مؤتمر المناخ في باريس – منير شفيق

كان النقد المُوّجَّه ضدّ الرأسمالية العمالية من قِبَل الماركسيين واليساريين والإشتراكيين منصبّاً على استغلالها لساعات العمل الإضافية من جهد العمال وعرقهم (فائض القيمة)، وعلى بُعدها الإستعماري ثم الإمبريالي في نهب ثروات شعوب العالم خارج بلدان المتروبول (المركز). ثم أُثيرت في مرحلة حركة دول عدم الانحياز إشكالية اللاعدالة على المستوى العالمي في تحديد أسعار كل من السلع المصنّعة والمواد الخام، كما السلع الزراعية.

ولكن البعد المتعلق بطبيعة النظام الرأسمالي العمالي الغربي في ما يختص في الاستهلاك المفرط الذي يصل إلى أقصى مستويات التبذير والإسراف، سواء أكان على مستوى استغلال الطبيعة، أم على مستوى الاستهلاك الفردي والجماعي للسلع واستخدام الطاقة، لم يكن وارداً في أجندة ناقدي الرأسمالية العالمية لعقود طويلة من الزمن منذ كارل ماركس وفريدريك إنجلز ولينين. بل قامت الماركسية في ترويجها للاشتراكية والشيوعية على الإغراء لتوفير استغلال أكبر للطبيعة بزيادة الإنتاج وإلى تأمين استهلاك إلى حد ما فوق الإشباع لكل البشر (المرحلة الشيوعية)، وليس كما يحدث في النظام الرأسمالي إذ يكون التمتّع بالحاجيات الإستهلاكية من نصيب قلة محظوظة، فيما تُحرَم منها الطبقات العاملة صانعة تلك الخيرات بجهدها وعرقها. أي الوعد هنا أشدّ نكراً في استغلال الطبيعة وتعميم الاستهلاك من النظام الرأسمالي.

أثبتت تجربة الرأسمالية العالمية الغربية وما لحقها من رأسماليات أنها ذاهبة إلى استنزاف الطبيعة إلى حدّ يفوق احتمالها وتجدّدها. ومن ثم يتهدّدها بالانهيار والإفلاس. وقد دخل استهلاك الطاقة واستنزافها، في هذا السياق اللاعقلاني واللاإنساني واللاعلمي واللاأخلاقي حدوداً قصوى، وقد راحت تتزايد باستمرار. مما ولّدّ ظاهرتَيْ التلوث والانحباس الحراري نتيجة لانبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون بمستويات تتهدّد المناخ، وإلى حدود تتهدّد الحياة والوجود البشري من أتيا، وما سينجم بين المرحلتين من كوارث طبيعية.

لقد أثبت التاريخ الصناعي الذي قادته الرأسمالية في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين حتى يومنا هذا، ومن خلال استخدامها المفرط للطاقة الأحفورية التي بدأت باستخدام الفحم الحجري ثم انتقلت إلى النفط والغاز بأنها ارتكبت جريمة لا تُغتفر بحق التوازن الحراري الذي ساد كرتنا الأرضية قبل هذا البلاء. وكان هذا التوازن هو الذي كفل الحياة عليها.

إن الاستخدام المفرط للوقود الأحفوري (الفحم الحجري والنفط والغاز)، وإشباعاً لجني أقصى الأرباح في الصناعة والمواصلات، وما نجم عنه من غازات التلوث المنبعثة منه والمتراكمة في الطبقات العليا من الغلاف الجوّي أدّيا إلى تشكيل ما يشبه “الدثار”. وقد شكّل هذا الدثار غلافاً ثانياً سميكاً حول الأرض يمنع موجات الحرارة من الوصول إلى الطبقات الأعلى في الغلاف الجوّي. الأمر الذي أخلَّ بالتوازن الطبيعي للحرارة باتجاه ارتفاعها. ومن ثم زيادة سخونة الأرض الذي سمّي بالاحتباس الحراري. مما راح يسبّب ذوباناً للثلوج المتراكمة في القطبين الشمالي والجنوبي وارتفاعاً لمنسوب المياه في البحار والمحيطات بما يتهدّد جزراً وشواطئ بالغرق إلى جانب مُضاعفة قوّة الأعاصير والفيضانات واضطراب حالة الفصول، وما راح يُضاعف من الجفاف والتصحّر وفناء أنواع من النبات والحيوان.

لقد تعامت الشركات الرأسمالية الكبرى والحكومات الغربية طوال عشرات السنين عن هذا الاختلال الخطير الذي راح يُحْدِثُه استخدامها للوقود الأحفوري بإفراط وشراهة، في التوازن الحراري لكرتنا الأرضية وما راح يتسبّب به من كوارث طبيعية مناخية. وقد دُفِعَ هذا الاستهتار إلى حدوده القصوى حتى باتت النذُر التي تتهدّد الحياة على وجه الأرض تصبح مؤكدّة الحدوث لا سيما وقد راحت تنضم دول مثل الصين والهند إلى اتبّاع الطريق نفسه في استخدام الطاقة الأحفورية ومضاعفة نسب الاحتباس الحراري. هذا طبعاً دون إعفاء الدول الأخرى التي راحت تدخل بدورها في نمط الإنتاج والاستهلاك الرأسمالي الغربي المعادي للطبيعة والمناخ والحياة والوجود البشري على كرتنا الأرضية.

لقد وصلت الأخطار والكوارث إلى حد لم يعد باستطاعة الدول الغربية والشركات الرأسمالية أن تتجاهل إلى مدى أطول إشكالية الاحتباس الحراري الناجم عن نمطها الإنتاجي الاستهلاكي الحضاري وما يحمله من أيديولوجية وقِيَم هابِطة تذهب لتكريسه بل وتعميمه.

ولهذا رضخت شكلياً ومخادعة منذ العام 1992 إلى القبول بالبحث الجاد على مستوى دولي حول ضرورة تخفيض انبعاث غازات الوقود الأحفوري، وعندما اضطروا إلى توقيع اتفاق كيوتو 1997 راحوا يراوغون في التنفيذ. ووصلت الوقاحة بالكونغرس الأمريكي أن يفرض على الإدارة الانسحاب من الاتفاق علناً، وبلاده كانت تحتل 25% وحدها من انبعاث تلك الغازات في الجو (الآن أصبحت الصين رقم 1 تليها الولايات المتحدة الأمريكية).

طبعاً لم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة في عدم الالتزام باتفاق كيوتو، على ضعفه وتواضعه في معالجة المشكلة، وإنما استمرّت الشركات الرأسمالية الكبرى وفي مقدّمها الشركات النفطية وشركات إنتاج الطائرات والسيارات في الاحتيال على ما كان يفترض بأن يُراعي تقليل الاستهلاك وترشيده: فالعقلية الرأسمالية بل الطبيعة الرأسمالية التي تجعل أولى أولوياتها جني أقصى الأرباح وبلا مبالاة عما قد يسبّبه ذلك من إفقار لبلايين البشر، ناهيك عن استنزاف يفوق طاقة الاحتمال للطبيعة، كما يُمعن في تسخين المناخ وما يترتّب عنه من كوارث طبيعية وتهديد لوجود الحياة والانسان على الأرض (وفي البحار).

من هنا يمكن أن نعتبر أن النظام الرأسمالي العالمي الغربي ونمطه الإنتاجي والإستهلاكي لا يقتصر على وصفه بالاستغلالي والنهّاب لثروات الشعوب التي استُعْمِرَت ثم استُضْعِفَت، أو وصفه بالظالم واللاأخلاقي والفاسد، وإنما أيضاً بالمدمّر للطبيعة والمخرّب للمناخ والموّلد للكوارث والمهدِّد للحياة والوجود البشري.

لقد اختلف الموقف في مؤتمر باريس للمناخ الذي عقد في الأسبوعين الأوليْن من شهر كانون الأول/ديسمبر 2015 حيث أُسْقِطَ بِيَد الدول الغربية كما بِيَد الصين والدول عموماً. ولم يعد بمقدورهم أن يتعاملوا مع مؤتمر باريس للمناخ كما فعلوا في مؤتمر كيوتو. فقد اتفقوا (195 دولة) على أن يجعلوا زيادة حرارة الأرض بنسبة تقلّ عن 2% عما وصلته الآن إذ بلغت 4% عما كانت عليه قبل القرن التاسع عشر. فـ 2%  هو هدف العام 2020 وعلى أمل أن تصل الزيادة إلى 1.5% عام 2025.

ولكن مع ذلك رفض ممثلو الدول الكبرى ولوبيات الشركات الرأسمالية العالمية أن يكون ذلك إلزامياً وتحت المراقبة المشدّدة. ولكن مع الوعود العالية الصوت بضرورة التنفيذ. طبعاً لا يمكن الوثوق، بأي شكل من الأشكال، بوعودهم أو التزامهم بالتنفيذ. لأنهم أسرى النمط الإنتاجي والاستهلاكي الرأسمالي ولا يستطيعون أن يُعاكسوا طبيعته التي تغلِّب جني الأرباح وحياة البذخ والإسراف والتبذير واللامسؤولية واللاأخلاقية واللاعقلانية حتى على ما تقتضيه ضرورات الحفاظ على ديمومة الطبيعة والحياة على الكرة الأرضية.

المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن 23/12/2015