بريطانيا وحلم العودة للاستعمار من جديد- تحسين الحلبي

بعد الحرب العالمية الأولى كانت بريطانيا وفرنسا تقتسمان وحدهما تقريباً السيطرة والاحتلال في معظم منطقة الشرق الأوسط وخاصة في العالم العربي، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية رسمت قمة يالطا التي عقدتها دول ثلاث هي الاتحاد السوفييتي وبريطانيا والولايات المتحدة خريطة طريق لنظام عالمي يخلف النظام العالمي الذي سيطرت فيه بريطانيا وفرنسا لوحدهما على النظام العالمي بعد الحرب العالمية الأولى.

ومنذ مؤتمر يالطا انتقل العالم إلى حالة اتفاق ثم صراع بين القوى الثلاث العظمى الاتحاد السوفييتي وحلفائه من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما من الجهة الأخرى وسادت مرحلة الحرب الباردة عقوداً طويلة إلى أن انتهى العهد السوفييتي وأصبحت الولايات المتحدة القطب الأوحد منذ عام 1991.
ويبدو في هذه الأوقات أن اهتمام بريطانيا بمستعمراتها السابقة في العالم العربي والشرق الأوسط بدأ يزداد على حين اتجه تركيز الاهتمام الفرنسي نحو مستعمرات الاستعمار الفرنسي السابقة في أفريقيا بل اتسعت أطماع فرنسا لتشمل ليبيا أيضاً، بينما اتجهت بريطانيا إلى الخليج وشبه الجزيرة العربية وخاصة اليمن الذي يتعرض منذ عام 2015 لحرب سعودية- أميركية تستهدف إخضاعه للسياسة الخليجية والسعودية بدعم أميركي وبريطاني واضح.

فقد تبين أن وحدات عسكرية بريطانية تتمركز الآن في شرقي اليمن في منطقة المهرة الواقعة بين سلطنة عمان ومحافظة حضرموت اليمنية على الرغم من معارضة اليمنيين في المهرة لهذا الوجود الذي سيشكل عودة للهيمنة البريطانية إلى اليمن الجنوبي الذي كان قد تحرر من الاستعمار البريطاني عام 1967 بعد كفاح مسلح مرير وطويل ضد القوات البريطانية المحتلة هناك.

وكان السفير البريطاني في اليمن قد تعمد القيام بزيارة إلى مطار المهرة الذي تديره وحدات عسكرية بريطانية في كانون الأول الماضي وهو الشهر الذي انسحبت فيه القوات البريطانية من اليمن الجنوبي مهزومة، وهذا ما أعلنه أحد قادة محافظة المهرة الذي طالب بسحب هذه الوحدات العسكرية البريطانية المتحالفة مع السعودية بهدف إعادة الاستعمار البريطاني لليمن وكشفت المجلة الالكترونية البريطانية «ديكلاسيفايد» في 6 تموز الجاري أن بريطانيا أنشأت سجناً يضم 100 زنزانة تضع فيه عدداً من السجناء قرب مطار المهرة دون معرفة أي سلطات محلية أو إعلامية بما يجري فيه وأن الوحدات البريطانية التي يزعم السفير البريطاني في اليمن أن عددها لا يزيد على 30 إلى 50 ضابطاً وخبيراً تقوم بمهمة لوجستية وتدير المطار في المهرة وبتدريب المجموعات المسلحة بحجة محاربة الإرهاب ويرفض المسؤولون البريطانيون تحديد عددها الحقيقي في تلك المنطقة.

ويبدو أن تاريخ اقتسام المستعمرات بين القوى الاستعمارية التاريخية في العالم قد بدأ يأخذ مظاهر جديدة بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا هذه المرة، فمن الواضح أن ألمانيا تتطلع مع حليفها الفرنسي إلى الحصول على حصة في ليبيا إلى جانب إيطاليا التي كانت قد استعمرت ليبيا في السابق، وتتنافس كل هذه القوى الآن على الجزائر الدولة العربية المستقلة التي تحيط بها دول عربية تتمتع فيها فرنسا والولايات المتحدة بنفوذ كبير، لكن بريطانيا في واقع الأمر كانت قد تخلت للولايات المتحدة عن معظم دول شبه الجزيرة العربية وها هي تسعى للعودة إلى جزء من اليمن ولا تستطيع تقاسم دول الخليج مع الولايات المتحدة ولا أن تتقاسم مع فرنسا ليبيا بل لن يكون لها مكان في العراق الذي احتلته وصنعت ملوكه بعد الحرب العالمية الأولى ثم غزته القوات الأميركية والبريطانية معاً عام 2003 وها هي ستسحب آخر جنودها منه ومن أفغانستان مستعمرتها السابقة.

ويرى الخبراء بالسياسة البريطانية أن رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون لن يكون أمامه بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي سوى الالتصاق المتزايد بالسياسة الأميركية وخدمة النفوذ الأميركي في أوروبا أو الشرق الأوسط والحصول مقابل ذلك على حصة صغيرة من المستعمرات البريطانية السابقة، وستجد الولايات المتحدة في هذه المعادلة ادخال بريطانيا لهذه المنطقة أو تلك بدلاً من دخول فرنسا أو ألمانيا إليها بل لمنع روسيا والصين في توسيع علاقاتهما ومصالحهما مع دول كثيرة.

فبريطانيا التي كانت توظف إسرائيل في خدمة أغراضها الاستعمارية في منطقة الشرق الأوسط بدأت تتحول هي بنفسها إلى القيام بهذا الدور الوظيفي للولايات المتحدة التي تعد أكبر دولة استعمارية إمبريالية مقابل حصول بريطانيا على حصة من النفوذ ويلاحظ الجميع أن الصين وروسيا ستشكلان في هذه المعادلة القوتين الكبريين اللتين ستحدان بفضل سياستهما العسكرية والاقتصادية مع دول كثيرة من اتساع نفوذ الاستعمار القديم والجديد ومنع الولايات المتحدة من فرض نظامها الامبريالي على الدول المستقلة والمناهضة للهيمنة الاستعمارية ولذلك لن تنجح بريطانيا في تحقيق أهدافها.

المصدر: الوطن، 11/07/2021