وقـفة نقدية مع محـور المصالحة الـوطنية في رؤية بناء الدولة – عبدالله صبري

خلفية تاريخية
عرفت اليمن أولى تجارب المصالحة بين الفرقاء السياسيين مع انتهاء حرب الدفاع عن الجمهورية خلال ستينات القرن الماضي، وانسحاب القوات المصرية إثر نكسة 1967م، ما جعل للسعودية اليد الطولى في اليمن. وقد قضت المصالحة بالشراكة في إدارة دولة الجمهورية الوليدة بين الطرفين المتحاربين الجمهوري والملكي مع استبعاد أسرة بيت حميد الدين التي حكمت اليمن قبل ثورة 26 سبتمبر 1962م.
وأيا كانت الملاحظات على تلك التجربة، إلا أنها وضعت حدا للحرب الداخلية المسنودة من الخارج، ومنحت الجمهورية والدولة فرصة تضميد الجراح مع التفرغ للبناء والتنمية وتوطيد مكانة اليمن الدولية، بعد أن عزلتها الحرب لبضع سنوات توشحت بالسواد والدماء.
وفي جنوب البلاد وقبل إعلان الوحدة بين الشطرين شهدت عدن عام 1986م مذبحة دامية عرفت بأحداث يناير المشؤومة، وانقسم الرفاق الاشتراكيون إثرها إلى طغمة وزمرة، وخلفت الأحداث جرحا نازفا لم يجد بلسما شافيا إلا بقيام الجمهورية اليمنية، حيث كانت الوحدة اليمنية هدفا كبيرا وساميا أثلج صدور اليمنيين بتحققه على أرض الواقع وبالطريقة السلمية والحضارية أيضاً.
إلا أن حرب صيف 1994م بين شركاء دولة الوحدة، والتي أفضت إلى الانتصار العسكري لطرف الشمال ممثلا في حزبي المؤتمر الشعبي والإصلاح، جدد أحزان أبناء الجنوب الذين رأوا أن واقع الشراكة بعد 1994م قد اتخذ شكل الضم والإلحاق خصوصاً أن الحزب الاشتراكي لم يتعاف من آثار تلك الحرب، ما جعل شكل المعارضة للنظام الحاكم يتخذ الطابع الشعبي، وهكذا ظهر الحراك الجنوبي في 2007م، وبرزت المطالب الحقوقية والسياسية كعنوان للقضية الجنوبية.
وبالطبع ما كان بإمكان فرقاء الأمس أن يتوحدوا من جديد إلا بعد إعلان التصالح والتسامح فيما بينهم من خلال لقاءات ومؤتمرات شعبية أكدت على طي صفحة الماضي والاتحاد من أجل الحاضر والمستقبل.
غير أن اليمن شهدت في 2011م حدثا كبيرا مع انتفاضة الشباب المواكبة لما يعرف بالربيع العربي، والتي وضعت حدا لسلطة ونظام علي صالح وكادت أن تعصف ببقية أركان سلطته لولا التدخل السعودي الخليجي الضاغط، وتوقيع الفرقاء السياسيين على المبادرة الخليجية التي سمحت بتقاسم السلطة بين طرفي المؤتمر الشعبي العام وحلفائه من جهة واللقاء المشترك وشركائه من جهة أخرى، وقد بدا هذا التقاسم نوعا من التصالح المبكر الذي وضع حدا لحراك 11 فبراير وعطل مفاعيله، بانتظار نتائج ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني.
وكان واضحا أن الأطراف التي تصالحت قد أدارت ظهرها لبقية القوى الفاعلة في المشهدين السياسي والثوري، الأمر الذي حال دون الاستقرار المنشود، ودفع بحركة أنصار الله إلى الانتفاضة مجددا والسيطرة على صنعاء في 21 سبتمبر 2014م، لتدخل اليمن فصلا جديدا من الصراع الداخلي والعدوان الخارجي في نفس الوقت، فقد أعلنت السعودية في 26 مارس 2015م عن تحالف عسكري تحت ذريعة استعادة الشرعية، والحؤول دون التمدد الإيراني في اليمن والمنطقة.
انقسمت الأحزاب والقوى الفاعلة اليمنية، فأعلن بعضها الاصطفاف الوطني في مواجهة العدوان، بينما امتطى البعض صهوة الخيانة ملتحقا بركب المرتزقة في الرياض. وقد حال هذا الانقسام غير المسبوق دون الحسم العسكري لصالح أي طرف، وبرغم الصمود الشعبي طوال خمس سنوات تقريبا في مواجهة العدوان والحرب الاقتصادية وتداعياتهما إلا أن حتمية السلام والمصالحة والحاجة لتجاوز دورة العنف ومنطق الغلبة والثأر بين مختلف الفرقاء تفرض نفسها أمام كل عاقل يروم يمنا موحدا مستقرا ومستقلا ومتعافياً من الأزمات التي تعصف بالوحدة الوطنية والسلم الأهلي والاجتماعي.

المصالحة الوطنية كشرط موضوعي لبناء الدولة
بالتزامن مع الذكرى الأولى لاغتيال الشهيد الرئيس صالح الصماد أطلق المجلس السياسي الأعلى رؤية بناء الدولة اليمنية الحديثة التي كان الراحل الصماد قد بشر بها حين وعد بإطلاق مشروع وطني لبناء الدولة تحت شعار “يد تبني ويد تحمي”.
ولأنه من الصعب أن يحظى مشروع طموح كهذا بقبول كبير لدى عامة اليمنيين الذين تسحقهم الحرب وتداعياتها ويتطلعون بفارغ الصبر إلى لحظة النصر أو السلام، فقد تضمنت الرؤية مدخلا عمليا لا يمكن القفز عليه، ويستحيل بدون تحققه الولوج إلى خطوات عملية لبناء الدولة اليمنية الموحدة، إلا إذا اعتبرنا أن البناء المقصود يعني إصلاح وتطوير الأداء الإداري لأجهزة ومؤسسات الدولة التابعة لصنعاء، ولا مجال هنا لبسط الحديث عن محاذير مثل هذا التفكير، وسأفترض أن بناء الدولة يقصد به دولة الجمهورية اليمنية بجغرافيتها الممتدة من صعدة إلى المهرة، وبنظامها وهويتها السياسية كدولة جمهورية ديمقراطية تقوم على أساس التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة عبر الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، وفقا لانتخابات حرة ونزيهة.
وعليه فإن الشروع في إعادة بناء الدولة وإصلاح مؤسساتها يتطلب وقف الحرب والعدوان ابتداء، يلي ذلك إنجاز مصالحة وطنية تاريخية كشرط موضوعي لبناء السلام وإعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي، وترميم الوحدة الوطنية، وصولا إلى حد معقول من الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وقد وردت هذا المعاني بشكل أو بآخر في ثنايا محور المصالحة الوطنية، حيث دعت الرؤية الوطنية إلى ” مصالحة وطنية شاملة بين الأحزاب والمكونات السياسية ومختلف الفئات على قاعدة العدالة وجبر الضرر من خلال حل سياسي سلمي يحقق السلام ويقوم على احترام السيادة الوطنية والمصالح العليا للوطن”.
وكما هو واضح، فإن الحل السياسي والسلمي يعد البوابة الرئيسة إلى المصالحة المنشودة، ما يستوجب النقاش حول طبيعة الحل السياسي نفسه، وهل سيفضي إلى شراكة في السلطة بين أطراف الصراع الداخلي، أم سيتخذ منحى آخر يقوم على تسلط طرف ما وإقصاء الأطراف الأخرى؟.
لن نستبق الحكم على طبيعة الحل السياسي المنشود، وسنتابع بقية ما جاء في الرؤية بشأن المصالحة الوطنية، التي تتخذ مساقين اثنين: مساق “التصالح الداخلي مع مختلف القوى السياسية في الداخل”، والمساق الثاني خاص بالتعاطي مع “المتواجدين في الخارج” من خلال تهيئة الأجواء المناسبة لعودتهم، وإيجاد حلول لأي مشاكل قد تواجههم، وتهيئة الترتيبات اللازمة لأمنهم وحريتهم في ممارسة أنشطتهم التي لا تتعارض مع المصلحة الوطنية العليا.
هنا يتضح عدم واقعية فكرة المصالحة إن كانت ستتعامل مع القوى والأحزاب في الخارج كمجاميع أو أفراد يمكن استيعابهم بعد إنجاز المصالحة الوطنية بين القوى السياسية في الداخل.
لنكن صريحين وموضوعيين ونحن نتساءل عن واقع الأحزاب السياسية التي باتت منقسمة على ذاتها، فإن شملت المصالحة طرف الأحزاب المناهضة للعدوان، فذلك تحصيل حاصل، أما إن كانت تعني التصالح مع طرف أحزاب ما يسمى بالشرعية، فلا معنى للتعاطي معهم كأفراد ومجاميع ضلت طريقها للخارج فحسب.!
لكن أيضا وقبل أن نتوسع في نقد ما ورد بشأن المصالحة الوطنية، يمكن القول أيضاً أن الرؤية الوطنية لم تقدم إجابات نهائية، بل جعلت الباب مفتوحا باتجاه التعاطي مع طبيعة الحل الذي قد تتوصل إليه القوى السياسية، وتتوافق بشأن مفرداته وآلياته في مؤتمر سياسي جامع.

بين المصالحة والعدالة الانتقالية
نظرا للحالة الانتقالية التي تعيشها اليمن منذ 2011م، فقد بحث مؤتمر الحوار الوطني مسألة العدالة الانتقالية وإغلاق ملفات الصراع السياسي، والتهيئة لمصالحة وطنية شاملة كضرورة لبناء الدولة المدنية المنشودة، وبالمثل فقد أشارت الرؤية الوطنية إلى العدالة الانتقالية وجبر الضرر كضلع مكمل لمثلث المصالحة والحل السياسي.
وحيث أن القوى السياسية المتصارعة كانت جميعها ممثلة في مؤتمر الحوار فقد كان من الصعب التوافق على إطار عام يضمن جبر ضرر الضحايا، والكشف عن حقائق الانتهاكات وصولا إلى محاكمة الجناة وفقا لمبادئ العدالة الانتقالية، ومع ذلك أمكن انتزاع عدة نقاط تم التوافق عليها ضمن مخرجات الحوار الوطني، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:
– إلزام كل مؤسسات الدولة وهيئاتها وأجهزتها التنفيذية والتشريعية والقضائية بالإفصاح عن كل ما لديها من بيانات ومعلومات ووثائق تتعلق بانتهاكات حقوق المواطنين وحرياتهم، ومحاسبة كل من يتستر أو يتقاعس عن الإفصاح وكشف الحقيقة وتقديم كل ما بحوزته أو يعرفه من خلال عمله السابق أو تحت مسؤوليته أثناء عمله الحالي.
– الإصلاح المؤسسي لأجهزة ومؤسسات الدولة المتورطة بانتهاكات حقوق الإنسان وبما يضمن عدم تكرارها.
– اعتبار كل الصراعات السياسية السابقة جزءا من تاريخ اليمن تتحمل مسؤوليتها كل الأطراف التي اشتركت فيها ووجوب رد الاعتبار لكل من أسيء إليهم من ضحايا الصراعات السياسية.
– ضرورة إعادة النظر في أحكام قانون شاغلي الوظائف العليا بما يكفل خضوعهم للمساءلة وجعلهم تحت طائلة القانون واختصاص الأجهزة الرقابية.
– تشكيل لجنة تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان عام 2011م، وفقا لقرارات مجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن.
– تنشأ بمقتضى قانون العدالة الانتقالية هيئة عليا مستقلة تسمى هيئة العدالة الانتقالية وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري.
– تلتزم الهيئة باستلام ملفات ضحايا الصراعات والحروب ما بين شطري اليمن سابقا والصراعات السياسية والانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية والنزاعات المسلحة، ودراستها عبر المختصين، والتحقيق في تلك الأحداث وخلفياتها وملابساتها والانتهاكات المرافقة لها في ظل الحكم الشطري في الجنوب والشمال، وفي ظل الوحدة وحتى صدور القانون لما من شأنه كشف الحقيقة وأخذ العبرة ومعالجة آثار الانتهاكات والاعتذار ورد الاعتبار للضحايا وجبر ضررهم، وتخليد الأحداث في الذاكرة الوطنية، واعتبار كل ضحايا الصراعات شهداء للوطن على طريق إغلاق جميع ملفات الصراعات السابقة، وإحداث مصالحة وطنية تاريخية شاملة.
– جبر ضرر ضحايا الانتهاك حق يكفله القانون، والدولة ملتزمة بتوفير أشكال الجبر الكافي والفعال بما يتناسب مع جسامة الانتهاك ووضعية كل ضحية.
– تقديم الاعتذار بما في ذلك الاعتراف علنا بالوقائع وتحمل المسؤولية.
– تعزيز مبدأ التصالح والتسامح كمبدأ من مبادئ المصالحة الوطنية، ودعم تشجيع أي مبادرات وطنية سابقة في هذا الشأن.
ولا شك أن هذه النقاط التي تعتبر ضمن مخرجات الحوار المتوافق عليها، تحتاج إلى مراجعة جديدة تتسق والأحداث التي عصفت بالبلاد في ظل الصراع والحرب العدوانية على مدى الخمس السنوات الماضية، غير أن الأطراف جميعها يجب أن تتحلى بالشجاعة الأدبية وهي تعترف أن لا سبيل للسلام والمصالحة دون إعمال مبادئ العدالة الانتقالية في الحد الأدنى.

التوافق السياسي المقدمة إلى مصالحة شاملة
برغم أن الخارج لا يزال اللاعب الرئيسي في الحرب العدوانية وفي الصراع اليمني إلا أن ثمة تساؤلات تفرض نفسها بشأن طبيعة الحل السياسي الذي قد تتوصل إليه الأطراف اليمنية في أية جولات مقبلة، وهو الحل الذي يتمحور حول تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال فترة انتقالية تهيئ البلد للاستفتاء على دستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية.
وبغض النظر عن الصعوبات والمسافة الزمنية التي تحتاجها الأطراف كي تصل إلى هذه النقطة المنشودة، فإن التحدي الأكبر يتمثل في إمكانية التفاهم والعمل المشترك بين هذه الأطراف، وقد أسرفت في خصومة وتخوين بعضها البعض، لدرجة يخال لك فيها أن الأمور لن تستتب في اليمن إلا بانتصار طرف ما على بقية الأطراف وفرض شروطه وهيمنته على كامل الجغرافيا اليمنية أرضا ومجتمعاً.
وهنا لا بد من استحضار الحكمة اليمانية والقبول بنتائج الصراع الداخلي على قاعدة ” لا غالب ولا مغلوب “، بحيث تمضي الأطراف المعنية في تنفيذ مستحقات السلام والمصالحة، وإعادة ترميم البيت اليمني من الداخل، ومسابقة الزمن حتى تعود بلادنا إلى ساحة التعامل والتعاطي مع العالم كدولة وقيادة واحدة معترف بها دوليا.
وبالطبع لن تصل مختلف الأطراف إلى هذه الوضعية إلا وقد اقتنعت تماما أن لا مجال للحسم العسكري، وأن استمرار الحرب يعني المزيد من التشرذم والانقسام. وبالنسبة للعدو الخارجي وبرغم أنه المستفيد الأكبر من الحالة اليمنية الراهنة إلا أن نذر الفوضى التي تهدد الإقليم بشكل عام قد تدفعه للقبول بالحل السياسي وفقا للمقترحات الأممية التي تبلورت ابتداء في مفاوضات الكويت 2016م، ثم في مشاورات السويد 2018م. ولعل البدء في تنفيذ اتفاقية ستوكهولم (مايو 2019م) وتنفيذ المرحلة الأولى من إعادة الانتشار وإن من طرف واحد ترجح أن فرصة الحل السياسي باتت قريبة المنال إن حضرت الإرادة اليمنية، وعاد مرتزقة السعودية والإمارات إلى رشدهم وصوابهم.

المصالحة وحزب الإصلاح
يعتبر حزب الاصلاح الحزب اليمني الوحيد تقريبا الذي أعلن بوضوح موقفا مواليا للعدوان الخارجي على اليمن، ولم يصدر عن أي من شخصياته الاعتبارية حتى الآن موقفا مناهضا لهذه الحرب العبثية، كما أن غالبية المقاتلين اليمنيين في صف التحالف، إما اصلاحيون أو من العناصر المحسوبة على هذا الحزب، الذي لا يزال يحتفظ بقوته التنظيمية على امتداد البلاد شمالا وجنوبا.
وأسوأ ما ارتكبه الحزب وأعضاؤه انخراطهم في المهمة الأقذر، المتعلقة بتقديم بمعلومات واحداثيات لغرفة العمليات المشتركة للتحالف العدواني، الذي شن على ضوئه الآلاف من الغارات الجوية، التي تجاوزت الأهداف العسكرية والبنية التحتية، لتشمل الأعيان المدنية، والأماكن المكتظة بالسكان، الأمر الذي أجج السخط الشعبي تجاه “الاصلاحيين”، وتحميلهم مسؤولية قتل الآلاف من المدنيين.
ومع أن الكثير من الشخصيات والأحزاب السياسية قد انضوت تحت ما يسمى تحالف دعم الشرعية، إلا أن حزب الاصلاح يعد الفاعل اليمني الرئيسي سياسيا وعسكريا في هذا التحالف، مع مراعاة أن قرار الحرب والسلم يبقي سعوديا بامتياز.
وفي الأحداث الأخيرة التي عصفت بالمحافظات الجنوبية، اتسعت دائرة السخط تجاه حزب الإصلاح أو الإخوان المسلمين، وبدا تناغم الشارع الجنوبي مع الخطاب الإعلامي المحسوب على الإمارات تجاه الحزب المتدثر بالشرعية، فيما هو اللاعب الرئيسي فيها. مع ملاحظة أن تياراً عريضاً في الحراك الجنوبي لا يزال ينظر لحزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، ويتعامل معهما على خلفية تحالفهما في حرب صيف 1994م، والتي أدت في نظرهم إلى احتلال الجنوب، وتثبيت الوحدة بالغلبة وقوة السلاح.
فوق ذلك، فإن الخلفية الدينية المذهبية لحزب الإصلاح، جعلته على تماس مع الخطاب الطائفي الذي سبق ورافق العدوان على اليمن، إلى درجة أن عبدالمجيد الزنداني أفتي بأن حرب السعودية على اليمن ” أمر من الله “، في حين تحدث عبدالله صعتر من منظور شرعي ودعا إلى إبادة الشعب اليمني لصالح قلة من الإخوان المسلمين، ولم يعد سرا أن العناصر الراديكالية في الإصلاح اشتغلت على المفاهيم والمصطلحات الدينية التي تؤسس للطائفية وإقصاء الآخر بزعم أنهم “شيعة ورافضة”، يجوز استحلال دمائهم وأموالهم.
على أن توظيف الدين لم يقتصر على الإصلاح، فالخطاب الإعلامي لأنصار الله هو الآخر يحشر المرتزقة والخونة في زمرة “الكفار والمنافقين”، ولا أدري بعد ذلك على أي أرضية يمكن التقريب بين الإصلاح وأنصار الله؟.
مع ذلك لا يمكن تصور انفاذ المصالحة الوطنية دون أن تشمل حزب الإصلاح، لكن إن أمكن تحقيق هذه المصالحة سياسيا، فقد لا تنجح اجتماعيا، الأمر الذي يتطلب من جميع الأطراف الحد من التطرف في الخطاب الإعلامي، وتهيئة الشارع اليمني للقبول بمسار المصالحة، وما تقتضيه من تنازلات متبادلة لا ضير منها ما دامت كلها على خط تحقيق المصلحة الوطنية العليا.

المصالحة والقضية الجنوبية
القضية الجنوبية هي الأخرى تعد المعضلة السياسية الأكبر، ودون اشتراك أبرز فصائل الحراك الجنوبي في الحل السياسي، فإن مستقبل الوحدة اليمنية يبقى في مهب الريح، ومما يضاعف من المشكلة أن نخبة الحراك رهنت قرارها للخارج، فهناك “المجلس الانتقالي” المدعوم اماراتيا، وهناك ” الائتلاف الوطني” المسنود سعوديا، ويتخلق حاليا “مجلس انقاذ الجنوب” برعاية إيرانية، وكل كل هذه الفصائل تجمع على الجنوب كهوية، وعلى ضرورة استعادة الدولة وفك الارتباط عن الشمال، ما يعني أن اي حوار مستقبلي باتت أرضيته مفخخة بمطلب ” تقرير المصير”، فأية مصالحة يمكن الحديث عنها إذا كان الانفصال هو المطلب الرئيسي- وربما الوحيد- لفصائل الحراك الجنوبي الفاعلة؟، ثم أية مصالحة يمكن القبول بها إذا أدارت القوى الوطنية ظهرها للمعضلة الجنوبية؟
قد يطرح البعض الفيدرالية حلا وسطاً، على اعتبار أن كل مكونات الحوار الوطني (2013-2014م)، توافقت على الدولة الاتحادية، وإن لم تحسم مسألة الأقاليم بشكل نهائي، غير أن المضي في هذا الخيار محفوف بالخطر، خاصة مع انكشاف مخططات العدوان السعودي الإماراتي على بلادنا، والتي تشير بوضوح إلى دعم الانفصال والتقسيم، الذي قد يتخذ عنوان الفيدرالية كمرحلة أولى، الأمر الذي يفرض على القوى الوطنية في صنعاء إعادة مقاربة ملف الوحدة اليمنية، بمزيد من البحث الجاد والمسؤول، مع ضرورة التحلي بالجرؤة السياسية في طرح البدائل والحلول التي تشجع الطرف الآخر على التعاطي معها.

نحو مفهوم جديد للشراكة الوطنية
حين تبين للمعارضة ممثلة في اللقاء المشترك خلال الفترة 2006 – 2011م أن لا جدوى من الانتخابات الشكلية مع هيمنة الحزب الحاكم على الدولة بكل مؤسساتها، لجأت إلى مفهوم الشراكة الوطنية، وترسيخ مقولة إن البلد لا يمكن أن تحكم إلا بالشراكة بين مختلف القوى السياسية على طريقة “الديمقراطية التوافقية”، وجاءت حركة 11 فبراير 2011م، ثم المبادرة الخليجية لتضع اليمن بالفعل أمام “مرحلة انتقالية توافقية”، وفي 21 سبتمبر 2014م، وقعت الأحزاب السياسية مع أنصار الله على “اتفاق السلم والشراكة”، وتحت العدوان توافق أنصار الله والمؤتمر الشعبي العام في 2016م على إدارة الدولة بالتوافق تحت سلطة “المجلس السياسي الأعلى”.
إلا أن مفهومي الشراكة والتوافق تحولا عند التطبيق العملي إلى نوع من المحاصصة الحزبية في الحكومة وبعض أجهزة الدولة، بل وانحدر إلى تقاسم الوظيفة العامة نفسها. وفي حال أُنجزت مصالحة وطنية شاملة في إطار المضامين ذاتها، ستعترض القوى الوطنية الفاعلة عقبة كبيرة إن هي حاولت إرضاء كل اليافطات الحزبية، خاصة أن الأحزاب قد تكاثرت على نحو مريب منذ 2011م، وبالإضافة إلى الأحزاب ستظهر منظمات المجتمع المدني ومختلف الفئات والمناطق التي ستطالب بحصتها في الشراكة الوطنية_ أي المحاصصة في السلطة_، وعليه سيكون على مهندسي المصالحة الوطنية تقديم تعريف جديد لمفهوم الشراكة الوطنية، وصولا إلى تحديد الأحزاب والمكونات السياسية المعنية بإدارة المرحلة الانتقالية، وفقا لمعايير تساعد على تجاوز ظاهرة “الدكاكين الحزبية”.
لكن الأهم من ذلك أن تتفق وتعمل هذه القوى على إعادة الاعتبار للأحزاب السياسية، كرافعة للنظام السياسي الديمقراطي الذي يقوم على التعددية الحزبية وتداول السلطة سلميا من خلال الاحتكام للإرادة الشعبية على نحو دوري، فالأحزاب وحدها سواء كانت في السلطة أو المعارضة، هي الجسر الأمثل لترسيخ الوحدة الوطنية، ولتجسيد مفهوم الشراكة في السلطة وإدارة الشأن العام، خاصة في ظل نظام انتخابي يقوم على ” القائمة النسبية “، علماً بأن التنافس بين الأحزاب هو الأصل، أما الحديث عن مكونات سياسية فمسألة استثنائية اقتضتها ظروف عابرة.
على أن المصالحة بشكل عام لا يمكنها الديمومة إلا إذا نجحت في تبني معالجات جذرية وموضوعية للأزمة السياسية، ومن هذه المعالجات التي يقترحها الكاتب في هذه الورقة:-
– التوافق على عقد اجتماعي جديد وعرضه للاستفتاء الشعبي.
– بناء جيش وطني مهني يحفظ كيان الدولة وينأى عن السياسة وتقلباتها.
– إعمال آلية عملية للإنصاف وجبر الضرر ومحاكمة المتورطين في الانتهاكات وفقا لآليات العدالة الانتقالية.
– تبني سياسة خارجية متوازنة تقوم على صيانة السيادة، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل.
– اعتماد خطة استراتيجية بشأن إعادة الاعمار تبتغي تحقيق تنمية اقتصادية متوازنة وتستهدف كل الفئات وجميع المحافظات.
– إعادة الاعتبار للحريات العامة وحقوق الإنسان ولمهنية واستقلالية الصحافة ووسائل الإعلام.
وبالطبع، فثمة معالجات تتخذ صفة الاستعجال، بعضها قد يسبق المصالحة ويمهد لها، وبعضها سيرتبط بالفترة الانتقالية حال التوصل إلى حل سياسي، ومن هذه المعالجات المؤقتة، التوافق على آلية للعفو السياسي، وأخرى لضبط الخطاب الديني في المساجد، وثالثة للرقابة على وسائل الإعلام وتوجيهها نحو خدمة الهدف الوطني العام من المصالحة، وآلية أيضا خاصة بمعالجة مشكلات التوظيف والترقيات في الجهازين المدني والعسكري، وفقا لقانون الخدمة المدنية، وغير ذلك.
لا شك أن المهمة صعبة ومعقدة، لكنها لن تكون مستحيلة إذا حضرت النوايا الصادقة، وتسلحت القوى الوطنية بالإرادة اللازمة لإنقاذ الوطن والخروج من دوامة الصراع السياسي المدمر.

صنعاء
1-9-2019