تأبين د. حياة الحويك كامة العائلة: زينون عطية

“الرثاء مديح تأخر عن موعده حياةً كاملة” – محمود درويش

في الرابعة عشرة من عمري كتبت بأني أدركت آلهتي. هي المحبة التي تسقي حتى في سنين الجفاف، تتحدى عندما تعصف الريح، تجيب كلما استعصى الجواب، وتعطي دون حساب عندما نعتقد أن ليس من مزيد.

في الرابعة عشرة من عمرها بدأت حياة رحلتها من بيت عائلة عريقة فاض منه الخير والحق والجمال فحملتهم إلى العائلة الكبيرة. كاتبة مقال في الثانوية، حزبية متمردة في كلية الحقوق، رئيسة دائرة في وزارة الاقتصاد محتجة مستقيلة، (دينامو) في مشروع نهضة ثقافية وتنوير، منظرة مشتبكة ضد الإستلاب الفكري، ومؤرخة لذاتها التي لا تنفصل عن الجماعة روائياً وفي ما أسمته سرديات أدبية ذاتية.

لم تقبل أن تقف عند كونها مثقفة مشتبكة، علينا أن نصنع نظرياتنا ونبني عليها طريقاً، لا أن نقاوم بفكر غيرنا ونسقطه على سياقاتنا. نعم تجرأت على التنظير، واعتُمدت مرجعاً في عقر دار المركزية الأوروبية، فيما كان الكثيرون يجترون الأسماء لإثبات الثقافة.

ككل الذين لا يساومون، دفعت والدتي الثمن غالياً مراراً، أولها على يد المليشيات الطائفية في لبنان، وآخرها على يد أصدقاء لا يحتملون النقد البناء، وما بينهما أثمان كثيرة. على عكس كثيرين لم تنتفع يوماً مقابل أي موقف أو عمل عام.

حملت مشروعها إلى بلدان نسيت أحياناً أنها زارت بعضها، دون دعم فئة أو سلطة من أي شكل. كانت عابرة للفئات والأنظمة حاملة هم أمة آمنت بحقيقتها.

أينما كان منزلها وسع عائلة كبيرة، من الرفقاء الهاربين من الاغتيالات، وأصدقاء مثقفين عرباً من شرق وغرب يجمهم مشروع، حوار، أو سهرة غناء، إلى أصدقاء من الغرب، إلى طلبة درستهم أو لم تدرسهم، أحبتهم واحتضنتهم بكثير من المسؤولية والمعرفة، “هم هاجسي” قالت أمي، فنحن السابقون وهم اللاحقون.

في هذا المنزل مكتبان، أحدهما في المعيشة المتصلة بالمطبخ تكتب عليه المقال بينما تحضر الغداء، لتتناقله الصحف والمواقع الإلكترونية بحلول العشاء، وفي اليوم التالي بعد قهوة الصباح تكمل تدقيق كتاب يستحدث نظرية في الإتصال والفضاء العام ترد فيها على النظريات الغربية، أساس الهيمنة، وتؤسس فيه مشروعاً علمياً منهجياً ضد الاستلاب الفكري. إحتاجت القليل لتنجز بحجم مؤسسة، لا يسع تأبين لذكره كله.

أسألك كما سألتِ الرائع بسام هلسة: لماذا خانكِ وخانَنا هذا القلب الذي كنا نعرف ما يحمله مما لا يستطيع أي قلب أن يحمله؟

عندما طلع علينا فجر ليلة الوفاة بعد ساعات من الصمت على شرفة المنزل المكتظة بخضرة الزرع والذكريات، قلت لصديق العمر بهاء: “لقد اعتادت أمي أن تخوض الإمتحانات الصعبة، لكنها هذه المرة تضعنا أمام أصعبها! كيف لأحد غير حياة أن يملأ هذه المساحة الشاسعة؟”.

أجابني “لا خيار، لأنها آمنت بأننا سنكمل”، فتذكرت قولها “الحكاية ما تزال طويلة، وسنرحل كلنا قبل أن تنتهي، وهناك أجيال لم تولد بعد”.

عند التقاعد استشهدت أمي بعنوان لفيلم “اليوم الأول فيما تبقى” متحدثة عن مشاريع إبداعية وعلمية كثيرة مؤجلة، إستمراراً وإستئنافاً وجديداً، تمنت أن يكفيها العمر لإتستكمالها. واليوم نؤكد أن ما تبقى بعد رحيل حياة الحويك ليس كما قبله، أوله إطلاق مؤسسة حياة الحويك للدراسات الثقافية، لنكمل المشوار.

هي لكم الصديقة والكاتبة والباحثة والمفكرة تركت أنفاسها على الصفحات، والأم لأبناء لم تلدهم، أما أنا ضعيف الإيمان بشرائع الله فهي لي دين أهتدي به إلى الإنسان.

– عمّان 2 أيلول 2021