شيء ممّا ينتظرنا بعد السلام الاسرائيلي الاماراتي- أمير مخول

تموضع امريكي وليس انسحابا

“اتفاق ابراهام” للسلام بين الامارات العربية المتحدة واسرائيل وبقرارٍ أمريكي، أكبر من ان يجري حصره في حدث موضعي او ثنائي او ثلاثي، وإنما بداية لتطورات متدحرجة متعددة الاطراف والجغرافية، وتشمل المناطق الحيوية للنفوذ الامريكي والاسرائيلي

إنّ الاحاديث الكثيرة عن انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، هي اقرب للوهم لو قارنا ذلك مع منحى الاثر الامريكي. خاصة لو أخذنا بالحسبان القواعد العسكرية الاستراتيجية في السعودية وقطر والاساطيل الامريكية دائمة الحضور، وكون تركيا حليفا في الناتو، وحضور القوات الامريكية في العراق وسوريا وافغانستان. ناهيك عن القاعدة الأهم للنفوذ العسكري والسياسي الامريكي في المنطقة والمقصود اسرائيل.

إن قيام الرئيس الامريكي ترامب بإعلان الاتفاق المذكور واعتماده كحدث عظيم الأثر فيه مؤشرات لهذا الحضور، وما يجري فعليا على ارض المنطقة العربية.

ما يحدث هو ليس انسحابا امريكيا وانما اعادة تموضع وتعزيز نفوذ. وما كان يجري ضمانه في الماضي بواسطة التواجد العسكري المباشر بات اليوم متوفرا بأدوات أخرى ضمن سطوة الدولة العظمى. فقد نضجت الظروف امريكيا وعربيا بأن تعيد الولايات المتحدة بناء الاصطفافات  في المنطقة وفي محورها اسرائيل بوصفها الحليف الاهم والاقرب للولايات المتحدة ووكيلتها في المنطقة. كما يجري هذا المنحى بالمجاهرة في السعي لتجاوز القضية الفلسطينية والسعي لتهميشها ضمن اولويات الاطراف العربية الشريكة في هذه الاصطفافات. واعادة بلورة المنطقة على محور الصراع مع ايران لتكون اسرائيل حليفا طبيعيا للانظمة العربية التي تقبل بمعاداة ايران وشيطنتها امام شعوبها.

حسب عقيدة اسرائيل المتجذرة منذ سنوات الخمسين فإن ما يكسبها الشرعية في المنطقة هو النفوذ الامريكي من ناحية، وكذلك قوتها وسطوة الردع التي تتمتع بها والتفوق النوعي اضافة الى تماسكها الداخلي وقوتها الاقتصادية والتكنولوجية وتحولها الى دولة عظمى اقليمية قادرة على استخدام استراتيجيتين في آن اي القوة والسطوة العسكرية القريبة والبعيدة المدى، واستراتيجية القوة الناعمة المتمثل بالتكنولوجيا والاقتصاد والزراعة وغيرها.

كما أن الاتفاق المتدحرج بين اسرائيل والامارات والذي سيتبعه حسب المصادر اتفاقات مع كل من السودان والمغرب والبحرين ولاحقا مع العربية السعودية، هو أشبه بتيار هائج يسعى الى التخلص من كل المعوقات التي تعترضه.

هناك دلالة اخرى للاتفاق، وهي وضع النظام العربي المتمثل بجامعة الدول العربية امام خيارين، فإما نهايته وتفكيكه وهذه ضربة كبرى لدور مصر الاقليمي، او انصياعه للمخططات المذكورة ولما يمثله مجلس التعاون الخليجي، وبالذات الدور الاماراتي المسنود لا بقوة الامارات بل بالقوة المشتركة للولايات المتحدة واسرائيل وبالضعف العربي.

يجدر التأكيد أن “وقف مخطط الضم” فيه مصلحة اسرائيلية ومصلحة امريكية من وجهة نظر المؤسسة الامنية في البلدين، والتبجح بأنه انجاز عربي من الاتفاق اعلاه، فإنه يعزز الاحتلال ويطبّعه.

المسعى لاعادة هندسة الولاءات  الفلسطينية والسعودية

في مقابلة مع شبكة CNBC ونقلتها صحيفة تايمز اوف ازرائيل (16/8/2020) صرح جاريد كوشنير كبير مستشاري ترامب وصهره المسؤول عن الملف الاسرائيلي العربي  بحتمية السلام بين السعودية واسرائيل أسوة بالامارات، وأضاف: “تعتبر السعودية هي أيضا إيران عدوا لها وتحافظ على علاقات وثيقة مع واشنطن”.

لكن كوشنير لم يكتف بالقراءة السياسية بل انتقل الى كيفبة انجاز ذلك، وقد رأى ان العقبة امام تغيير الموقف السعودي مرتبطة بالجيل القديم أي الملك سلمان. وعمد الى تأليب الجيل الجديد والمقصود ولي العهد محمد بن سلمان، على الأخذ بزمام الأمور.

قال كوشنير: “إنهم (الجيل الشاب ومحمد بن سلمان أ.م.) ينظرون الى إسرائيل باعتبارها وادي السيليكون في الشرق الأوسط ويريدون الاتصال بها كشريك تجاري، وكشريك تكنولوجي، وكشريك أمني”، و”أن الجيل السعودي الشاب معجب بإسرائيل ويسعى لإقامة علاقات مع الدولة اليهودية”. ثم أضاف إن “الأجيال الأكبر سنا ما زالت عالقة في صراعات الماضي”، وعلى الرغم من الجهود الأخيرة التي بذلتها البلاد نحو التحديث، “لا يمكنك الالتفاف حول سفينة حربية بين عشية وضحاها”.

من الجدير هنا التوقف عند سلوك الدولة العظمى، فالولايات المتحدة لا ترهن تنفيذ سياساتها في بلد ما بالاعتماد على شخص واحد مهما كان قويا وذا أثر. بل انها تبني ومن خلال اذرعها السياسية والامنية والثقافية والاقتصادية علاقات مع مجمل الاطراف في البلد المعني. ولا تكترث لكون هذا الطرف حاكما وذاك معارضا. او لكون هذا فاسدا وذاك لا، بل تسعى الى الهيمنة على جميع الاطراف السياسية والإثنية والطائفية والدينية والجهوية، وهو ما يضمن استدامة هيمنتها ونشوء نخب موالية باستمرار. وهذا ما نشهده على سبيل المثال، لا الحصر، في السودان، اذ ايضا بعد الاطاحة بالبشير والانتفاضة الشعبية العظيمة فإن البرهان لا يخرج عن الطوق الامريكي بل يسير في ركب نفوذ هذا البلد. وحتى حين يقيل البرهان وزير الخارجية بسبب تصريحات الاخير عن الرغبة بالعلاقات مع اسرائيل فإن البرهان لم ينكر ولم ينف اقوال وزيره المقال. إن روح الشعب السوداني وإن اسقطت حكم البشير لكن البلاد مرتبطة بشكل عميق بالسياسات الدولية والاقليمية.

عمليا فإن كوشنير الضالع في اعداد وانجاز الاتفاق الاماراتي الاسرائيلي بقرار أمريكي، يواصل موقف ترامب الذي أعلنه جهارا في اول زيارة رسمية له الي السعودية، بما معناه بأنه لا يكترث لطبيعة الحكم الداخلية وتجاه الحريات بل يكترث للمصالح وللولاء لسياساته. وهذا يسري على السعودية رغم أن ولي العهد مقبول على ترامب، كما أنه عمل الى جانب الرئيس الامريكي ومستشاريه ومحمد بن زايد لابرام “اتفاق ابراهام”.

بناء عليه، وحين يكون هذا نهج الدولة العظمى المهيمنة، فلن يكون من المستبعد ان تسعى لانهاء حكم الملك سلمان في حال شكل عقبة امام مشروعها، وتنصيب ولي العهد ملكا. كما أنه لن يكون مفاجئا اذا ما سعت الولايات المتحدة الى استبدال بن سلمان بشخصية قيادية سعودية اخرى، فحين تصطدم مصالحها بأي عائق تسعى لإزالته من طريقها ولا تكترث لاية صداقات يتوهمها البعض.

إن هذه التصريحات بالمفهوم الدبلوماسي فيها لعب بالشؤون الداخلية للسعودية وفيها تأليب وتحريض وتهديد مبطن للملك ومسعى لابتزازه. ولذلك يسمح جاريد كوشنير لنفسه بالتأكيد على حتمية العلاقات السعودية الاسرائيلية.

الحالة الفلسطينية ومأزق المأزق

المأزق السياسي الفلسطيني في سياق الاتفاق المذكور، هو مأزق خطير في سياق مأزق اكبر وأعمق. اذ يشكل الاتفاق ضربة قد تكون قاية لنهج القيادة الفلسطينية التي اختزلت طريق التحرر الوطني الواسع الى مسار واحد يمثله نهج الرئيس الفلسطيني ابو مازن، ويعبرعنه بكلمة “سلمية” التي يرددها في كل محفل، والتي راهنت على طريق المفاوضات والعمل الدبلوماسي الدولي. كما ينعكس  المأزق ايضا في ان البدائل الفعلية لمحمود عباس والتي سوف يكون تمسكها بمجمل مركبات الحق الفلسطيني او الثوابت في موضع امتحان خطير من التنازلات عن جوهر الحق الفلسطيني والتعامل الايجابي مع خطة ترامب.

أن طقوس الايهام بقرب المصالحة غداة كل حدث خطير على الحق الفلسطيني، قد استنفدت ذاتها وباتت متوقعة ولا تؤتي بثمار. ولذلك من الاجدر التعامل مع الانقسام كمعطى في المدى المنظور وبناء القرار الفلسطيني على التنسيق في الخطوات دونما البناء على الاوهام.

يشكل اتفاق ابراهام والدعم الرسمي العربي الواسع الذي حظي به، بداية النهاية لمرحلة اعتبار فلسطين قضية العرب الاولى. هذا على المستوى العربي. وعلى الصعيد الثنائي، فمنذ اغلاق باب المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية هناك مساع حثيثة اسرائيلية امريكية لكبح الطموحات السيادية لدى القيادة الفلسطينية، وبعد انتقال مركز الثقل في القرار الفلسطيني من م ت ف الى السلطة الوطنية الفلسطينية وتفكيك م ت ف من مواطن قوتها، وهو مسار لا يتجزأ من مسار اتفاقيات اوسلو مع أنه بدأ قبلها، فإن المسعى الحالي هو تفريغ هذه السلطة من أية مقومات سيادية، ومن اي مشروع وطني ومن مفهوم حق تقرير المصير.  كما هناك قناعة اسرائيلية بأن نهج الرئيس الفلسطيني محمود عباس يشكل عقبة امام نهج “السلام مقابل السلام” مع البلدان العربية، وكذلك عقبة امام خطة ترامب. كما يشكل عقبة امام نخب فلسطينية معنية بادارة سدة الجكم الفلسطيني والسير في المشروع الامريكي ومساعي اعادة بناء المحاور وتثبيت دور اسرائيل الاقليمي القيادي. عمليا وإذ ادخل مسار اوسلو مشروع التحرر الفلسطيني في مأزق تاريخي، فإن المأزق الحالي هو انتهاء هذا المسار الذي لم يكن له اعتبار فعلي في العقد الاخير الا لدى القيادة الفلسطينية. ويتفاقم الوضع امام حقيقة ان النظام السياسي الفلسطيني القائم غير قادر على انتاج بدائل، خاصة وهو يكبّل ايادي الشعب الفلسطيني ويقوم بتحييد دوره. ناهيك عن كون حماهير الشعب الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية اصبحت معيشيّا اكثر تبعية لاقتصاد الاحتلال ومنظومة دولة الاحتلال.

اسرائيل معنية لو استطاعت بتولي محمد دحلان قيادة الشعب الفلسطيني خلفا للرئيس عباس. وتعمل مع القيادة المتنفذة في الامارات ومنذ العام 2016 على استبدال محمود عباس بمحمد دحلان. لكن المراهنات تتغير وتتبدل. فالولايات المتحدة والى حد ما اسرائيل لا تحصر خياراتها في مسار واحد او في شخص واحد، بل ان المشروع الامريكي يبدو اكبر من دحلان وقدراته ونفوذه الاني والممكن. ولذلك فإن الاكثار من الحديث عن دحلان قد يكون الغرض منه تغطية لتلك الأيادي التي تحيك تنصيب قيادة متنفذه تحظى بنوع من التوافق او الاجماع الفلسطيني ومن الممكن ان تكون صفقة مصالح في هذا الصدد. والمرشحون الفلسطينيون للعب هذا الدور كثر، وللأسف.

القوى السياسية الفلسطينية الرئيسية بمستوى تنظيمها وتكاملها الهش غير قادرة على احداث التغيير ووقف المد الزاحف من خلال سياساتها. كما أن التنظيمين الاكبرين فتح وحماس قد فقدا المقدرة على المناورة على المستوى الاقليمي ولم تعد لأي منهما اوراق لعب حقيقية في مواجهة النظام العربي بتشكله الراهن.

الطرف الفلسطيني الوحيد الذي يملك القوة مبدئيا هو الشعب الفلسطيني. وحتى وان لم يتحرك بعد، وهناك اجواء من فقدان الثقة بالشعب وفقدان الثقة الفلسطينية بالنفس، لكن الشعب الفلسطيني وفي شروط معينة هو الطرف الوحيد القادر على أن يعوض عن الضعف الفلسطيني القيادي المستشري والواقع العربي البائس.

هل اسرائيل معنية بالتطبيع؟

تاريخيا، فإنّ اسرائيل ليست معنية بالتطبيع مع الشعوب العربية، ولا تثق بنوايا وارادة هذه الشعوب، وهذا بحد ذاته أمر جيد ولا يتيح مجالا للاوهام العربية. وتثبت ذلك الحالتان المصرية والاردنية.

التطبيع بمفهوم حركة مناهضة التطبيع العربية منوط بمواقف وسلوك الدول العربية وليس بإسرائيل. وهو في جوهره موقف منها وليس من سياساتها، وينفي احقية الكيان الصهيوني بالوجود، وبلغ اوجه في لاءات قمة الخرطوم الشهيرة عام 1967 والقائلة لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض. بالنسبة الى اسرائيل فإن سياسة الامر الواقع تعوّضها عن التطبيع وتتجاوزه بقوتها وبنفوذها وبالسطوة الامريكي وبالمصالح التي توفرها للعديد من الانظمة العربية وبالاساس توفير مقومات حمايتها.

قد تختلف الحالة الاماراتية الى حد ما وذلك لكون ابو ظبي عاصمة اقتصادية عالمية، مما يتيح علاقات اقتصادية مدنية متشعبة واستثمارات كبيرة متبادلة لرؤوس اموال. اما امنيا فالعلاقة لا تصبو الى الندية كما الامر مع مصر والاردن، بل تبعيّة. واذا كانت الولايات المتحدة قد اعتمدت السعودية وقطر قواعد لها فإن هيمنتها سوف تتعاظم اذا ما تعاملت مع الامارات كقاعدة أمنية ثالثة حتى ولو لم تكن قاعدة عسكرية هناك. لكن اسرائيل ليست معنية بالتطبيع مع الشعب في الامارات.

حين يتجاوز رئيس الموساد يوسي كوهين كلاًّ من وزير الخارجية ووزير الامن منتدَبا من رئيس الحكومة نتنياهو لبلورة تفاصيل الاتفاق مع نظيره الاماراتي طحنون بن زايد، كما وأجرى لقاء بحضور الاخير مع نائب رئيس المجلس السيادي السوداني الجنرال محمد حمدان دقلو (العربي الجديد21/8، هارتس 22/8) فإن هذا يؤكد انه ليست الدبلوماسية “العادية” هي المحور، وإنما علاقات أمنية واستراتيجية قائمة منذ ما يقارب الثلاثة عقود يجري اخراجها الى العلن حاليا.

كما من اللافت ان ما كان يعتبر سرّ دولة في السابق بشأن علاقات اسرائيل الامنية مع هذه الدولة وتلك، اصبح نتنياهو يجاهر بهذه العلاقات واللقاءت التي يجريها، وذلك إمعانا في كسر ارادة الشعب العربي وفي لعبة الإتباع وقطع الطريق أمام اي خيار للعودة

لا يريد المشروع الصهيوني بأي شكل كان أن تدقّ هجرة العمل العربية الجماعية ابوابه، فهذه الدولة تأسست ضمن ما تأسست عليه على الدمغرافيا والتعامل مع الفلسطينيين والعرب كخطر دمغرافي. إنها تسعى لعلاقات هيمنة وتبعية قائمة على ربط مصالح اقتصادية بالتعاون معها واستثمار راس المال الاسرائيلي على اراضي الغير وجني الارباح المضاعفة منها، سواء بالتعاون التجاري ام في تزويها بالطاقة ام الايدي العاملة الرخيصة كما في شبكة المصانع الاسرائيلية الاردنية في منطقة اربد والتي تشغل عشرات الاف الايدي العاملة الاردنية الرخيصة وتعمل دون تماس مع الشعب الاردني. بل درجت على تحذير مواطنيها من التواجد في عمان والتجوال فيها وتحذرهم من التحدث بالعبرية وحتى تنبههم الى ضرورة السلوك الامني في الفنادق في حال أقاموا فيها وذلك مصاغ في ورقة تعليمات كانت توزع على معبر الشيخ حسين للمغادرين الى الاردن.

يجدر التاكيد ان مشروع “بوابة الاردن” الامريكي الاسرائيلي الاردني الحدودي يشمل اكثر من ستين مصنعا ويشغل اكثر من عشرين ألف عامل وعاملة اردنيين بأجرة زهيدة.

وهذا ما درجت على تطبيقه بعد اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر ضمن سياسة الكويز QIZ برعاية امريكية. فالراسمال الاسرائيلي معني بالاستثمار في البلدان العربية ليضاعف ارباحه، لكنه غير معني بالاحتكاك بالشعوب العربية التي يرى بها عدوا ثابتا.

تبقى المصالح الاستراتيجية العليا هي الاساس وبالذات التحالف العسكري الأمني مع الامارات، وبناء قاعدة متقدمة للمواجهة مع ايران، مما سيجعل الامارات ساحة مستهدفة اكثر بعد ان تنازلت عن سياسة حسن الجوار.

لقد باتت الانظمة المعنية بالتوافق مع اسرائيل وبناء المحاور معها، ترى بالقضية الفلسطينية وبالقيادة الفلسطينية عقبة يجدر تجاوزها، وهي معنية بقيادة بديلة، سواء من خلال امتداداتها الفلسطينية ام من قبل اطراف من بطانة الرئاسة الفلسطينية. والحديث عن قيادة فلسطينية وتحت مسمى البراغماتية تقبل بشكل او باخر بخطة ترامب ومفاهيمها.

النظام العربي وفلسطينيو ال48

لقد راهن النظام العربي في السابق على تغييرات في الحكم في اسرائيل وعلى انتصار تيار العمل التاريخي ولاحقا ما يسمى “المركز يسار” المعني بحلّ ما مع الفلسطينيين. إلا أن النهج الحالي الذي يقوده مجلس التعاون الخليجي المهيمن الى حد كبير على النظام العربي، يرى ان فرصة الحل في عصر ترامب هي مع نتنياهو ونهجه القائم على تحييد قضية فلسطين من طريق العلاقات مع العالم العربي، والتسليم لسطوة اسرائيل المتمثلة بمبدأ “السلام مقابل السلام”. وفي هذا فان التطبيع العربي الذي تحدثت عنه مبادرة السلام السعودية ثم العربية 2002 والذي كان مشروطا بمستحقات، تحصل عليه اسرائيل اليوم دونما اية شروط، وتصبح المبادرة غير ذات شأن بعد ان شرعنت التطبيع الذي ليس مشروع اسرائيل وانما الهيمنة هي مشروعها.

وللتذكير هي ذاتها القوى في النظام العربي التي كانت معنية بزيادة التصويت العربي للكنيست واستثمرت في ذلك سياسيا وماليا، وذلك لتحقيق ذات الغرض. في المقابل بدأنا نسمع مؤخرا أصواتا سياسية محلية وذات وزن باتت تجاهر حتى ولو بشكل خجول بتأكيد استعدادها للتعاطي الايجابي مع اية حكومة بما فيها مع نتنياهو. ان هذا الموقف ليس من باب لا فرق بين صهيوني وصهيوني وبين عنصري وعنصري وبين عدواني وعدواني من اليمين المستوطن او اليمين المركز، بل من منطلق البراغماتية وتغييب المشروع الوطني ومؤشرات لبداية مسعى لفك الارتباط السياسي بالقضية الفلسطينية. وهذا التحول لا بد امن أن يجد اسنادا له من دول التطبيع والمبايعة. وباعتقادي فإن هذه القوى المحلية سوف يتسع نطاقها ونفوذها في المستقبل القريب اذا بقي المنحى العربي الاقليمي على حاله، ولا مؤشرات لتغيير فيه. إن الحملة الصهيونية المنهجية وطويلة الأمد والساعية الى فك الارتباط بين الجماهير العربية في الداخل وقياداتها واعضاء الكنيست وبين القضية الفلسطينية قد تحقق بعض النجاحات والنفوذ بين ظهرانينا وهذا مؤشر خطير يهدد الدور المتعاظم لهذه الجماهير على مجمل القضية الفلسطينية ويضعف هذه الجماهير داخليا ايضا.

هناك محاججة جديرة قائمة على تبيان التمايز ما بين اتفاقيات السلام التي وقعتها مع اسرائيل مع كل من مصر والاردن في حينه، وبين اتفاق ابراهام الاماراتي الاسرائيلي. والمحاججة المحورية هي ان مصر والاردن كانتا في حالة حرب وصراع مباشر مع اسرائيل في حين ان الامارات لم تكن في حالة حرب. قد يكون هذا التمايز صحيحا تحليليا لكنه يحمل إشكاليات ومعضلة اخلاقية. بل قد يكون الادعاء المقابل أن ما قام به الرئيس المصري انور السادات في المبادرة الى اتفاقيات كامب دبفبد اصبح راس الزاوية. وهذه مسألة برأيي بحاجة الى اعادة قراءة وتقييم.

حين وقعت مصر على اتفاقيات كامب ديفيد بعد انجازها التاريخي في حرب 1973، وقد أعاد الاتفاق  لها كل سيناء المحتلة حتى المتر الاخير، الا انه جرت معارضتها وحتى مقاطعتها عربيا وفلسطينيا. وجرت تنحيتها من رئاسة الجامعة العربية ونقل مقر الجامعة الى تونس، مع العلم ان مصر هي الدولة العربية الاولى تاريخيا في مواجهة اسرائيل، وذات ملامح الدولة العظمى الاقليمية.

المشكلة الاخلاقية الاخرى في التعامل مع الامارات هي ليست في الاجتهاد لتبيان التمايز بين الانظمة المذكورة، وانما في سهولة اعتماد التمايز بين الشعوب ومواقفها. بل أن الرد الفلسطيني الشعبي السائد فيه مسحة استعلائية ونزعات عنصرية تجاه الشعوب في البلدان الخليجية لدرجة التهكم على الشكل والهندام. وهذه النزعة خطيرة، اولا لأن شعبا هو ضحية الاحتلال والواقع الاستعماري الاستيطاني والعنصري الاسرائيلي لا يقوم بتذويت ذهنية المستعمر والتفوق العنصري ويمارسها تجاه شعوب هي ذاتها ضحايا الاستعمار. ثم أن الشعب في الامارات كما في كل البلدان الخليجية وكل الوطن العربي ليس جزءا من التطبيع بل من مناهضته ويجدر ان نكسب تضامنه وتقاسمه للهم العربي وهذا يعني ان نتضامن نحن الفلسطينيين مع الشعوب العربية. ثم يجدر التفكير بعشرات الالاف من الفلسطينيين المندمجين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية البحرينية، والذين لهم مصلحة مباشرة في العلاقات بين شعبي فلسطين والامارات.

إن السعي لرسم خطوط التمايز بين الاتفاق الاماراتي الاسرائيلي وبين الاتفاقيتين المصرية والاردنية، اشكالي ومن الصعب أن يصمد في امتحان الواقع، بل ان الناس سوف تستغل اول فرصة للتواصل في مجالي السياحة والاعمال المحرومين منه منذ سبعة عقود، ليتواصلوا مع ابو ظبي. لذلك فإن القوى السياسية مطالبة اكثر بتوضيح مواقفها واقرانها بسلوكها تجاه هذه العلاقات، سواء كل على حدة ام جماعيا من خلال لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل.

لسنا أصحاب قرار في التحولات الاقليمية لكن هذا لا يعفينا من ان نكون اصحاب وصاحبات موقف، وأن يكون رهاننا على شعبنا الفلسطيني وعلى شعبنا العربي وليس على النظام العربي

المصدر، الكاتب، 3 سبتمبر 2020