هيئة الحقيقة والكرامة – زهير مخلوف

تمت في الفترة الأخيرة إحالة ملفات تخص المتهمين في أحداث الثورة من المحكمة العسكرية إلى الدوائر القضائية المتخصصة،ويجدر بي في هذا الصدد الإدلاء بدلوي في موضوع يهم هيئة الحقيقة والكرامة باعتباري نائب رئيس سابق بها وذلك للتأكيد على بطلان هذا الأمر من الناحية الشكلية والإجرائية والقانونيّة.

1/ بطلان الإحالة من الناحية الشكليّة بسبب :

1-انتهاء مدّة عمل هيئة الحقيقة والكرامة استنادا على ما ورد  بالقانون الأساسي عدد 53 المنظم للعدالة الانتقالية في فصله 18 الذي حدد مدة عمل الهيئة بأربع سنوات تنتهي في 31 ماي 2018 “حددت مدة عمل الهيئة بأربع سنوات بداية من تاريخ تسمية أعضاء الهيئة” وحصر المشرّع التمديد لها بسنة واحدة  بشرط إحالة قرار منها إلى مجلس نواب الشعب  للتصديق عليه أو رفض التمديد لها، وهو ما تمّ بتاريخ 26 مارس 2018 حيث رفض المجلس التمديد لها وطالبها بالالتزام بالفصل 68 من القانون الأساسي عدد 53 الذي ينصّ على إحالة كل وثائقها على الأرشيف الوطني بعد انتهاء مدة عملها المقررة بأربع سنوات “تختتم أعمال الهيئة بنهاية الفترة المحددة لها قانونا وتسلم كل وثائقها ومستنداتها إلى الأرشيف الوطني.

2- افتقاد قرارات الهيئة  للشرعية القانونيّة: وذلك بسبب افتقاد تركيبتها للنصاب القانوني الكفيل بإصباغ مشروعيّة قانونية على قراراتها طبق مدلولات الفصل 59 “تجتمع الهيئة بدعوة من رئيسها أو من ثلث أعضائها ولا تكون اجتماعاتها صحيحة إلا بحضور ثلثي الأعضاء”وهو ما يُسنده الفصل التاسع(9) من النظام الداخلي للهيئة”في صورة عدم اكتمال النصاب القانوني يمكن لمجلس الهيئة عقد اجتماعات غير رسمية بمن حضر من أعضائه على أن يقتصر الاجتماع على التداول دون إمكانية اتّخاذ القرار”ويضبط الفصل 19 من القانون الأساسي تركيبة الهيئة وعدد أفرادها”تتركب الهيئة من خمسة عشر عضوا “وهو ما يعني أن مدلول الثلثين هو 10أفراد وعزّزتْ المحكمة الإدارية تفسيرها لمدلول الثلثين الوارد بالقانون وذلك حين أبطلت قرار الهيئة القاضي بإقالة نائب الرئيس زهير مخلوف نتيجة عدم استكمال النصاب القانوني 10 أفراد حين التصويت على إعفائه كما أبطلت يوم 14 أكتوبر2016 قراريْ إعفاء السيدة ليليا بوڤيرة والسيد مصطفى البعزاوي نتيجة عدم اكتمال ذات النصاب أيضا. وانطلاقا من ذلك التاريخ فقد أصبحت تركيبة الهيئة منقوصة (9 أعضاء فقط) وأضحت كل قراراتها باطلة ولاغية لافتقادها للنصاب القانوني .

 

2/ الخروقات الإجرائية :

١-إحالة الملفات على المحاكم بعد انتهاء المدة القانونية لعمل الهيئة.

لقد تمّ إحالة أغلب القضايا على الدوائر القضائية المتخصصة بعد انتهاء مدة عملها القانونية المحّدد بأربع سنوات ،وقد رفض مجلس نواب الشعب التمديد لها حسب الفصل 18 وبذلك يكون يوم 31 ماي 2018 آخر أجل عمل الهيئة. واستنادا على ما سبق  فإن كل قراراتها بشأن إحالة ملفات المتهمين في قضايا شهداء وجرحى الثورة على الدوائر القضائية المتخصصة هو باطل ولاغٍ في الشكل وفي الأصل.

٢-تقصّي لا يتولاه قضاة .

إنّ عدم صحّة قرارات الإحالة على الدوائر القضائية المتخصصة مأتاه عدم تولّي عمليّة التقصّي من طرف قضاة بالصفة والفعل وإنّما حصل  استنادا على أشخاص لا يَمُتّون  للقضاء بصلة كما لم تُنْجَزْ عملية التحقيق بالهيئة من طرف قضاء محترف توفرت لديه ضمانات الاستقلالية ويُمكنه أن يُنْجز عمليات التحرّي بشكل محايد ونزيه ويستطيع البحث عن أدلّة البراءة بالموازاة مع أدلّة الإدانة سواء بسواء.ويعود هذا الخلل  إلى أنّ الهيئة انتدبت 4 قضاة استقال منهم اثنان بسرعة مفاجئة بعدما أكّدوا على عدم تُوفّر الظروف الكفيلة بإنجاز بحث وتحقيق مستقلّ فضلا على افتقاد كافة أعمال التقصّي لأدنى شروط الاستقلالية وقد تمّت إقالة البقية وصرّحت إحدى القضاة ممّن تمّ إعفاؤها(عفاف النحّالي): أن أعمال الهيئة شابتْها عديد التجاوزات والخروقات والتعدّي حتى على الكرامة الجسديّة للأفراد كما تخلّلتْها شبهات تتعلق بتوزيع الأموال.وقد كتبتْ موظفة أخرى مستقيلة من الهيئة على صفحتها بالفايسبوك “إنّ أربعة أعضاء من هيئة الحقيقة والكرامة يهاجمونني لأني كشفت رعبهم من فتح ملف الرش والاغتيالات”.

٣- خلافات وتجاذبات عصفت بلجنة التقصّي المعنيّة بإحالة الملفات على القضاء:أصدر كامل أعضاء لجنة البحث والتقصّي الأربع في 19 سبتمبر2018 بيانا قالوا فيه”نستنكر إصرار رئيسة الهيئة على مزيد إضعاف مجلس الهيئة وتجاوزها للقانون الأساسي والنظام الداخلي وأدلّة إجراءات اللجان”، وأكدوا على “أنّ إقصاء أعضاء اللجان من الأعمال التي يشرفون عليها وتكليف أعوان إدارة للغرض يُعدّ تكريسا فاضحا لتفرّد بن سدرين بسلطة القرار وسعيا لضرب استقلالية أعمال اللجان وخاصة أعمال البحث والتقصّي” وزادوا ” نرفض ضرب مبادئ الحوْكمة الرشيدة والاستقلالية في معالجة الملفات ونتمسّك بمطلب تحقيق الشفافية وإعادة توزيع المسؤوليات داخل الهيئة…ورغم التزامنا بأعمالنا في الهيئة الا اننا ممنوعون من معرفة ما يحدث فيها بل إننا غالبا ما نُفاجأ بتطبيق قرارات إمّا أنّها أخذت بصورة أحادية من طرف رئيسة الهيئة أو في جلسات غير شرعية لعدم توفّر النصاب القانوني وإنّ الإصرار على حجب المعلومة يدعوا للتساؤل عما يتمّ إخفاؤه صلب محاضر تدوين الجلسات “إن خطاب  الأعضاء الأربع يؤكد الحقيقة الدامغة من أن التحقيق يتمّ من طرف إداريين وفي غرف مغلقة ويفتقد الى الشرعية والمشروعيّة والاستقلالية وينال من حياد عملية معالجة الملفات ويصف البيان جل الأعمال الخاصة بالبحث والتقصي بالانفرادية والأخطر في الموضوع هو أن البيان يشكك في محاضر تدوين الجلسات. فهل بعد هذا الإقرار بالخور والإخلالات الحاصلة في أعمال التقصي من كلام إضافي ؟؟.

٤-مخالفة عملية التقصي والتحقيق لأحكام مجلّة الإجراءات الجزائيّة:يؤكد الفصل 47 من مجلة الإجراءات الجزائيّة بضرورة أن يتم التحقيق في كل الأعمال المجراة من طرف قضاء محترف تتوفر لديه ضمانات الاستقلالية وهو ما لم يحصل بالهيئة كما تتمّ مخالفة الفصل 107 من ذات المجلة التي تنصّص على  مبدأ التقاضي على درجتين وهو أمر مفقود في الدوائر القضائية المتخصصة ويتخالف كليّا مع اللفصل عدد7 من القانون الأساسي للعدالة الانتقالية الذي ينصّ على أن “المساءلة والمحاسبة من اختصاص الهيئات والسلطات القضائية والإدارية حسب التشريعات الجاري بها العمل”

٥-عدم حياد القائمين على ملف شهداء وجرحى الثورة موضوع الإحالات على الدوائر:حينما نعلم أن من يشرف على عملية البحث والتقصي في ملف شهداء وجرحى الثورة ليس إلا إلياس بن سدرين ابن شقيق السيدة سهام بن سدرين وهو ما يجعل الأمور تكون أكثر التباسا باعتبار أن هذا الأخير هو شخص ليس له مؤهل قضائي ولا يمتّ لسلك القضاء بصلة ويتمّ توجيهه والإشراف المباشر عليه من طرف الرئيسة في تجاوز كامل للجنة البحث والتقصّي الموكول إليها هذا الشأن وهو موضوع البيان والاحتجاج الصادر عن الأعضاء الأربع.

نؤكد في هذا الصدد أن هيئة الحقيقة والكرامة قد أحالت على الدوائر القضائية المتخصصة عشرات الملفات الخاصة بشهداء وجرحى الثورة بطريقة غير قانونية وباعتماد إجراءات تفتقد للشروط الدنيا وتمّت من طرف أشخاص لا يحوزون على الأهلية والصفة وحصل كل شيء خارج الآجال القانونية.نؤكد على أنّ كل المحاكمات غير العادلة التي ستنتج عن مثل هذه الأعمال الاستقرائيةالمخروقة ستكون باطلة بالضرورة ولاغية شكلا ومضمونا ومخالفة للدستور في فصله 110 الذي”يحجّر سنّ إجراءات تمس بقواعد المحاكمة العادلة”.

 

3/ الخروقات القانونية

١-الانتهاكات الجسيمة على معنى الاتفاقيات الدولية بين الفهم الخاطئ والتأويل المدجّن :لقد تمّت إحالة القضايا الخاصة بشهداء وجرحى الثورة الى الدوائر القضائية المتخصّصة باعتبارها انتهاكات جسيمة تفسّرها الاتفاقيات الدولية والمقصود من الاتفاقيات الدولية “نظام روما الأساسي”وبالتحديد المادة عدد 7 منه التي تضبط مدلول “الجرائم ضد الانسانيّة والتي تعرّفها على أنها الأعمال التي يشكل أي فعل من الأفعال التي نصّ على بعضها القانون الأساسي عدد 53 في فصله الثامن كالقتل والاغتصاب والتعذيب والإخفاء القسري”جرائم ضد الإنسانية ” متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، ويحصل عن علم بالهجوم”ونحن نعلم أن المحكمة العسكرية بعد 7 سنوات من البحث والتقصي قد وَجّهت في طورها الاستئنافي في افريل 2014  تهمة عدم الاستنجاد القانوني لكل المتهمين وحكمت عليهم ب 3 سنوات سجن وحكمت بعد التعقيب على المتهمين بأحكام تراوحت بين عدم سمع الدعوى و5سنوات و8 سنوات وذلك في 13ماي2018 لأجل المشاركة في القتل العمد المجرد ، وهو ما لا يمكن اندراجة في خانة التعريف المنصوص عليه في نظام روما الأساسي الذي يختص وحده بإمكانية تكرار المحاكمة ولكن بشرط أن ترقى الأعمال إلى مستوى الجرائم الجسيمة الممنهجة والموجهة والمتعمّدة والواسعة والمعلومة.

وكان الأجدر بالهيئة أن تتأكد من صنف الجرائم ليتأكد بعدها التخصّص من عدمه ولتنضبط الدعوى ونوع التهم المضمّنة بالفصل 8 و9 من القانون الأساسي وتتلاءم مع الاتفاقيات الدولية.

وإذا تتبّعنا الأطوار الإستقرائية والأطوار الحكميّة بالمحكمة العسكرية يتأكد لدينا عدم اندراج الأفعال في خانة الجرائم الجسيمة التي توجب تكرار المحاكمة بالضرورة. ويتأكد بذلك تقصير الهيئة في عملية التقصّي والتحقيق  وبالتالي تتأكد معها بطلان الإحالة وتكرار المحاكمة بسبب نوع الجريمة المجترحة وسوء تكييفها وعدم اختصاص الدوائر فيها أيضا .

٢- غائيّة عدم سقوط الدعوى بمرور الزمن وامكانيّة اتصال القضاء المجدد قيها:

إن القانون الأساسي عدد 53 المنظم للعدالة الانتقالية في روحه العامة وفي فصله الثامن وفصله 42( في موضوعيْ  اتصال القضاء وعدم سقوط الدعوى بمرور الزمن)قد استحضر محاسبة الذين اجترحوا الجرائم الجسيمة في عهد استبداد استحال معه إنصاف الضحايا وعدم التمكّن من إثارة الدعاوى وعدم توفر شروط المحاكمة العادلة، وهو أمر لم يعد قائما في ظروف وحيثيات وأوضاع ما بعد الثورة. ولو حصل تكرار المحاكمات التي تم الحسم فيها بالمحكمة العسكرية بعد ماراطون سبع سنوات من التقاضي فإنّ ذلك قد يمُسّ جديّا من سلطة القضاء وينال من حرفية القضاة ويمكن اعتبار إعادة المحاكمة حينها بمثابة محاكمة القاضي لزميله أو أنّها استخفاف كامل بالأعمال التي تمّت في الأطوار الاستقرائية وفي الأطوار الحكمية كما أنه  استهداف مباشر لمرفق العدالة كلّه.

٣-الاختصاص الدستوري الحصري  للمحاكم العسكرية:

منح الدستور كامل الصلاحيات للمحاكم العسكرية الموكولة إليها حقّ استكمال النظر في الملفات طبق القوانين سارية المفعول الى حين تنقيحها بما يتماشى مع أحكام الفصل 110من الدستور وهو ما يتيح لها احتكار حسمها الملفات المحالة عليها  لحين ختم أطوارها نهائيا.وقضية الحال ما تزال على أنظار التعقيب بالمحكمة العسكرية ولا يصح فيها خرق الفصل 149 من الدستور الذي ينصّ على أنه   “تواصل المحاكم العسكرية ممارسة الصلاحيات الموكولة لها بالقوانين السارية المفعول إلى حين تنقيحها بما يتماشى مع أحكام الفصل 110 منه”.

٤- وجوب توفّر المحاكمة العادلة في القضايا المُحالة :

إن الاتفاقيات الدولية منعت تصنيف الانتهاكات الجسيمة كجرائم ضد الانسانيّة التي  يمكن تكرار المحاكمة بشأنها “في هذه الحالات – إذا كان على الشخص التزام قانوني بإطاعة أوامر الحكومة أو الرئيس المعني ” و ” – إذا لم يكن الشخص على علم بأن الأمر غير مشروع ” وفي قضية الحال فإن القوانين المنظمة وبصفة خاصة القانون عدد 4 لسنة 1969 يطالب القوات الحاملة للسلاح التدَخّل لفكّ التجمهر الليلي والمظاهرات ولكن باعتماد سياسة التدرّج في المواجهة كما التوازي في استعمال القوة وعدم الإفراط فيها بل إن هذا القانون يعتبر التدخل لفك التجمهر المسلّح وغيره أمرا مشروعا ولكن بشروطه الواجبة ويوجب المحاكمة فقط ولكن بدون تكرار أو اتصال ثانٍ بالقضاء وهذا في حال حصول إسراف متعمّد في استعمال القوة.

ولا تُدْرِجُ الاتفاقيات الدولية مثل هذه الأعمال كجرائم جسيمة بل تَضع حدودا لمثل هذه الاستثناءات .وهو ما يقودنا الى عدم جواز تكرار المحاكمة بأي حال من الأحوال الأمر الذي يجعل إعادة الإحالة للدوائر القضائية المتخصصة باطلة شكلا ومضمونا ومخالفة للاتفاقيات الدولية المذكورة في الفصل 8 من القانون الأساسي عدد 53 المنظم للعدالة الانتقالية .