محدّدات الصعود التركي على الساحتَين الإقليمية والدولية- علي مطر

يلقي الدور التركي، وتصاعده المستمر، بأثره على تغيّرات القوى في منطقة الشرق الأوسط. طوال السنوات القليلة الماضية، باتت سياسات تركيا محطّ اهتمام شعوب ودول ومجتمعات المنطقة العربية والإسلامية، بعدما تزايد معدّل المكوّن العربي والإسلامي حضوراً في معادلاتها. وقد تزامن ذلك مع قيامها تجاه دول المنطقة، باستدارة ناعمة حيناً وصلبة (عسكرية) حيناً آخر، بعد رهانها على الولايات المتحدة الأميركية والاتّحاد الأوروبي، لعقود طويلة. فما هي محدّدات الدور التركي في شرق المتوسط؟

أولاً: التحوّل الاستراتيجي

لقد عزمت تركيا على التخلّي عن المقاربة التقليدية التي اعتمدتها في سياستها الخارجية القائمة على التوجّه نحو الغرب، وتكريس جوانبها الدبلوماسية لتوطيد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فحسب، بهدف الانضمام إلى الاتحاد. فتحوّلت نحو شقّ مسار جديد لها في الشرق الأوسط، بالتوجّه نحو العالمَين، العربي والإسلامي، وبقوة، رغم أنّ أنقرة كانت قد اتّخذت لنفسها موقف المراقب الحذِر أو اللامبالي حيال قضايا المنطقة سابقاً.
يرى أحمد داود أوغلو، في كتابه «العمق الاستراتيجي – موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية»، (ص 145)، أنّ مكانة تركيا دولياً مرتبطةٌ بشكلٍ مباشرٍ بمكانتها في محيطها وأدوارها الإقليميّة التي تلعبها، خصوصاً في ثلاث مناطق جغرافية اعتبرها عمق تركيا الاستراتيجي. وهذه المناطق، هي الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز التي أسماها مجتمعة «المناطق القارية القريبة». وقد أشار إلى أنّه كلّما لعبت بلاده أدواراً أكثر فاعليةً في الشرق، كلّما ارتفعت مكانتها في الساحة الغربية – الدولية. كذلك، اعتبر أوغلو أنّه يتوجّب على تركيا أن تعيد النظر في سياستها تجاه الشرق الأوسط، «فقد فقدت تركيا الأحزمة الاستراتيجيّة الأكثر قوةً في منطقة الشرق الأوسط في الربع الأول من القرن العشرين، وعاشت بعيدةً بشكل عام في ربيعه الثاني والثالث، وطوّرت سلسلة علاقات متأرجحة بين صعود وهبوط، مع دول المنطقة خلال الربع الأخير من القرن نفسه، وهي اليوم مضطرّةٌ لأن تعيد تقييم علاقاتها مع المنطقة من جديد بشكل جذري». وبحسب داود أوغلو، يكمن «المأزق الأساسي للسياسة التركية الخارجية في محاولتها إنتاج سياسة إقليميّة تتوتّر فيها علاقاتها مع جيرانها كلّهم، عدا جورجيا وبلغاريا». (راجع الكتاب ص 168 – 170).

من الميزات التي تملكها تركيا، موقعها الجغرافي الاستراتيجي الفريد كحلقة وصل بين أوروبا والشرق الأوسط، وكجسر يصل عبره جزء كبير من لاجئي الشرق الأوسط إلى أوروبا. وهو ما يشكّل خوفاً للدول الأوروبية من المزيد من موجات اللاجئين، ويجعلها عرضة للخطر وأهداف ابتزاز محتملة. وهذا الأمر يُضعف قدرتها على المساومة مع تركيا، على الرغم من الانتقادات المتزايدة لسياسات رجب طيب إردوغان. كذلك، تمنح القوة العسكرية تركيا ميزة ضدّ أيٍّ من جيرانها وفي أيّ مسار عمل، وعلى سبيل المثال، هي لديها ميزة واضحة في الترتيب البحري للمعركة ضدّ اليونان. تركيا تتمتّع، أيضاً، بالجرأة السياسية والاستعداد لاستثمار الأصول العسكرية والاقتصادية، لتعزيز سياساتها ضدّ الدول واللاعبين الآخرين، والعديد منهم متردّدون في وضع حدود واضحة على تصرّفات أنقرة لأسباب مختلفة.
ولكن على الرغم من هذه المزايا الاستراتيجية، إلّا أنّ البيانات والإحصائيات على الساحة العالمية والإقليمية، لا تُظهر إنجازات كبيرة، بل بدلاً من ذلك، هي تعكس وزن أنقرة المحدود والدقيق.
من هذا المنطلق، اعتمدت أنقرة سياسة خارجية جديدة لترسيخ نفوذها في المنطقة، عبر تنويع خياراتها السياسية والاستراتيجية، ومن أجل تحويل الشرق إلى طريقٍ إلى الغرب، بدلاً من أن يكون هذا الأخير مقصدها الوحيد. وهي تعوّل في ذلك على عمقها الحضاري والتاريخي والديني الذي يربطها بالعالم الإسلامي، في تجربة سياسية – اقتصادية غنية بالثراء، متكئة أيضاً على الإرث العثماني، والموقع الجغرافي المميّز لها. (راجع خالد يوسف، «الرؤية الإسرائيلية للدور التركي في الشرق الأوسط الجديد»، ص 11- 12 – 13).
وفي الآونة الأخيرة، كثّفت تركيا جهودها لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية، عبر اتّباع مسار الإمبراطورية العثمانية، متّخذة إجراءات جريئة في الداخل وفي المنطقة وعلى الصعيد الدولي. تعكس هذه الخطوات نظرة الرئيس رجب طيب إردوغان للعالم، حيث يرى نفسه سلطان إمبراطورية صاعدة، وزعيم دولة تركية حديثة وقوية، وزعيماً إسلامياً، كما يُعتبر ركيزة «الإخوان المسلمين» في المنطقة، وذلك ما تشير إليه دراسة صادرة عن «مركز الاتحاد للأبحاث».
ثانياً: جدلية العلاقة مع العرب
تواصل تركيا إبراز قوّتها لجيرانها العرب، وخصوصاً سوريا والعراق، من أجل كبح جماح الأكراد، ولأسباب أخرى. عراقياً، تبرز محاولة السيطرة على منطقة كركوك الغنية بالنفط، كذلك الأمر في سوريا (راجع، دراسة لـ«مركز الاتحاد للأبحاث» عن الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط). ويبرز تحالف إردوغان مع حكومة «الوفاق الوطني» الليبية، برئاسة رئيس الوزراء فايز السراج. وهذا وضَع إردوغان في مواجهة مع أطراف المعسكر العربي الموالي لخليفة حفتر، برئاسة مصر والإمارات، وبشكل غير مباشر مع روسيا التي تدعم حفتر من الجيش الوطني الليبي.
ويأتي تحالف تركيا مع السراج، في وقت يوجد فيه صراع كبير على موارد الطاقة في شرق البحر المتوسّط، أطلقه إردوغان ضدّ اليونان وقبرص ومصر، بدعم من فرنسا وإيطاليا والإمارات. وقد أدّى اتفاق إردوغان مع السراج بشأن تقسيم المناطق الاقتصادية في البحر بين تركيا وليبيا، ظاهرياً كردّ فعل على اتفاق إسرائيلي يوناني وقبرصي بشأن خط أنابيب غاز من إسرائيل إلى أوروبا، إلى توتّرات عسكرية متزايدة، حيث احتشدت فرنسا وإيطاليا والإمارات وإسرائيل لمساعدة اليونان.

تظلّ تركيا على الرغم من استمرارية دورها الإقليمي مرتهنة للعوامل الحاكمة له والضغوط التي يواجهها.
أما في الخليج العربي، فيتمركز جنودٌ أتراك في قطر لمساعدة الدوحة على حماية نفسها وردع خصومها في مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن التواجد في منطقة القرن الأفريقي، في وقت أثارت فيه خطة السلام الأميركية واتفاقية السلام بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين – اللتين تضعفان قدرة الفلسطينيين على المساومة – غضباً في أنقرة. وقد واجهت تركيا انتقادات شديدة، على الرغم من أنّها تحافظ على علاقات دبلوماسية وعلاقات مالية واسعة جداً مع إسرائيل، بينما تحاول طوال الوقت تقديم نفسها على أنّها الداعم الأكبر للفلسطينيين.
ثالثاً: في الساحتين الإقليمية والدولية
إقليمياً، ينظر إردوغان إلى إسرائيل على أنّها خصم قويّ يهدّد المصالح التركية والإسلامية، ويروّج لأيديولوجيا معاكسة لأيديولوجيا تركيا، على الرغم من علاقاته الجيدة مع تل أبيب. ويمكن ملاحظة ذلك، من بين أمور أخرى، من خلال انضمام إسرائيل إلى المعسكر الخليجي، خصم تركيا اللدود الذي لا يتردّد في مواجهتها في كلّ ساحة، بما في ذلك ليبيا وشرق البحر المتوسّط وقطر.
في الوقت نفسه، يعترف إردوغان بالقوة العسكرية والسياسية لإسرائيل (خصوصاً علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا)، ويدرك أنّه من دون علاقات مع إسرائيل، ستتضاءل القدرة على التدخّل في فلسطين. كذلك، تدرك تركيا أهمية العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل، ولهذا السبب تجنّب إردوغان التحرّكات التي لا رجعة فيها، والتي من شأنها الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية لبلاده. أمّا الاستفزاز التركي لإسرائيل، فهو غير مقيّد وينعكس في معارضة تركيا لتطبيع العلاقات الإسرائيلية مع العالم العربي، ومحاولاتها لإفشال خطّة مد خط أنابيب غاز من إسرائيل إلى أوروبا.

ومن ناحية أخرى، تحتفظ تركيا بعلاقات وثيقة مع إيران بطريقة تقوّض العقوبات الاقتصادية الأميركية. وفي 8 أيلول/ سبتمبر 2020، قاد إردوغان ورئيس الحكومة الإيرانية حسن روحاني، اجتماعاً قيادياً مشتركاً يهدف إلى توسيع العلاقات الاقتصادية بين البلدين، فضلاً عن التواصل الدائم في ما يتعلق بالأزمة السورية.
أما على المستوى الدولي، فإنّ وضعية إردوغان لا تؤشّر إلى الكثير من الترف، فالولايات المتحدة مستعدّة للتعامل مع الاستفزازات التركية إلى حدّ معيّن فقط، حيث كان إلغاء صفقة F – 35 دليلاً على ذلك، في حين تمثّل الاستحواذات العسكرية التركية مشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وقد أجبر إصرار إردوغان على الحصول على نظام صاروخي روسي متطوّر من طراز S – 400 المضاد للطائرات، الولايات المتحدة على إلغاء صفقة لتزويد أنقرة بطائرة F – 35 Joint Strike Fighter. كذلك، فإن روسيا، على الرغم من تعاملها مع إردوغان، إلّا أنّها تضع الكثير من الحدود أمامه.

خاتمة
تمثّل المنطقة العربية ومنطقة الهلال الخصيب، بما تحويه من ثروات هائلة وقرب جغرافي وشراكة حضارية وتاريخية مع تركيا، أحد أهمّ الميادين لبدء هذه الأخيرة بتنفيذ فكرتها العثمانية الجديدة. كما أنّ الموقع الجيو – استراتيجي الذي تتمتّع به تركيا يؤهّلها ويفرض عليها الاهتمام بالاعتبارات الإقليمية، بما يُبعد عنها أيّ شكل من أشكال التهديد الأمني لأراضيها من ناحية، ويعود عليها بمنافع اقتصادية شتّى فى إطار علاقات تجارية من ناحية ثانية، ممّا يمنحها مجالاً أوسع للحركة والبحث عن النفوذ الإقليمي.
وتظل تركيا على الرغم من استمرارية دورها الإقليمي وقدرته على التطوّر، مرتهنة للعوامل الحاكمة له والضغوط التي يواجهها وكيفية معالجته لها، خصوصاً أنّها تريد أن تنتهج دور الموازن الإقليمي ضمن سياستها الخارجية، بحيث تحاول السيطرة على الأزمات فى منطقة الشرق الأوسط، أو لنقل إيجاد الحلول المناسبة لكلّ ما قد يهدّدها في محيطها الإقليمي.

المصدر: الأخبار اللبنانية، 11/12/2020