تحدّيات بايدن واستعادة لُحمة الداخل وثقة الخارج.. هل تنتظر أميركا “بوتينها”؟- حسين قطايا

من المرجّح أن تكون استعادة ثقة الشعب الأميركي بنظامه السياسي، أولوية الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، لكنّ استعادة ثقة الحلفاء بالشريك الأكبر والأقوى، ستضاهي في الأهمية  مجمل “الاستعدادات” المفروضة على جدول أعمال الرئيس المنتخب جو بايدن. 

تبدو الملفات كثيرة، والتوقّعات حول كيفية تعاطي إدارة بايدن معها أكبر. بعض التوقعات الأوروبية، تخلط بين السياسة والمعجزات، فهي تعتبر أنّ هزيمة ترامب الانتخابية، ستزيل معها الأزمات التي سبّبتها سياسات السنوات الأربع الماضية، وتفتح الباب أمام الدول الغربية في القيام بتكتلاتٍ جديدة، وكأن شيئاً لم يكن.

ثمة تسرّعٍ في هذا القول يلامس حدود السذاجة؛ أولاً، حين يُغضّ النظر عن عمق أزمة النظام الغربي الرأسمالي، وثانيا، عندما نغفل الانقسام الداخلي غير المسبوق الذي زعزع أسس “الحلم الأميركي”.

سدّدت سياسات ترامب الخارجية الكثير من الطّعنات لمفهوميْ الاستقرار والسلام الدوليين،  وتعمّدت تقويض اتفاقيات البيئة – والتوجّه نحو التجارة – بحجّة تعارضها مع المصالح الأميركية.

تميّزت إدارة ترامب في التاريخ الأميركي، أنها قدّمت صورة أميركا للعالم كما هي، وبلا مساحيق تجميل، وبلا شعارات “نشر الديمقراطية” الخادعة، ثم قدّم العالم لأميركا، فوصفه مساحةً قابلةً للغزو، وساحات مواجهةٍ تقضي بإخضاع كل من يرفض الطاعة. لم يخترع ترامب أزمة النظام الرأسمالي الغربي. فهي سابقةٌ لتفكيره السياسي.

دونالد ترامب هو نتيجةٌ وليس سبباً. هو نتاجٌ لفشلٍ مديدٍ طالت منظومة الاقتصاد الغربية برمتها، وفشل الأحادية “المتوحشة” بوجهيها “الجمهوري” و”الديمقراطي”، خلال تعاقبهما على الإدارة في البيت البيضاوي، حيث بدّد كلٌّ بدوره، الآمال الناشئة بعالمٍ متضامن، عشية نهاية الحرب الباردة. 

وُلدت “الترامبية” خارج الأطر السياسية التقليدية للجمهوريين والديمقراطيين، ومن خارج نخبهما رغم امتطائها الحزب الجمهوري، الأقرب إلى تطلّعاتها، في مراجعةٍ لأربعة عقودٍ من “العولمة”، لغاية تشذيب آلياتها بما يضمن استمرار قيادة واشنطن لعالمٍ صاغر، أمام توجيهات المركز. 

بمعنى آخر، لم ترفض “الترامبية” العولمة بقدر ما قصدت السيطرة عليها، واستعادتها من حضن الشراكة مع الحلفاء في الغرب من جهة، والحدّ من التأثير البالغ للصين من جهةٍ أخرى، ناهيك بالدور الروسي الصاعد، إذ ترى “الترامبية” في الوجود الروسي، أفضل الخيارات للخروج من مأزق فشل الأحادية، من خلال العودة إلى لعبة الثنائية القطبية القديمة بين واشنطن وموسكو. وقد يُتيح هذا السيناريو للإدارة الترامبية الالتفاف على التنين الصيني وتقييد حركته، لأنّ  الجمهوريين والديمقراطيين يخشونه على حدٍّ سواء، بوصفه العدو الذي لا يمكن مواجهته أو إخضاعه.

تتشابه أزمة النظام الرأسمالي الغربي اليوم، مع أزمة المنظومة الاشتراكية “السوفياتية” في ثمانينيات القرن المنصرم. إنها الأزمة التي بنى على تخومها مخائيل غورباتشوف “البريسترويكا” (إعادة البناء) وروحها “الغلاسنوست” (الشفافية).

إنّ التشابه بين حالتي باراك أوباما ومخائيل غورباتشوف، يُفضي إلى تطابقٍ أكبر بين حالتي بوريس يلتسين، ودونالد ترامب. في التّماثل الأوّل، ثمة وعودٍ كبرى غلّفت الأفكار السياسية التي تمّ طرحها، ولم يتحقق منها ما يُذكر، فإعادة البناء الغورباتشوفي لم تنجح إلاّ بهدم منظومةٍ كانت ندّاً في مواجهة الهيمنة الأميركية الغربية والأوبامية بوصفها “الانقلابي”، لأنّ وجود رئيس ليس من العرق الأبيض في سدّة الادارة، خانت أحد أهم أهدافها باستعادة “القوة الأخلاقية للامبراطورية الأميركية.

فكما غورباتشوف بنى نظريته على انتقاد سياسات أسلافه، كذلك فعل أوباما في انتقاد سلفه جورج بوش الإبن، واستغل أخطاء اندفاعاته الطائشة والتدميرية في احتلال أفغانستان والعراق خلال حملته الانتخابية، لكنّه ما لبث أن مارس ما هو أفظع من الحروب المباشرة التي قامت بها إدارة بوش، لكن بأساليب ماكرة وخبيثة، متوارياً خلف قضايا حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية. 

كان بوريس يلتسين أوّل رئيسٍ لروسيا الاتحادية. نقل البلاد من الاقتصاد الاشتراكي إلى الاقتصاد الرأسمالي، في فوضى “علنية” وشفافة، كما تفشى الفساد في كل أجهزة الدولة التي تداركت ماكينتها السوفياتية القديمة والثقيلة الانهيار وحدّت من تبعاته. لكنّ نفوذ موسكو في الساحة الدولية تراجع إلى حدوده الدُنيا، تحت إمعان حلف “الناتو” في تطويق روسيا والتسلّل إلى حدائقها الخلفية وإلى ساحات أمنها القومي، من وسط أوروبا في يوغسلافيا إلى دول أوروبا الشرقية.

يُعتبر يلتسين وترامب، نتاجاً لسياقٍ لم يصنعاه، بقدر اشتراكهما في خضّمه، “شوفينتهما البيضاء” القبيحة ارتبط ظهورها باحتدام الأزمات الكبرى، وسلوكهما المشاكس أقرب إلى سلوك فتوّات الشوارع. مع ذلك، سيبقيان علامةً فارقة في تاريخ التعصّب العنصري المؤدلج، النافي للسياسة، ولأي قيمةٍ أخلاقية جوهرية في التضامن الإنساني، الذي أظهر انتشار جائحة كورونا الحاجة إليه.

نجح يلتسين في الانتخابات الرئيسية الروسية للمرة الثانية في عام 1996، على عكس ترامب الخاسر ولو بعشرات ملايين الأصوات. لكنّ يلتسين خرج من الحياة السياسية بعد ثلاث سنوات على انتخابه، كانت كافيةً لأن تصل شعبيته خلالها إلى ما دون %3.

استقال وسلّم مقاليد الحكم إلى الرجل “الغامض” آنذاك، فلاديمير بوتين، القائد الذي لملم أوضاع روسيا الاجتماعية والاقتصادية الداخلية المنهارة، ونقلها إلى جهةٍ معاكسة بخطى ثابتة، أعادت إلى روسيا في غضون 10 سنوات ثقتها بقدراتها ومكانتها على المسرح الدولي.

إنّ المهمات الداخلية والخارجية المطروحة على إدارة جو بايدن المنتخبة، تكاد تكون مطابقةً للتحديات التي واجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى توليه منصبه الرئاسي. 

الفارق بين ظروف الرجلين، أنّ سلف بوتين غادر وبات تأثيره السياسي والشعبي صفر تقريباً، على عكس سلف بايدن. في روسيا، تعاضد المجتمع والدولة في مشروعٍ إنقاذي، جدّد الإرادة الوطنية التي سهّلت تنفيذ خطط “إعادة البناء” البوتينية هذه المرة، لا الغورباتشوفية.

يجيّش الرئيس الخاسر دونالد ترامب منتخبيه بعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات ورفضها، ويؤسس بذلك لحركته وموقعه المستقبلي، على المسرح السياسي الأميركي. 

هل نحن أمام حالةٍ ابتكارية وفريدة في التاريخ الأميركي، بقيام “رئيسٍ ظلّ” على قاعدة “حكومات الظل” المعارضة في الغرب الاوروبي؟ لا شكّ أنّ ترامب سيواجه كلّ خطوات بايدن في السياسات الداخلية والخارجية على حدٍّ سواء. وكما تباهى بايدن بدعم دول أوروبية وغيرها من الحلفاء في الانتخابات الأخيرة، كذلك ترامب لديه الكثير من الداعمين حول العالم. 

إنّ تغلغل العولمة، في عمق البنى الاقتصادية والسياسية والثقافية، يفسّر انقسام سلطات وقوى وأحزاب وغيرها في الساحات الدولية حول الحدث الأميركي. ويشير ذلك، إلى أنّ أي حدثٍ في مطلق مكانٍ في العالم، رغم محليته وخصوصيته، هو حدثٌ عالمي، في السياسة والاقتصاد والثقافة والصحة؛ وهو أهم القطاعات اليوم، السانحة لغسل العولمة المتوحشة، لحساب عولمة التضامن والاخاء.

لا يُحسد جو بايدن على موقعه، فتحدّيات الداخل تهدّد مستقبل أميركا بشكل جدي.

إنّ الانزلاق نحو العنف والمواجهات المسلّحة، لا مفرّ منها. ظهر هذا بوضوحٍ خلال الأسابيع الماضية بين الجمهور الترامبي والآخر المعارض.

فاقت الاتهامات التخوينية المتبادلة بين الطرفين، حدود الإرث التقليدي للجمهوريين والديمقراطيين. والترامبية بفرادتها ومفرداتها، فرضت الشارع الأميركي، كلاعبٍ جديدٍ في الميدان السياسي، سيتمّ استخدامه على الدوام، لكي يؤدي بنهاية المطاف إلى إحداث فجواتٍ كبيرة  في جسمي الحزبين. ويوضع كلٌّ منهما وجهاً إلى وجه أمام ارتكاباتهما في قيادة سياساتٍ عمّقت من أزمة الداخل والخارج. وأقصى ما صنعت، أنها راكمت الأزمات، وأخفت القديمة منها بإنتاج إداراتٍ جديدة، لا حلول مرجوة منها ولا مُنتظرَة.

خرج بوريس يلتسين بوضاعةٍ من الساحة السياسية. لم يحن في المدى المنظور تنحّي الترامبية عن موقعها في الملعب السياسي بعد. وإعادة إنتاج الأوباميّة مع جو بايدن لن تكون ناجحةً على الأرجح، أضف إلى أنّ العالم لا زال تحت آثار الفوضى والأضرار منذ إدارة جورج بوش الإبن، التي استكملها عهد أوباما، بفارقٍ وحيدٍ يكمن في تغليف العدوان باللّطف، بدل الشراسة “البوشية”.

نجح فلاديمير بوتين في إنقاذ روسيا، من شطحات مخائيل غورباتشوف، ومن عجز بوريس يلتسين، فهل يستطيع جو بايدن أن يكون “بوتين أميركا”؟

المصدر: الميادين نت 27/12/2020