العقوبات الاقتصادية على العراق

             اللجنة العربية لحقوق الإنسان

ARAB COMMISSION FOR HUMAN RIGHTS

COMMISSION ARABE DES DROITS HUMAINS

 

العقوبات الاقتصادية على العراق

بعثة تحقيق إلى بغداد من 13 إلى 20 أيار/مايو 1999

قام بها

عصام الدين حسن (مصر) فيوليت داغر (لبنان)

أعد التقرير

الدكتورة فيوليت داغر

الأمينة العامة للجنة العربية لحقوق الإنسان

LES SANCTIONS ECONOMIQUES SUR L’IRAQ

MISSION DE LA COMMISSION ARABE DES DROITS HUMAINS

EFFECTUEE PAR VIOLETTE DAGUERRE ET ISSAM EDDIN HASSAN

RAPPORT REDIGE PAR : VIOLETTE DAGUERRE

باريس اكتوبر/تشرين الأول 1999

C.A.DROITS HUMAINS -5 Rue Gambetta – 92240 Malakoff – France

Phone: (33-1) 4092-1588 * Fax: (33-1) 4654-1913 * Email: cdfdh@compuserve.com

http://home7.swipnet.se/~w-79939

http://www.come.to/achr

نتوجه بالشكر إلى جميع الأشخاص الذين التقوا البعثة وزودونا بالمعلومات والوثائق القيمة لهذا العمل ونخص السيدات والسادة :

طارق عزيز : نائب رئيس الوزراء

سعدي مهدي : وزير العمل والشؤون الاجتماعية

نزار حمدون : وكيل وزارة الخارجية

سعد قاسم حمودي : الأمين العام لمؤتمر القوى الشعبية العربية

طه شكر محمود : رئيس دائرة حقوق الإنسان في الخارجية

خالد جواد الساعدي : رئيس لجنة حقوق الإنسان في المجلس الوطني

شوقي مرقص : وكيل وزارة الصحة

سليم عبد العباس ياسين : وكيل وزارة التربية

عدي صبحي الطائي : مدير عام وكالة الأنباء العراقية

سلام خطاب الناصري : مدير عام دائرة الإعلام

حسن نفل : النائب الأول للاتحاد العام لشباب العراق

غانم المرسومي : مدير مستشفى صدام للأطفال

قيس محمد نوري : أمين عام بيت الحكمة

ناصرة السعدون : مديرة مركز أبحاث أم المعارك

ليلى عبد الدائم : عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنساء العراق

أمل جعفر : مسؤولة دار رعاية المسنين

حياة عبد علي: مسؤولة المتحف الحضاري للمرأة

رياض هادي، هاني الحديثي، رياض النجم، رعد الألويسي، إحسان المفرجي وأعضاء آخرون من الجمعية العراقية لحقوق الإنسان.

كان لنا كذلك لقاءات مع أطراف أخرى من المجتمع المدني العراقي أمثال مديرة ومدرّسة في مدرسة الكرخ للبنات، أم غيداء : المسؤولة في ملجاء العامرية، قاسم السبتي: صاحب معرض الفن التشكيلي، ولا ننسى بالأخص حسني العودات وزوجته وأولاده الذين سهلوا لنا كثيرا إقامتنا في بغداد.

شكر خاص للقائم بأعمال السفارة العراقية في باريس الدكتور غازي فيصل حسين الذي قام بكل ما في وسعه لتسهيل هذه المهمة وكذلك الدكتور توفيق العودات الذي لم يأل جهدا في سبيل ذلك.

أجريت لقاءات مثمرة مع أطراف من المعارضة العراقية في الخارج ونخص بالذكر منها الأستاذ رائد فهمي، من قيادة الحزب الشيوعي العراقي والأستاذ باسم كمونه.

لم يكن لهذا التقرير أن يأخذ صيغته الحالية لولا المراجعة المدققة والملاحظات القيمة للزميلين الكادرين في اللجنة العربية لحقوق الإنسان الدكتور عبد الحسين شعبان (قانوني وكاتب عراقي) ورئيس فرع المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، والدكتور كاظم حبيب (اقتصادي وكاتب عراقي) فلهما جزيل الشكر على الجهد البحثي القيم ومشقة السفر. ومن نافل القول أنني وحدي المسؤولة عن أية عثرات واردة في التقرير.

مقدمة

منذ سنوات وأنا أتابع ملف العقوبات الاقتصادية المفروضة على الشعب العراقي من مجلس الأمن و”الإغلاق” أو “الحظر” الاقتصادي المفروض على الشعب الفلسطيني من الحكومات الإسرائيلية المتتابعة. وقد لاحظت أن أهمية هذا الموضوع وخطورته لا يقابلها للأسف اهتمام كاف من قبل الحركة العربية لحقوق الإنسان. ذلك، رغم تعاطف الشارع العربي عموما، خلافا للموقف الرسمي، مع محنة الشعبين العراقي والفلسطيني.

فأهم لجان التضامن العربية مع الشعب العراقي ومناهضة الحصار مكونة بمبادرات سياسية أو نقابية بينما تبقى مشاركة جمعيات حقوق الإنسان محدودة إن لم تكن خجولة وأحيانا مناوئة للمبادرات التي تتخذ في هذا الصدد. لقد كان على سبيل المثال طرح فكرة تنظيم ندوة أو إيفاد بعثة تحقيق حول الحصار مثار نقاشات وخلافات مع أطراف تنتمي لهذه الحركة. من أسبابها المعلنة التخوف من إمكانية استعمال التعابير التضامنية من قبل السلطة العراقية في خدمة أهدافها.

بالإضافة للتشويش وعدم نيل هذا الموضوع البالغ الخطورة الأهمية التي يستحقّ، هناك نوع من الرقابة الذاتية، إذا صح التعبير، للعديد من المؤسسات والمنظمات الحقوقية حول موضوع الحصار المفروض على العراق. تعزى هذه الرقابة في جزء منها للدور المنحاز الذي يلعبه الإعلام بالتعتيم على الواقع والتلاعب بتقديم الخبر والصورة بما يخدم أغراض الطرف الذي يملك موازين القوى في الصراع الدائر. عامل آخر ليس بأقل أهمية هو التقصير الذي تظهره بعض الأطراف داخل حركة حقوق الإنسان تجاه الحقوق الاقتصادية بشكل عام والعقوبات الاقتصادية بشكل خاص.

يضاف لذلك أن موضوع العقوبات الاقتصادية على العراق لم يتم حسمه على صعيد الحركة الدولية لحقوق الإنسان ككل. وهذا الشرخ هو سياسي أكثر منه حقوقي، حيث يتجلى بوجود أغلبية شمالية تعتبر موضوع العقوبات الاقتصادية محصلة قرار أممي (في حالة العراق كما في حالة السودان وليبيا وصربيا) وقرار سيادة الدولة (في حالة كوبا وفلسطين). في الحالة الأولى، هو جزء لا يتجزأ من آليات عمل الأمم المتحدة التي أقرت هذا المبدأ في الفصل السابع من ميثاقها، وفي الحالة الثانية قضية تمس مباشرة الأمن القومي بوجود “نظام معاد للولايات المتحدة في كوبا” و “مخاطر الإرهاب على الأمن الإسرائيلي”.

من الصعب الدفاع عن وجهة النظر هذه من قبل مناضل يتبنى العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية رغم التمايز في الآليات والحدود والجهات ويعتبر حق الحياة من أهم مقومات مفهوم حقوق الإنسان ويقر بحق التنمية. إن المثل الوحيد على نجاح العقوبات هو جنوب إفريقيا التي أثرت العقوبات فيها بالفعل على الشركات المتعددة الجنسية دون أن يدفع السكان السود ضريبة مباشرة لها. بينما ثبت عدم جدوى العقوبات الاقتصادية في الحالات الأخرى وتأثيرها المدمر على الصعيد المجتمعي في البلدان النامية. فالجماعات المستضعفة من أطفال ونساء ومسنين هي التي تدفع الثمن الأغلى. والشرائح الفقيرة والمتوسطة من المجتمع هي التي ينالها الحصار، بينما قلما يؤثر على مستوى معيشة الطبقة السياسية الحاكمة وعلى تغييرها لسياستها.

لقد ترجمت اللجنة العربية لحقوق الإنسان قناعتها بضرورة تحريك ملف العقوبات الاقتصادية على العراق بقيامها بمهمة تحقيق قادتها إلى بغداد من 13 إلى 20 أيار/مايو 1999، على أن تعقب ذلك ندوة تتطرق لكافة وضع حقوق الإنسان في العراق. وقد وجدت في التضامن الذي عبر عنه الزميلان عصام الدين حسن وجاسر عبد الرازق من مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان في مصر (حاليا :مركز هشام مبارك للقانون) خير فرصة للقيام بعمل مشترك. وهي تخص بالشكر الباحث عصام الدين حسن الذي كان خير رفيق في هذه المهمة التي لم يكن تحقيقها من السهولة بمكان.

لقد أقرت المنظمات العربية غير الحكومية التي شاركت في المؤتمر الأول للحركة العربية لحقوق الإنسان (نيسان/أبريل 1999) في إعلان الدار البيضاء “دعوة مجلس الأمن لمراجعة نظام العقوبات الدولية وأساليب تطبيقها ومطالبته بإصدار قرار فوري غير مشروط بإنهاء العقوبات الاقتصادية على العراق باعتبارها سلاحا من أسلحة الإبادة الجماعية التي يعاني منها السكان المدنيون”.

طموحنا اليوم هو ترجمة هذا القول بالفعل عبر وسائل النضال المختلفة للضغط من أجل رفع الحصار فورا عن شعب العراق. حيث باسمنا وعلى مرأى منا ترتكب جريمة إبادة جماعية بحق شعب أعطى الكثير للبشرية كما وتجمعنا به قوا سم مشتركة عديدة. فبنفس القناعة والعزيمة التي تجعلنا نتحرك من أجل سجين سياسي في بلد ما علينا أن نتحرك لوقف موت أطفال يبيدهم الحصار يوميا.

لقد طرحت اللجنة العربية لحقوق الإنسان في العام المنصرم على منظمات حقوق الإنسان العربية مشروع “اتفاقية دولية لحماية حقوق الإنسان ومنع ارتهان الشعوب بالعقوبات الاقتصادية” (أنظر الملحق رقم 1). ورغم قلة ردود الفعل عليه حتى اليوم ما زلنا نأمل بمساعدة الزملاء نشطاء حقوق الإنسان لتحقيق أكبر انتساب عالمي له وفرضه على المجتمع الدولي. تجدر الإشارة إلى أن الملتقى الفكري السابع للمنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع بريطانيا حول “الحصار الدولي والواقع العربي” المنعقد في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1998 قد تبنى هذه الفكرة ودعا إلى تعميمها ونشرها والعمل على إنجازها بالتعاون مع منظمات وحركات حقوق الإنسان. لقد آن الأوان لخوض المعركة القانونية كي لا تتكرر هذه المأساة البشرية على شعوب تجبر على دفع ثمن باهظ لقرارات سياسية ومصالح اقتصادية لدول عظمى لا علاقة لها بها.

لمحة تاريخية عن العراق

تاريخيا، تعتبر هذه المنطقة من العالم المهد الأول للحضارة البشرية، حيث وجدت بصمات بشرية تعود إلى 120 ألف سنة. وقد عرفت الزراعة والري الصناعي قبل حوالي تسعة آلاف سنة. عرف العراق قديما ببلاد وادي الرافدين أو ما بين النهرين، لكن تجاوزت حدوده الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات لتشمل مساحات أوسع من ذلك. ويعتبر سرجون الأكدي مؤسس أول دولة ضمت بلاد الرافدين في حدودها التاريخية في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وقد ساهم السومريون في نقل التطور البشري من العصر الحجري إلى عصر الاستقرار البشري والزراعة وعالم التاريخ. واخترعوا اللغة المكتوبة وبنوا السدود والقنوات لزراعتهم وثبتوا نظام التوقيت الزمني كما نعرفه اليوم وحسبوا درجات الدائرة وعلموا الرياضيات للإغريق والعرب وخلفوا الأدب العلماني وكتبوا الملاحم مثل ملحمة جلجامش. كما وعرفت بلاد الرافدين سلسلة من القوانين المنظمة للعلاقات والحياة الاقتصادية منذ الألف الثالث قبل الميلاد، ابتداء من قانون أورنمو وقانونأشنون وقانون لبت عشتار وأخيرا قانون حمورابي. هذا القانون، الذي صدر في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، هو شرعة متكاملة تنظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتؤمن عملية الإصلاح وتوطيد الحكم في البلاد. وساهم الأشوريون من جهتهم في تنمية العلاقات التجارية الداخلية لبلاد ما بين النهرين مع المناطق المجاورة وفي العلوم العسكرية وتقويم الأحداث والمكتبات وفي طليعتها مكتبة أشوربانيبال الشهيرة.

مع الفتح العربي الإسلامي الجديد اتخذت البلاد اسمها العراق، من العرق أي الجذر والأصل. وأصبحت من جديد مركزا للحضارة الإنسانية مع بداية العصر العباسي وعلى مدى خمسة قرون أو أكثر قبل أن تسقط على أيدي المغول عام 1258 م. وقد كانت البلاد مخزنا للحبوب والمنتجات الزراعية منتجة ومصدرة لها، وكان عدد سكانها قبل أكثر من ألف عام لا يقل عن 30 مليون نسمة. خلال القرون السبعة التالية لم تعرف الاستقرار وخضعت في عام 1534 للدولة العثمانية ولغاية نهاية الحرب العالمية الأولى عندما احتلتها بريطانيا وأخضعتها لإدارتها المباشرة قبل أن تنصب ملكا عليها فيصل أحد أبناء الشريف حسين وتضعها تحت انتدابها. سنة 1932 أصدرت عصبة الأمم قرارها بإنهاء فترة الوصاية البريطانية وإعلان العراق دولة مستقلة، لكن النفوذ البريطاني استمر في صنع القرار لغاية عام 1958 تاريخ قيام ثورة 14 تموز/يوليو التي أعلنت الجمهورية العراقية بعد حكم ملكي تميز بالفساد وتحقيق المصالح البريطانية وحالة عدم استقرار سياسي عبر عن نفسه بالانقلابات العسكرية العنيفة والانتفاضات الشعبية المتكررة.

تقدر مساحة العراق الحالية بـ 438 ألف كلم مربع تضم أكثر من 21 مليون نسمة من العرب والكرد والتركمان والأشوريين والكلدان وغالبية السكان من المسلمين مع وجود أقليات دينية منهم المسيحيون والصابئة المندائيون واليزيديون وطوائف دينية أخرى. والعراق محاط باليابسة ما عدا الجزء الجنوبي منه الذي يمتلك شريطا مائيا ضيقا نحو البحر، ويمتلك أكبر احتياطي من النفط الخام في العالم بعد المملكة العربية السعودية واحتياطي ضخم من الغاز الطبيعي رغم محدودية إنتاجه واستغلاله. كما وتضم أرضه معادن مختلفة منها الكبريت حيث يعتبر البلد الأول المصدر له. كذلك يتمتع بإمكانيات زراعية هائلة وقدرات واسعة على تحقيق اكتفاء ذاتي لو استغلت هذه الإمكانيات كما يفترض.

كان العراق قد قطع شوطا مهما في التنمية والتصنيع عندما اندلعت الحرب العراقية-الإيرانية في عام 1980 حيث دامت قرابة ثماني سنوات وكلفت الشعبين الجارين خسائر بشرية ومادية هائلة. لقد ساهمت هذه الحرب في إبقاء المنطقة في جو من التوتر الدائم ولعبت دورا كبيرا في مواصلة مصادرة حقوق الإنسان فيها.

أعقب ذلك قيام الجيش العراقي بغزو الكويت واعتباره المحافظة العراقية التاسعة عشر. مما اتخذ حجة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية للتعبئة الدولية والعسكرية ولخوض حرب الخليج الثانية وإخراج العراق بالقوة من الكويت ملحقة الدمار والخراب فيه.

كان العراق قد أبدى اهتماما ملموسا بمكافحة الأمية منذ العام 1978 والتي انخفضت حسب المصادر الرسمية إلى 20% بحلول عام 1987. وبلغت حصة التربية والتعليم 5% من ميزانية الدولة الاعتيادية في عام 1989 وهي أعلى من معدل تخصيصات الدول النامية البالغة 3.8%. كما وشيّد الكثير من البنى التحتية على نطاق المدينة والريف ووصلت الرعاية الصحية عام 1991 حسب منظمة الصحة العالمية إلى حوالي 97% من سكان المدن و78% في الريف. في الوقت نفسه صرفت مبالغ طائلة للأغراض العسكرية بما يزيد عن 253 دولارا أمريكيا بين 1976 و1990 أي بمعدل سنوي قدره حوالي 16.9 مليار دولار. إثر هذين الحربين تقدر الالتزامات التي تواجهها العراق ببلايين الدولارات: 67 من الحرب مع إيران، 97 قيمة تعويضات تطالب بها إيران، 232 قيمة البنية التحتية المدمرة من جراء حرب الخليج الثانية، 108 قيمة تعويضات لمتضرري هذه الحرب و86 ديون وفوائد خارجية.

بمرارة وألم أبصرنا ما آلت إليه اليوم بغداد، عاصمة إيحاء ألف ليلة وليلة، مركز الخلافة العباسية ومدينة الازدهار العربي الإسلامي قبل قرابة ألف عام. هذه المدينة التي احتضنت نخبة شعراء هذا القرن وتعرفنا من رحابها على التاريخ العربي ما قبل الإسلامي في أعمال جواد علي واكتشفنا أسرار التاريخ الاجتماعي المشرقي في جهود علي الوردي واستعدنا قراءة الشعر العربي الكلاسيكي متوجا بمتنبي القرن العشرين محمد مهدي الجواهري وباشرنا قراءة التاريخ الاقتصادي العربي بقلم عبد العزيز الدوري.

حرب الخليج

أعطى غزو العراق للكويت وعدم تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 660 الصادر في 2 آب/أغسطس 1990 الذي يدين الغزو ويطالب بانسحاب القوات العراقية فورا من الأراضي الكويتية مع مباشرة المفاوضات بين الطرفين مبررا لإصدار سلسلة من القرارات استثمرتها قوات التحالف وعلى رأسها الولايات المتحدة لشن حرب على العراق. قبل ذلك، كانت الولايات المتحدة بالتعاون مع حلفائها قد باشرت بإرسال قواتها إلى المنطقة حيث بلغ تعدادها في 17 كانون الثاني/يناير 1991 أكثر من نصف مليون جندي. كما مارست حظرا اقتصاديا مكثفا منذ صدور القرار 661 في 6/8/1990. عملت الولايات المتحدة ابتداء من تشرين الأول 1990 على إصدار قرار من مجلس الأمن لاستخدامه في ترجيح الخيار العسكري لأزمة الخليج ، ذلك رغم اعتراف مسئوليها الحكوميين والعسكريين بفعالية العقوبات الاقتصادية التي طبقت من قبل والتي أدت إلى تدمير الاقتصاد العراقي بتخفيض صادرات هذا البلد بنسبة 97% ومستورداته 90%. ومع تبني القرار 678 في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1990 حصلت الولايات المتحدة على ما أرادته إذ فسرته بما ينسجم مع خططها وتوجهاتها، وهو شن حرب متى تشاء وكيفما تريد بدون الرجوع إلى مجلس الأمن أو الأمين العام. لقد استعملت في هذه الحرب مجموعة واسعة من الأسلحة بعضها تقليدي وبعضها ما فوق تقليدي (الكتروني) وبعضها غير مجرّب وغير معروف ويحظر استعماله كاليورانيوم الناضب.

أسقطت قوات التحالف ما بين 16 كانون الثاني و27 شباط 1991 ما زنته أكثر من مائة ألف طن من القنابل العنقودية والنابالم ومتفجرات الوقود/الهواء وقذائف اليورانيوم الناضب. أي ما يعادل القوة التفجيرية لسبع قنابل ذرية من نوع هيروشيما، وزّعت على العراق برمته قاصفة مواقع كثيرة مرات عدة. فأجهزت العمليات العسكرية على البنى التحتية والهياكل الإرتكازية للبلد من جسور وطرقات ومستشفيات وجامعات ومدارس وجوامع وكنائس وأماكن أثرية ومنشآت بريدية وهاتفية ومحطات توليد كهرباء وضخ وتصفية المياه ومصافي وآبار نفط وخطوط وعربات سكك الحديد ومحطات إذاعة وتلفزيون ومنشآت صناعية ومصانع أسمدة ومراكز تجارية ووحدات سكنية وغيره قدّرت كلفتها بزهاء 190 مليار دولار حسب صندوق النقد العربي. وقد ظهر فيما بعد أن النية من قصف بعض هذه الأهداف وخصوصا في مرحلة متأخرة من الحرب ليس التأثير في سير الصراع بل إحداث أضرار تضطر بغداد لتعميرها بمساعدة أجنبية. كذلك كان أحد الأهداف هو نفط العراق وتحويل البلد إلى حالة ما قبل الصناعة كما أعلن وزير الخارجية الأمريكية بيكر في اجتماعه بنائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز في 9 كانون الثاني 1991: “سنعيدكم إلى العصر قبل الصناعي”.

لقد كان القصف ضخما وعشوائيا وشاملا للبنى الأساسية الاجتماعية والتراث الثقافي. حتى أن قرى منعزلة ومخيمات البدو النائية قد استهدفت. وقد ذكر عن قائد القوة الجوية الأمريكية الجنرال دوغان أنه طالب جنوده باستهداف “ما هو فريد في الثقافة العراقية وما يولى أهمية كبيرة جدا” وطلب معرفة ما له تأثير نفسي في السكان والنظام في العراق. بحيث يمكن أن تتم مهاجمة المساجد والمراكز الدينية الأخرى والمواقع الأثرية الشهيرة. وقد تجاوز عدد الأهداف التي حددها قبل الحرب المخططون العسكريون الأمريكيون كأهداف استراتيجية الـ 57 موقعا ليصل إلى حوالي 700 أثناء الحرب. ما يفوق متطلبات الضرورات العسكرية باعتراف مصادر أمريكية، بما يمكن أن يزيد اعتماد العراق على المساعدات الخارجية بعد الحرب.

تسبب القصف بقتل آلاف العسكريين والمدنيين العراقيين، وذكرت تقديرات بريطانية ومصادر سعودية غير رسمية أنه قتل زهاء مائة ألف جندي عراقي. بينما قدّرت مصادر فرنسية أن الإصابات بين العسكريين والمدنيين بلغت نحو 155 ألف إصابة. تقرير تسرب عن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية قدّر هو الآخر الإصابات بحوالي 400 ألف. ذلك في الحين الذي جرت فيه محاولات لإخفاء حقيقة ما جرى على العالم تضمنت محاولة طرد خبيرة في مكتب إحصاء السكان الأمريكي من عملها عندما نشرت تقديراتها بأن 158 ألف عراقي قد قتلوا في الحرب والأحداث التي تلتها.

لم يهتم الإعلام الموجه بما فعله سلاح الدمار الشامل في البشر واستعمال القنابل العنقودية التي تحتوي الواحدة منها على 247 قنبلة يدوية تنفجر لآلاف من الشظايا شديدة السرعة تمزق من يقع بطريقها دون تمييز بين مدني أو عسكري والتي استعملت ضد سيارات الأجرة والنقل. أو متفجرات الوقود-الهواء التي تنفجر ككرات نارية ضخمة مسببة “مستويات شبه نووية من التدمير”. أو قنابل النابالم التي تنشر على مساحات واسعة مادتها المحترقة بما يفوق 800 درجة مئوية، ويكاد يستحيل إطفاء النوع المحسّن منها كما لا يمكن إزالتها بسهولة عن اللحم البشري. أما عن تأثيرات قذائف اليورانيوم الناضب المحظورة وفقا لقرار صادر عن الأمم المتحدة في ديسمبر 1978 فحدث ولا حرج، حيث لنا عودة لعرضها في مكان آخر من هذا التقرير.

يروي طيار أمريكي عن القصف ما مفاده أن الغارات الجوية لقوات التحالف على العراق كانت “تكاد تشبه إضاءة المصباح في المطبخ ليلا فتنطلق الصراصير مسرعة فنقتلها”. ويروي طيار آخر قائلا: “عندما عدت جلست على جناح الطائرة ورحت أضحك… أتسلل إلى هناك وأضرب هنا وأضرب هناك. اقترب رجل مني وربت كل منا على ظهر الآخر ثم قال : “يا إلهي ظننت أننا قصفنا مزرعة. بدا وكأن أحدا قد فتح بوابةحظيرة الخراف”. كانت القوات الأمريكية قد صورت أفلاما عن هذه المجزرة الواسعة لكن لم يعرض معظمها بالطبع، حيث عنيت السلطات عناية شديدة بإخفاء حجم المجزرة. كما واستبعد الصحفيون من معظم ميادين القتال حتى بعد انتهاء الأعمال الحربية. نقل عن مسؤولي وزارة الدفاع أن “أكوام الجثث العراقية تدفن في قبور جماعية في الصحراء”. ونقلت تقارير أنه تم استعمال البلدوزرات “لدفن الآلاف من قتلى العدو في الخنادق أثناء تقدمها”. لكن هناك من استطاع أن يصف ما شاهد في مجزرة المطلاع أو مجزرة طريق الجهراء-أم قصر.

من يزور ملجأ العامرية المدني (بدأ العراق بناء الملاجئ بعد ضرب إسرائيل للمفاعل النووي العراقي في 7 حزيران/يونيو 1981) في الجزء الغربي من بغداد لا يمكنه إلا أن يكوّن فكرة ولو بسيطة عن حجم المجزرة التي ارتكبتها قوات التحالف بحق المدنيين العراقيين. لقد أغارت عليه ليلة 12-13 فبراير/شباط 1991حيث كان يأوي عدة مئات من الأطفال والنساء والشيوخ مستعملة صاروخا موجها بالليزر ألقي من طائرة من نوع الشبح، دخل من فتحة التهوئة في سقف الملجأ وانفجر في مستشفاه. بعد عدة دقائق أطلق صاروخ آخر عبر الفتحة نفسها بحيث أحدث انفجاره إغلاق الأبواب الفولاذية التي تزن أطنانا متسببا بقذف 11 شخصا خارج الملجأ منهم من بقي حيا وبحرق المئات الباقين ممن كانوا بالطابق العلوي وبتبخر الذين كانوا موجودين في الطابق السفلي. مما لم يسمح بالتعرف على جميع الجثث المفحمة أو المذابة بالماء المغلي عدة آلاف درجة حرارية الذي تدفق من المراجل الضخمة المنفجرة. فما تم استخراجه من البقايا كان لحوالي 403 أشخاص. لكن زهاء 1500 شخص كانوا يسجلون أسماءهم كل ليلة. بقايا من لحوم أولئك الضحايا المتناثرة على الجدران والسقف ما زالت ماثلة أمام العيون تذكر بهول تلك المجزرة، حيث البعض منهم مجسد بصورة معلقة على حيطان الملجأ. أكثر هذه الصور لأطفال يبتسمون للحياة والبراءة في وجوههم قبل أن تخطف همجية الكائن البشري شعلة الحياة منهم. كانت أم غيداء التي فقدت تسعة من عائلتها ونذرت منذ ذلك الوقت نفسها للملجأ شاهد عيان على ما حصل تلك الليلة تشرح لنا ما حدث وبسمة غيداء في الصورة وراءها لا تفارقنا.

إن ما رأيناه في هذا الملجأ هو مثل صارخ لما حصل في أماكن أخرى كثيرة في العراق. في وصف للويز كينكار نقله جيف سيمونز نجد ما يلي: “لقد أعيد العراق إلى الوراء قرنا كاملا، لا كهرباء ولا ماء شرب بل يعتمد على الماء الملوث. الغذاء والوقود شحيحان وثمة مشاكل نقل وبطالة واسعة الانتشار وليس هناك دخل ولذا ليس هناك غذاء. ولا يمكن الحصول على الرعاية الطبية والدواء أو لا يمكن الاعتماد عليهما. التضخم شديد والعلاقات البشرية مقطوعة حقا. وبدا معظم العراقيين مصابين بصعقة صامتة”. لقد تضمن تقرير قدم للأمين العام للأمم المتحدة آنذاك ما يلي: “إن لا شئ كنا قد رأيناه أو قرأناه هيأنا لهذا النوع الخاص من التدمير الذي حل بالبلاد. لقد أدى الصراع الأخير إلى نتائج مريعة للبنى الأساسية الاقتصادية لما كان حتى كانون الثاني/يناير 1991 مجتمعا على درجة عالية من التحضر والمكننة (…) لقد أرغم العراق على التراجع لفترة مقبلة من الزمن إلى العصر ما قبل الصناعي مع كل معوقات الاعتماد ما بعد العصر الصناعي إلى الاستعمال الواسع للطاقة والتقنية”. وقد أكد بريجنسكي مستشار الأمن القومي السابق لكارتر أن حجم الأضرار في العراق “يثير السؤال الأخلاقي عن حجم الرد على غزو صدام للكويت”.

يشير جيف سيمونز إلى سياسة الولايات المتحدة بتصعيد التوتر من أجل تأمين فرص اختبار جيل جديد من الأسلحة حيث يقول في مقدمة كتابه: “سيطر على النفط وابسط الهيمنة الأمريكية على الأقطار الصعبة وبع المزيد من الأسلحة واختبر أسلحة ونظم اتصالات أكثر وأوقع الدمار بين الحين والآخر ثم أرسل المقاولين الأمريكيين واستعمل العتاد ثم شجع صناعات الأسلحة.. فما أهمية الإبادة الجماعية عندما تصبح هذه الأنشطة التجارية المثيرة كلها ممكنة ؟”

العراق في ظل الحصار

الوضع المعيشي

إن العراق اليوم كما وصفه بعض المراقبين وكما رأيناه، أشبه بمعسكر احتجاز واسع، منسي من العالم ومحروم من وسائل الحياة على المدى المنظور. ذلك بسبب العقوبات الإلزامية التي تعد الأكثر شمولا والتي لم يسبق لها مثيل بتاريخ العقوبات. اتخذتها الولايات المتحدة منذ 2 آب 1990 ثم قوتها بقرار مجلس الأمن 661 في 6 آب/أغسطس الذي تضمن إعلان المقاطعة التجارية والمالية والاقتصادية والعسكرية الشاملة. وما زال هذا القرار ساري المفعول إلى اليوم رغم تحقق الانسحاب العراقي غير المشروط من الكويت كما تضمن القرار. لقد فرضت الإجراءات العقابية حظرا شاملا على جميع صادرات العراق ومستورداته من البضائع والخدمات كافة، مجمدة الأرصدة العراقية في الخارج ومحظّرة بيع النفط. وبضغط من الولايات المتحدة تبنى مجلس الأمن في 25 آب القرار 665 وأنشأ حصارا بحريا لتقوية فاعلية نظام العقوبات حيث أجاز استخدام القوة لغرض احترام الحظر على العراق طبقا للقرار 661 . وبعد شهر شدد من الحظر وقرر تطبيق القرار 661 ليشمل جميع وسائط النقل بما فيها الطائرات. وحيث أن “الحظر” في هذه الحال يعد إجراء حرب ويتطلب تخويلا محددا بمقتضى المادة 42 من ميثاق الأمم المتحدة، فقد تم التغلب على العقبة القانونية بالمراوغة واللجوء إلى مفهوم “المنع”. كذلك اتخذت إجراءات لمنع الوكالات الدولية من تقديم المساعدات الضرورية ومن التحقيق في الأزمة الصحية المتفاقمة رغم أن القرار 666 الصادر في 4 أيلول/سبتمبر 1990 أجازها وطلب نقل وتوزيع المساعدات الإنسانية إلى العراق والكويت عن طريق الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

لقد أجهز الحصار الذي هو شكل آخر للحرب غير المسلحة والصامتة والمضنية على هذا البلد بشكل مروع. ألم يقل يوما الرئيس وودرو ويلسون: “كلا ليس الحرب، بل شئ آخر أكثر هولاً من الحرب. طبقوا هذا العلاج الاقتصادي السلمي الصامت القاتل ولن تعود هناك حاجة إلى القوة. المقاطعة هي البديل عن الحرب”. فالذين توفوا نتيجته من الشعب العراقي أكثر من الذين قضوا بسبب العمليات الحربية. إضافة إلى أن البنى التحتية قد دمرت بشكل شبه كامل بسبب العمليات العسكرية، كان النقل البحري والجوي قد منع وتوقفت بسبب الحظر أعمال الاعمار والصيانة وخطط التنمية. وقد تدهور نتيجة لذلك مستوى المعيشة بشكل حاد عما كان عليه قبل1990 وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بحدود الثلثين في 1991 نتيجة انخفاض إنتاج النفط بنسبة 85% وبسبب تدمير قطاعي الصناعة والخدمات.

لم يعد هناك مخزون من الغذاء، وتضرر حصاد الحبوب نتيجة تدمير شبكة الري والبزل وعدم توافر الأجزاء الاحتياطية للصيانة وتوقف الحصول على الأسمدة والمبيدات التي كانت تستورد. كما ولم يعد بالإمكان توفير الحليب للأطفال ما عدا المرضى منهم وبموجب وصفة طبية. كثيرون من الموظفين لم يستطيعوا الحصول على رواتبهم بالإضافة لتوقف النظام المصرفي بأغلبيته وللتضخم الشديد حيث ازدادت أسعار مواد غذائية ضرورية بما يعلو عن ألف بالمائة. كذلك لم يعد بمستطاع السلطات أن تدعم مربي الدواجن حيث أن المختبر الوحيد المنتج للقاحات البيطرية في مكافحة الأمراض التي تصيبها قد دمر بالقصف. وتسبب نفاذ المواد من مراكز التوزيع بعدم حصول عائلات كثيرة على حصصها التموينية، حيث كانت السلطات العراقية قد طبقت بعد عدة أيام من بداية الحصار نظام توزيع الحصص مدعمة أسعار المواد الأساسية. وهذا الإجراء منع حدوث مجاعة إذ كان يحصل الفرد شهريا على حصة غذائية مؤلفة من 8 كلغ طحين وكلغ واحد أرز و1.5 كلغ سكر و50 غرام شاي وكلغ من البقوليات و50 غرام زيت. بعض هذه الحصص خفف بعد 4 سنوات نظرا لتواصل تدهور الوضع الاقتصادي.

لقد كان العراق قبل الحظر يعتمد على استيراد حاجاته الغذائية بنسبة 70% ويخصص نسبة 34% للغذاء من إجمالي استيراده أي بمعدل 3 مليارات دولار. وفي حين كان يستورد 200 ألف طن شهريا من الحبوب لم يسمح له سوى باستيراد مقدار النصف خلال ثمانية شهور بعد نهاية الحرب. ظهر نتيجة لكل هذا انتشار واسع لسوء التغذية نال على الأخص الأطفال دون الخامسة من العمر. وحسب المصادر العراقية، فقد توفي خلال السنة الأولى من الحصار زهاء 11 ألف شخص ماتوا جوعا كما أن 14 ألف طفل ماتوا بسبب عدم توفر الأدوية.

لم توقع العراق مع الأمم المتحدة اتفاقا يسمح بتقديم مساعدات إنسانية قبل تشرين الأول 1992 حيث تقرر تقديم 200 مليون دولار من الغذاء والدواء والمساعدات المستعجلة نصفها للمنطقة الشمالية. وكان واضحا أن هذا الإجراء لا يهدف سوى أغراضا سياسية حيث أن احتياجات البلد تتطلب مليارات الدولارات لإيفائها. كما تبين أنه حتى نيسان 1993 فقط 41.5 من المائة مليون من التبرعات أنفقت على البرنامج الإنساني بينما صرف الباقي على : لجنة التعويضات ولجنة أسلحة الدمار الشامل وإعادة الممتلكات الكويتية ولجنة تخطيط الحدود.

بلغ حجم التضخم في نهاية 1994 24000 % سنويا، وفي الحين الذي تقدر فيه حاجة الفرد كحد أدنى يوميا بـ2306 سعرة حرارية، انخفض معدل السعرات الحرارية من 3120 سعرة قبل الحرب إلى 1039 سعرة في عام 94-95. بالمقابل، ارتفع معدل أسعار السلع الأساسية في المحلات إلى 850 مرة أكثر بين 1990 و1995. أما المخازن المركزية فقد ألغيت والمعامل المتبقية تحتاج لمواد أولية وطاقة ومواطن له قدرة شرائية. وأين لها بذلك مع تدني الأجور وتسريح قطاع ضخم من العمال والموظفين وتضخم البطالة. فالتباينات تعمقت بين فئات الشعب، كما ظهرت أسواق مرتجلة على أرصفة بغداد بائعوها ممن كانوا ينتمون للطبقة المتوسطة. بضاعتهم هي مكتباتهم الخاصة ومدخراتهم وأمتعتهم الشخصية من القطع الثمينة وأواني المطبخ والملابس وغيره. فالبطاقة التموينية لا تحتوي إلا على الأساسيات من طحين وسكر ورز وزيت وحليب للأطفال دون السنة وأحيانا على بيض ودجاجة (بالإضافة للشاي والمساحيق والصابون). وهي إن منعت من حدوث مجاعة، لا تكفي العائلة طوال الشهر كما لم تستطع أن تحد من زيادة نسبة سوء التغذية. فالحصة التموينية اليوم لم تعد توفر سوى ثلث نسبة السعرات الحرارية والبروتين مقارنة بما كان يحصل عليه الفرد قبل الحصار بسبب تناقص كمية الحبوب الممكن توفيرها.

تفتقر السلة الغذائية إلى عدد من الأملاح المعدنية والفيتامينات خصوصا الحديد وفيتامينات أ و ث. كذلك لا يتم الاعتماد على البروتينات الحيوانية حيث أن أسعار اللحوم والأسماك أغلى من القدرة الشرائية لمعظم العائلات العراقية. مما يجعل النظام الغذائي مفتقرا للحامض الأميني الضروري للنمو. هذا الوضع عرض للخطر 3.5 مليون شخص نصفهم أطفال وأكثر من مائتي ألف امرأة حامل أو مرضع، متسببا بالتالي في ولادة الكثير من الأطفال المعوقين.

صحيح إن تطبيق الحصة الغذائية للقرار 986 في 1997 قد أدى لانخفاض في أسعار المواد الغذائية الموجودة في الحصة التموينية، لكن المواد غير الواردة في الحصة كالبيض واللحم بقيت مرتفعة السعر والدخل المتوسط للفرد لا يسمح له بشراء هذه المواد. لقد أظهرت المسوحات التي أجريت أن البرنامج الإنساني الذي طبق بموجب القرار 986 في 1995 (والذي هو ممول بشكل تام من عائدات بيع النفط ولا يشكل بالتالي مساعدات إنسانية) أتاح تغييرا بسيطا في الوضع الغذائي، لكن أنماط تغذية الرضع قد تدهورت وظل الأطفال وصغار البالغين عرضة لسوء التغذية. بمعنى انه وان ساهم البرنامج الإنساني بمنع التدهور المتواصل في بعض المجالات إلا أن مستوردات الغذاء وحدها لا تكفي لمعالجة مشاكل سوء التغذية في غياب الجهود نحو إعادة تأهيل البنى التحتية فيما يتعلق بالعناية الصحية والمياه والصرف الصحي.

الوضع الاجتماعي

إن الخطير في الآثار السلبية للحصار هو طابعها التراكمي وامتداد تأثيرها على كل القطاعات الأخرى. وقد أدى ذلك إلى خلل كبير في النسج الاقتصادية والاجتماعية وفي الصحة النفسية والجسدية للشعب العراقي.

إن تسريح ما يقارب ثلثي القوى العاملة نتيجة توقف المشاريع في القطاعات الحكومية والأهلية سجلت زيادة كبيرة في نسب البطالة. مما ساهم بتمزق الحياة العائلية وأكثر من ظواهر العنف الاجتماعي والرشوة والسرقة والتهريب والمضاربات والانتحار وجنوح الأحداث والبغاء وما شابه ذلك من علامات انهيار وتفكك اجتماعي.

لقد ارتفعت نسبة وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة وبدأت العائلات تشكو من غياب الأب وعدم قيامه بدوره. في حين أن الضغط الاقتصادي على ربّات الأسر قد ارتفع ملزما إياهن بتأمين البدائل لمستلزمات الحياة وتمضية وقتهن في أعمال تدبير أمور العائلة وتأمين الغذاء والتقتير وضغط النفقات. تم ذلك على حساب انعتاقهن ومشاركتهن في الحياة السياسية وتسلمهن الوظائف العامة وتحقيق أنفسهن. هذا في جو من الحرمان الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والعاطفي ومن الاستغلال المضاعف وامتهان الكرامة واستشراء العنف الاجتماعي وتصدع القيم الأخلاقية وانتعاش التزمت الديني والروابط التقليدية والولاء القبلي.

لقد تحملن عبء العقوبات بشكل أعنف عند وفاة الزوج أو الشقيق أو عند انهيار الزواج وفي زيادة حالات العنوسة. والأمهات عادة ما يجعن كي يطعمن أطفالهن عندما يعجزن عن تأمين ما يكفي من الاحتياجات. فكيف الحال عندما تكون المرأة حامل أو مرضع في وضع من سوء التغذية المستفحل ؟ لقد زادت مشاكل الحمل والتعرض للأمراض ولفقر الدم، وبغياب موانع الحمل ازداد الإجهاض والعمليات القيصرية التي تتم دون مخدر أحياناً.

تعاني المرأة مثل سائر أفراد المجتمع إن لم يكن أكثر من نتائج التدهور الثقافي والعلمي وارتفاع نسب تسرب أطفالها من المدارس. لقد بات عدد العائلات التي أصبحت مجبرة على الاعتماد على أطفالها لتأمين مواردها المعيشية كبيرا. والتسرب الذي يشمل كل سنة حوالي 130 ألف طالب وطالبة، ويعود بجزء كبير منه لعدم توفر الإمكانيات لإكمال التعليم، تأثر بانتشار الأمراض ومشاكل العيون وأمراض السرطان. وازدادت مظاهر ضعف التركيز والإعياء والكسل، إلى جانب ضعف الالتزام بالقيم الأخلاقية واللجوء للغش والرشوة والتزوير. شهادة لمختصة في علم النفس تقول ما مفاده أن الأطفال المصابين بسوء التغذية يفقدون الوعي في الصف، والجوع يجعل أحدهم يسرق الآخر ويضطر المدرسون لإرسالهم إلى البيت حيث لا يستطيعون الجلوس منتصبين.

أشارت دراسة أجريت سنة 1993 في محافظة بغداد تناولت عينة من 2000 طفل وطفلة من 50 مدرسة ابتدائية تتراوح أعمارهم بين 6 و15 سنة لمعاناة الأطفال في التركيز والانتباه والاستيعاب والتذكر والفهم وإلى ارتفاع نسبة عدم أداء الواجبات المدرسية وعدم تحمل المسؤولية والهروب من المدرسة. ذلك بالإضافة لازدياد حالات السرقة بنسبة أكثر من مائتين بالمائة محتلة المرتبة الأولى بين الظواهر النفسية التي برزت في ظروف الحصار، خصوصا سرقة النقود والمأكولات والمستلزمات المدرسية بسبب الحرمان المادي والغذائي وشعور الطفل بالحاجة للإشباع الفوري لحاجته. كما ازدادت حدة إساءة معاملة الأسرة للطفل والمشاكل الأسرية بين الأهل والتي غالبا ما تؤدي إلى جنوح الأطفال وشعورهم بالحرمان النفسي وعدم الاستقرار وغيره.

أظهرت الدراسة هذه أيضا أن نسبة 36% من العينة يأتون إلى المدرسة دون أن يكونوا قد تناولوا طعام الفطور في حين أن 30% من الذين يبدأون دوامهم بعد الظهر لم يتناولوا وجبة الغذاء. و10% لم يتناولوا وجبتي طعام تباعا. وأشار الأطفال المعنيين بالدراسة أن السبب هو عدم كفاية الطعام لدى أسرهم وسوء نوعية الطعام الذي يقدم لهم، حيث أن 76% منهم ذهبوا إلى المدرسة دون أن يحملوا معهم سندويشا لتعويض الفطور. أما الذين تناولوا فطورا فقد اقتصر طعام 58% منهم على كوب شاي بدون أو مع شئ من الخبز.

في جو كهذا على الطالب أن يعمل أكثر مما بوسعه لتأمين تحصيله العلمي في الوقت الذي يبقى من جهة أخرى منعزلا عن كل ما يجري في العالم. وهو لا يستطيع أن يستفيد من علاقات التعاون العلمي والثقافي مع جامعات العالم أو الحصول على المجلات العلمية المتخصصة أو إجراء البحوث المشتركة أو المشاركة في المؤتمرات العلمية والدورات التدريبية. يضاف إلى هذه العوامل ضعف الدافعية لدى الطلبة للتعلم وكذلك لدى الهيئات التعليمية بسبب الصعوبات المادية، وقلة متابعة الأهل لأبنائهم نظرا لانشغالهم بالمشاكل الحياتية. كذلك إن عدم توفر مستلزمات التدفئة والتبريد في المدارس قد رفع من نسبة الأمراض بين التلامذة وبالتالي من نسبة الإجازات المرضية وما له من تأثير على المستوى العلمي.

قبل الحصار كان التعليم مجانيا وإلزاميا لكلا الجنسين حتى 16 من العمر. فعلاوة على تدمير رياض الأطفال والمدارس والجامعات خلال الحرب، لم يتحقق طوال الحصار إنجاز أية بناية مدرسية. وفقدت مستلزمات العملية التربوية بشكل حاد من طبع الكتب المدرسية وتوفير القرطاسية واللوازم الأخرى حيث تقدر هذه الأضرار لعام 1997 فقط بقيمة 450 مليار دينار تقريبا. فأقلام الرصاص مثلا دخلت لائحة الممنوعات بسبب ما تحويه من مادة الغرافيت وارتفع سعرها أكثر من خمسين ضعفا. وفي المدارس يتم استعادة الكتب في نهاية السنة الدراسية وتنقى منها نسبة 50% ليعاد توزيعها السنة المقبلة، كما وتفرض بعض الرسوم لتوفير المستلزمات التربوية الرئيسية. فقد انخفضت بنسبة 90% كميات طبع الكتب والصحف والدوريات ومجلات الأطفال كما توقفت طباعة الورق لدوائر الدولة بنسبة 60% بسبب انقطاع توريد الورق بأنواعه.

لم يتوقف الأمر على هذا، فقد أثر الحصار على كل ما له علاقة بالثقافة والفن من قريب أو بعيد من أفلام ومسرحيات وموسيقى وفولكلور وفن تشكيلي. ذلك بسبب تدمير وتعطيل وعدم توفر ما يسمح بالإنتاج في هذه المجالات بما يشمل التلفزيون والإذاعة وغيره. هذا إلى جانب تقويض عمليات الاتصال بالعالم الخارجي جوا وبرا وبحرا وتحجيم مشاركة هذا البلد في المؤتمرات والمعارض الدولية وعرقلة تواصله وتفاعله الثقافي.

من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن مواقع العراق الأثرية القديمة التي تمثل حضارته العريقة ومتاحفه قد تعرضت لأضرار جسيمة من جراء القصف وصعوبات الصيانة والترميم، كما وسرقت مجموعة آثار لا تقدر بثمن من مواقع كثيرة. لقد سقط على سبيل المثال بسبب القصف بعض الآجر من طاق كسرى أكبر وأقدم قوس مشيد من الآجر في العالم، حيث نصب على مقربة منه مدفعية مضادة للطائرات فبات يهدد بالانهيار. كما ونهبت ودمرت في المحافظات 8 متاحف وفقدت 8500 قطعة أثرية وحوالي ألفي مخطوطة ثمينة. وقعت السرقات في كثير من المواقع النائية (اوروك، نفر، تل أم العقارب، تل جوخة) كما أشير إلى أن أصحاب المجموعات الخاصة في الولايات المتحدة يحصلون على الآثار العراقية. مما استدعى احتجاج العراق الذي لم يسترجع إلا القليل من آثاره المنهوبة.

شرائح واسعة من الأطفال العراقيين أخذوا يكبرون وهم معزولون عن بقية العالم. والأطفال خاصة بين سن الخامسة والخامسة عشر هم أكثر المتأثرين بالوضع، بحيث ارتفعت حالات الانتحار بينهم. فمن أهداف الحصار تدمير الصحة النفسية والجسدية للأطفال والشبيبة العراقيين الذين يشكلون نسبة 60% من المجتمع وتعطيل قدراتهم الذهنية وخنق طاقاتهم الإبداعية بدلا من أن يكون منهم من يخدم الإنسانية. كما أن ضيق فرص تشغيلهم وهدر طاقاتهم وعدم توفير العمل لهم ضمن إمكانياتهم يؤثر على حصانتهم الأخلاقية والنفسية مهما كانت. وهم في هذه الظروف لا يستطيعون الإقدام بسهولة على الزواج وفتح بيوت وتكوين عائلات.

من جهة أخرى، تؤدي البطالة وانخفاض الرواتب بحملة الشهادات إلى ترك وظائفهم والهجرة إلى خارج البلد أو للبحث عن وظائف أخرى تدر دخلا أفضل أو إضافي كسائقي تكسي مثلا. فحسب شهادة مدرّس جامعي “إذا كان راتب الأستاذ الجامعي 600 دولارا في الشهر قبل الحصار هو اليوم لا يعدو 15 دولار. ولذا عليه أن يزيد عمله من الفترات الصباحية إلى فترات مسائية أيضا كي يضاعف الرقم بما يسمح له بالبقاء نظيفا ومحافظا على كرامته (…). لقد أصبحت هجرة العقول كبيرة والأغلبية التي تأخذ طريق عمان هي من حملة الشهادات، وهذا ما يريدونه لنا : إفراغ هذا البلد من عقوله. فقد وزعت الولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا وكندا استمارات على أساتذة الجامعة العراقيين في عمان لطلب الهجرة”.

من الضروري الإشارة هنا إلى أنه بالإضافة لتأثير الحصار على الهجرة خارج العراق، توجد حوافز داخلية لها كالسياسة التسلطية وانعدام الحريات وعدم توفر المستلزمات الضرورية للبحث الأكاديمي وبخاصة الحرية الفكرية. ناهيكم عن بعض العراقيل الإدارية والبيروقراطية واستخدام معايير الولاء قبل الكفاءة في التقويم وفي المناصب العليا. لقد استمرت في ظل الحصار حملات التنكيل بالمعارضة والتصفيات الجسدية للخصوم كما تشير له تقارير لمنظمات حقوق الإنسان الدولية. وعليه، يقدر عدد الذين هاجروا وهجّروا بحوالي مليونين ونصف مليون شخص، حيث منهم من يعبر الحدود عن طريق “التسرب” عبر الشمال نتيجة العراقيل التي وضعت لمنع الهجرة.

الوضع الصحي

لقد أثرت العقوبات عقب تدمير المنشآت الطبية بشكل كبير على العراقيين وبشكل خاص على الأطفال والرضع. ففي حين كان معدل وفيات الأطفال الرضع 47 حالة لكل ألف ولادة حية بين الأعوام 84- 89 أصبحت النسبة 108 وفاة بين الأعوام 94-99 حسب تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في تموز 1999 والذي تضمن مسحا لوفيات الأطفال والأمهات في جميع أنحاء العراق. تضاعفت كذلك وفيات الأطفال تحت سن الخامسة من 56 حالة لكل ألف ولادة حية إلى 131 خلال الأعوام نفسها. ويشير التقرير إلى أن أسباب التردي هذا تعود لنقص المواد الغذائية والدوائية وازدياد حالات الإصابة بالأمراض الانتقالية وعدم توفر المستلزمات الكافية لمعالجة هذه الأمراض. إضافة إلى عدم توفر وسائل معالجة ووقاية النساء الحوامل من الأمراض التي تصيب الأطفال.

لقد أظهرت المسوحات ارتفاع عدد المواليد الذين يقل وزنهم عن 2.5كغم إلى 24.8% سنة 1998 بسبب سوء التغذية التي من مؤشراتها توقف النمو والوزن الناقص والهزال. كما أن أمراضا انتقالية كان قد تم القضاء عليها في العراق وكان يمكن منع حدوثها مثل أمراض شلل الأطفال والكوليرا والجرب والتيفوئيد والحصبة وذات الرئة والتهاب الكبد الفيروسي والملاريا والخنّاق قد عاودت الانتشار بسبب النقص الكبير في اللقاحات المضادة التي كانت تستورد. وأصبحت الأمراض البسيطة نسبيا قاتلة، كما وذكرت حالات موت أطفال رضع بسبب انقطاع التيار الكهربائي عن الحاضنات بينما ينمو آخرون وهم مصابون بالشلل الإرتجافي بسبب عدم كفاية الأوكسجين. وارتفعت نسبة أمراض المعدة والإمعاء وجفاف الماء في الجسم وسوء التغذية. وارتفع عدد المرضى النفسيين والمصابين بضغط الدم وبمرض السكري والأمراض الخطيرة منها أمراض القلب والسرطان وغيره التي لم تعد تلقى العلاج اللازم. كما وانخفضت نوعية أداء العاملين في المستشفيات وخفّ عددهم بسبب الضغط والإرهاق وتردّي الرواتب.

لقد كان العراق قبل الحصار يستورد من الأدوية بقيمة 500 مليون دولار سنويا ما عدا التجهيزات الطبية الأخرى. مع فرض العقوبات الاقتصادية تدهور الوضع الصحي بشكل كارثي حيث كان محظوراً على العراق شراء واستيراد أية أدوية ومعدات طبية. ورغم الاستثناء “عدا التجهيزات للأغراض الطبية حصرا” للقرار 661 فقد رفضت شركات أدوية كثيرة بيع منتجاتها للعراق إثر التهديد الأمريكي لها. حتى أنه تم احتجاز شحنات أدوية ومنتجات طبية وحليب الأطفال كان العراق قد دفع ثمنها قبل آب 1990. لقد حظر على العراق استيراد قطع غيار المعدات والحاضنات ووحدات العناية المركزة ورقائق أشعة اكس والحبر والورق من جملة ما منع. وأصبحت المستشفيات التي لم تغلق تعمل بأقل من ربع طاقتها العادية معتمدة اعتمادا كليا على التبرعات غير المنتظمة التي تؤمنها المنظمات الخيرية. كما وتحولت “لخزانات للعدوى” بسبب عدم توفر مواد التعقيم والتجهيزات الجراحية وتوقف المختبرات وندرة الأدوية بالإضافة لقلة الغذاء وتلوث الماء وانقطاع الكهرباء وتوقف وسائل النقل وبرنامج التلقيح وغيره.

رغم التدهور المخيف في الوضع الصحي وارتفاع معدلات الوفيات ورغم تقارير ونداءات أطراف عدة من وقت لآخر ما زالت العقوبات قائمة. وعلى الرغم من تباين الأرقام بحسب المصادر، يمكن القول أنه توفي خلال السنوات التسع الفائتة ما يقارب المليون ونصف عراقي أكثرهم من الأطفال. فالمستشفيات ما برحت تصارع لتدبير أمورها (حيث لم تؤمن اتفاقية النفط مقابل الدواء والغذاء إلا جزءا زهيدا من الخدمات الضرورية). وقد خفضت نسبة العمليات الجراحية حوالي 30% وأضطر الجراحون لتأجيل 70% من الحالات التي تحتاج لتدخل جراحي ولإجراء البعض الآخر ومنها الولادة القيصرية بدون مخدر، والذي يدخل قائمة ممنوعات لجنة المقاطعة. أما المختبرات فتفتقد لمحاليل خاصة، مما خفّض في نسبة الفحوصات المختبرية التي يحتاجها المريض لإجراء العمليات الجراحية. لقد توقفت عن العمل معظم الأجهزة الطبية الخاصة مثلا بمعالجة أمراض العيون والقلب والكلى بسبب فقدان أدواتها الاحتياطية. وتمتلئ أجنحة المستشفيات بالأطفال المحتضرين. فالأطفال المصابون بفقر الدم ومرض السكري مثلا يموتون بسبب ندرة العقاقير. وما جدوى المستشفيات عندما تفتقر للأدوية ولأبسط الأشياء من ضمادات ومعقمات وشراشف نظيفة ؟ أطفال كثيرون يموتون كذلك دون أن يتمكن أهلهم من إنقاذهم بسبب ابتعادهم عن المستشفيات أو لأنهم لا يملكون ما يدفعون به ثمنا لأدوية.

من أبرز أسباب وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر، سوء التغذية، التهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال والتهابات الإمعاء. أما من هم فوق الخامسة من العمر فأسباب وفياتهم هي بشكل أساسي: أمراض القلب، ارتفاع ضغط الدم، داء السكر، أمراض الكلية، أمراض الكبد، الأورام الخبيثة، الخ.

في إحصاء جديد لقسم الإحصاء الصحي والحياتي في وزارة الصحة يظهر ارتفاع ضخم في نسبة وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر وعند الكبار فوق سن الخمسين خلال السنة الفائتة :

وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر

المرض حزيران/يونيو 1998 حزيران/يونيو 1999

عدد الوفيات عدد الوفيات معدل الزيادة

الإسهال 156 1555 896.7%

ذات الرئة وأمراض الجهاز التنفسي 108 1245 1052.7%

سوء التغذية 123 2610 2021.9%

وفيات من هم فوق الخمسين سنة

أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم 70 308 340%

داء السكر 128 687 436.7%

الأورام الخبيثة 236 1526 546.6%

تشير الإحصاءات إلى ارتفاع حاد في الأمراض المرتبطة ليس فقط بالحالة الغذائية وإنما أيضا المنقولة عن طريق المياه الملوثة. فقد انخفضت الطاقة التشغيلية لمحطات تصفية مياه الشرب بشكل كبير، وتوقفت محطات تصريف المياه الثقيلة وشبكات تصريف مياه الأمطار بسبب عطل المضخات وعدم توفر الأدوات الاحتياطية الخاصة بها. مما نتج عنه انخفاض في حصة الفرد من الماء الصافي من 320 لترا في اليوم إلى 128 ل. كذلك تدنت كمية ونوعية مياه الشرب بسبب تدمير المصانع التي كانت تنتج الكلور والشب وعدم توفر ما يكفي من هذه المواد لتصفيتها وتعقيمها. مما يهدد بغداد وباقي المدن العراقية خصوصاً في فصل الصيف حيث تصل الحرارة إلى خمسين درجة مئوية. أما توقف محطات ضخ المياه الثقيلة نتيجة الحصار وعدم وجود الأدوات الاحتياطية حوّل هذه المياه إلى الأنهار مباشرة. نتج عن ذلك ارتفاع في عدد الأمراض الخطرة التي سرعان ما انتشرت بين المواطنين. من ناحيته، ساعد الانخفاض الكبير في قدرة جمع النفايات وحرقها على انتشار الأمراض الفتاكة. وأشارت تقارير إلى أن حصص الحليب المجفف للأطفال دون السنة من العمر تمثل نصف الحاجة العادية، بما يجبر الأمهات على خلط الحليب بماء الشرب الملوث جرثوميا الذي ينتج عنه بالتالي أمراض ووفيات. فالجدير بالذكر أنه لا يمكن الاتكال على حليب الأم الذي لا يكفي بسبب سوء تغذيتهن ووطأة معاناتهن.

لقد أدى القرار 986 ابتداء من آذار 97 إلى زيادة في توفر الأدوية والتجهيزات للمؤسسات الصحية وللمواطنين، بما حسن الوضع الصحي نوعا ما. لكن لم يجري تحسن كبير في البيئة التي تقدم فيها العناية الصحية من عدم تجديد المعدات الطبية الأساسية ومن مخاطر الأمراض المنقولة عبر المياه والنقص في المواصلات والاتصالات وغيره. كذلك إن انقطاع التيار الكهربائي الذي يستمر ست ساعات يوميا في بغداد و12 ساعة في المحافظات يؤثر على الجهود الإنسانية مهما كانت.

في مستشفى صدام للأطفال الذي يستقبل وحده 1500 مراجع يوميا يموت كل يوم 3 أطفال أي بمعدل 85 طفل شهريا تنطلق جنازتهم أسبوعيا منه. تحدث لنا مدير المستشفى عن عجزه عن تأمين المتطلبات لإدارة مستشفى من هذا النوع وشكى من نقص حاد بالأدوية والمواد الطبية مذكّرا أن مذكرة التفاهم لم تؤمن سوى تغطية 20 % من الاحتياجات. حتى أن معدات من نوع خيوط العمليات أو الصوندات غير متوفرة كما أن هناك نقص في المضادات الحيوية. ولا من جمعيات أو مؤسسات عربية أو أجنبية تمد يد المساعدة ما عدا “أصوات في البرية” و”منظمة الكنائس العالمية” و”كير” التي تؤمن أحيانا مساعدات وأدوية وأغطية لا تغطي إلا نسبة قليلة من الاحتياجات. وهناك مشاكل إزاء أمراض نتجت عن سوء التغذية ونقص المناعة. هناك الإسهال الحاد والمزمن، الأمراض الانتقالية، التهاب الكبد، الحصبة، النكاف، التهاب السحايا الدماغية، الكوليرا، أمراض سرطان الدم. كما أن هناك نقص في الغذاء والبروتينات الحيوانية والحليب والجبن والبيض. وقد شكى أيضا من التلوث وانقطاع التيار الكهربائي الذي يسبب تلف اللقاحات التي هي أصلا قليلة، ومن عدم إمكانية تشخيص الأمراض مشيرا لإستعمال جهاز سكانر واحد ما زال يعمل.

لقد كان منظر الأطفال الذين يصارعون الموت والمرميين على أسرة قسم الطوارئ وحولهم أهل لا حول لهم ولا قوة أقسى مما يمكن أن يتحمله امرؤ يشعر إزاء هكذا وضع بمزيج من العجز والسخط والذنب لما يحصل في هذا البلد. مما دفعنا للاعتذار من الطبيب المرافق وتقصير الزيارة إحتراما لمشاعر وعزة نفس هؤلاء الضحايا الذين تحولوا “لفرجة” من طرف أناس لا يستطيعون إزاء بليتهم شيئا كثيرا.

كان قد لفت نظرنا أن هذا المشفى الذي يعد اكبر مشفى للأطفال في بغداد لا يحوي قسما للأمراض النفسية، في الوقت الذي تشيرفيه كل الأرقام والمعطيات إلى وجوب وجود اهتمام أكبر وعاجل من أجل ايلاء هذا الجانب حقه. من أمس الضروريات بنظرنا أن يمنح أطفال العراق وشبيبته الفرصة للتخفيف من صدماتهم أمام مختصين يساعدونهم على التخلص من اضطراباتهم، خاصة عندما يفتقر في وضع قاتل كهذا آباؤهم وأمهاتهم لمهارات من هذا النوع وقدرات نفسية تسمح لهم بمساعدتهم. يجب أن يتسنى لهم وصف ما شاهدوه من قصف وتدمير وقتل والتعبير عن معاناتهم مما تسبب به الحصار من حرمان وضغط وأزمات نفسية وغيره. إن السماح بتفريغ شحناتهم العدوانية يمكنهم من استرجاع شئ من ثقتهم بنفسهم وبالإنسان وتعزيز أملهم وتفاؤلهم بالمستقبل وتقوية حصانتهم النفسية إزاء المشاكل والصدمات.

إلى هذا الجانب أشار تقرير، صدر في منتصف 1991 لفريق من علماء نفس الطفل من جامعة هارفارد المختصين بالحروب أن أطفال العراق يعانون من مجموعة اضطرابات عاطفية وفكرية واشكالات في النوم والتركيز. وهم اكثر معاناة مما عداهم من أطفال حتى أولئك الذين يعيشون في مناطق صراع. لقد استنتجوا أن أغلبيتهم سيعانون من مشكلات نفسية شديدة في حياتهم وطالبوا ببذل جهود وطنية ودولية واسعة لمساعدة أطفال العراق. ووصف خبير منهم بصدمات الأطفال أولئك الذين التقى بهم مرة ثانية بعد عدة أشهر من زيارته الأولى لهم أنهم مصابون بصدمة شديدة وأن مقدار معاناتهم لم ينقص منذ الكشف الأول : “فهم محاصرون داخل صدمتهم ومحاطون بما يذكرهم بما حدث بحيث يبدو الزمن كمن توقف بالنسبة لهم وتبدو أذهانهم مثل أرض من الحفر الذهنية والتدمير.. ويتوقعون أن يحدث ما هو أسوأ”.

إن أقل ما يمكن توقعه كنتيجة من نتائج هذا الحصار المجرم هو فقدان الشعور بالأمن والتفاؤل وتصاعد القلق بشأن المستقبل وفقدان الحوافز بسبب الآثار التراكمية للحرمان المستمر وانهيار التماسك النفسي والاجتماعي للعراقيين وتعطيل القدرات الذهنية والنفسية للأجيال القادمة. إن هذا يشكل جزءا من جملة مما يضمره القائمون على فرض العقوبات حيث أن ربع الأطفال الذين يولدون لن ينموا نفسيا وعقليا بشكل طبيعي بسبب نقص الوزن وسوء تغذية الأم وغيره من عوامل مساعدة.

أبانت الدراسة التي أشير إليها أعلاه والتي أجريت في 1993 على 2000 طفل في محافظة بغداد أن حالات الدوخة والتشنجات العصبية والتعب والتقيؤ والإرهاق والإغماء وآلام الرأس بسبب فقر الدم ونقص التغذية والشعور بالحرمان الغذائي والعاطفي قد تضاعفت نسبتها حوالي مائتين بالمائة في ظل الحصار. كذلك ارتفعت بنفس النسبة مشاعر الخوف والقلق بسبب تعرض الطفل للإحباط والكبت والغضب والحزن واليأس والتهديد بالعقاب والحرمان من الغذاء وغيره. فغالبا ما يعبر الطفل عن قلقه بالبكاء والأرق وفقدان الشهية. أما سرعة التهيج والغضب واللجوء للكذب والإحساس بالتهديد والخطر والعزلة والانطواء الاجتماعي وضعف الثقة بالنفس والأنانية في التعامل مع الآخرين وزيادة حدة السلوك العدواني والإغراق في النوم أثناء الدرس وبروز ظاهرة الخمول والاكتئاب كلها من المظاهر التي تضاعفت نسبتها في زمن الحصار.

اليورانيوم وتأثيراته

إن آلاف الأطنان من المتفجرات التي منها ما لم يستخدم سابقا في النزاعات الدولية كاليورانيوم المنضّب والتي ألقيت على هذا البلد بشكل لا قانوني تدحض مزاعم الحرب “النظيفة” وتبين أن تلك الحرب كانت تهدف الإبادة الجماعية لشعب. فقد اعترف ديفيد ريفكند وزير الدفاع البريطاني السابق في 6/12/1994 إن القوات البريطانية استخدمت 88 قذيفة ملوثة باليورانيوم الناضب وإن القوات الأمريكية استخدمت عددا اكبر من هذا بكثير. فحسب رئيس معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن تم استخدام 940 ألف قذيفة 30 ملم تحتوي كل منها على 30 ملغرام من اليورانيوم وأربعة آلاف قذيفة عيار 120 ملم. أي ما يقارب 300 طن من اليورانيوم المنضب ألقتها قوات التحالف في جنوب العراق وشمال الكويت بشكل غبار سام ومشع. كما أن جزءا كبيرا من هذا الغبار قد نشرته الرياح القادمة من صحراء شبة الجزيرة العربية على مدى عدة كيلومترات0

تقول هيئة الطاقة الذرية إن الخطر الحقيقي يكمن في كميات اليورانيوم التي تخلفت جراء ضرب وحرق المدرعات العراقية لان ذرات اليورانيوم المتطايرة في الجو ستؤدي في حالة استنشاقها إلى آثار جسدية غير متوقعة. وأعلن روبن كوك وزير الخارجية البريطاني لجوء بلاده إلى استخدام تلك القذائف ضد العراق لأنها تمتاز بقدرة اكثر من القذائف الاعتيادية على الاختراق والتدمير. لقد جهزت القوات الأمريكية بالكثير من اليورانيوم الناضب الذي هو أرخص طريقة للتخلص من النفايات النووية.

يعرّف اليورانيوم كمادة متبقية من الوقود المستخرج للمفاعلات الغازية تحتوي على كمية هائلة من الطاقة التي يجري تحويلها في المفاعل المنتج إلى عنصر فلزي إشعاعي النشاط يستخدم في صنع القنابل الذرية. ويوجد اليورانيوم في حالته الطبيعية مختلطاً مع مواد أخرى نشطة إشعاعيا مثل نظائر الراديوم والثوريوم. وتم تصنيع العديد من أنواع القنابل المخصبة مع اليورانيوم 238 في الولايات المتحدة من قبل شركتي (HONEY WEII ) و (AEROJET)وبدأ إنتاجها عام 1977. وقد رفض البنتاغون إعطاء أية معلومات حول هذه الأسلحة.

تطلق القنابل الذرية التي يعتمد في صناعتها على اليورانيوم ثلاثة أنواع من الأشعة الخطرة هي (ألفا) و (بيتا) و(غاما). وتكون أشعة (ألفا) خطرة إذا استنشقت أو دخلت إلى الجسم من خلال الجروح. وربما تكون أشعة (بيتا) خطرة إذا استنشقت أو أدخلت إلى الجسم من خلال الجروح، إلا أنه يمكن اعتراضها بواسطة طبقة رقيقة من الألمنيوم. أما مصادر أشعة (غاما) فهي خطرة حيث لا يمكن اعتراضها إلا بواسطة مادة كثيفة من الكونكريت أو الرصاص.

اليورانيوم الناضب سام كيميائياً وإشعاعياً وهو يسلك سلوك الفلزات الثقيلة، لكنه يعامل في الجسم كالكالسيوم. فالجرعات الكبيرة منه تؤدي للتسمم خاصة إذا كان اليورانيوم في حالة ذائبة. أما في الجرعات القليلة فأن اليورانيوم مثله مثل الرصاص يضر بالكليتين، وفي حالة استنشاقه يضر بالرئة كما ويترسب في الأنسجة العظمية.

أن التأثيرات الكيميائية الناتجة من التعرض لليورانيوم الناضب هي أكثر تأثيراً من إشعاعاته. لكن ذلك لا يعني أن نشاطه الإشعاعي غير مؤذي. فما عدا التعرض المباشر له، ينتقل إلى جسم الإنسان من خلال أي جرح موجود بالجلد أو عن طريق الفم أو العين أو بواسطة الاستنشاق والتناول. فالشظايا المتروكة في التربة تتأكسد وتنتقل بواسطة مياه الإمطار. وتتحدد نسبة الأكسدة هذه بواسطة مسافة التعرض، درجة الحرارة، الرطوبة، الترسب، مساحة المنطقة المتعرضة وكيميائية التربة.

تسبب أشعة اليورانيوم السرطان، ليس فقط لمن يتعرض له مباشرة وإنما لذريته أيضاً نتيجة نمو الخلايا. لهذا سمي هذا الإشعاع بالنوع الجديد من الموت البطيء. فالدراسات التي أجريت على الأحياء بعد سقوط القنابل على هيروشيما أبانت الضرر الذي ظهر على أطفال الأشخاص الذين كانوا على مسافات بعيدة من نقطة الصفر والذين كان تعرضهم للإشعاع قليل جداً.

الجدير بالملاحظة أن مكتب السكان الأمريكي كان قد قدر في 1992 أن معدل عمر العراقيين قد هبط 20 سنة للرجال و11 سنة للنساء، والتلوث الإشعاعي أسهم في هذا الوضع.

أبان تقرير صدر سنة 1991 أن وفيات الأطفال دون سن الخامسة قد تضاعفت 5 مرات تقريبا خلال عدة أشهر، حيث أن هؤلاء الأطفال يشبهون الناجين من قنبلة هيروشيما ويتصفون بالخمول ويفتقرون إلى الإحساس. وتشير دراسة أعدها عام 1993 عدد من المختصين الأمريكان، أنه من المحتمل أن يكون 150 ألف طفل عراقي قد توفوا منذ عام 1991 نتيجة لأمراض مختلفة من بينها السرطان وعجز الكليتين وأمراض باطنية غير معروفة سابقا سببها اليورانيوم المستنفذ. فقد ظهرت إصابات بمرض السكري بين الأطفال نتيجة الصدمات النفسية. ولوحظ ظهور مرض مجهول التشخيص لم يكن معروفا سابقا، من أعراضه : تشوه الرؤيا في إحدى العينين مع نوبات صداع شديدة وخدر في اليدين. كما لوحظت زيادة غير طبيعية بأمراض سرطان الدم وسرطان الرئة والجهاز الهضمي والجلد وزيادة حالات مرضية غريبة تمثلت في التشوهات الخلقية للأجنة كوجود أعضاء إضافية غير طبيعية وولادات حية برأس منتفخ أو بدون رأس مع إصابات في العين أو اختفاء العين كليا وسقوط الشعر وأمراض جلدية مختلفة. ذلك إلى جانب ارتفاع أعداد المصابين بنوبات الدوار الوبائي والدوار الشديد المصحوب بالغثيان وفقدان التوازن وأمراض العقم لكلا الجنسين وزيادة حالات الإسقاط والولادات الميتة المبكرة وعسر الولادة.

ذكرت مجلة غالوي الاسكتلندية في 8/7/1998 إلى أن الإصابة بأمراض السرطان المختلفة وبخاصة سرطان الدم (اللوكيميا) لدى الأطفال في العراق قد تضاعفت بنسبة 600 بالمائة منذ عام 1991 نتيجة استخدام أمريكا وبريطانيا اليورانيوم الناضب. وأشارت إلى أن معظم الإصابات بالسرطان وقعت لأطفال ولدوا بعد انتهاء العمليات العسكرية حيث أن غبار اليورانيوم الناضب قد لوث المياه والحقول والمزارع في العراق. كذلك لوحظ وجود تغيير في الخط الوبائي للإصابة بالأورام السرطانية كما تبين أن هناك تغيّر في الفئات العمرية المتوقعة للإصابة به وشملت فئاتا عمرية مبكرة منها الفئة ما بين 45 و50 سنة

إن النتائج الكارثية لهذه الأسلحة على الإنسان والبيئة تستمر بالظهور مع مرور الوقت حيث تحول جزء لا بأس به من هذا البلد (أساسا مناطق العمليات العسكرية في محافظات البصرة ، ميسان، ذي قار) إلى بيئة ملوثة ونشيطة إشعاعيا. فالتلوث الذي أصاب التربة يستمر مع عمر الأرض. وحيث أن الأمراض والظواهر التي يسببها التعرض لليورانيوم المنضب تمتد حسب فترة الكمون، فبعض الأمراض يتوقع لها أن تظهر بعد سنة 2005، بينما قسم منها سيمتد إلى سنة 2025 وقسم آخر قد يمتد حتى سنة 2040 .

التأثيرات على البيئة والثروة الحيوانية

لقد تناثرت جراء حرب الخليج في الصحراء العراقية والكويتية وفي مواقع مدنية كثيرة ألغام وذخائر غير منفجرة وأسلحة محطمة وملوثات كيماوية. بما يشكل أخطارا جمة، على الأطفال خاصة. ليس فقط بسبب التلوث البيئي عبر الهواء والماء والنبات وإنما أيضا بسبب الذخيرة غير المنفجرة التي تتسبب بالوفيات وببتر الأطراف واستعمال القذائف الفارغة والدبابات المدمرة والملوثة باليورانيوم من قبل الأطفال كلعب. ورغم أن القنابل النووية لم تستعمل في هذه الحرب، كان هناك توجيهات باستعمال الأسلحة النووية والكيميائية ضد العراق. لكن ضرب المفاعل النووي العراقي قد أحدث إطلاق إشعاعات في الفضاء، بما يسببه ذلك من خطر التلوث الإشعاعي حتى في الأجيال القادمة. كما أن أسلحة كيميائية قد استعملت كشفت عنها فحوصات نماذج من النبات والماء والدم والبول. لقد عانى ضحايا الهجمات الكيميائية من آلام في الصدر والمعدة والتقيؤ مع وجود دم ودوار وتلف في البصر وتقرّح في الجلد وغيره من أعراض.

منع الحصار استيراد المواد التي يمكن بمساعدتها إزالة أثار هذا العدوان ومكافحة تسرب السموم والأدخنة من مبيدات كيماوية وأجهزة رش ومضخات وطائرات زراعية. وكان نتيجة ذلك القضاء على ثروات العراق الزراعية والصناعية والحيوانية. لقد أشير إلى تدمير 1613 هكتارا من الأراضي الزراعية وإلى الزيادة الكبيرة في الآفات التي تصيب الحمضيات والنخيل والرمان والطماطم وفقدان عشرات الآلاف من أشجار الكاليبتوس. كما ولوحظت كثافات عالية من الهيدروكاربونات في مساحات واسعة تبعد مئات الأميال عن الحرائق الذي سببها القصف.

علاوة على تهريب حيوانات كثيرة خارج العراق، تأثرت الثروة الحيوانية بشكل كبير من القصف ومن الحصار الذي منع العلف والتجهيزات البيطرية ولوّث المياه بما سببه من أمراض للحيوانات ووفيات. وتم الربط بين المستويات العالية من التلوث الجوي وبين أمراض نباتية وحيوانية غير مألوفة، منها إصابة المواشي والأبقار بالطفيليات والأوبئة التي تسببها حشرات أو ديدان ضاره مثل ذبابة الدودة الحلزونية التي انتشرت في العراق خلال السنوات الأخيرة. إن هذه الإصابات الوبائية التي لم تظهر في العراق قبل بداية أيلول/سبتمبر 1996 أحدثت أضراراً بالغة بالثروة الحيوانية والبشرية.

يبلغ حجم ذبابة الدودة الحلزونية ضعفي حجم الذباب الاعتيادي ولها القدرة على الطيران والانتشار في مساحات واسعة حيث يمكن أن تقطع أحيانا 300 كم في مدة أسبوعين. توجد الإصابة بيرقات هذه الذبابة في العديد من أنواع الحيوانات الأليفة والحيوانات البرية وكذلك الإنسان.

تم تسجيل الإصابات الأولى بذبابة الدودة الحلزونية بتاريخ 9/9/1996 في منطقة شاطئ التاجي في بغداد ثم ظهرت تباعا في المحافظات الأخرى: ديالى ـ واسط ـ بابل ـ القادسية ـ الأنبار ـ النجف خلال العام نفسه لتمتد إلى المثنى ـ صلاح الدين ـ ذي قار ـ ميسان والبصرة خلال عام 1997.

وحتى تاريخ 15/4/1998 بلغ مجموع عدد الإصابات 75886 إصابة في الحيوان0 أما في الإنسان فقد بلغ حتى هذا التاريخ 20 إصابة منتشرة في محافظات مختلفة. وتحدث الذبابة الحلزونية ثقوبا” في العيون والتجويفات الأنفية والأعضاء التناسلية والحبل السري في الولادات الجديدة لدى الحيوانات كما تظهر في مناطق مختلفة في جسم الإنسان كالرأس والذراع. ومنذ بداية 1999 أصيبت المواشي من جديد بفيروس قاتل قابل للانتشار في أنحاء البلاد بسبب عدم وجود اللقاحات اللازمة. مما يعمق من ندرة الألبان واللحوم التي شملت أيضا لحوم الدجاج، والتي لم يبق لتربيتها سوى 23 مزرعة من أصل 600 قبل الحرب.

العقوبات الدولية والأمم المتحدة والولايات المتحدة

شكلت ظاهرة العقوبات الدولية، منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة وحلول نظام القطبية الأحادية بعد زوال الاتحاد السوفياتي من الساحة الدولية وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة الأحادية على مقاليد الأمور في العالم، تهديدا لأسس القانون الدولي. هذا القانون الذي يفترض فيه تنظيم العلاقات بين الدول والذي يقضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو تهديدها أو استعمال القوة في مواجهتها أو التعدي على سيادتها واستقلالها السياسي. لقد تحولت الإرادة السياسية الدولية الصانعة لقرارات مجلس الأمن بصورة شبه كاملة إلى الغرب بزعامة الولايات المتحدة التي فرضت على الأمم المتحدة وبالأخص مجلس الأمن قراءتها الخاصة للميثاق بما يتفق مع مصالحها السياسية والاقتصادية. لقد لجأ مجلس الأمن، بإيعاز من الولايات المتحدة، منذ عام 1990 إلى استعمال عقوبات دولية بحق عدة بلدان مثل : العراق، يوغسلافيا السابقة، الصومال، ليبيريا، أنغولا، روندا، ليبيا، هايتي والسودان مستندا في قراراته على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. بينما لم تفرض العقوبات منذ إبرام ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945 وحتى غياب الاتحاد السوفياتي عن الساحة الدولية سنة 1989 سوى مرتين : في حالة روديسيا الجنوبية وجنوب أفريقيا (1966 و1977). إن فرض العقوبات يستلزم مناخا دوليا توافقيا بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. كما وتدخل الاعتبارات السياسية في تحديد حجم ومدى العقوبة المفروضة. فقد تراوحت هذه العقوبات من استخدام القوة المجردة إلى حظر بيع السلاح ووقف الطيران ومنع تصدير النفط والحرمان من المساعدات الدولية وتخفيض التمثيل الدبلوماسي ومنع سفر المسؤولين الحكوميين. تشمل حالة العراق كل ذلك.

بالطبع لا تقتصر العقوبات على غطاء مجلس الأمن، فهناك عقوبات فرضتها الولايات المتحدة منفردة على ما يقارب خمسين دولة. هذا بالإضافة إلى عدد مماثل من العقوبات الثنائية التي في غالبها أنجلو-أمريكية. لقد طالت في غالبها دول العالم الثالث بما فيها دولا عربية وإسلامية. بينما لم تتعرض الولايات المتحدة للعقوبات إلا في حالات قليلة لم تكن فعالة. ويطرح السؤال هنا عما إذا كان المقصود بالعقوبات الدولية النظام السياسي السائد في الدولة المعنية أم الأشخاص الذين على رأس النظام السياسي أم أن المقصود هو عقاب الشعوب ؟ من المؤكد في كل الأحوال أن هذه العقوبات غالبا ما تنحرف عن الأهداف التي حددتها، وهي تؤدي أحيانا إلى نتيجة معاكسة للهدف المعلن.

تلجأ الولايات المتحدة لإبراز العقوبات التي تفرضها وكأنها قضية المجتمع الدولي. لكن أين هو “المجتمع الدولي” الذي أدان مثلا بأغلبية ساحقة (117 صوتا مقابل 3) الحظر التجاري غير المشروع على كوبا الذي ينتهك مواثيق الأمم المتحدة أو على ليبيا قبل أن تعلّق العقوبات عليها بعد تسليم المتهمين بحادث الطائرة في قضية لوكربي المعروفة ؟ لقد كانت تقف مع ليبيا ضد قرار العقوبات منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الوحدة الأفريقية وجامعة الدول العربية وأعضاء حركة عدم الانحياز. علاوة على أن ميثاق مونتريال لعام 1971 الذي وضع بصدد الهجمات الإرهابية على الطائرات المدنية، يحمي حق ليبيا في عدم تسليم المتهمين بالاشتراك بتفجير الطائرة فوق لوكربي. فلا توجد معاهدة بين ليبيا والولايات المتحدة أو المملكة المتحدة لتسليم المتهمين. ولهذا اضطرت الولايات المتحدة للجوء لضغط شديد لإرغام الأعضاء في مجلس الأمن على منحها الأصوات اللازمة لها واستمرت المقاطعة 7 سنوات.

العقوبات على العراق وقرارات مجلس الأمن

في حالة العراق، صيغت قرارات العقوبات بمبادرة أمريكا باسم “الشرعية الدولية” وعلى أساس لا يتفق مع بنود الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة. وقد صدر أكثر من 30 قرارا بحق العراق منذ احتلاله الكويت : اثني عشر منها قبل الحرب في الفترة بين 2 آب/أغسطس ولغاية 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1990 بدءا بالقرار 660 الذي أدان الغزو وطلب الانسحاب الفوري دون قيد أو شرط ودعا إلى المفاوضات لحل الخلافات، مرورا بالقرار 661 في 6 آب/أغسطس 1990 الذي فرض العقوبات الدولية والجزاءات الاقتصادية الإلزامية، وإنتهاءا بالقرار 678 في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1990 الذي قرر بموجبه مجلس الأمن استخدام الخيار العسكري ما لم ينفذ العراق بحلول 15 كانون الثاني/يناير 1991 جميع قرارات مجلس الأمن. وذلك باستخدام جميع الوسائل اللازمة لإرغامه على الانسحاب وإعادة الأمن والسلم الدوليين إلى نصابهما في المنطقة كما نص القرار المذكور.

لقد ظل مفهوم “استخدام القوة” محط جدل فقهي قانوني وسياسي وعملي حول مصطلح “الوسائل اللازمة”، رغم أن الولايات المتحدة كانت قد قررت اللجوء إلى القوة حتى قبل أن يقرر مجلس الأمن نهائيا استخدامها بموجب الصلاحيات الممنوحة له وفقا للميثاق. مما أثار تساؤلات مشروعة حول الأبعاد السياسية التي استهدفتها الولايات المتحدة التي قادت قوات نحو ثلاثين دولة ضد العراق.

فعلياً لم يمنح مجلس الأمن الأذن لترجمة مصطلح “الوسائل اللازمة” (أي الخيار العسكري) بعد فشل تحقيق الانسحاب. إذ أن الإذن الفعلي باستخدام القوة كان ينبغي تحديده بصورة واضحة وبإشراف من مجلس الأمن تحت قيادة وعلم الأمم المتحدة. وهو ما لم يحصل إذ استأثرت الولايات المتحدة بتفسير القرار 678 بأنه تفويض لها ولحلفائها لاستخدام الوسائل اللازمة (بما فيها المسلحة) لإجبار العراق على الانسحاب من الكويت. أما القرارات المتبقية والتي بلغت قرابة 20 قراراً فقد اتخذها مجلس الأمن بعد انتهاء الحرب التي بدأت فجر 17 كانون الثاني/يناير 1991 وانتهت في 28 شباط/فبراير من العام نفسه. حيث تم تجاوز الأهداف المعلنة في القرارات الدولية ولم يكن في الواقع “تحرير الكويت” سوى مدخل لتدمير العراق مع سابق الإصرار والتصميم.

من هذه القرارات القرار 687 (الرابع عشر) الصادر في 3 نيسان/أبريل 1991 والذي يعد أخطر وأطول وأغرب قرار وكذلك الأول من نوعه في تاريخ مجلس الأمن، إثره اتخذت 9 قرارات لاحقة تتعلق بتنفيذه. لقد حدد شروط وقف إطلاق النار ومسألة التعويضات والرقابة على التسلح واستمرار الحصار ومسألة الحدود العراقية-الكويتية ونبذ الإرهاب الدولي وغيره. فأتى على السيادة العراقية ورهن موارد البلد ومستقبله لأجل طويل.

وتطرق القراران 706 في 15 آب/أغسطس 1991 و712 في 19 أيلول/سبتمبر إلى مساعي تخفيف معاناة الشعب العراقي بسبب الحالة الغذائية والصحية الخطيرة للسكان المدنيين ودعيا إلى تقديم الإغاثة والمساعدات الإنسانية بإشراف الأمم المتحدة. وهو ما ذهب إلىتوسيعه القرار 986 المعروف باسم “النفط مقابل الغذاء” دون أن يحل المشكلة الحقيقية وهي استمرار الحصار الاقتصادي الدولي.

أما القرار 688 الصادر في نيسان/أبريل 1991 فهو القرار الوحيد الذي لم يصدر ضمن الفصل السابع والذي اعتبره بعض الفقهاء القانونيين القرار “اليتيم والتائه والمنسي”. ذهب حسين شعبان إلى القول أنه يتيم لأنه الوحيد الذي لم يصدر ضمن الفصل السابع وبذلك يصبح أدنى حجية من القرارات الأخرى. وتائه لأنه لم يسأل عنه أحد، فالأمم المتحدة لا تصر على تطبيقه لكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع كما نص. وهذا يعني فيما يعنيه إجراء انتخابات حرة لاختيار الشعب لممثليه. ولا الولايات المتحدة وضعته ضمن أولوياتها حين تصر على تطبيق القرار 687 المعروف بأبو القرارات. ولا الحكومة العراقية التي وافقت عليه مرغمة أسوة بالقرارات الأخرى أجرت تعديلات دستورية وقانونية تطال النظام السياسي في هيكليته وتسمح بالتعددية واحترام حقوق الإنسان. ولا حتى المعارضة العراقية بما فيها الوطنية أعملت الجهد وعبأت الطاقات لتفعيل هذا القرار، خصوصاً وأنه يعتبر سابقة قانونية وفقهية دولية مهمة من حيث أنه يؤكد على مبدأ التدخل الإنساني الذي أصبح منذ نهاية الحرب الباردة ونظام القطبية الثنائية مبدأ آمراً ومستقلاً في القانون الدولي. إلا أنه للأسف استخدم بطريقة ازدواجية وبانتقائية في المعايير وفقاً للمصالح الدولية.

لتنفيذ قراراته هذه شكّل المجلس عددا من اللجان وكلّف جهات أخرى لذلك وهي:

اللجنة الخاصة للإشراف على تدمير الأسلحة المحظورة،

لجنة المقاطعة للإشراف على تنفيذ الحصار الاقتصادي،

لجنة التعويضات لتقرير مبالغ التعويضات التي تستحصل من العراق،

لجنة ترسيم الحدود التي أتمت عملها بتثبيت الحدود بين العراق والكويت،

بعثة الأمم المتحدة لمراقبة الحدود بين العراق والكويت،

الوكالة الدولية للطاقة الذرية المكلفة بمراقبة الملف النووي بالتنسيق مع اللجنة الخاصة،

اللجنة الدولية للصليب الأحمر المكلفة بالإشراف على عملية إطلاق سراح وإعادة الأسرى الكويتيين ورعايا الدول الثالثة والتقصي عن مصير المفقودين منهم.

لكن بعد أن كان الحصار مربوطا بتنفيذ كل قرارات الأمم المتحدة، تحول بعد إيفاء العراق بالتزاماته إلى ربط رفعه بزوال النظام العراقي الذي يرأسه صدام حسين . فمنذ 20 أيار 1991 أعلن الرئيس الأمريكي بوش أنه لن توضع نهاية للحصار التجاري “ما دام صدام حسين في السلطة”. وبدأت الدعاية الأمريكية الرسمية تركز على آلية نقل الذنب للآخر والتخدير النفسي مما سهل على المجتمع الدولي تجاهل مساهمته فيما حدث وعدم تحركه من أجل نجدة الشعب العراقي.

عند انتهاء الأعمال العسكرية كان من المفترض أن يصدر مجلس الأمن قرارا بإنهاء مفعول القرار 661 حيث أن الغاية من صدوره قد تحققت وهي إخراج العراق من الكويت. لكن شيئا من هذا القبيل لم يحدث حيث اعتمد المجلس أطول قرار في تاريخه كما أشرنا. وهو مشروع قرار أمريكي (687) ينطوي على تحول في منهج مجلس الأمن بشكل جذري بحيث يكرّس العقوبات ويخضع رفعها أو تخفيفها لشروط سياسية ويلزم العراق بدفع نسبة عالية من قيمة نفطه المصدر إلى صندوق التعويضات. ومن جملة ما فرضه منع أي شخص أو هيئة في العراق من المطالبة بالأضرار التي أصابته بسبب العقوبات، وتحول لمعاقبة الشعب العراقي، كما أهمل مجلس الأمن الفقرة 21 من هذا القرار الذي لم يعالج في أي من مراجعاته الدورية إمكانية الرفع الجزئي للعقوبات كما ورد فيها. مما سمح لوزيرة الخارجية الأمريكية مادلين اولبرايت بالتعبير في معرض حديثها خلال ندوة جرت في 26/3/1997 بشكل يناقض الفقرة 22 من القرار 687 عندما قالت : “لا نتفق مع تلك الأمم التي تقول بأنه إذا امتثل العراق لالتزاماته الخاصة بأسلحة التدمير الشامل فإن العقوبات يجب أن ترفع”.

بموجب هذا القرار أصبحت أهداف فرض العقوبات هلامية. وقد عبر عن هذا التغيير المستمر للمواقف من رفع الحصار الأمين السابق للأمم المتحدة بطرس غالي في تقريره عام 1995 عندما أصدر ملحقا “للخطة من أجل السلام” التي أعقبت مبادرته الأولى في 1992 إذ قال: ” الأهداف التي من أجلها فرضت أنظمة معينة للجزاءات (العقوبات) لم تكن دائما محددة تحديدا واضحا بل يبدو في بعض الأحيان أنها تتغير بمرور الوقت. وهذا المزيج من عدم الدقة والتغيير يجعل من العسير على مجلس الأمن أن يتفق بشأن الوقت الذي يمكن فيه اعتبار أن الأهداف قد تحققت وانه يمكن رفع الجزاءات (…) وإذا ما أريد الاحتفاظ بالتأييد العام لاستخدام الجزاءات وسيلة فعالة ينبغي الحرص على تجنب إعطاء الانطباع بأن الغرض من فرض الجزاءات هو المعاقبة وليس تعديل السلوك السياسي أو أنه يجري تغيير المعايير لخدمة مقاصد غير المقاصد التي كانت هي الدافع إلى اتخاذ القرار الأصلي بفرض الجزاءات”.

سعت الولايات المتحدة – ومعها بريطانيا- منذ البداية وما زالت وبكل الوسائل لإفشال المساعي الدبلوماسية، والعربية منها، لتسوية الأزمة رافضة أي شكل من أشكال الحوار مع العراق. كذلك عملت على فرض إعادة ترسيم الحدود مع الكويت لمصلحة هذا الأخير. وقد لجأت لتغييب دور الأمين العام للأمم المتحدة ولاستعمال هذه الهيئة متى احتاجت ممددة العقوبات إلى أمد غير محدود ومستعملة حججا تلو الأخرى لا علاقة لها بقرارات مجلس الأمن. كما سعت جاهدة لحمل بعض الدول المجاورة للعراق على إغلاق أنابيب البترول التي تنقل النفط العراقي علما أنها استثمارات عراقية تعود لقبل الأحداث وأن قرار الغلق لا يدخل في قرارات مجلس الأمن. وهي ما برحت تدعم إسرائيل في مجلس الأمن مستعملة حق النقض لمنع قرار إدانة اعتداءات هذا البلد على جيرانه وإقامة مستوطنات في أراضيها واحتلاله لأراضي ثلاث دول عربية. إن أسلوب القوة والإرهاب الدولي المتبع من هذه القوة العظمى دفع ثمنه العراق بالدرجة الأولى. وليست هجمتها الأخيرة على بغداد في 16 كانون الأول/ديسمبر 1998 التي أحدثت دمارا هائلا وعددا كبيرا من الضحايا وغاراتها شبه اليومية على شمال وجنوب العراق والتي أوقعت المئات من القتلى والجرحى والأضرار المادية سوى مثل على ذلك.

لقد فرضت أمريكا وبريطانيا منذ 27 حزيران/يونيو 1991 منطقة حظر طيران في شمال العراق دون العودة إلى مجلس الأمن، ثم عادت من جديد في آب/أغسطس 1992 لتفرض منطقة حظر أخرى في جنوب العراق هذه المرة ودائما دون العودة لمجلس الأمن. فعلت ذلك على أساس أنها أعطت نفسها حق “التفسير المنفرد لقرارات مجلس الأمن” وبالتالي حق التصرف كما يحلو لها. ما خلا ذلك قامت بثلاث هجمات عسكرية أخرى في بداية ووسط 1993 وفي أيلول/سبتمبر 1996 مستعملة الصواريخ والطائرات دون أن تعرض ذلك على مجلس الأمن أو أن تحصل على تخويل بذلك. وهذا النهج يشكل سابقة خطيرة في تاريخ الأمم المتحدة.

لتحقيق أهدافها تلجأ الولايات المتحدة عندما تضطر لاستخدام حق النقض للحيلولة دون تحرك مجلس الأمن باتجاه منصف جاعلة منه رهينة لإرادتها. ذلك رغم الديون المترتبة عليها تجاه الأمم المتحدة والتي تزيد عن ديون أية دولة أخرى في العالم. وعندما تفشل في الحصول على قرار تتصرف بشكل منفرد. تأكيداً لذلك، نعرض ما صرّح به وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر في معرض محاضرته في المعهد الجمهوري الدولي في واشنطن بتاريخ 21 حزيران/يونيو 1996 حيث قال أنه “من المهم أن تستخدم الولايات المتحدة جميع الأدوات المتاحة. خلال أزمة الخليج شملت هذه الأدوات الأعمال الانفرادية مثل قيامنا بتجميد الحسابات العراقية في بلادنا حتى قبل أن يعرف الشعب الأمريكي بأن العراق قد غزا الكويت، وتشكيل تحالف مؤقت، واستخدام الأمم المتحدة. دعوني أوضح لكم نقطة واحدة بصورة واضحة جدا، إن استخدامنا للأمم المتحدة لم يتحرك على أساس التزام حالم أو مفرط بالتفاؤل بتعددية العلاقات الدولية، كان المحرك هو الاعتراف الرزين بفائدة الأمم المتحدة كواسطة للقيادة الأمريكية. أعتقد أن علينا أن نتذكر باستمرار بأن الأمم المتحدة هي وسيلة، وأنها ليست هدفا من أهداف السياسة الخارجية الأمريكية”.

لجنة تدمير الأسلحة

نصت الفقرة 9(ب) من القرار 687/1991 على تشكيل لجنة خاصة تقوم بالإشراف على تدمير الأسلحة في العراق. باشرت اللجنة عملها برئاسة رالف أيكيوس الذي تقدم بتقريره الأول في 25/10/1991 لمجلس الأمن عن تطور تنفيذ مهامها. وقد تعاون العراق مع اللجنة بهدف الإسراع بتنفيذ الفقرة 22 التي تتيح رفع الحظر عن الصادرات العراقية رغم تحميله كامل تكاليف برنامج تدمير الأسلحة ورغم الاعتراض على طريقة اللجنة بالتعامل مع هذا البلد الذي اعتبر أن هناك مساسا بسيادته. ولهذا وغيره كان هناك عقبات كثيرة اعترضتها وسلسلة طويلة من الأزمات نتج بعضها عن نهجها في البحث عن البرامج السابقة للعراق ومصادر تزويده بمكونات المواد والتكنولوجيا. وقد استمر عملها إلى حين سحب رئيسها ريتشارد بتلر بتاريخ 15-12-1998 جميع أعضائها من العراق. كان ذلك عشية الهجوم الذي شنته أمريكا وبريطانيا على العراق بين 16 و20 كانون الأول/ديسمبر ودون أخذ موافقة مجلس الأمن. كان العراق قد شكا سابقا للأمم المتحدة وبإلحاح من أن هذه اللجنة التي تحمل اسمها هي ليست سوى أداة تستخدمها أمريكا وبريطانيا في خدمة أهدافهما للإبقاء على الحصار. ولاحظ مراقبون أنها تدار من واشنطن ولها علاقة وثيقة بالاستخبارات العسكرية الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي، كما أن ضباطا في الجيش الأمريكي قد تولوا دورا بارزا في بعثاتها كسكوت ريتر.

لقد اعتمدت في الواقع على تضخيم الذرائع ومارست عمليا مهمات تجسس ذات هدف سياسي وليس مهمات رقابة أو نزع سلاح. وقد تأكدت اتهامات بغداد عندما قدمت هذه اللجنة تقريرا كاذبا عن أنشطتها بين الفترة 14-11 و15-12/98 استعمل كذريعة لشن الهجوم. فضربت المواقع التي كانت اللجنة قد حددتها بأنها أهداف مهمة رغم أنها كانت خاضعة لرقابتها ولم تجر الإشارة إلى وجود أية مخالفة فيها لقرارات مجلس الأمن. واعتبرتالحكومة العراقية أن الهدف من هذا العدوان هو تدمير ما تبقى من القدرات الصناعية العراقية (فقد أتى على كل ما في تلك المواقع من أثاث مكاتب وكاميرات فيديو ومحطات تعبئة الوقود وأبنية تصنيع البروتين الذي يستعمل كأعلاف للماشية وما يتعلق بإنتاج لقاح الحمى القلاعية للحيوانات، مما جعل هذا المرض ينتشر بشكل كبير هذا العام) كما ورفضت استمرار التعاون بنفس الشروط السابقة.

لجنة العقوبات ومذكرة التفاهم

لقد أجازت الفقرة 23 للقرار 687/1991 للجنة العقوبات السماح للعراق بتصدير السلع الأساسية التي ينتجها لشراء المواد الغذائية والحاجات المدنية الأساسية ريثما تحرر صادرات العراق من الحظر بعد إنجازه التزاماته. لكن التحفظات التي أبداها العراق على بعض الأحكام التي تمس سيادته الوطنية أخّرت تنفيذ القرار. فالطلب إليه بتقديم كشف شهري عن موجوداته من الذهب والعملات الأجنبية ودفع التعويضات ونفقات اللجنة الخاصة من المبلغ العائد من بيع النفط المحدد بمليار و ستمائة ألف مليون دولار كل ستة أشهر وغيرها من شروط منعت من التوصل لاتفاق حول آلية بيع النفط وشراء المواد الغذائية والحاجات الأساسية. خلال هذه الفترة كانت نفقات الإغاثة الإنسانية تمول بنسبة 56 % من أموال العراق المجمدة.

وفي آذار/مارس 1996 وقّعت مذكرة التفاهم حول صيغة النفط مقابل الغذاء بين العراق والأمم المتحدة والتي تقضي بناء على القرار 986 ببيع العراق لكمية من النفط مقابل الحصول على الغذاء والدواء والحاجات الأساسية للشعب العراقي. وبدأ التنفيذ الفعلي لمذكرة التفاهم في نهاية عام 1996 وتم ضخ النفط العراقي عبر الأراضي التركية وإبرام العقود مع مستوردي النفط ومصدري المواد المشمولة بمذكرة التفاهم وإيداعها لدى لجنة العقوبات لإقرارها. تجدد الاتفاقية كل ستة أشهر حيث خصصت نسبة 66% من إيرادات بيع النفط البالغة ملياري دولار للإمدادات الإنسانية، منها 13% للمحافظات الشمالية وتنفق ال34% الباقية لدفع التعويضات ونفقات موظفي الأمم المتحدة ولمصاريف أخرى.

إن هذا الاتفاق الذي ركز على الغذاء بالدرجة الأولى وتجاهل الحاجات الأخرى للكائن البشري، لم يلب حتى أبسط احتياجات المواطن العراقي من الغذاء والدواء. ولم يكن للعراق الذي أرغم على القبول به أي تأثير فيه كونه ليس عضوا في مجلس الأمن. فالكمية من النفط المتاح بيعها لا تسمح بتغطية كافة المستلزمات من غذاء ودواء. ذلك بالإضافة لمحاولات عرقلة تنفيذ الخطة بكل الوسائل من قبل الولايات المتحدة باستعمالها لجنة 661 كأداة لتنفيذ سياستها، ولمنع الغذاء والدواء من الوصول إلى العراق بكميات كافية. لقد انتهجت لجنة العقوبات المؤلفة من 15 مندوبا من الدول الممثلة في مجلس الأمن، والتي عليها الحصول على موافقة كل مندوبيها بسبب حق النقض، سياسة الانتقاء وتعويق موافقتها بتأجيل الاجتماعات وتعديل الطلبات والاسترسال بالمشاورات وتعليق العقود. ذلك دون تقديم أسباب مقنعة ضمن الإطار المغلق لمناقشات اللجنة. مما أخر بشكل كبير وصول المواد حسب ما أشار إليه ممثل العراق السابق لدى الأمم المتحدة نزار حمدون. فقد أوضح في رسالة لمجلس الأمن أنه من مجموع 359 عقدا للغذاء والدواء قدمت للجنة العقوبات لغاية 21/3/1997 تم إقرار 62 عقدا وعلق 20. تشير مسودة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن فترة التسعين يوما من تنفيذ المرحلة السادسة من مذكرة التفاهم إلى وصول ما قيمته 294 مليون دولار من الحاجات الإنسانية إلى العراق من أصل العقود الموقعة والبالغة 1250 مليون دولار خلال المرحلة الخامسة ورغم انتهائها منذ أكثر من ثلاثة أشهر وتوفر المبالغ اللازمة لتغطيتها. والحجج التي تلجأ لها اللجنة لتبرير رفضها أن المنتجات “ذات استعمال مزدوج” أو أنها من “مدخلات الصناعة”.

تجدر الإشارة إلى أنه بعد إعلان الأمم المتحدة اتفاق بيع النفط توقفت بعض المساعدات الإنسانية، مما جعل وضع العراقيين في بعض المناطق أسوأ من السابق. وقد نشرت منظمة “أصوات في البرية” التي كانت ترسل معونات طبية وتجهيزات إنسانية إلى الشعب العراقي رسالة تسلمتها من وزارة المالية في واشنطن تحذرها فيها من “الاشتراك في أية معاملات غير مخّول بها تتعلق بتصدير التجهيزات الطبية والسفر إلى العراق. إن العقوبات الجنائية لانتهاك التعليمات تصل إلى عقوبة السجن 12 سنة وغرامات تبلغ مليون دولار، وقد يفرض المكتب إداريا عقوبات مدنية تبلغ ربع مليون دولار عن كل انتهاك”.

من المواد التي تم الاعتراض على إرسالها للعراق نذكر على سبيل المثال : كتب، أوراق، غراء للكتب، أقلام رصاص، دفاتر مدرسية، مبراة أقلام، بطانيات، غذاء الأطفال، ملابس للأطفال وللكبار، أحذية، كرات تنس الطاولة، دراجات أطفال، عربات إسعاف، خيوط حياكة ملابس، مواد تكفين الموتى، أشرطة كاسيت فارغة، مواد كيميائية لتعقيم الماء، قطن معقم، شاش ومحاقن ومجلات طبية، حاضنات أطفال، أفلام أشعة أكس، أدوية للصرع ولأمراض القلب، ، قفازات جراحية، ضمادات، سماعات الأطباء، شاشات تخطيط القلب، علب صبغ الأظافر وأحمر الشفاه، شامبو، صابون، مناشف، معجون وفرش أسنان، ورق تواليت، مواد البناء، الخ.

كان المقصود باتفاق النفط مقابل الغذاء حسب مراقبين تخفيف حدة انتقادات منظمات حقوق الإنسان على الأمم المتحدة وبالتالي إطالة عمر العقوبات. فالولايات المتحدة كانت تدرك أن شرط “الأغراض الإنسانية” يسهّل فرض حصار مقنع. في الحين الذي تفرض فيه حظر بيع النفط وتجمد الأرصدة العراقية بما يمنع العراق من الحصول على المواد الطبية والمنتجات الغذائية بشكل كاف.

لقد تبنى مجلس الأمن في شباط/فبراير 1998 قراره 1153 الذي رفع سقف المبيعات من النفط العراقي من 2 مليار إلى 2ر5 مليار دولار كل ستة أشهر. لكن رغم أن النفط يضخ بكميات اكبر وأن العراق يصدر اليوم اكثر مما كان يصدره في 1991 إلا أن العوائد تبقى غير كافية بسبب التأخر في الحصول على الأدوات الاحتياطية للصناعة النفطية وبسبب قدم البنى التحتية النفطية. لهذه الأسباب لم يتم بلوغ السقف المحدد للإنتاج ولم تتجاوز الصادرات النفطية 1ر3 مليارات دولار بدلا من 2ر5 كما هو مسموح به. وهذه المواد التي يصعب الحصول عليها واستيرادها لا تسمح للعراق بزيادة إنتاجه الحالي إلى 5ر2 مليون برميل يوميا قبل بدايات الألفين. علاوة على ذلك، إن الضغط على المنشآت الحالية سيشكل مخاطر بيئية ويوقع أضرارا إضافية في البنى التحتية. فإعادة التأهيل الكلية للصناعة النفطية في العراق وإحياء الاقتصاد يتطلب عدة مليارات من الدولارات.

مناقشة قرارات الأمم المتحدة بالنظر للحصار الاقتصادي والأعمال الحربية على العراق

إن الأسئلة المركزية التي طرحناها على أنفسنا كنشطاء حقوق إنسان منذ بداية عملنا على الحصار المفروض على العراق كانت تدور حول جدوى العقوبات الاقتصادية، وهل يمكن أن تكون ذات فائدة لوقف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو إنها على العكس من ذلك تشكل كارثة بشرية حقيقية تفوق في مخاطرها الدوافع المعلنة التي كانت وراء إقرارها ؟

كيف يمكن قراءة قرارات مجلس الأمن من خلال التزامنا بحق الحياة والحقوق الاقتصادية كجزء أساسي من حقوق الإنسان ؟ وهل كان هناك حرص فعلي على تطبيق الفقرات المتعلقة بحماية الأشخاص والحؤول دون وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان سواء كان ذلك في مناطق سيطرة السلطة المركزية أو في مناطق “الحكم الذاتي” الكردية، حسب الاصطلاح الرسمي، أكان ذلك بسبب الممارسات الأمنية أو بسبب القصف الخارجي أو الحصار الاقتصادي ؟ هل يمكن القبول بمنطق القوة كمصدر لشرعية القانون الدولي والفعل الدولي اليوم ؟ وما هو موقف مناضلي حقوق الإنسان من قرارات مجلس الأمن التي لا تعتبر الحقوق الأساسية للبشر مرجعا أساسيا لها ؟

هذه الأسئلة تبدو أساسية لقراءة المأساة العراقية في مجهر حقوق الإنسان والشعوب، وهي التي كانت بوصلة عملنا والتي حرصنا عبرها على عقلنة علاقتنا بمأساة تهز ضمير كل كائن حي ولا تترك الإنسان في موقع محايد، على الأقل في موقفه مع نفسه وضميره.

يمكن القول أن العقوبات الاقتصادية والحصار الدولي المفروض على العراق بالارتباط مع القرارات الصادرة عن مجلس الأمن تتسم ببعض السمات الخطيرة :

  1. إن هذه القرارات غير محددة بزمن ويتطلب إلغاؤها استصدار قرار أو قرارات جديدة من مجلس الأمن. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هناك قوة أساسية مؤثرة في مجلس الأمن من الدول الدائمة العضوية بإمكانها تعطيل اتخاذ أي قرار باستخدام “الفيتو”، يمكن عندها أن ندرك خطورة الأوضاع المستقبلية.
  2. تعتبر القرارات أشد وطأة من نظام الوصاية الدولي. فحسب المادة 12 من نظام الوصاية يمكن للجمعية العامة أن تمنح الاستقلال للشعوب التي تحت الوصاية بقرار منها بالأغلبية. لكن قرارات مجلس الأمن لا تلغى إلا بموافقة 9 أعضاء من مجموع 15 عضوا ضمنهم الأعضاء الدائمين الخمسة. وهذا مصدر الخطر الحقيقي.
  3. عندما تذكر القرارات فإنها لا تخص الحكومة العراقية أو النظام القائم، بل تتعرض للعراق كدولة وكيان. وهذا يترك أبعاده السياسية على مستقبل العراق، كما أن التغيير في النظام السياسي لا يتبعه تغيير أوتوماتيكي في تطبيق القرارات إلا بقرار محدد وواضح من مجلس الأمن.
  4. إن الاستمرار في فرض الحصار الدولي وتوجيه الضربات العسكرية العدوانية لمناطق الحظر الجوي شمال العراق (كردستان) وجنوبه يستهدف تمزيق المجتمع العراقي والإخلال بوحدته الوطنية والسعي لرهن إرادته وموارده ومستقبله لأجيال طويلة. وهذا يشكل هدراً إضافياً وجديداً لحقوق الإنسان العراقي بما يعد جريمة دولية بحق السلم والأمن الدوليين.
  5. إن مناطق الملاذ الآمن والحظر الجوي غير قانونية ولم تصدر بقرارات من مجلس الأمن. بل كانت بمبادرة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، رغم أن الأخيرة بدأت تتلكأ في المشاركة فيها منذ أكثر من عام. ولذلك فهي تخلّ بالسيادة وتتعارض مع مبادئ “الشرعية الدولية” التي تتعكز عليها الولايات المتحدة لإجبار العراق على الانصياع لها.

إن هذه الحرب الصامتة التي تتوالى فصولها في العراق سنة بعد سنة بسبب استمرار العقوبات منذ 9 سنوات بشكل شبه شامل وعلى الرغم من موت وتشويه مئات الآلاف من الضحايا العزل تطرح السؤال حول مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وحول مهام وسلطات مجلس الأمن. فمجلس الأمن المحكوم بالقانون الدولي ينتهك مهامه والتزاماته القانونية في حماية حقوق المدنيين العراقيين وبالأخص الفئات المستضعفة من نساء وأطفال الذين يتمتعون بحماية خاصة. فالحق في الحياة هو “الحق الأعلى الذي لا يسمح بالمساس به حتى في ظروف الطوارئ العامة” حيث يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وللحقوق المدنية والسياسية واتفاقية حقوق الطفل على حقوق الحياة والرعاية الصحية ومكافحة الأمراض وسوء التغذية وخفض وفيات الرضع والأطفال وعلى الحق بالتعليم وبمستوى معيشة لائق وغيره مما أسهم الحصار في انتهاكها.

لقد تضمنت اتفاقية جنيف لعام 1949 والبروتوكول الملحق بها المتعلق بحماية ضحايا النزاعات الدولية المسلحة لعام 1977 منع أي “هجوم يتوقع أن يسبب خسائر عرضية لأرواح البشر المدنيين أو إصابتهم بجروح أو تدمير أهداف مدنية … والتي ستكون باهظة الثمن قياسا بالفائدة العسكرية المباشرة المتوقعة”. ونصت الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل على “إن لكل طفل حق أساسي في الحياة” داعية جميع الدول لتأمين الحد الأعلى الممكن لبقاء وتطور الطفل ولاتخاذ الإجراءات المناسبة لتقليل الوفيات بين الرضع والأطفال”. فأين ما يحصل في العراق من كل هذه المواثيق ؟

يحرم البرتوكول الأول في ميثاق جنيف القصف المتعمد لمحطات توليد الطاقة النووية والمصانع الكيميائية ومصافي النفط، وكذلك استهداف المواقع التاريخية والثقافية والمراكز الروحية والأعمال الفنية الخ، التي استهدفتها قوات التحالف. كما شملت طلعاتها أهدافا أخرى مدانة من قبل مواثيق لاهاي وواشنطن وجنيف والأمم المتحدة مثل : قصف الأهداف ذات الاستعمال المزدوج المدني-العسكري دون سابق إنذار، السدود والجسور والمستشفيات والمدارس والكليات ووسائل الاتصالات المدنية والمواد الضرورية لبقاء المدنيين على قيد الحياة (مثل مخازن ووسائل توزيع الأغذية ووسائل التجهيزات الكهربائية ونظم ضح وتوزيع المياه،الخ) والجنود غير القادرين على المقاومة وإلى ما هنالك من أهداف تبين الإهمال المتعمد “لمبدأ الإبقاء على الحياة”.

لقد نصت المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على حفظ السلام والأمن الدوليين وإنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير المصير وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان دون تمييز. فكيف يجوز أن يكون تحقيق السلم والأمن الدوليين انتهاكا لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير المصير والمساواة بينها ؟

هناك تعارض بين سلطة مجلس الأمن الذي يملك بموجب المادة الأولى من الميثاق سلطة تعزيز واحترام حقوق الإنسان وحل المشاكل ذات الطابع الإنساني وتسوية المنازعات الدولية وبين العقوبات التي أوقعها بالسكان المدنيين دون تمييز. إن فرض الرقابة على الموارد الطبيعية للعراق والاقتطاع منها لدفع تعويضات لأطراف لم يحددها يخالف حق الشعب العراقي في التمتع بحرية بثرواته ويخالف المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تقضي بأنه “لا يجوز في أية حالة حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة”. وهذا واجب احترامه حتى عند تطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حول إجراءات حفظ السلام والأمن الدوليين.

كما أشار رامسي كلارك المدعي العام الأمريكي سابقا والذي أسس لجنة التحقيق لمحكمة جرائم الحرب الدولية : إن الحصار الاقتصادي هو “سلاح دمار شامل وجريمة ضد البشرية في روح محاكمات نورنبرغ”. فكيف يمكن فهمه عندما يمارس بعد زوال الأسباب التي أدت إلى فرضه ؟ كذلك إن التدمير المتعمد للبنى الأساسية المدنية جريمة حرب كما يعرفها ميثاق وقرار ومبادئ نورنبرغ.

تجدر الإشارة إلى أن السيد كلارك كان قد أدان مع 22 قاضيا من 18 دولة جورج بوش وزعماء أمريكيون وآخرون من جنسيات أخرى نشر أسماءهم، بتسعة عشر تهمة بارتكاب “جرائم ضد السلام وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”. لقد خالف الرئيس الأمريكي خلال أزمة الخليج القوانين المرعية الاجراء في بلاده وتمادى بأكثر مما تسمح له صلاحياته. فقد تجاوز موافقة الكونغرس وانتهك الدستور الأمريكي عندما نشر قوة عسكرية ضخمة حول العراق في تحالف مع دول أخرى، واعترض سفنا تحمل بضائع للعراق وفرض حظرا تجاريا على هذا البلد. ذلك بالإضافة لانتهاكه للقانون الدولي في جملة من التجاوزات مثل اللجوء لاستعمال بعض من أسلحة الدمار الشامل التي تدينها قرارات الأمم المتحدة مثل اليورانيوم الناضب، قذائف النابالم ومتفجرات الوقود-الهواء والقنابل العنقودية وأسلحة أخرى يحتمل أنها استعملت مثل نظام الليزر الذي يصيب بالعمى.

مواقف عراقية من الحصار الاقتصادي

تختلف مواقف “المعارضة العراقية” بين موال للسياسة الأمريكية بما يخص استمرار تطبيق الحصار الاقتصادي وبين معارض لها. ويبدو أن الخلاف قد اتسع بين الطرفين بسبب الموقف المتباين من القانون الصادر عن الكونغرس الأمريكي في تشرين الأول/أكتوبر 1998 والذي يسمى ب”قانون تحرير العراق”.

ففي الحين الذي أيدت هذا القانون القوى التي تساند استمرار الحصار الاقتصادي باعتباره أداة مهمة وأساسية في إضعاف النظام العراقي وإسقاطه، تعارضه قوى سياسية أخرى على أساس أنه تدخل سافر في الشؤون الداخلية للشعب العراقي يستهدف تحقيق المشروع الأمريكي القاضي بتنصيب مجموعة مرتبطة بها وتأتمر بأمرها. فالحصار ليس موجها ضد النظام العراقي وإنما يعاقب شعب العراق بصورة جماعية بتجويعه ورهنه لقسائم السلة الغذائية التي توزعها الأجهزة الحكومية عليه شهريا. فبدلا من أن تؤدي المقاطعة إلى الإطاحة بالرئيس العراقي تسببت على العكس من ذلك في تدمير النسيج الاجتماعي وتحطيم الكرامة العراقية وإنهاك الناس وانشغالهم في جهودهم من أجل لقمة العيش والبحث عما يسد الرمق. اشتدت المحنة على الشعب العراقي بسبب سياسة النظام الاقتصادية أيضا وتقليص ثمار تطبيق القرار 986 عبر تأخير توزيع الحصص التموينية وحجب نسبة من بعض موادها واستبدال الجيد من المواد المستوردة بأخرى غير صالحة من الخزين الموجود. هذا بالإضافة إلى استخدام الحصة أحيانا سلاحا ضد بعض الفئات غير الموالية وفقا لتقسيمات الحكم. من هنا يتجلى خطر استمرار الحصار حيث أن إبقاءه يسمح للنظام التحكم بالشعب واستغلال مآسيه وبالتالي انعدام إمكانية إجراء تغيير داخلي يطال البنية السياسية والقانونية. وهو ما يتساوق وإن كان بشكل غير مباشر مع المخطط الأمريكي المستمر منذ 9 سنوات في استمرار الحصار لتدمير وتحطيم العراق حاضراً ومستقبلاً، وليتم فرض نظام حكم يقع ضمن دائرتها.

بشكل عام، يمكن القول أن قوى المعارضة العراقية ابتداء بالقوى والشخصيات اليسارية ومنها الحزب الشيوعي العراقي وبعض الكتل والشخصيات الديمقراطية والمستقلة، ومرورا بالأحزاب والتجمعات القومية وانتهاء بقوى التيار الإسلامي، تتفق على بعض الخطوط العريضة رغم وجود بعض الاختلافات والتناقضات ناهيكم عن التفصيلات :

رفض استمرار الحصار الاقتصادي والتدخل الأمريكي في شؤون العراق لأنه يشكّل تجاوزا على حقوق الإنسان والقوانين والأعراف الدولية وبشكل خاص لما تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق والعهود الدولية الأخرىوهي تدعو إلى رفع الحصار الاقتصادي دون قيد أو شرط وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق وللمعارضة كما وتناشد الرأي العام العالمي لمساندتها في نضالها من أجل رفع الظلم عن الشعب العراقي. إنها تعتبر الرئيس العراقي المسؤول الأول عن حربين تدميريتين أتت على البنى التحتية للبلاد وكانت وراء إغراق العراق بالديون المالية وتدهور اقتصاده وتخصيص جزء كبير من موارده الشحيحة للتسلح والتصنيع العسكري. لقد أدخل العراق في دوامة لا مبرر لها وعرض شعبه للإبادة الجماعية باستمرار الحصار الدولي الجائر.

يضاف لذلك الحروب الداخلية وعمليات الاضطهاد والتمييز التي جرت طيلة نحو عقدين ونيف من الزمن بحق الشعب الكردي وبحق الأغلبية العربية الشيعية. فقد ساعدت مغامرات الحكم طيلة عقدين من الزمان على تصاعد مخاطر التقسيم وفقدان العراق لجزء من أراضيه والتغلغل العسكري التركي المستمر في الأراضي العراقية والتداخل والوجود الأمني والمخابراتي الإيراني ونجاحه في كردستان. ذلك إضافة إلى تعميق الفرقة في الصف العربي والسماح لإسرائيل بالتمادي في سياساتها المناهضة للحقوق العربية المشروعة بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية.

وكأية سلطة استبدادية ترفض الرقابة الجماهيرية، نمت في ظل تداعي الوضع أشكال الفساد بمختلف تعبيراتها حيث خلقت فئات طفيلية تباع لها منشآت الدولة بأبخس الأثمان وتتحكم بأسعار العقارات والسكن وبوسائل الإنتاج والثروة. ذلك على حساب القوى الإنتاجية الفكرية والمادية حيث تنتشر البطالة بين القوى القادرة على العمل بنسبة 60 إلى 70 بالمائة.

تكاد تجمع هذه القوى على أن السلطة السياسية بمصادرتها لكل أشكال الحريات الأساسية المعترف عليها في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والتي وقع عليها العراق زرعت الأسس الموضوعية لتحطيم وحدة البلاد وتفسيخ الروابط المدنية والمجتمعية وانهيار القيم الأخلاقية وبعث الروابط الطائفية والعشائرية والشوفينية والجهوية والمناطقية المتخلفة ومحاصرة وتصفية الرأي الآخر. إنها تشجب عمليات الإعدام المستمرة لعدد كبير من السجناء السياسيين وغير السياسيين في السجون العراقية وخارجها خصوصا في الأشهر الأخيرة حيث تم إعدام 58 من المعارضين للنظام في 12 نيسان الماضي في سجن أبو غريب في بغداد بتهمة أن الضحايا قاموا ب”أعمال خيانة” وحاولوا “الإضرار بالدولة”. كما وأعدم في شهر آذار الماضي وما بعده دون محاكمة وبعد تعرضهم للتعذيب عدة أيام وأحيانا لمجرد الاشتباه بهم ما يتراوح بين 400 و500 شاب من أبناء البصرة دفن قسم منهم في مقبرة جماعية بمنطقة البرجسية.

تذهب هذه القوى للقول إن عمليات الإعدام طالت المعارضين المشكوك في ولائهم من فئة العسكريين والمدنيين ومن رافضي الخدمة العسكرية والهاربين من الجيش. كما وحصلت تصفيات جسدية لرجال دين يعارضون النظام أو يرفضون وضع أنفسهم في خدمته. وفي ظل الحالة الاستثنائية السائدة في البلاد وفي أجواء الاستنفار الشامل للأجهزة الأمنية والحزبية والعسكرية، جرى تطويق المدن بالقوات المسلحة في العامين الماضيين ومداهمة البيوت بدعوى البحث عن العسكريين الهاربين وكثّفت عمليات استدعاء عائلات المعارضين والمقيمين في الخارج وتهديدها أو احتجاز من تتهمهم بمشاركة أبنائهم في عمليات المقاومة ومصادرة ممتلكاتهم وهدم بيوتهم كعقاب جماعي.

في الوقت ذاته اتسعت عمليات تهجير المواطنين الكرد والتركمان من كركوك بشكل خاص إلى المناطق غير الخاضعة لها بعد تجريد العائلات من جميع وثائقها وممتلكاتها. وما تزال معاناة المهجرين العراقيين بسبب التبعية الإيرانية والذي يربو عددهم على نصف مليون مستمرة. بل أنها تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة بسبب إجراءات تعسفية قامت بها السلطات الإيرانية ضدهم وجمعت قسما منهم في معسكرات لا تتمتع بأبسط الاحتياجات الإنسانية ورمت بعضهم على الحدود العراقية ليواجهوا مصيرهم المجهول.

تعتقد هذه الأطراف أن التطورات الأخيرة تعكس تخبط العراق السياسي وعزلته في الخارج وضيق هامش المناورة المتاح له في التعامل مع الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن. وتتنبأ بأن الفترة المقبلة يمكن أن تشهد تطورات غير عادية بالنسبة للنظام الحاكم ولمستقبل البلاد.

مقابل وجهات النظر هذه هناك طروحات أخرى لمن التقينا بهم في بغداد من جامعيين ومقربين من حزب البعث الحاكم حول تقييمهم للوضع في ظل العقوبات الاقتصادية. تتلخص إجاباتهم بما يلي :

على الشعب العراقي الوقوف صفا واحدا من أجل إحباط المؤامرة التي تحاك ضد العراق. لقد بات من الواضح لكل المطلعين على الوضع أن الهدف الأساسي الذي من أجله تمت العمليات العسكرية التي قامت بها قوات التحالف بقيادة أمريكا وحليفتها بريطانيا وفرض نظام العقوبات المستمر منذ 9 سنوات هو تمتين مصالح أمريكا الجيوستراتيجية ومطامعها الاقتصادية في منطقة عائمة فوق آبار النفط، وإن تسترت بغطاء قرارات “المجتمع الدولي” أو ادّعت أنها تعمل لإحلال نظام ديمقراطي في العراق. وأين هي الديمقراطية من الأنظمة التي “دافعت” عنها ؟ ومنذ متى كانت تهتم بالبناء الديمقراطي في المنطقة العربية وهي التي تنظر بعين القلق للتجارب الديمقراطية الناشئة في العالم الثالث ؟

فالعراق الذي امتثل لقرارات الأمم المتحدة ووفى بتعهداته والتزاماته لم يشهد أي تغيير في وضعه ولم يرفع الحظر عنه. وربما سيستمر هذا الوضع لزمن طويل. في الحين الذي يمارس مجلس الأمن سياسة المكيالين والمعايير المزدوجة في تطبيق قراراته عندما تدخل إيران إلى الأراضي العراقية أو تغزو تركيا شمالي العراق لسحق الأكراد من حزب العمال الكردستاني. ما الذي يبرر استمرار الحصار حتى اليوم على العراق الذي يترافق بأعمال عدوانية على أراضيه بشكل شبه يومي وبقتل الأبرياء دون سبب ؟ ما الغرض من إبقاء العراق بلدا ضعيفا في الشرق الأوسط وحرمانه من وسائل دفاع ملائمة بينما تحظى دول أخرى في المنطقة بصواريخ بالستية وأسلحة كيميائية ونووية وغيره ؟ كيف يمكن أن نفهم استمرار العقوبات في الحين الذي ظهرت فيه معارضة دولية متصاعدة للتمديد غير المحدود لنظام العقوبات وأصبح معظم أعضاء الأمم المتحدة، منهم ثلاث دول دائمة العضوية في الأمم المتحدة، يعارضون استمرار تجويع الشعب العراقي؟

هناك معلومات واستنتاجات على أن أمريكا كانت ستوجه ضربتها للعراق سواء اجتاح الكويت أم لا ولم تكن تنتظر سوى الفرصة السانحة لتطبيق مخططاتها. كان هناك مؤامرة دولية لتدمير القوة العسكرية العراقية وتأكيد التفوق الصهيوني وتحقيق هيمنة أمريكية مباشرة على نفط الخليج وضمان دعائم الأنظمة الخليجية. إن الإدارة الأمريكية كانت على علم مسبق بخطة الدخول إلى الكويت وعلى الأقل بعض المسؤولين الكويتيين حيث مونت الكويت قبل غزوها وبشكل استثنائي مصافي النفط الاوروبية بخمسة عشر مليون برميل نفط خام، أي ما يكفي أوروبا لثلاثة اشهر.

وفي الأشهر التي سبقت دخول العراق الكويت بدأ هذا البلد يغرق السوق النفطية منتهكا الحصص المتفق عليها في الاوبك وملحقا أضرارا بالعراق الذي تناقصت إيراداته بمليارات الدولار إضافة لمشاكل ديونه بسبب الحرب مع إيران. ترافق ذلك باستخراج الكويت للنفط من حقول الرميلة العراقية الممتدة داخل الكويت مما سبب خسارة العراق 14 مليار دولار في السنة.

المطلعون على الوضع يعرفون أنه منذ سنة 1973 بدأت وزارة الدفاع الأمريكية تدريبات عسكرية سنوية في صحراء موجاف. وأعلن مبدأ نيكسون الذي أقر الاعتماد على قوى إقليمية (إيران والسعودية وإسرائيل) لتكون خط الدفاع الأول ضد أي تحديات للمصالح الأمريكية في المنطقة. وفي 23/12/1974 صرح كيسنجر أنه لا يستبعد قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري للاستيلاء على منابع النفط في الخليج من أجل السيطرة على أسعاره.

في تقريرها الذي قدمته لجنة الطاقة والموارد الطبيعية في مجلس الشيوخ الأمريكي في 7/11/1979 إلى الرئيس كارتر ورد ما يلي: “يجب ألا نسمح بظهور دولة عربية قوية سياسيا واقتصاديا قد تفرض سياسات وطنية على دول الخليج وترفع من أسعار النفط، كما يجب ألا نسمح باستقرار الأحوال السياسية والعلاقات العربية-العربية”. كان كارتر قد وضع في آب 1977 خطة عسكرية لاحتلال منابع النفط في الخليج بهدف حماية مصالح أمريكا الحيوية. وقد تبناها الرؤساء الذين أتوا بعده وطوروا بها. وقبل دخول العراق الكويت جرت تمرينات عسكرية أمريكية-إماراتية مشتركة في الخليج تحسبا لمختلف السيناريوهات التي قد تطرأ. ولم يفعل الرئيس بوش بدخوله المنطقة سوى تطبيق ما خطط له أسلافه. أتى بعده كلينتون ليكمل الطريق، وما زال في كل مرة وحتى الساعة يتذرع بحجج واهية ويتمسك بموقفه الرافض لأي شكل من أشكال المباحثات التي يدعو لها النظام العراقي.

هذا الوضع يهدد كل دول العالم المستهلكة للنفط بالهيمنة الفعلية على اقتصادها، ويشكل خطرا كبيرا على الأمة العربية وتهديدا لأمنها القومي. فهو يعيد جزءا مهما منها إلى حالة الاستعمار القديم. لكن بأشكال جديدة وتحت غطاء تطبيق قرارات مجلس الأمن وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وحماية دولها من أخطار مزعومة. كما أنه يجعلها تتحمل كدول أخرى كثيرة أضرارا لا طاقة لها بها من جراء قطع علاقاتها التجارية بالعراق. فحسب الرؤيا الأمريكية لمستقبل العرب يحظر عليهم التقدم الصناعي والتكنولوجي المستقل وعليهم أن يكونوا مفتوحين للاستثمارات والسلع الأمريكية وعليهم أن يسهلوا استثمار ثروتهم النفطية والمواد الاستراتيجية الأخرى وفق الشروط الأمريكية وأن تكون الأنظمة العربية حارسة للمصالح الأميركية.

لقد قبلت السعودية دخول 100 ألف جندي أمريكي إلى أراضيها خلال شهر واحد من دخول الكويت، في الوقت الذي توجد على أراضيها أربع قواعد عسكرية أمريكية. وما يجب الإشارة له أنه حتى عام 1990 بلغت مجموع الأموال الخليجية المسجلة دفتريا على شكل استثمارات في أمريكا وبريطانيا 750 مليار دولار لكن لا يمكن سحبها أو استعادتها، في حين كانت تبلغ المديونية الخارجية لكل العرب بما فيهم دول النفط 250 مليار دولار.

ومن الواضح أن السماح بعودة النفط العراقي إلى الأسواق قد يؤدي لانهيار الإيرادات السعودية. مما سيجعل من الصعب على هذا البلد تسديد ثمن الأسلحة الأمريكية الذي يبلغ مليارات الدولارات. لهذا هناك ضغوط تجارية في سوق النفط العالمية للإبقاء على العقوبات. وعليه، ستواصل الولايات المتحدة العمل على استمرارها بسبب المصالح الرأسمالية العالمية التي تتطلب ذلك وبغض النظر عما يفعله أو لا يفعله العراق.

هل من قبيل الصدف أنه خلال هذه السنوات الطوال يحرم الإنسان في العالم من مشاهدة تقارير حول الوضع في العراق ويصور كأنه لا يبالي بما يجري في هذه البقعة من العالم وكأن الضمير الإنساني لم يعد موجودا؟

عندما طرح الرئيس صدام حسين على مجلس الأمن في 12 آب/أغسطس 1990 مسألة بحث كل مشاكل المنطقة العالقة كشرط لخروجه من الكويت لم يقبل أحد بالخوض بهذا الموضوع ولم تقابل طروحاته سوى بالرفض بحجة أنه لا مجال للمقارنة بينها وبين ضم العراق الكويت. من هذه المسائل الذي طرح تسويتها تنفيذ اسرائيل لقرارات مجلس الأمن وانسحابها من الأراضي الفلسطينية المحتلة ومن الجولان السوري ومن جنوب لبنان. كذلك انسحاب الجيش السوري من لبنان والقوات الأمريكية من السعودية ليحل محلها قوات عربية.

إن العراق بلد متمسك باستقلاله ومستعد في سبيل ذلك لتحمل التضحيات ولفضح المخطط الإمبريالي. إنه يعتبر أن نضاله ذو بعد عالمي وإنساني ينسجم مع طموح وحق كل شعوب العالم في الاستقلال وفي التعامل المتكافئ في الجوانب السياسية والاقتصادية الستراتيجية. ولهذا فان ما تستهدفه أمريكا وبريطانيا هو تدميره وإضعافه وعزله وتغيير حكومته والإتيان بحكومة عميلة لها. فالذي يتعرض له العراق يمكن أن تتعرض له كل شعوب العالم بدون استثناء.

كثيرون ممن التقينا بهم كانوا يتساءلون أين هو “التضامن العربي” مع ما يحصل لهم منذ 9 سنوات ؟ فالمخزي هو حسب بعضهم عجز الدول العربية عن تحقيق الحدود الدنيا للمصالح العربية المشتركة، حيث أن صراعاتهم بين بعضهم كلفتهم أكثر من صراعهم مع إسرائيل. لقد هزمت هذه الدول أمام قضاياها المصيرية بسبب غياب الإرادة السياسية اللازمة لاتخاذ القرارات المشتركة.

كان يمكن أن تحذو الدول العربية والمجاورة للعراق حذو الأردن. فهو رغم الضغوط الأمريكية الهائلة عليه لبذر الخلاف بينه وبين العراق والوعود بتعويضه خسائره وإجباره على إغلاق حدوده مع هذا البلد استطاع أن يفتح الثغرة الوحيدة في الحظر. بمزاولة تجارته معه تجنب خسارة ملايين الدولارات سنويا وهو الذي اعتاد على استيراد النفط العراقي وعلى تصدير ربع صادراته إلى العراق.

لقد اعتمد لذلك على الفقرة 50 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على التالي: “إذا اتخذ مجلس الأمن ضد أية دولة تدابير منع أو قمع فإن لكل دولة أخرى  سواء أكانت من أعضاء الأمم المتحدة أم لم تكن  تواجه مشاكل اقتصادية خاصة تنشأ عن تنفيذ هذه التدابير، الحق في أن تتذاكر مع مجلس الأمن بصدد حل هذه المشاكل”.

على الرغم من ظاهرة تهريب بعض السلع التي لا بد منها عبر الحدود الإيرانية والتركية والسورية، نجحت الولايات المتحدة عن طريق الرشوة والتهديد، بضمان جانب تركيا والبلدان العربية المجاورة للعراق التي تجري وراء الفرص الأجنبية رغم تكبدها خسائر جمة من جراء قطع علاقاتها التجارية مع هذا البلد المنكوب.

عندما طرحنا على وزير الشؤون الاجتماعية العراقي السؤال عن سبب رفض المساعدات الإنسانية التي كانت تأتي من الدول العربية، كان الجواب انه “عندما كانت تصل حاجات تالفة أو ملابس ممزقة ووسخة أو أشياء لا حاجة بها، كهدايا من دول عربية، وذلك بغرض الدعاية، تم اتخاذ القرار بوقف استلام هذه المساعدات حيث اعتبر ذلك إذلالا. كانوا يعرفون أننا محتاجون للمضادات الحيوية مثلا، فلم لم يقدموها لنا بدلا من ذلك؟. في البداية كانت تقبل المساعدات ولكن عندما تستعمل ضدنا أو لتمرير قضية فنحن لا نريدها”.

خلاصة

يواجه العالم في نهاية هذه الألفية الثانية حالة خطيرة في ظل التطورات المتسارعة التي يعيشها من إشعال فتيل الحروب المحلية والإقليمية والتوترات السياسية وارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وهجوم رأس المال العالمي وانتشار العولمة وارتفاع ميزانيات اقتناء السلاح. ذلك إضافة إلى زيادة نسب الديون الخارجية للبلدان النامية والعمل على تهميشها وتبعيتها وتخلفها وانهيار نظمها الإنتاجية وانحلال برامجها الاجتماعية واستنزاف طاقاتها بشتى الوسائل. كما نشهد ارتفاعا مخيفا في معدلات البطالة والتضخم والتلوث الخطير للبيئة وظهور المجاعة وانتشار الأوبئة وفقدان الخدمات الأساسية الصحية والغذائية والتربوية. فالنزاعات المسلحة وحدها تسببت حسب تقرير اليونيسيف الأخير بقتل أكثر من مليوني طفل خلال العقد المنصرم بينما يعيش 13 مليون شخصا كلاجئين، نصفهم من الأطفال. يرافق ذلك تصاعد نهج الهيمنة على العالم من جانب الدول الغنية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. هذه القوة العظمى الوحيدة بعد أفول الاتحاد السوفياتي التي تتفرد بقدر هائل من الإمكانات العسكرية والاقتصادية والاستخبارية والإعلامية والتي تفرض مشيئتها على العالم.

إن ما يحصل في العراق منذ سنوات يشكل بحق إبادة جماعية لشعب. هذه الإبادة التي سمحت التقنيات الحديثة بتوسيع نطاقها أكثر مما كانت عليه في السابق متخذة أشكالا أقل همجية أحيانا ومعتمدة على الإمكانات الدعائية المتوفرة اليوم. فالإبادة الجماعية، كما ينص القرار 96 (1) الذي تبنته في 11 كانون الأول 1946 الجمعية العامة للأمم المتحدة التي هالتها فظائع الحرب العالمية الثانية، هي “حرمان لحق الحياة لمجموعات بشرية برمتها”. إنها إحداث أذى بدني أو عقلي بأفراد المجموعة أو تعمد تعريض المجموعة إلى ظروف حياتية يتوقع أن تسبب التدمير البدني كليا أو جزئيا. وتذهب الجمعية لتأكيد “أن الإبادة الجماعية جريمة في نظر القانون الدولي (…) يعاقب لارتكابها المسؤولون عنها وشركائهم سواء كانوا أفرادا أهليين أو موظفين حكوميين أو رجال دولة، وسواء ارتكبت الجريمة لأسباب دينية أو عرقية أو سياسية أو أية أسباب أخرى..”

إن النضال بشتى الوسائل مسألة ملحة من أجل إقامة نظام جديد للعلاقات الدولية يؤمن السلام والاستقرار والعدالة والمساواة لشعوب العالم التي تحرص على استقلالها ومصالحها الوطنية المشروعة. علينا بكل الوسائل رفض ما يجري باسمنا على أرض شعب أعطى الكثير للبشرية. من واجبنا مقاومة العقوبات الدولية الحالية والمستقبلية عن طريق تفعيل التجمعات الإقليمية والسياسية والاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني وبخاصة حقوق الإنسان من أجل رفض العقوبات عندما تطال نتائجها السلبية الشعوب والأفراد.

يجب العمل كي لا يسمح باستغلال أجهزة الأمم المتحدة من قبل القوى الدولية المهيمنة كأدوات للقهر السياسي وتحقيق المكاسب. إن وضع ضوابط ومعايير موضوعية لتطبيق القوانين الدولية بشكل يحمي السكان المدنيين والفئات المستضعفة منها بالأخص مسألة ملحة. إن إصلاح مجلس الأمن ودمقرطة العلاقات في منظمة الأمم المتحدة مسألة باتت من الأهمية بمكان بعد أن ثبتت انتهاكاته الصريحة للقانون الدولي. فالعقوبات عندما تفرض يجب أن تكون أهدافها وشروط رفعها واضحة كما يجب أن تستثنى منها الإمدادات الطبية والغذائية والموارد الثقافية والزراعية. كذلك يجب ضمان إيصال المساعدات الإنسانية إلى الفئات المتضررة وبالسرعة المطلوبة وفرض استثناءات تتعلق بالأطفال والفئات المستضعفة وإتاحة إجراء تقييمات للآثار المترتبة عليها.

يجب العمل لرفع الحصار فورا ودون قيد أو شرط عن شعب العراق، علما أنه حتى ولو رفع اليوم فان العديد من القطاعات الأساسية (النفط، الزراعة، الطاقة، الصرف الصحي) تحتاج إلى وقت طويل لإعادة تأهيلها. فالوضع الاقتصادي الذي يمكن أن يتحسن نسبيا، يعتمد على كيفية التعامل مع تعويضات الحرب والديون الخارجية وتوجهات التنمية. يجب توجيه اهتمام خاص للمعضلات متعددة الأوجه التي نجمت عن هذه الجريمة الكارثة وللمشاكل المترتبة عن علاقات الجوار ومخاطر الحرب الأهلية والتقسيم. هذه المسائل التي ستستمر بدفع فواتيرها الأجيال المقبلة التي لا يمكن التكهن بردود فعلها على الذي قضى منه من سبقها.

علينا أن نضغط باتجاه كسر الحصار من قبل الدول العربية والمجاورة التي تضررت كثيرا من هذا الإجراء بسبب روابطها الثقافية والدينية وعلاقاتها التجارية والتاريخية بالعراق. كما أنه يجب المطالبة بمعاقبة مرتكبي هذه الجرائم بحق شعب العراق كي لا يبقى المجرمون المحصنون بموازين القوة خارج دائرة اللاعقاب ويستفيدون من غياب المحاسبة.

وفي الوقت الذي نطالب فيه برفع الحصار الاقتصادي عن الشعب العراقي، نطالب من ناحية أخرى الحكومة العراقية باحترام التزامات هذا البلد الدولية للمواثيق التي وقعها العراق والتي تشمل الحقوق الأساسية الخمسة. فالمعاناة المزدوجة للحصار من الداخل والخارج وغياب الحريات الأساسية والنيل من حق الحياة والحقوق المدنية والسياسية يضاعف معاناة المواطن العراقي ويجعله يعيش بين سندان الحصار ومطرقة العسف.

إن هذا الوضع المأساوي يتطلب اهتماما خاصا من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني العالمي. لقد وجهت اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جلستها المعقودة في شهر آب/أغسطس الماضي نداء إلى المجتمع الدولي لرفع تدابير الحظر التي تؤثر في الحالة الإنسانية للعراقيين (أنظر ملحق رقم 2).

إن حياد المدافعين عن حقوق الإنسان أو عدم اكتراثهم بما يجري في العراق يشكل مشكلة كبيرة لمصداقيتهم واحترام مجتمعاتهم لهم. لذا، نتوجه لكل الديمقراطيين والنشطاء المخلصين، وبخاصة العرب، بهذا النداء من أجل فعل شئ على مستوى الكارثة التي يعيشها شعب العراق. فعسى لهذا العمل أن يصل لآذان تسمع وهمم تفعل.

المراجع التي تم الاعتماد عليها:

عبد الوهاب رشيد: “مستقبل العراق  الفرص الضائعة والخيارات المتاحة”، دار المدى، بيروت-دمشق1997

د. كاظم حبيب، المأساة والمهزلة في عراق اليوم، ط1، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1999

د. عبد الحسين شعبان: -“عاصفة على بلاد الشمس”، ط1، دار الكنوز الأدبية، بيروت،1994

-“بانوراما حرب الخليج، ط1، دار البراق، لندن-دمشق، 1994

-“العقوبات الاقتصادية الدولية وتشريع القسوة”، محاضرة في المنتدى العربي، عمان، 3 آب 1999

جيف سيمونز: “التنكيل بالعراق  العقوبات والقانون والعدالة”. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1998

أبحاث مؤتمر إتحاد المحامين العرب، تونس، 27-31 مايو/أيار 1997

أبحاث مؤتمر بغداد حول الوضع في العراق، أيار/مايو 1999

Bachelot-Narquin R., « Iraq : une mort lente », Assemblée Nationale, Paris, 1999

« Iraq : Sortir de la crise », Colloque de l’Assemblée Nationale, Paris, 23juin 1999

Mariantoni A. et Oberson F., « Le non-dit du conflit israélo-arabe », Tribune libre, Paris, 1992

Latour P. Cury M. Vargas Y., « Irak : guerre, embargo, mensonges et vidéo », L’Appel Franco-Arabe,1999

هناك عدة مراجع ووثائق أخرى وفرها لنا مشكورا قسم حقوق الإنسان في وزارة الخارجية العراقية، الجمعية العراقية لحقوق الإنسان، الأمانة العامة لمؤتمر القوى الشعبية العربية، الأمانة العامة لبيت الحكمة، الوكالة العراقية للأنباء، مؤسسة الخوئي الخيرية، ورموز من المعارضة الديمقراطية، بالإضافة لملفات شخصية للجامعي هاني الحديثي.

ملحق رقم 1

مشروع إعلان دولي لحماية حقوق الإنسان ومنع ارتهان الشعوب بالعقوبات الاقتصادية

إن الجمعيّـة الـعامـة،

إذ تذكّر أن الأمم المتحدة قد أعلنت ، في الميثاق ، إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية و بكرامة الشخص البشري وبتساوي الأفراد و الأمم في الحقوق،

وإذ تـؤمن بأن لجميع الشعوب حقّا ثابتـًا في الحرية التامة وفي ممارسة سيادتها وفي سلامة ترابها الوطني وفي التصرّف في ثرواتها ومواردها الطبيعية وفي إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافــي،

وإذ تشير إلى مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهديْن الدوليـيْن الخاصيْن بحقوق الإنسان وقرار السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، وإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة،

والإعلان العالمي حول التقدّم والإنماء في الميدان الاجتماعي، والإعلان الخاص باستئصال الجوع و سوء التغذية، واتّـفاقية حقوق الطفل، والإعلان بشأن إشراب الشباب مُثل السلم والاحترام المتبادل والتفاهم بين الشعوب، وإعلان حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة، وإعلان حق الشعوب في السلم، وإعلان الحق في التنمية،

ولمّا كانتْ على بيّنة من تفاقم النزاعات الناتجة عن إنكار حقوق الشعوب أو إقامة العقبات في طريقها مـمّا يُـؤدّي إلى إثارة الكراهية بين الأمم ويشكّـل تهديدًا للسلم العالمي،

وإدراكـًا منها لما يعانيه النساء والأطفال من الآلام في كثير من مناطق العالم المُعـرّضة للقمع والعدوان والسيطرة الأجنبية والاستعمار الجديد بكافة أشكاله،

وإذ يُساورها القلق الشديد لآثار أنواع الحظر والحصار التي لا تزال مفروضة على عدد من بلدان العالم والتي أسهمتْ بقدر كبير في توتّر العلاقات بين الدول وفي إلحاق خسائر لا تُحصـى بالسكان المدنيين وخاصة الفئات الضعيفة منهم والإضرار بمصالح الدول الثالثة،

واقتناعًا منها بأن استمرار فرض عقوبات دولية يُعيق الإنماء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشعوب ويتعارض مع مبادئ القانون الإنساني الدولي ويُناقض مُثل السلام العالمي الذي تطمح إليه الأمم المتحدة،

وإذ ترغب في أن تُـمضي الأمم المتحدة في دراسة موضوع النظام القانوني للعقوبات الدولية على أساس احترام المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير المصير وتعزيز حقوق الإنسان،

تُـعـلن مـا يلـي:

1- إن إخضاع الشعوب داخليا بالاستبداد السياسي وخارجياّ بالسيطرة والاستغلال الأجنبيين يُشكّـل إنكارا لحقوق الإنسان ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة،

2 – لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها وفي السيادة الدائمة على ثرواتها ومواردها الطبيعية،

3- لا يعرّض أيّ شعب لعقوبات جماعية أو أيّ شكل من أشكال التمييز والعزل التي من شأنها أن تهدّد ممارسته للحقوق الفردية والجماعية كما أوردها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين وبقية الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الدولية وكل انتهاك لهذه الحقوق أيّا كان مصدره وتبريره يُعتبر منافيا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئه ومُعرقلا لصيانة السلم ولإنماء التعاون بين الدول.

ويُوضع حدّ لجميع الآثار السلبية الناتجة عن فرض العقوبات الدولية لتمكين شعوب البلدان المعنية من تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتعزيز حقوق الإنسان،

444- لا يجوز تنفيذ عقوبات دولية ضد أي بلد إلا بعد استنفاذ جميع الطرق السلمية لتسوية النزاعات وفقًا للميثاق وللقانون الدولي،

5- لا تكون هذه العقوبات جماعية تستهدف الشعب وإنّما الأنظمة التي تخرق القانون الدولي والسلام وحقوق الإنسان والديمقراطية،

6 – لا يجوز أبدًا أن تُستخدم العقوبات لأغـراض ومصالح سياسية أو اقتصادية لدولة أو لمجموعة من الدول تكون متنازعة مع دولة أو مجموعة من الدول الأخرى،

7 – ينبغي للمنظمات الدولية، العالمية منها والإقليمية، والحكومية وغير الحكومية، أن تُـؤازر وتُساعد، كلّ منها بالقدر الذي تسمح به ميادين اختصاصها ووسائلها، في التطبيق الشامل للمبادئ الواردة في هذا الإعلان مسهمة بذلك في إيجاد ظروف الاستقرار والرفاه وإقامة علاقات سلميّة على أساس احترام مبادئ تساوي بين جميع الشعوب في الحقوق وتراعي حقوق الإنسان في العالم أجمع.

ملحق رقم 2

اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان

الدورة الحادية والخمسين

المقرر رقم 1999/110

حالة حقوق الإنسان في العراق

إن اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، بعد أن أشارت في جلستها المعقودة في آب/1999 بوجه خاص، إلى مقررها 1998/114 المؤرخ في 26/آب/1998، وقد حرصت على أن تؤكد من جديد أن التدابير مثل الحظر يجب أن تكون محدودة زمنياً وألا تضر السكان المدنيين الأبرياء بأي حال من الأحوال، وينبغي لأسباب إنسانية واضحة، أن ترفع حتى وإن لم يكن قد تم بعد تحقيق الأهداف المنشودة منها، وبعد أن أعادت تأكيد ضرورة احترام ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والأحكام ذات الصلة من اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها، اللذين يحظران تجويع السكان المدنيين وتدمير ما هو ضروري لبقائهم، وقد لاحظت بقلق بالغ المعاناة الشديدة للشعب العراقي وخاصة الأطفال.

وقد أحاطت علما مع القلق بالمعلومات الموثوقة الواردة من المؤسسات المتخصصة المعنية والمنظمات غير الحكومية الدولية ومن وفد برلماني فرنسي قام بزيارة استطلاعية للعراق في كانون الثاني/يناير 1999، والتي تفيد بأن مستوى معيشة السكان تدهور تدهورا شديدا، وبأن سوء التغذية ما زال يمثل مشكلة كبرى بسبب نقص الموارد المالية ويؤدي بصورة متوطنة إلى إصابة صغار الأطفال بتأخر خطير للنمو، وبأن الحالة الصحية المفجعة تودي بحياة (6000) طفل في الشهر ممن تقل أعمارهم عن خمس سنوات، وأن جميع الأنشطة الاقتصادية تعاني من تدمر الهياكل الأساسية في مجال الماء الصالح للشرب والكهرباء والزراعة مما يضر ضررا جسيما بظروف المعيشة اليومية للسكان، وبأن الحظر يشكل، حسب اليونسكو، سبب التردي الخطير للهياكل الأساسية المدرسية والتعليمية الجامعية مما يؤدي إلى انخفاض معدل الالتحاق بالمدارس وإلى عودة الأمية ونقص حاد في المواد العلمية والمختبرات مما يؤدي إلى عزلة ثقافية كبيرة، وبأن البطالة ونقص التدريب وعدم الانفتاح وانعدام الآفاق أمور سيكون لها أثر في جيل بكامله مستقبلاً، وقد وضعت أيضا في اعتبارها التعليق رقم 8 (1997) الذي اعتمدته لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، معتبرة مجددا أن أي حظر تكون نتيجته الحكم على شعب بريء بالجوع والمرض والجهل بل والموت، يعد انتهاكا صارخا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا الشعب ولحقه في الحياة وللقانون الدولي، وبالخصوص إلى مجلس الأمن، لكي يرفع تدابير الحظر التي تؤثر في الحالة الإنسانية للعراقيين. وقررت أيضا مناشدة المجتمع الدولي وجميع الحكومات، بما فيها حكومة العراق، تخفيف معاناة العراقيين وذلك، خاصة، بتسهيل إمدادهم بالأغذية والأدوية وكذلك بسبل تلبية احتياجاتهم الأساسية.