صناعة يمنية – إبراهيم محمد الهمداني

ليست عبارة فكاهية أو كذبة أبريل، أو نكتة جديدة، قيلت على سبيل التهكم والسخرية، والتنبيه على خطورة الاستمرار في حالة العجز والإحباط واليأس، والاستسلام لذلك الواقع المكتظ بالشعور بدونية الذات والاستلاب والعجز، كمسلمات يقينية لا مجال لنقضها أو تجاوزها، والقائم على ثقافة الاستهلاك المطلق في جميع المجالات.

مما لاشك فيه أن واقع المجتمع اليمني، ومثله بقية المجتمعات العربية ودول العالم الثالث النامية كان واقعاً مزرياً ومأساوياً ومحبطاً، قُتلت فيه روح الإبداع والتفكير، وكُرست دونية الذات، والانبهار بالآخر، ومحاولة تقليده ومحاكاته وتقمص أدواره ونمط حياته وتفكيره، الأمر الذي أدى إلى اغتراب الذات العربية في واقعها ومحيطها الاجتماعي، وعجزها عن اللحاق بالنموذج الغربي (السوبرمان)، وإقناعه بقبولها، وذلك بدوره أدى إلى حدوث حالة من الشيزوفيرينيا لدى الذات العربية، والرغبة في الانتقام من ذاتها ومن المجتمع العربي المتخلف.

في ظل هذا الواقع كانت الرغبة في التميز، وتحقيق وجود الذات وحضورها في مكانتها اللائقة بها في مسيرة الحياة والحضارة البشرية، مجرد حلم عزيز المنال، والتفكير فيه لا يعدو كونه ضرباً من العبث، نظراً لهزيمة الحلم العربي بصورة متكررة، وتكريس تلك الهزيمة على كافة المستويات الحياتية، كحقيقة لا يمكن إنكارها، ونظرية لا يؤدي التشكيك فيها – أو التفكير في اختبارها – إلاَّ إلى مزيد من الهزائم والفشل، وهذه الحالة هي ما سعى النظام الاستعماري الرأسمالي إلى تكريسها بمختلف الوسائل، وساعدته في ذلك الأنظمة العربية الحاكمة، وبذلك تحولت الذات العربية إلى تابع مستسلم مستلب، يعيش قطيعة مع ماضيه وواقعه، ولا يسعفه اجتراره نتاجات الآخر المعرفية والفكرية والحياتية، في اللحاق والاندماج بقطار التطور الحضاري الذي يقوده الغرب الاستعماري، ولا يشفع له تحوله إلى سوق مفتوحة للآخر، رغبته في نيل بعض المساواة الإنسانية، واهتمامات حقوق الإنسان، التي تزعم الإمبريالية الاستعمارية تبنيها والدفاع عنها، وفي ظل وضع كهذا، أصبح الحلُمُ بامتلاك مشروع صناعي وخط إنتاج وطني ضرباً من المستحيل والخيال، لكن اليمن كسر ذلك التصور، واخترق ذلك المحظور الاستعماري، رغم الضروف الاستثنائية والزمن القياسي.

إذن ما الذي حدث في اليمن؟ وكيف حقق وجوده الحضاري في
(Made in Yemen)?!

ربما كان اليمن أكثر البلدان العربية خاصة – وبلدان العالم الثالث عامة – تضرراً ومعاناةً، نظراً لما تعرض له من الاستهداف المباشر من قبل القوى الرأسمالية العالمية، التي سعت إلى فرض هيمنتها الاقتصادية، وتحويل المنطقة إلى سوق مفتوحة لها، وكان للنظام السابق ومملكة آل سعود، دور بارز في محاربة وإفشال المشاريع الصناعية الوطنية، على كافة المستويات، وصولاً إلى محاربة القطاع الزراعي والمنتجات المحلية، وفتح باب الاستيراد على مصراعيه، بهدف ضرب المنتج المحلي، وإحلال المستورد محله بتكلفة أقل.
بالإضافة إلى ذلك سعت مملكة آل سعود – على مدى عشرات السنوات – إلى إفقار وتجويع الشعب اليمني، ومحاربة مشاريعه النهضوية، وخاصة في مجالي الزراعة والصناعة، والتخلص من الرجال الشرفاء الذين يحملون أفكاراً ورؤى نهضوية، ومشاريع تنموية وطنية، جاعلة من اليمن حديقتها الخلفية، وسوقاً استهلاكية مفتوحة، وبناءً على مخرجات ذلك الاستهداف الإجرامي الممنهج، والتدخل السعودي السافر والفج، والانتهاك الصارخ لسيادة واستقلال اليمن، كانت تقديرات دول العدوان للفترة الزمنية لحسم المعركة في اليمن، حيث صرَّح ناطقهم الرسمي أن المعركة في اليمن ستستغرق أسابيع، وبعد إعلانه عن تدمير ٨٠٪من القدرة الصاروخية اليمنية، أعلن ناطق العدوان أن الحسم في اليمن سيستغرق شهرين أو ثلاثة أشهر على أكثر تقدير، وهنا تجدر الإشارة إلى أن تلك الحسابات كانت دقيقة إلى حدٍ بعيد، وفقاً لمعطيات الواقع والمنطق، خاصة إذا قرأنا دلالات وأبعاد اعتماد تحالف العدوان استراتيجية الحرب الاقتصادية (الحصار واستهداف المنشأت الحيوية)، إلى جانب استراتيجية الحرب العسكرية، وما عجز الخيار العسكري عن تحقيقه، سيحققه الاستهداف الاقتصادي، الموازي للعمل العسكري.

لكن ماحصل في اليمن من صمودٍ وتحدٍ واستبسال، فاق كل مواضعات الواقع وحسابات المنطق، فقد استطاع الشعب اليمني وقيادته الحكيمة، صناعة أسطورته الخالصة، واجتراح المعجزة الخالدة، في زمن عزت فيه المعجزات، وغابت عن سمائه الكرامة والبطولات، وأثبت اليمنيون (قيادةً وشعباً) أنهم فوق مستوى كل التحديات، وأكبر من كل المؤامرات والتحالفات وأعتى من أحدث وأفتك الأسلحة والترسانة العالمية، وأن حريته وسيادته أكبر من كل خزائن البترودولار، وكرامته أقدس المقدسات التي يضحي من أجلها دون تردد.
مَرَّ عام وجاء آخر، وتوالت الأشهر والأعوام، ومع إطلالة
العام الخامس من عمر الصمود اليماني، تحولت معادلة الحرب في اليمن على أيدي رجال الله، وتغيَّرت تبعاً لذلك مواقف وشعارات تحالف العدوان، فبينما كان يعلن في بداية العدوان عن اقتراب ساعة الحسم، وأن زمام المعركة بيده، والمسألة مسألة وقت فقط، هاهو اليوم يستغيث بدول العالم، طالباً النجدة والغوث والنجاة، من سطوة وقوة وضربات الطيران المسيّر والصواريخ البالستية يمنية الصنع، وكانت هذه هي المفاجأة التي أرعبت العالم وهزَّت أركان العدوان، وفضحت بطولاته الوهمية وعنترياته الزائفة، والمعجزة التي حققها رجال التصنيع العسكري، في القوة الصاروخية والطيران المسيّر، الذي استطاعوا – بدعم وتوجيهات القيادة الحكيمة – من تصنيع صواريخ بالستية مجنحة وطائرات مسيَّرة، طالت أهدافاً عسكرية واستراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية، وحققت ضربات موجعة وقاتلة في عمق دول العدوان، وفي الوقت الذي كان العالم فيه يتوقع – واثقاً أن يرى الشعب اليمني رافعاً راية الاستسلام والخضوع لتحالف الإجرام العالمي، أعلن الجيش اليمني عن بنك أهداف جديد، بعد كشفه – في معرض الشهيد الصماد – عن منظومة صواريخ بالستية وطائرات مسيَّرة جديدة، ذات قدرات تدميرية عالية ومديات بعيدة وإصابات بالغة الدقة، ولم تعد أي من المواقع الاستراتيجية لدول العدوان بمنأى عنها.

رغم حرب الإبادة الشاملة والمجازر الوحشية المستمرة، والحصار المطبق والحرب الاقتصادية القذرة، والتواطؤ والصمت الدولي، ورغم رهان تحالف العدوان على عامل الزمن، إلاَّ أن كل رهاناته السياسية والعسكرية والاقتصادية قد خسرت خسارة مهينة، ومُني بهزيمة نكراء ومخزية، أمام صمود واستبسال وقدرات الشعب اليمني، الذي استطاع – بمؤازرة ومساندة قيادته الحكيمة – تغيير موازين القوى، والتحول من الرد إلى الردع، ومن الردع إلى امتلاك زمام المعركة، وتحقيق قفزة هائلة في مجال التصنيع العسكري العالمي، وإنتاج الصواريخ البالستية المتطورة واختراع وتطوير أحدث منظومات الطيران المسيّر، صناعة يمنية خالصة، ليصبح اليمن – على غفلة من الأعداء – من الدول الصناعية ذات الثقل والحضور البارز على المستوى الدولي.

قد تصنع الأزمات والمواقف الصعبة، نقطة تحول كبيرة في حياة السعوب، تتجاوز من خلالها عجزها وسلبياتها، لكن ماحدث في اليمن كان معجزةً خارقة، أذهلت وأرعبت الجميع، فمن بين ذلك الحطام والموت والدمار والجوع والتوحش والتآمر العالمي، نهض المارد اليمني حاملاً (Made in Yemen)، مخترقاً ومدمراً أحدث منظومات الدفاع الجوي الأمريكية، وساحقاً فخر الصناعات العسكرية الأمريكية والأوروبية، ومسقطاً أسطورة السلاح الغربي، ليعلن هزيمة أعتى تحالف عالمي، وإفلاس خزينة البترودولار، لتسقط مع ذلك كل دعاواهم ومواقفهم التي يبررون بها عدوانهم على اليمن.

يمكن القول إن حكمة وحنكة السيد القائد (حفظه الله)، اقتضت في مواجهة هذا العدوان العالمي، اعتماد الرؤية الإنتاجية، بدلاً عن الرؤية الاستهلاكية، سواءً في المسار العسكري، أو مسار المفاوضات، التي طالما أنتجت العديد من المبادرات بهدف الوصول إلى حل سياسي شامل، وهذا منح الوفد الوطني حضوراً متجدداً وأفقاً واسعاً، أفشل مساعي دول العدوان والأمم المتحدة، الرامية إلى حصره في زاوية ضيقة لا يملك معها إلاَّ التحديد بنعم أو لا، وكذلك الحال بالنسبة للمسار العسكري، الذي انتهج الرؤية الإنتاجية والتطويرية في معادلة الرد والردع، فامتلك زمام المبادرة، ووضع تحالف العدوان وفي مقدمته السعودية والإمارات، ومن خلفهما أمريكا وإسرائيل، في موقفٍ محرج ومخزٍ جداً، جعلها تبحث عن مخرج ينقذها من ضربات الباليستي والمسيّر اليمني، ويحفظ ماء وجهها، قبل أن تتداعى أركانها، وتكون هزيمتها مدوية.
#ملتقى_الكتاب_اليمنيين 31 يوليو/تموز 2019