قانون حصار سوريا ولبنان عقوبة أم قرار إبادة؟- كاظم الموسوي

معروف ما يحدث بسبب الحصار، وكتبت كما غيري كثيرا عنه، وقبل ما يقارب عقد من الزمان، نشرت مقالا لا يزال موضوعه مستمرا، إذ إن كثيرا ما يجري من استخدام قرار الحصار على بلدان بدعوى عقوبة تأديبية أو إجرائية ولكن لا ينظر إلى عواقبه الإنسانية والأخلاقية على شعب ذلك البلد وأهميته الواقعية وجدواه العملية.

بعد تمديد الاتحاد الأوروبي عقوباته المفروضة على الدولة السورية سنة أخرى، تصر الإدارة الأميركية على تنفيذ استمرار احتلالها لمنابع النفط السورية وتصعيد قرارها في العقوبات والحصار، باسم حماية المدنيين في سوريا. في الوقت الذي يناشد الأمين العام للأمم المتحدة جوتيرش برفع كل العقوبات..
وليس آخرها ما يُسمى “قانون قيصر” الأميركي الذي يوسع العقوبات، بحيث لا تقتصر على الأشخاص والكيانات التابعة للحكومة السورية وحسب، بل أيضا جميع الجهات التي تتعامل معها من مختلف أنحاء العالم وفي مقدمتها الشركات الروسية والإيرانية. ويعتبر مراقبون هذا القانون الذي بدأ العمل به في 17 حزيران/ يونيو 2020 حالة فريدة من عقوبات شاملة، ربما لم يعرف العالم مثيلا لها منذ نهاية الحرب الباردة في ثمانينيات القرن الماضي. أي أنه قرار إبادة لشعب وانتهاك لكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، وطغيان القوة والتواطؤ والإذعان غير المبرر. وعمليا تعرض الشعب السوري إلى أزمات اقتصادية وفقدان القدرة الشرائية، وثمن الطعام والدواء، وحتى المواد الأساسية لم تعد في المتناول الاعتيادي، وكذلك تضاعفت أسعار الكثير منها خلال الأيام التي سبقت القانون ومهدت له من قبل أطراف عدة أبرزها أصحاب القانون وسياساتهم العدوانية المعروفة على الأرض. وحتى الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء حذرا من تهديد المجاعة لملايين السكان في سوريا وانعكاس العقوبات على لبنان أيضا. معروف ما يحدث بسبب الحصار، وكتبت كما غيري كثيرا عنه، وقبل ما يقارب عقد من الزمان، نشرت مقالا لا يزال موضوعه مستمرا، إذ إن كثيرا ما يجري من استخدام قرار الحصار على بلدان بدعوى عقوبة تأديبية أو إجرائية ولكن لا ينظر إلى عواقبه الإنسانية والأخلاقية على شعب ذلك البلد وأهميته الواقعية وجدواه العملية. وطبيعي يصدر القرار باستهداف الحكام والمسؤولين عن الممارسات التي تستدعيه، حسب أصحابه، إلا أن المتضرر الرئيسي منه هو الشعب، ولا سيما الطبقات الفقيرة والمتوسطة منه، وهي الضحية المنسية في مثل هذا القرار. لقد فرضت الامبراطوريات الاستعمارية مثل هذا القرار على شعوب كثيرة لمختلف الأسباب، ونفذ واسعا في عالمنا العربي. والجديد في الأمر في الفترة الأخيرة، وفي عالمنا العربي خصوصا، أن إصدار مثل هذا القرار تم بصمت أو تواطؤ حكومات عربية أو بعض مسؤوليها، وأحيانا تتقدم به بعض الحكومات العربية ضد أخرى بذرائع مختلفة وتسعى إلى تدويله بجهود مستغربة حقا، بينما لا تحاول أن تبذل أي جهد، مقارنة بغيره من القرارات المتخذة سلفا أو التي تتعلق بالقضايا المركزية، وأولها قضية الشعب الفلسطيني العادلة. مما يعني أن محاصرة شعب عربي تتم بأيدٍ وبموافقات عربية رسمية. لأن الوقائع تقدم أن عواقبه الأساسية تصيب الشعب وفئاته الفقيرة أساسا، فمن أضرار الحصار المباشرة التأثير على التمتع بالحق في الحياة، الذي هو أصل كل حقوق الإنسان، واستمرار الحصار في بعض البلدان يؤدي إلى المجاعة. وهذا انتهاك صارخ آخر لحق الحياة. كما أن الوصول إلى هذا الهدف أسلوب من أساليب الموت البطيء لا يختلف عن التعذيب المحرم دوليا. ويؤدي المهمة هذه بأشكال معروفة، وقد يكون هذا الأمر المبرر لصاحب قرار الحصار، بحجة أنه يوصل إلى صناعة أوضاع مأزومة بين الحكام والمحكومين، من خلال زعزعة الأسس الاقتصادية للدولة وإنتاج حالات سخط وغضب تنعكس على الحكم وتتطلب التغيير منه. وحتى هذا الهدف يرد عليه بأنه مصادرة لحق المواطن في تقرير المصير، وتدخل في إرادة الشعب في اختيار حكومته وآليات الديمقراطية الحقيقية. وتعكس تداعيات الحصار المباشرة أيضا على حريات المواطنين في العيش الكريم والإجبار على اضطرار النزوح أو الهجرة إلى مناطق أخرى قد لا تكون مؤمنة لحياة لائقة، أو تفتيت النسيج الاجتماعي وتشتيت المجتمع.
عانى الشعب الفلسطيني كثيرا من قرارات الحصار والعقوبات الأخرى، سواء من دولة الكيان الإسرائيلي مباشرة أو بالواسطة من أنظمة وحكومات عربية، توكلت بالمهمة بشتى السبل، وأغلبها باتت معلومة ومخجلة ليس لأصحابها فقط، وإنما للساكتين عنها والراقصين أمام غيرها بحماس منقطع النظير. أما العراق فقد احتل بعد حصار دام ثلاث عشرة سنة. تكبد فيه الشعب العراقي ما يكفي دروسا لغيره، وعبرة لمن يريد أن يبرز دوره في مثل هذا القرار. ونتائج هذا الحصار وما رفعته تقارير دولية وكتب مؤلفة عنه تعطي تذكيرا وافيا لمن يعنيه أمر الحصار وقراره الذي يسعى إليه بنفسه أو بتكليف من غيره. ولا بد من النظر بجدية وبمعيار قانوني وإنساني إلى أن الحصار عمليا قرار ينتج إبادة جماعية وجرائم حرب. وتتحمل الجهات التي تقرره مسؤوليته فيه، وتلك التي تضعه وسيلة لتبرير تدخلاتها في شؤون غيرها لمصالح لا تخدم الشعوب التي تعاني منه، ولا تصل في نهاية الأمر إلى الاستقرار السياسي والأمن والسلم والتنمية وحقوق الإنسان. وينبغي محاكمة القرار وأصحابه بما ينتجه من أضرار بالغة، قد لا تحقق الأهداف التي تستدعيه أو تبرره ظرفيا. لقد تضررت في العراق مثلا القطاعات الأساسية، الصناعية والزراعية والثقافية والصحية والبيئية وغيرها. ورغم أن قرار الحصار، وخصوصا ما يتعلق بالمواد الغذائية والأدوية، لم يتضمن أية قيود أو صعوبات لحصول العراق عليها، إلا أن تجميد أموال العراق وبيروقراطية إصدار الموافقة من مجلس الأمن، واستخدام الولايات المتحدة حق النقض على نطاق واسع.. كانت تلك الإجراءات والممارسات من المعوقات الرئيسية التي منعت وأخرت تصديرها وحرمت الشعب العراقي. إضافة إلى ذلك ترتب من جراء الحصار تدمير النسيج الاجتماعي المدني العراقي، وتحويل حياة الشعب العراقي إلى كفاح يومي من أجل توفير الغذاء والماء الصالح للشرب والدواء والأمن والاستقرار. شهدت عليها التقارير الدولية ومؤلفات خبراء دوليين، من بين ذلك، تقرير لجنة برنامج الغذاء الدولي التابع للأمم المتحدة (W.F.P) في 29 أيلول/ سبتمبر 1995 ذكر أن 2,4 مليون طفل عراقي تحت سن الخامسة كانوا في خطر سوء التغذية الحاد. وأشارت منظمة الفاو (F A O) في كانون الأول/ ديسمبر 1995 إلى أن 567,000 طفل عراقي ماتوا بسبب تأثير قرار الحصار كعقوبة اقتصادية، وأنه بحدود 12 في المائة من أطفال بغداد ضائعون و28 في المائة منهم معوقون و29 في المائة منهم تحت الوزن نتيجة لنقص الأجهزة الطبية. وفي 26 كانون الثاني/ يناير 2000 تقدم المدعي العام السابق للولايات المتحدة رمزي كلارك بمذكرة لمجلس الأمن لوضع نهاية للعقوبات، إذ أقر بأن “عدد الوفيات بسبب العقوبات، يجب أن يصدم ضمير كل إنسان حساس”. هذه الأدلة بعض وثائق الأمم المتحدة الرسمية، وهي من جهة أخرى، يمكن أن تستخدم للحكم على أعمال الأمم المتحدة ومدى تطابقها مع ميثاقها، وأحكام القانون الدولي والإنساني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إذ إن الحصار ونظام العقوبات والقصف العشوائي يمثل مخالفة واضحة للمواد (48، 51، 54) لاتفاق جنيف لسنة 1977، وللمواد (2، 3، 4) من اتفاق الإبادة الجماعية ومبادئ محكمة نورمبيرج لسنة 1950. فضلا عما يمثله من مخالفة لأحكام ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان التي تتباكى عليها إدارات الامبراطوريات الاستعمارية القديمة والجديدة.

المصدر: جريدة الوطن/6/07/2020