كشمير طريق الحرير الحافل بالألغام.. شوقي عواضة

بدأت مشكلة إقليم كشمير قبل استقلال باكستان عن الهند عام 1947. فقبلها بعقود أيّ في العام 1915 وقع حزب المؤتمر الهندي برئاسة غاندي مع قادة حزب الرابطة الإسلامية وبينهم محمد علي جناح في الهند وثيقة تفاهم على مقارعة الاحتلال البريطاني والمحافظة على حقوق الأقليات المسلمة ووحدة الأراضي. أجريت بعدها انتخابات عام 1937 فاز باغلبيتها حزب المؤتمر الهندي في معظم الأقاليم مستأثراً بالسلطة وممعناً في اضطهاد الأقليات وعدم مراعاة حقوقهم ما حدا بالمسلمين إلى التآزر والدعوة لاجتماع عقد في مدينة لاهور في الثالث والعشرين من آذار من العام 1940 مقررين بالإجماع إعلان الاستقلال عن الهند وتاسيس دولة باكستان..

في عام 1945 جرت أول عملية انتخابية للبرلمان المركزي استتبعها بعام انتخابات البرلمان الاقليمي حيث حصل حزب الرابطة الإسلامية على أكثر من 75 من الاصوات التي تضم الأغلبية المسلمة والتي تعرف اليوم باسم باكستان. وبعد هذا الإستفتاء أجبر الاحتلال البريطاني والقيادة الهندوسية المتمثلة بحزب الموتمر الهندي على القبول باستقلال باكستان التي ضمت إليها إقليم كشمير الذي كان يشكل 92 من المسلمين وبعد التفاوض عليه وفشل المفاوضات وقعت الحرب بين الجانبين عام 1948 وبتدخل من الأمم المتحدة أوقفت الحرب وصدر قرار أممي بحق الشعب الكشميري بتقرير مصيره لكنه لم ينفذ لغاية اليوم بسبب عدم سماح الهند بتنظيم هذا الاستفتاء فتم تحرير جزء من كشمير يشكل ثلث المساحة على يد المقاومة الكشميرية وبقي الثلثان حتى يومنا هذا.

في العشرينيات من القرن الماضي عملت بريطانيا على دعم نشوء حركات هندوسية متطرفة منها الحركة الشندية وحركة آر اس اس

RSS وتعني العودة إلى الأصل الهندي فبدأوا بتأسيس مراكز تبشيرية لنشر الفكر الهندوسي المتطرف لمحاربة الإسلام والمسيحية ومع مرور الزمن أسسوا أكثر من 12000 مركز للتدريب على السلاح والتعبئة والتثقيف على الفكر الهندوسي ودخلوا إلى السلطة السياسية بوجه سياسي جديد تحت مسمى BJP اي بهاراتيا جاناتا بارتي وتعني حزب الشعب الهندي او الحزب القومي الهندوسي وهو الذي أصبح اليوم الحزب الحاكم ويترأسه رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي الذي بدأ يلمع نجمه في سبعينيات القرن الماضي كمبشر لهذا الفكر المتطرف.

استلم مودي ولاية كوجورات الهندية وأصبح حاكماً عليها فقام هو ومجموعاته المتطرفة بقتل آلاف المسلمين وحرق منازلهم ضمن سياسة تفريغ الولاية من الغير هندوسي متبعاً هذه السياسة من سنة 2002 إلى 2014 حيث أصبح رئيساً لوزراء الهند لأول مرة مستكملاً نهجه في محاربة المسلمين والمسيحيين وكل من يعارض الفكر الهندوسي ومن ضمن أهدافه ومخططاته حينها إلغاء هوية وخصوصية إقليم كشمير التي ينص الدستور الهندي على أحقيته بالحكم الذاتي فأصدر مودي في 5 آب 2019 قراراً يقضي بـ»ضم الإقليم إلى الهند» بعد إلغاء المادة 370 التي تمنح إقليم كشمير الخاضع لسيطرة الهند وضعاً خاصاً منذ عقود، وقدراً كبيراً من الحكم الذاتي و تسمح بأن يكون لكشمير دستورها الخاص وعلم منفصل واستقلال في الأمور كافة.

هذه المادة التي أقرتها الغرفة العليا بالبرلمان «مجلس الولايات» راجيا سابها تمت بموافقة 125 عضواً مقابل اعتراض 61 أما خلفية قرار ضم كشمير للهند وتوقيته وأبعاده يأتي بالدرجة الأولى بعد زيارة مودي للكيان الصهيوني والتي كانت الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس وزراء هندي إلى تل أبيب 2017عام تلاها زيارة رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى الهند في 13 كانون الثاني الحلقة 2018 أي بعد ستة أشهر من الزيارة الأولى وبعد مرور 25 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وفي ذروة التقارب الهندي- «الإسرائيلي» بدأت الهند باتباع سياسة تفريغ الأرض وإقامة مستعمرات هندوسية وإحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة بهدف ايجاد موطئ قدم أميركي «اسرائيلي» في المنطقة وخصوصا في أقليم كشمير نظراً لأهميته الإقليمية والجغرافية ولقربه من الصين وباكستان وإيران وبالتالي فإن إيجاد هذا الموطئ يخدم «إسرائيل» قبل كل شيء من خلال إقامة مطار وبعض القواعد العسكرية ومراكز الرصد والتجسس على باكستان وإيران. إضافة إلى السيطرة على ممر إقتصادي صيني وباكستاني مهم يرتبط بطريق البر والبحر.

كل ذلك يصب في مصلحة الحليف الأول لـ»إسرائيل» وهي الولايات المتحدة من خلال إيجاد قوة لتهديد الإقتصاد الصيني المتنامي بسرعة والذي وصل إلى حد تهديد الإقتصاد الأميركي دون أن ننسى عمق العلاقات الهندية- «الإسرائيلية» التي بدأت في العام 1992 حيث بدأت العلاقات الرسمية بعد سقوط الإتحاد السوفياتي إضافة إلى تعزيز العلاقات الهندية- الأميركية التي بدأت عقب أحداث 11 أيلول 2001 وبتوجيهات أميركية بدأ حلفاء الولايات المتحدة بتعزيز علاقاتهم في المنطقة ومن ضمنها كانت زيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود إلى الهند عام 2005 على رأس وفد مؤلف من 70 مسؤولاً من المملكة حيث وقعت إتفاقيات أمنية وعسكرية واقتصادية وتم فتح السعودية ودول الخليج للشركات الهندية حتى أنه سمح للهندوس بإقامة معابد لهم في بعض دول الخليج وقامت السعودية بدور المخبر الذي عمل على إضعاف المقاومة الكشميرية من خلال تبادل المعلومات وتسليم قوائم بأسماء المقاومين الكشمرين للهند للقضاء على المقاومة الكشميرية التي تعرضت لحملات إعتقال متتالية من قبل الجيش الهندي ومحاولة تصفية قياداتها واضطهاد الشعب الكشميري الذي دفع ثمناً باهظاً طيلة سنوات العدوان عليه حتى بلغ عدد الشهداء الكشميريين منذ العام 1989 وحتى اليوم مئة ألف شهيد عدا الجرحى والمعتقلين إضافة إلى اغتصاب عشرة آلاف إمرأة على يد الهندوس الذين ينفذون جرائمهم على طريقة العصابات الصهيونية شتيرن والهاغاناه في فلسطين في اربعينيات القرن الماضي.

بعد قرار الهند ضم الأقليم يعيش الآن حصاراً مطبقاً في ظل فرض حكم عسكري وحالة طوارئ وإلغاء القوانين العرفية وإقفال جميع المؤسسات والمستشفيات والمؤسسات العامة وحتى الصحف في ظل مواجهات شهدها الإقليم أدت إلى إستشهاد المئات من الذين يدفنون في بيوتهم بسبب منع دفنهم من قبل الجيش الهندي إضافة إلى سقوط مئات الشهداء و الجرحى وأكثر من 4000 معتقل خلال اقل من شهرين ، في ظل بوادر معركة حسم عسكري لقضية كشمير برزت من خلال لقاء رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بالرئيس الاميركي دونالد ترامب، الأحد، في مدينة هيوستن ولاية تكساس خلال لقاء مع مواطنين اميركيين من أصول هندية حيث أشار ترامب في كلمته أن «الولايات المتحدة والهند تخططان لإجراء أول تدريبات عسكرية مشتركة في تاريخ علاقاتهما في شهر نوفمبر المقبل»، مؤكداً على «التعاون الوثيق مع الهند في مجال الفضاء».

وستظهر الولايات المتحدة والهند تقدماً ملموساً في تعاونهما العسكري بإجراء أول تدريب عسكري مشترك بينهما في نوفمبر القادم.

وعلى خطى سيده الاميركي مضى العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد على نفس النهج بعد موافقته على توقيع شركة ريلاينس الهندية مع شركة أرامكو السعودية، عقد صفقة شراء بقيمة 15 مليار دولار وهي أكبر استثمار أجنبي في تاريخ ريلاينس وتاريخ الهند، وفقاً لما أعلنه رئيس شركة ريلاينس موكيش أمباني حيث تستحوذ بموجبها الشركة السعودية على 20 من أنشطة النفط والكيماويات للشركة الهندية وبموجب هذا الاتفاق المبدئي بين الشركتين ستزود أرامكو مصفاة ريلاينس الواقعة على الساحل الغربي للهند بنصف مليون برميل يومياً. هذا الاتفاق جاء بعد أسبوع من إلغاء الهند الحكم الذاتي في القسم الذي تسيطر عليه بإقليم جامو وكشمير وقبل توجيه الضربة القاسية لشركة ارامكو بالطائرات المسيرة اليمنية لمصفاتي البقيق وخليص .

أما موقف الإمارات فلم يكن اشفى حالاً من موقف حلفاءها العدوانيين بل كان موقفاً متقدماً حتى على الموقف الصهيوني والسعودي فموقفها الرسمي كان لافتاً في القضية وسباقا بين مواقف الدول العربية والإسلامية فاعلنت رسميا تأييدها للقرار الهندي بضم اقليم كشمير والغاء الحكم الذاتي للشعب الكشميري وان هذا القرار هو خطوة تشجع على الاستقرار والسلام في حين ان الامارات كان لها دور اساسي وكبير فيما يسمى بالربيع العربي وفي دعم الميليشيات التكفيرية والارهابية في كل من سورية وليبيا عدا عن دورها في مصر.

وفي ظل الصمت الاعلامي العربي والاسلامي والدولي تجاه ما يجري على الشعب الكشميري الذي كان حاضراً في الساحة مع كل قضايانا العربية والاسلامية من فلسطين الى اليمن والبحرين وسورية والعراق ولبنان جريمة اخرى يرتكبها الاعلام بصمته تجاه مظلومية شعب يواجه عدواً يمارس إجراميته باحتراف يطغى على الجرائم التي ارتكبت بحق مسلمي بورما وحرب إبادة أكبر واقسى واشنع من حرب البوسنة في ظل تاييد ودعم سعودي اماراتي للضغط على باكستان ورئيسها عمران خان التي لم تستجب لطلبات بن سلمان وبن زايد من صفقة القرن الى العدوان على اليمن .

ولكي لا نكون شركاء في إبادة الشعب الكشميري أو شياطين صامتة في تلك الجريمة يجب علينا أن نرفع أصواتنا عالياً بوجه هذا الطاغوت كما رفعناه من قبل في فلسطين وسورية والعراق واليمن فإنسانيتنا تلزمنا بتلبية النداء قبل فوات الاوان.

المصدر: صحيفة البناء 25/09/2019