دور المؤسسات الأهلية والمدنية في تعزيز المواطنة في لبنان – معن بشور

كان يوم 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1987، في نظر أهل المجتمع المدني اللبناني يوماً فاصلاً في حياة لبنان ومجتمعه المدني، فلقد تلاقى عبر “معبّر” المتحف يومذاك عشرات الآلاف من اللبنانيين القادمين من غربي العاصمة وشرقها بعد أن تمكنت الحرب ومتاريسها وقواها أن تشطر بيروت إلى شطرين.

في ذلك اليوم الذي عبّر فيه لبنانيون كثر عن رفضهم للحرب والتقسيم وعن تطلعهم إلى السلم الأهلي والوحدة الوطنية، بدأ ما يمكن  تسميته بالعد العكسي للحرب التي وان استمرت بعد ذلك ثلاث سنوات إلا أن ذلك اليوم أقنع المسؤولين العرب والدوليين بأن، مقولة “دعوا اللبنانيين يتقاتلون فهم عشاق حروب وانقسامات” ليست صحيحة حسبما قال لنا يومها الأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي لحل الأزمة اللبنانية الذي كلف بعد القمة العربية في الدار البيضاء عام 1989 بالإعداد لاتفاق الطائف الذي انعقد في خريف العام ذاته، والذي اعتبر تظاهرة المئة ألف لبناني إعلاناً صريحا عن رغبة اللبنانيين بإنهاء الحرب ورفض التقسيم..

كان ذلك اليوم الذي تسابق فيه لبنانيو “الغربية” مع لبنانيي “الشرقية”  – حسب مصطلحات ذلك الزمن – على إزالة متاريس الرمل الفاصلة، في معبر المتحف، بين أحياء المدينة الواحدة، تتويجاً لأيام عدة سبقته بدءا من مسيرة المعاقين التي انطلقت من الشمال إلى الجنوب متجاوزة كل حواجز الميليشيات على امتداد الطريق الساحلي، وصولاً إلى حملة التبرع بالدم التي نظمتها الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان في “شطري” العاصمة تحت شعار “من كل لبناني إلى كل لبناني” حيث تحول الدم من حاجز يمنع تلاقي اللبنانيين إلى جسر يوصل بينهم، ومروراً بالعديد من الأنشطة والفعاليات التي كان يقوم بها ناشطون ومناضلون ومؤسسات أهلية ومدنية في كل لبنان.

لم يكن شعورنا كمشاركين في تلك التظاهرة الوحدوية الواسعة (والتي دعا إليها الاتحاد العمالي العام وهيئات ثقافية واجتماعية وروابط مهنية وشعبية) أننا انتصرنا على الحرب ومتاريسها وقواها والمصالح الصغيرة التي نبتت على ضفافها فحسب، بل كنا نحس أن لبنان جديداً قد بدأ يخرج من بين الركام، لبناناً واحداً لا مكان للطائفية في ربوعه، ولا إمكانية للعودة إلى النظام القديم في ظله.. بل لبنان حيث الوطنية فيه تعني المواطنة، وحيث المواطنة فيه هي قاعدة الوطنية.

وانطلقت يومها على امتداد لبنان ورشة عمل وطنية كبرى، فعززت حركات وروابط وجمعيات ومنتديات ثقافية دورها في مجتمعاتها، كما تأسست هيئات وأندية في إطار الهدف نفسه “لبنان خالٍ من الحرب الأهلية وموحد بوجه التقسيم”، يتساوى فيه اللبنانيون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس أو اللون، أي لبنان المواطنة التي كان وأدها على يد العصبيات الطائفية والمذهبية أحد ابرز المداخل إلى تجدد الأزمات والحروب في لبنان….

لكن هذه الطموحات والآمال سرعان ما تبددت مع مرحلة ما بعد اتفاق الطائف الذي هلّل له غالبية اللبنانيين لأنه أخرجهم من آتون الحرب، ووضع صيغة أكثر توازناً لحكم بلادهم، وحظي برعاية عربية ودولية تحصنه بوجه أي اهتزاز، ولكن  مرحلة ما بعد الطائف لم تكن فرصة لتعزيز دور المؤسسات الأهلية والمدنية التي واجهت بكل شجاعة ووعي مرحلة الحرب ولغتها ومصالحها وقواها، وتعرّضت بسبب ذلك إلى شتى أنواع الضغوط والترهيب من قوى الأمر الواقع في كل أنحاء البلاد والتي وصلت إلى الذروة يوم التظاهرة الكبرى في محاولات لمنعها، وفي توجيه شتى أنواع الاتهامات للمبادرين في الدعوة إليها وفق قانون بات يحكم العلاقات السياسية في البلاد حتى اليوم: “كل ما لا يصدر عني مشبوه، وكل مبادرة لا تحصل على موافقتي المسبقة ينبغي محاصرتها وإفشالها”.

وقام بعد اتفاق الطائف تحالف متين بين قوى الحرب والمال أخذ على عاتقه الانقضاض على مؤسسات العمل الأهلي والمدني المستقلة إما بالتجويف أو التعطيل أو بالحصار المادي والإعلامي ناهيك عن الحصار السياسي، فجرى ما جرى للاتحاد العمالي العام، وقد لعب دور الرافعة لمجمل التحركات المناهضة للحرب والتقسيم، وتم “استقطاب” نخب سياسية وثقافية وحزبية واجتماعية كانت تشكل محركاً لتلك التحركات، وجرى تجويف هيئات ومؤسسات أهلية ومدنية عبر وسائل الترغيب (وما أسهلها مع المتعبين) والترهيب، كما جرى تطويق الشخصيات والحركات العابرة للطوائف والمذاهب أما بعزلها أو استيعابها في نوادي السلطة أو اقصاء من لم يكن ممكنا استيعابه بمنصب نيابي أو وزاري أو إداري، ودائماً باستخدام “جرافة” الاستقطاب الطائفي والمذهبي حيث لا مكان لمن يرفض الاصطفاف….

بالطبع لم يكن سهلاً  على قوى التغيير الوطنية أن تستسلم بسهولة لهذا الواقع المفروض، بل حرصت على استكمال  المسيرة عبر تعزيز ما كان قائماً من مؤسسات أهلية ومدنية، ووطنية، ووحدوية، أو إطلاق مبادرات وبرامج على هذا الطريق….

ولقد كان لنا في “دار الندوة” وعلى رأسها المفكر الكبير الراحل منح الصلح دوراً في هذه المحاولات، بدءاً من تأسيسها نفسه في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1988 كرد ثقافي ووحدوي  على واقع الحرب ومنطق التقسيم، إلى إطلاق مبادرات تصب في هذا السياق لعل أبرزها “اللقاء اللبناني الوحدوي” في أوائل عام 1993 الذي ضم شخصيات ثقافية وسياسية بارزة من كل البيئات اللبنانية على قاعدة تحالف ثقافي أساسي بين “دار الندوة” و “الحركة الثقافية في انطلياس”.

ومن المبادرات التي انطلقت من “دار الندوة” وبالتعاون مع أكثر من 30 جمعية ومؤسسة ومنتدى ومحترف ثقافي لبناني، “برنامج شباب لبنان الواحد” الذي نظم بعد الحرب مباشرة مخيمات تعارف وحوار صيفية سنوية لشباب لبناني من كل لبنان، وأطلق ندوات ومعارض وأنشطة متعددة أبرزها رحلة الاستقلال إلى قلعة راشيا كل عام في عيد الاستقلال وقد وصل عدد المشاركين في بعضها إلى أكثر من 30 ألف طالب من كل مناطق لبنان.

وحين اشتعلت ما عرفت “بحرب الإلغاء” في الشطر الشرقي من العاصمة في شتاء 1990، واضطرت عائلات عديدة للنزوح إلى الشطر الغربي ومناطق عدة في البلاد، نظمت “دار الندوة” يوماً للتبرع بالدم  من أهل “الغربية” إلى أهل “الشرقية” تأكيداً على وحدة اللبنانيين وفي عمل أعتبره كثيرون تعبيراً راقياً عن ترابط المشروع الثقافي ببعده الوطني العملي، كما عن تكامل الفكر والممارسة…

في ظل هذه المبادرات التي قمنا فيها في “دار الندوة” والمؤسسات الشقيقة التي تعاونت معها أو انطلقت منها كان “المنتدى القومي العربي” وشعاره “لبنان ضرورة عربية والعروبة ضرورة لبنانية” ودوره تسليط الأضواء على الدور الثقافي والنهضوي العربي للبنان كوطن وكرسالة، وهو دور يسهم في بلورة هوية للبنان تسهم في توحيد أبنائه وتعميق صلتهم بأبناء محيطهم الحضاري والقومي بما يساعد في تعميق وحدة لبنان وتجاوز كل الحواجز التي تعيق ترسيخ مفهوم المواطنة بين اللبنانيين.

بالتأكيد لم تكن “دار الندوة” والمؤسسات المتواصلة وحدها العاملة في هذا الاتجاه ، فقد امتلأ لبنان بالعديد من المبادرات الثقافية والاجتماعية الهادفة إلى ترسيخ وحدة الوطن وتعميق الروح الوطنية بين أبنائه، بما فيها تلك المؤسسات والهيئات التي حملت لواء العدالة الاجتماعية كهيئة التنسيق النقابية، وجماعات الحراك المدني الأخير والتي أدركت أن المواطنة والعدالة صنوان ومتلازمان، وان العدالة لا تكتفي بالجانب السياسي، على أهميته، بل بالجانب الاجتماعي أيضاً، حيث التلازم بين السياسة والعدالة الاجتماعية بات أمراً مفروغاً به، فلا مساواة في المواطنة في ظل استغلال اجتماعي، ولا مواطنة في الحقوق والواجبات إذا غابت عنها العدالة الاجتماعية بكل أبعادها.

ومثلما أدركنا في هذه المؤسسات تلازم الفكر والممارسة، والمساواة السياسية والعدالة الاجتماعية، والوطنية وبالمواطنة، أدركنا أيضاً أن للوطنية اللبنانية بعدها المقاوم في وجه كل المشاريع الطامعة في أرضنا، الساعية إلى تفتيت مجتمعاتنا، لا سيما المشروع الصهيوني الذي يرى مؤسسوه أن لبنان كصيغة للعيش بين مكونات متنوعة هو نقيض لمشروعهم، لذلك كان لهذه المؤسسات دورها في دعم المقاومة الباسلة ضد الاحتلال، ودعم المقاومة الفلسطينية بوجه الاغتصاب والتهويد  والانتهاك للمقدسات الإسلامية والمسيحية، وكانت هناك قناعة بأنه لا تكتمل وطنية اللبنانيين إلا بتحرير أرضهم والانتصار لأشقائهم العرب، كما لا مواطنة كاملة بدون وطنية تقاوم المشروع الصهيوني بكل إفرازاته ومخططاته لتمزيق المجتمعات العربية كلها.

بعد هذا المدخل التاريخي الضروري لمناقشة دور المؤسسات الأهلية والمدنية في المواطنة لا بد من الإقرار بأن هذه المؤسسات اليوم ليس بأفضل حال وأنها مهددة بوجودها، كما بمبادراتها المتعددة، ليس فقط من “دولة عميقة” يخيم عليها الفساد والمحسوبية والمحاصصة الطائفية والمذهبية، بل أيضاً من “مجتمع عميق” تحرص قواه الفاعلة على إعادة إنتاج العلاقات الراهنة والقائمة على تحالف عصبيات الطوائف والمذاهب مع قدرات الاحتكار الربوي والعقاري والهادف إلى امتصاص دماء اللبنانيين وخيراتهم ومنع أي محاولة لبناء “دولة المواطنة” الحقيقية أو لبناء المواطن المتساوي مع أخيه المواطن في دولة الحق والعدل والقانون.

إن تراجع دور المؤسسات الأهلية والمدنية انعكس حكماً على فكرة المواطنة، التي كان مأمولاً أن ترى أول تطبيقاتها في هذه المؤسسات كونها تقوم على الممارسة الديمقراطية المتجاوزة لكل تمييز بين مواطن وآخر.

ولهذا التراجع في دور المؤسسات الأهلية والمدنية، لا سيما في مجال تعزيز فكرة المواطنة في لبنان، أسبابه المتعددة التي ينبغي تحليلها ودراسة سبل معالجتها.

أول هذه الأسباب إن حلف قوى الحرب والمال الذي تحكم بمصير البلاد منذ اتفاق الطائف، وحتى اليوم، وان كان تحت عناوين ومسميات متعددة رأى في المؤسسات الأهلية والمدنية الوطنية منافساً خطراً له، مهدداً لسطوته وسلطاته، فعمد إلى استخدام ما يمتلكه من سلطة ومال ونفوذ وعصبيات إلى تجويف هذه المؤسسات وإلحاقها بسياساته أو إلى محاصرتها بكل الوسائل، أو إلى إنشاء مؤسسات بديلة على نحو يفقدها فعاليتها وتميزها.

ثاني هذه الأسباب إغراق البلاد بجمعيات وهيئات لا تضم إلا رئيسها وبعض أفراد عائلته، بما عرف “بالدكاكين” السياسية والاجتماعية والأهلية، لا نشاط لها سوى بيانات في وسائل الإعلام، ولا دور لها إلا تعطيل دور المؤسسات الفاعلة وتفتيت أي جهد جاد في خدمة المجتمع.

ثالث هذه الأسباب هو إغراق البلاد بمؤسسات أهلية طائفية أو مذهبية تكرّس التفرقة والعصبيات بدلاً من مؤسسات وطنية جامعة تكون أرضية لبيئة وطنية مشتركة هي البيئة الأمثل لفكرة المواطنة .

رابع هذه الأسباب هو الضعف الأخلاقي والثقافي الذي أصاب ويصيب العديد من الذين يفترض فيهم أن يكونوا عماد المجتمع المدني الهادف إلى تحقيق المواطنة.

لقد تراجع كثير من المثقفين والناشطين في مؤسسات العمل الأهلي والمدني، وبسبب ثنائية الترهيب والترغيب، عن مشاريعهم الأصلية، سياسية أو ثقافية أو اجتماعية إلى مشاريع ذات طابع طائفي ومذهبي، وبدلاً من أن يكونوا طلائع المواطنة في المجتمع تحولوا إلى ملاحق في المنظومة الطائفية والمذهبية.

خامس هذه الأسباب سقوط العديد من هذه المؤسسات في فخ التمويل الأجنبي غير البريء الأمر الذي وضع دورها ومهماتها خارج السياق الوطني العام وأحياناً في مواجهته، وبدا أهل هذه المؤسسات “منظرين” لهذه المواجهة تحت عناوين مختلفة.

سادس هذه الأسباب انخراط العديد من دول المنطقة  في سياسات داعمة لمؤسسات ذات طابع طائفي أو مذهبي تتقارب مع تكوينها، فكما كان الأمر في القرن التاسع عشر حيث لكل طائفة لبنانية وصي خارجي، حتى اندلعت الحروب بينها، بتنا نجد اليوم حالة مماثلة حيث لكل طائفة أو مذهب رعاة خارجيون يهتمون بدعمها وتمويلها على حساب المؤسسات الوطنية الجامعة، بما عزّز، ويعزز، من الانقسام الوطني العام بحيث بات لهذا الانقسام مؤسساته التي تتلاقى في المواسم في جو من التكاذب الفلكلوري ويكون لأكثر خطابان خطاب وطني جميل للعموم، وخطاب فئوي قبيح في داخلها.

سابع هذه الأسباب وصول الفساد إلى داخل العديد من هذه المؤسسات بحيث يتحول بعض القيمين عليها إلى أثرياء جدد يتمتعون بامتيازات واضحة، وينقضون على فكرة التطوع التي هي أصل هذه المؤسسات، كما يفقدون ثقة الناس بهم وبالتالي يفقد تأثيرهم.

ثامن هذه الأسباب هو تمركز العديد من المؤسسات الأهلية والمدنية حول أشخاص بعينهم، “أو نجوم المجتمع: يغلّبون الاعتبار الذاتي والشخصي  على الاعتبار الوطني ويمتنعون عن أي عمل مشترك مع مؤسسات متماثلة في أهدافها وتطلعاتها، فتغني كل مؤسسة على موالها بما يفقدها ثقة المجتمع والتأثير فيه.

وفي الختام، إن فكرة المواطنة كفكرة وطنية وديمقراطية في آن،  لا تقوم إلا إذا حملها مؤمنون حقيقيون فيها مارسوها بشكل صادق في مؤسساتهم وجمعياتهم الأهلية والمدنية، وهو أمر لا يتحقق إلا إذا جرى التغلب على كل الأسباب المعيقة التي تحول دون قيام مؤسسات نظيفة مستقلة وطنية جامعة لا يقوم للوطن قائمة بدونها.

كانت تجربتنا خلال الحرب في لبنان وعليه محاولة تمت محاصرتها، وجاءت تجربة الحراك الشبابي والمدني قبل أشهر لتسير في الاتجاه ذاته، لكن أيضاً حوصرت بالمتضررين من نجاحها، وببعض أخطاء انزلقت إليها.

لكن هذا لن يمنع قلة  من الحركات والمؤسسات والتحركات  الجامعة أن تواصل عملها من اجل صون فكرة المواطنة في المجتمع لكي تصان في الدولة نفسها.

10/12/2015