يغلقون السجون ويفتحون الشجون- أمير مخول

لروح الشهيد كمال ابو وعر

انها ظاهرة فلسطينية بامتياز، وهي قيام آلاف الاسرى في معتقلات الاحتلال والتواقين للحرية بإغلاق السجون على انفسهم. في الاغلاق سيادة مطلقة على الذات وعلى الحزن والغضب.

حين لا يغلق السجان البوابات بيديه مُطلٍقا صوت اصطدام الحديد بالحديد والاقفال والسلاسل بالبوابة، فانه يفقد صوابه اذ يدرك فجأة انه فقد سيادته المتشابكة بالسلاسل، كما يدرك أنّ مَن أَبطل مفعولها هم الاسرى داخل بواباته وداخل حدود سيطرته. إنّ لعبة القوة ليست محسومة أما لعبة الارادات فهي محسومة تماما.

زنزانة الكمال حزينة. انها ليست زنزانته بل زنزانتهم، لكن اللسان الفلسطيني بعد ان يعيش الاسير عقودا في زنزانة سجون الاحتلال يعتاد بشكل عفوي ان يقول زنزانتي، حتى وإن كان هو وحريته منها براء. وكم من الاسرى أقاموا في الزنزانة أكثر مما أقاموا في بيوت نشأتهم!.

وكم من الطقوس الحياتية والاعتقالية الفلسطينية والعربية تبلورت في سجون الاحتلال. فلا يبكي الاسير امام السجان بل تتحوّل الحاجة للبكاء الصامت الى علامة غضب وتحدٍّ، فالدمعة تحتاج في مسارها الى السكون وليس الى ضوضاء القهر، كما أنّ الاسير عصيّ الدمع، ودمعته عصيّة على الانهمار امام السجان. وليس الحزن ما يبديه بل الصلابة، وإن احتاج فلتكن ابتسامة الانتصار عليه او الاستهزاء به وبتظاهرة جبروته.

حين يستشهد أسير، يغلق زملاؤه السجونً لثلاثة ايام، وفي ساعات المساء فمن ذات اليوم يَطرُقون بوابات الزازين بكل قوة ويكبرّون ويهتفون، ويعلنون الحداد ثلاثة أيام، ممتنعين عن اي نشاط ورافضين تلقي المؤن والمواد الغذائية من ادارة السجن. وكلما تعاظم حزنهم امتنعوا عن فتح بيوت عزاء جماعية وفي بعض السجون لا تكون طقوس الأخذ بالخاطر وذلك تأكيدا على الجرح المفتوح النازف والحزن المتداخل بالغضب وعلى عدم التسليم بفقدان أسير، كما أنها للتأكيد على تمسكهم بالحياة الحرة الكريمة ورفض الاستسلام.

كمال ابو وعر الاسير ابن قباطيا في السادسة والاربعين من عمره والصادر بحقه حكم عسكري بالسجن ستة مؤبدات وخمسين عاما، صاحب الجسد النحيل وقوة الارادة لتساعده على تحمّل اوجاع الجسد.

تعرّفت عليه في السجن، ولا يوجد غير السجن مكان للتعرف عليه وعلى امثاله بعد أن امضى سبعة عشر عاما بين جدرانه. وللحقيقة فان قصص اسرى الانتفاضة الثانية، تؤكد مكانا اخر لمن لم تصل بهم الايام الى السجن، انها مقابر الشهداء. معظمهم محكومون بالسجن مدى الحياة في حين ان “المحظوظين” محكومين ما بين ثلاثة عقود واربعة، وهذه تعتبر في معادلات المظالم احكاما خفيفة، وذلك ليس بسنينها وإنما لسبب واحد وهو لأنّ مداها محدد حتى ولو كان العمر كله. هناك أحكام لا يتخيلها العقل، فمثلا هناك المحكوم عليه بالسجن لخمسة عشر مؤبدا وأربعين عاما، أو لتسعة مؤبدات وعشرين عاما وسحب رخصة سياقة. يضاف الى كل ذلك هدم بيوت العائلة، وهو الحكم الجماعي ليس لردع الاسير المؤبد وإنما لردع عائلته وبيئته وجماهير شعبه، ولكي يزرعوا فيه بذور الشعور بالندم وعدم التصالح مع الذات.

قضية الاسير كمال ابو وعر هي قضية اسير كان من الممكن انقاذ حياته، صحيح ان طبيب السجن هو سجان، لكن المشكلة ليست بالضرورة في الطبيب شخصيا وإنما في السياسة العلاجية والاهمال البنيوي المعروف والمكشوف. فالسياسة عقابية في جوهرها وانتقامية وبالذات من قبل الجهاز القضائي، وقهرية من قبل مصلحة السجون، فهذا الجهاز لا يريد لأسير ان يستشهد داخل السجون، فهذا مصدر توتر وقلق لدى الجهاز، أنهم يخافون من موت الأسير وذات الوقت فإن سياسة الاهمال الطبي هي بنيوية. في المقابل، لا يهاب الاسرى اكثر من مشفى مصلحة السجون والمعروف باسم “ماراش”. فكل السجون العادية تبدو أرحم من هذا المركز الطبي. بينما في حال تجنّبه الاسير او تنازل عن العلاج فيه كي لا يسير في درب الالام والعذاب ولا ينتقل في حافلة نقل الاسرى (البوسطة) وهي حافلة اقفاص لا- بشرية لا يشعر فيها بالحرية الا أفواج الصراصير التي تطال الاسير وهو مقيّد اليدين والرجلين بالسلاسل، ولا مجلس له سوى الحديد القائظ صيفا والبارد حد التجمد شتاء، في فضاء من روائح التعفّن المنبعثة نتاج بقايا الخبز والطعام المتراكم منذ اسابيع تضاف اليها روائح زجاجات الماء البلاستيكية التي تحولت الى زجاجات للبول في حال لا يسمح السجانون للاسرى بالاستراحة في رحلة قهر تستغرق الساعات الطويلة، حينذاك ومع تنازل الاسير عن العلاج الصحي تفاديا للبوسطة فإنه يوقع على وثيقة يجري اعتباره على اساسها رافضا لتلقي العلاج الطبي، ويجري تحميله مسؤولية مرضه وإعفاء مصلحة السجون منها. وكم من جولة كهذه عاني منها الاسير المريض اكثر من المرض ذاته.

كان ذلك في المراحل الاولى من اعتقالي اعتقد نحو العام 2011، تعرّفت على الاسير كمال ابو وعر. لم نُقِم الا لفترات قصيرة في ذات القسم، ولذلك كانت لقاءاتنا متقطعة لكن ليس علاقتنا. لفت نظري كم هو جسده نحيل، وقد فاجأني ذلك في اول لقاء لنا، لكن ما حصل أنه في كل مرة كنا نلتقي بمرور بضعة أشهر وأحيانا سنة، كان جسده يبدو نحيلا أكثر، جسده وليس روحه وتمسكه بالحياة. كان منفتحا في الحديث عن معاناته الصحية المزمنة، ولم علي يقين بشأن مصدر معاناته. كنا نفكر معا ونتشاور بحضور زملاء كثر في أمكانية تقديم الشكاوى وإثارة الموضوع داخل السجن وخارجه، ورفع الدعاوى القضائية كأداة ضغط كي يضمن العلاج ويتجاوز مشفى السجون الى المشفى العادي الطبي. في السنوات الاخيرة ونتيجة تراجع وضعه الصحي وبعد ضغوطات الاسرى وتهديدهم بالاضراب واتخاذ اجراءات احتجاجية، قاموا بتحويله الى أحد المشافي الاسرائيلية واخضاعه لسلسلة فحوصات، وفيها اكتشفوا في مرحلة متأخرة بانه يعاني من سرطان الرئة. وحتى في مثل هذه الحالات لم يبق في المشفى للمراقبة والوقاية بل كان يعاد الى السجن بعد كل علاج.

شكّل اكتشاف المرض الخطير صدمة رهيبة له وللأسرى. والاصعب كان تبليغ العائلة بذلك، وليس اكثر قسوة على الاسير من أن يأتي الى اهله وعائلته ويخبرهم في زيارة الدقائق الخمس والاربعين مرة بالشهر واحيانا مرة كل بضعة أشهر، ويقول لهم بأنه مصاب بمرض أيا كان فكم بالحري بما حصل مع كمال. لم يكن ينشغل بقلقه على حاله بقدر قلقه على مشاعر العائلة، وتخيله لما يمكن ان يمر عليها من قلق وحزن والشعور بالاخفاق وعدم القدرة على الاعتناء به او التأثير، وحتى في هذه الوضعية الجسدية والنفسية لم تنل معاناة الجسد من ارادته ولم تتراجع الابتسامة.

لقد اعتبرت حالة كمال ابو وعر من اكثر الحالات خطورة في السجون، وهذا ما كانت تدركه جيدا مصلحة السجون، ورغم ذلك لم تكن وقاية خاصة في العام الاخير لتحول دون إصابته بفيروس الكورونا من خلال ادخاله في حجر او توفير ظروف اعتقالية خاصة تتلاءم ووضعيته ضمن مجموعات الخطر التي تحتاج لوقاية خاصة من الوباء، مع العلم ان اجتماع خلفيته الصحية مع الكورونا هو أمر قاتل .

الاسير كمال ابو وعر هو ضحية الاحتلال بأجهزته القضائية والتنفيذية وضحية مصلحة السجون وجهازها الطبي. إنه ضحية السياسة العلاجية وضحية سياسة الموت البطيء التي تهدد حياة عشرات الاسرى المرضى. لن يدقّ هؤلاء بوابات الزنازين لأن اجسادهم لا تتيح لهم ذلك، لكن بإمكاننا جميعا أن ندق الجدران نيابة عنهم.

المصدر، الكاتب 13/11/2020