كوبا: أزمة عابرة أم “ثورة ملونة”؟ – وسام متى

كان يوم الأحد استثنائياً في كوبا. الجزيرة الشيوعية المحاصرة شهدت خلال اليومين الماضيين احتجاجات نادرة، خرج خلالها الآلاف إلى الشوارع، على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية، لا سيما بعدما ضربت الجائحة الوبائية القطاع السياحي الذي يعدّ ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.

أدى نقص الغذاء والدواء وقطع الكهرباء لعدة ساعات في اليوم، إلى نزول آلاف الكوبيين إلى الشوارع في عشرات البلدات والقرى، مرددين هتافات من بينها “نحن جائعون” و”حرية” و”تسقط الديكتاتورية” و”لا للشيوعية”! هذه الاحتجاجات دفعت اتهم الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل إلى إتهام الولايات المتحدة بالاستمرار في ممارسة “سياسة الخنق الاقتصادي الهادفة إلى إثارة الاضطرابات الاجتماعية”. وفي خطاب أذاعه التلفزيون والإذاعة، أكد الزعيم الشيوعي، الذي كان محاطاً بعدد من وزرائه، أن حكومته تحاول مواجهة الصعوبات التي فاقمتها العقوبات الأميركية المعززة منذ عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتجاوزها. وتساءل ميغيل دياز كانيل: “ما الذي يبحثون عنه؟ إثارة الاضطرابات الاجتماعية وإحداث سوء تفاهم بين الكوبيين وتغيير النظام..”، مشدداً على أن من يقفون وراء هذه التظاهرات “نالوا الرد الذي يستحقونه وسيظلون يتلقونه كما في فنزويلا” الحليف الكبير لكوبا. وفي وقت أقرّ الرئيس الكوبي بـ”عدم الرضى” الذي يشعر به بعض الكوبيين، فإنه أعطى الأمر لـ”الثوار” بـ”محاربة” هذه التجمعات في الشارع.

وقطعت السلطات الكوبية خدمة الإنترنت عبر الهواتف والتي وصلت إلى كوبا في نهاية العام 2018، ولا تستفيد منها حتى الآن إلا قلة بالنظر إلى كلفتها الباهظة. هذه الخدمة سمحت بالبث المباشر لنحو 40 احتجاجاً مناهضاً للحكومة في جميع أنحاء الجزيرة يوم الأحد وصباح الاثنين. من جهته، دعا الرئيس الأميركي جو بايدن، في بيان النظام الكوبي إلى “الاستماع إلى شعبه والاستجابة لاحتياجاته”، وقال “نحن نقف إلى جانب الشعب الكوبي ودعوته الحيوية من أجل الحرية”. وكانت الإدارة الأميركية أعلنت مساء الأحد الماضي أنها “ستدين بشدة أي عمل من أعمال العنف وأي استهداف للمتظاهرين السلميين الذين يمارسون حقهم”، بحسب تغريدة من مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان. هذه التغريدة ردّ عليها وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز عبر “تويتر” قائلاً إنّ “مستشار البيت الأبيض للأمن القومي لا يملك السلطة السياسية أو الأخلاقية للتحدث عن كوبا”. وأضاف رودريغز أن الإدارة الأميركية “أنفقت مئات الملايين من الدولارات على التخريب في بلادنا وتفرض حصاراً هو في الواقع إبادة جماعة”، مشدداً على أن الولايات المتحدة هي “الجاني الرئيسي وراء النواقص الاقتصادية”.

أما روسيا، الداعم الأكبر للسلطات الكوبية منذ العهد السوفياتي، فقد حذرت من أي “تدخل أجنبي” في هذه الأزمة. وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان “نعتبر أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة وأي عمل هدام آخر من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة استقرار الوضع في الجزيرة أمراً غير مقبول”. وأضافت وزارة الخارجية الروسية “نحن مقتنعون بأن السلطات الكوبية تتخذ كافة الإجراءات اللازمة لاستعادة النظام العام لصالح مواطني البلاد”، مشيرة إلى انها “تتابع تطور الوضع في كوبا ومحيطها عن كثب”. إقليمياً، رفض الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور أي نهج “تدخلي” للوضع في كوبا وعرض إرسال مساعدات إنسانية. وقال الزعيم اليساري إن المكسيك يمكنها “المساعدة من خلال توفير الأدوية واللقاحات وكل ما هو مطلوب، وكذلك الغذاء، لأن الصحة والغذاء من حقوق الإنسان الأساسية” التي لا تتطلب “إدارة سياسية تدخلية”. في الظاهر، لا تزال الحكومة الكوبية قادرة على احتواء الموقف.

وبحسب ما أورد صحافيون أجانب أتيحت لهم فرصة تغطية هذا الحدث النادر، فإنّ شوارع هافانا كانت لا تزال تشهد انتشاراً للجيش وقوات الأمن يوم أمس (الإثنين)، لكن الهدوء عاد بعد الاشتباكات في اليوم السابق، الذي انتهى باعتقال العشرات. ومع ذلك، يحاول البعض تقييم خطورة الأحداث من خلال حقيقة أن دياز كانيل غادر على وجه السرعة إلى سان أنطونيو دي لوس بانيوس – المدينة الساحلية الواقعة على بعد 25 كيلومتراً من هافانا ويسكنها نحو 50 ألف شخص، والتي كانت على ما يبدو البؤرة الأولى للاحتجاجات. في المقابل، يبدو من السابق لأوانه التنبؤ بمسار دراماتيكي للأحداث، إذ أنه لكوبا تجربة فريدة في محاربة “الثورات الملونة” على طريقتها الخاصة. التجربة الأقرب زمنياً إلى يومنا تعود إلى بداية التسعينيات الماضية، خلال فترة حكم القائد التاريخي فيدل كاسترو. ففي العام 1994، وغداة انهيار الاتحاد السوفياتي، فقدت الجزيرة الشيوعية جزءاً كبيراً من الدعم المالي، ما أدى إلى أزمة اقتصادية، من بين تجلياتها هبوط حاد في مستويات المعيشة. حينها لم تحظَ الاحتجاجات بشعبية كبيرة، حتى أنها لم تكن تحمل أية شعارات خاصة، بل كانت مجرّد هبّة محدودة عند جسر ماليكون، سرعان ما نجحت قوات الأمن في وأدها.

إثر ذلك، دعا فيدل كاسترو الكوبيين للنزول إلى الشوارع، واستخدم كل أوتي من كاريزما ومهارة خطابية للحديث عن الماضي الثوري المجيد والمستقبل المشرق، قبل أن يطلق مبادرة تكتيكية تسببت بإرباك شديد للولايات المتحدة، المتهمة الأساسية بإثارة الاضطرابات، سواء بالمباشر أو بحصارها للجزيرة الشيوعية، إذ سمح لأي شخص يريد مغادرة كوبا بأنّ يفعل ذلك، وكانت تلك الشرارة التي أثارت ما سمي بـ”أزمة العوارض الخشبية” التي تمثلت في هجرة أكثر من 35 ألف كوبي إلى السواحل الأميركية على متن قوارب صغيرة. حدثت تلك الهجرة الجماعية على مدى خمسة أسابيع بعد أعمال الشغب، ما أجبر إدارة بيل كلينتون حينها على اتخاذ إجراءات صارمة في مواجهة موجات النزوح. لا يقل دياز كانيل حنكة عن فيدل كاسترو، برغم الفوارق بين الرجلين. ومع ذلك، من المستبعد أن يلجأ إلى الحيلة ذاتها، فالجزيرة الشيوعية، وبرغم كل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها، تبدو في حال أفضل إذا ما قورن الظرف الحالي بالظروف الحالكة في مطلع التسعينيات. اليوم، تكمن الشكوى الرئيسية للمحتجين في عدم كفاية الإجراءات الحكومية لمكافحة وباء “كورونا”، ما أدى إلى تفشي المرض بشكل حاد وزيادة حادة في عدد الوفيات.

ومع ذلك، فإنّ هذه الصعوبات ليست حكراً على كوبا، فتجربة العام الماضي أظهرت أن أقوى الحكومات في العالم وقفت عاجزة أمام موجات الوباء العاتية. يمكن لكوبا البناء على عنصرين لاحتواء الغضب الشعبي المتصل بالاستجابة للجائحة الوبائية:

الأول، يتمثل في أن أسس النظام الكوبي تقوم بشكل خاص على تعويض الدخل الضئيل للسكان بالمستوى العالي لتطور نظام الرعاية الصحية وتوافره بشكل عام (بالمقارنة مع الولايات المتحدة حيث هناك 2.5 طبيب لكل ألف نسمة، فإنّ هذه النسبة تصل إلى 5.91 طبيب لكل ألف نسمة في كوبا).


الثاني، نجاح كوبا في تطوير لقاحها الخاص، الذي سمّي “عبد الله” (نسبة إلى اسم المسرحية الشهيرة لشاعر كوبا التاريخي خوسيه مارتي – 1869)، وهو مكوّن من ثلاث جرعات، واثبت فعاليته بنسبة 92 في المئة في المرحلة الأخيرة من التجارب السريرية. في المقابل، تبدو التداعيات الاقتصادية للجائحة الوبائية أكثر خطورة، على النحو الذي يضع كوبا على مفترق طرق خطير، خصوصاً أن الأزمة التي انتجها “كورونا” ترافقت مع نهاية حقبة الأخوين كاسترو، التي استمرت سبعين عاماً، وذلك بعد تنحي راوول، والتي نظر إليها على أنها مرحلة متقدمة من “البيريسترويكا” الكوبية المستمرة منذ سنوات، والتي من خلالها يحتفظ الشيوعيون بدورهم الحاكم والتوجيهي، في مقابل تحرير تدريجي للقطاع الخاص الآخذ في التوسع، وفي سياقها أيضاً تم اقرار تعديلات دستورية تحمي حقوق الإنسان بما في ذلك حقوق المثليين. مع ذلك، فإنّ الخلل الجوهري في هذه الإصلاحات يتمثل في أن كانت موجهة بشكل خاص نحو تطوير السياحة، وقد جاء بالتالي فيروس “كورونا” ليوجه ضربةً موجعة لها.

في الوقت ذاته، لا تزال الولايات المتحدة تمارس حصارها على الجزيرة الشيوعية، وعلى نحو أكثر من المعتاد، بعد الإجراءات المشددة التي اتخذها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بعيد انتخابه. منذ عهد باراك أوباما، تتأرجح السياسة الأميركية تجاه كوبا بين تيارين: الأول، يدعو إلى اغتنام أي فرصة، على شاكلة الاحتجاجات الحالية، لإنهاء الشيوعية في الجزيرة بعد سنوات عديدة من المحاولات الفاشلة؛ أما الثاني، فيميل إلى عدم المخاطرة برهانات أثبتت فشلها في تغيير النظام الكوبي، ويذهب بالتالي إلى اعتماد مقاربة أكثر براغماتية تتضمن انفتاحاً على الجناح الإصلاحي في الحزب الشيوعي الكوبي. حتى الآن، من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث في كوبا، أو بالتوجهات التي يمكن أن تعتمدها إدارة جو بايدن تجاه الجزيرة الشيوعية. بشكل عام، لا تزال فرص ميغيل دياز كانيل لضبط الوضع ممكنة، أخذاً في الحسبان أن الهدف المباشر للمحتجين، وبصرف النظر عن بعض الهتافات التي تهافتت الصحافة الغربية على ابرازها، ليس الرئيس نفسه، ولا حتى الحزب، وإنما حكومة مانويل ماريرو كروز، ما يعني أن مجرّد تغيير حكومي يمكن أن يؤدي إلى عودة الهدوء.. ومع ذلك، فإنّ القاعدة العامة في مثل هذه الأحداث، وهي أن “الوقت كالسيف”، تنطبق على كوبا تماماً كما انطبقت في السابق على دول نجح بعضها في احتواء “الثورات الملونة” فيما وقف بعضها الآخر عاجزاً أمامها بسبب الفشل في إدارة لعبة الوقت.

المصدر:   | 180Post 13/07/2021