فقط على الأموال النقدية، فيما لم يتمكن من استرداد مصاغ نساء أسرته أو وثائق الملكية والهوية الخاصة به وبأسرته.
وفيما أكد الأبناء الثلاثة على رواية والدهم، فقد أضافوا أنهم احتجزوا لكامل الفترة فى الخيام، وكانوا ينامون خلالها على نوع رديء من السجاد ويغطى كل معتقل بثلاث بطانيات مهترئة، ويتناولون وجبتين قليلتين وباردتين يومياً عبارة عن بيضة وكعك عراقى ومربى صغيرة وكوباً صغيراً من الشاى أو من الحليب.
كما أشاروا إلى أن الحراس قد خصصوا صنبور ماء واحد لكل 700معتقل فى كل كامب (الكامب يضم من 12 – 15خيمة)، ويوجد ثمانية كامبات للخيام فى ساحة أبو غريب، فضلاً عن مخيم صغير تاسع خاص بالتحقيق مع المعتقلين يطلق عليه الحراس اسم “فوجي لاند”.
وأبدى الأبناء خشيتهم من ذكر التفاصيل نتيجة تهديدهم من الضباط الأمريكيين والمترجمين العراقيين بإعادة اعتقالهم فى حال تحدثوا بسوء عن فترة الاحتجاز، مع التأكيد بأن ذلك سيؤدى إلى منع الإفراج عنهم عند تكرار الاعتقال.
ولكنهم أشاروا إلى بعض الوقائع من بينها أن طبيبة عراقية معتقلة يعتقد أنها زوجة مسئول عراقي سابق وضعت طفلها خلال الاعتقال فى زنزانتها دون رعاية طبية، نتيجة رفض الحراس طلبها بنقلها إلى المستشفى، ورفضهم أيضاً استدعاء الرعاية الطبية اللازمة لحالتها فى السجن.
كما أشار أحدهم إلى وجود قرابة 120 زنزانة حديدية تم إغلاقها تماماً بالأخشاب لحبس بعض المعتقلين المعاقبين أو من يشار إلى أنهم مسئولين وضباط سابقين، وأنه رغم وجود قاطع خاص بالنساء المعتقلات على أسس أمنية يفصله سور عن خيام المعتقلين إلا أنهم تمكنوا خلال مرورهم لقضاء حاجاتهم من مشاهدته من بعض الشقوق فى هذا السور، ورأوا فى بعض الأحيان إذلال للنساء المعتقلات بتعريتهن أمام الحراس الأمريكيين وبعض الحراس العراقيين، وقالوا أنهم استمعوا إلى وقائع أكثر مرارة من سيدة أفرج عنها معهم بين دفعة تضم 59 معتقلاً، ورفضوا التحدث عنها.
ولكن أحدهم أشار إلى أنه استمع خلال التحقيق إلى امرأة قبض عليها مع زوجها الضابط السابق بالجيش من غرفة نومهما بدون ملابس، وتم نقلهما إلى السجن ملفوفين بملاءات السرير.
وقال أنه شاهد عشرات من المعتقلين المنقولين من قصر الأعظمية الرئاسي السا”