بالتزامن مع الذكرى التاسعة للثورة في اليمن- طالب الحسني

الـ 11 من فبراير 2011 ، هذا التاريخ لا يمكن القول أن هناك إجماع وطني على ” محبته ” وبالتالي اعتباره بداية التغيير في اليمن ، حتى نكون منصفين، هناك تباين كبير في النظر إليه وإلى رمزيته ، فالبعض يرى أنه الشفرة التي ربطت اليمن بثورات الربيع العربي ، والبعض يرى أنه بداية ” النكبة ” وحتى الآن ورغم مرور تسع سنوات لا يزال هذا التباين موجود وسط خارطة سياسية وعسكرية واجتماعية مختلفة تماما .

في المقابل هناك إجماع أن هذا التاريخ 11 – 2- 2011 هو بداية الطريق لتشكيل علاقة جديدة مع السعودية، إسقاط الرئيس الأسبق على عبد الله صالح وحزبه الحاكم المؤتمر الشعبي العام كان يعني أيضا ان تخسر الرياض حليفا قويا على مدى أكثر من 30 عاما شهدت هذه العقود الثلاثة ( -1978 – 2011) الكثير من التغيرات والاهتزازات لكن السمة الغالبة أنها كانت علاقة جيدة بغض النظر عمّا إذا كانت مضرة باليمن، وهي بالطبع أضرت باليمن كثيرا ، على أن ما يحسب للسعودية وعليها أنها أيضا بنت علاقات جيدة من حزب الإصلاح ”إخوان اليمن ” طغى عليها الجانب القبلي أكثر من الجانب السياسي بسبب تأثير الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وموقعه في الحزب وعلاقاته مع السلطات السعودية التي بدأت مطلع سبعينيات القرن الماضي ، هناك رابط آخر له علاقة بالجانب الفكري وصراع السعودية مع الأحزاب اليسارية مع جهة والتيار الزيدي الذي تعرض للقمع طوال هذه العقود من جهة ثانية.

مرة أخرى نتوقف في 2011، السياسة الخارجية السعودية تقول أنه يجب أن يبقى هذا البلد تحت الوصاية، هذه الرؤية تحظى بدعم أمريكي لا محدود، دخلت الرياض بكل ثقلها للحفاظ على صالح، فيما بعد تم إنتاج المبادرة الخليجية، تقوم المبادرة على استبعاد حصول تغيير جذري، جمع الحزب الحاكم والمعارضة، الاصلاح تحديدا توزيع السلطة مناصفة، إعطاء صالح حصانة من المساءلة، منح شباب الثورة مناصب غير عادلة لاسكاتهم، إستبعاد أنصار الله الحوثيين الذين كانوا جزءا من الثورة من أي مشاركة، بل والتأسيس على إعادة توصيفهم كقوى متمردة واستخدام القوة ضدهم، وبالتالي إدخال اليمن مرة أخرى صندوق الوصاية. تلك هي أسس ومداميك المبادرة الخليجية التي جمدت الدستور عطلت الكثير من صلاحيات مجلس النواب إختارت عبد ربه منصور هادي رئيسا جديدا بانتخابات هزلية ترشح منفردا فيها، فتح حوارا ” وطنيا ” شاملا وطويلا استمر طوال 2013، كان هذا الوقت كافيا لأن تلعب السعودية خطأ استراتيجيا قاتلا جديدا تمثل في اللعب مرة اخرى بالفترة الانتقالية وتمديدها ومن ثم تحويلها لتصبح دائمة بأدوات جديدة، لقد تجاوزت السعودية ومعها الولايات المتحدة الأمريكية أساسيات في الواقع المتغير وقفزت على التالي:

-اللاعبين السياسيين الجدد والمكونات التي أصبحت جزءا من المشهد السياسي في البلاد من بينهم أنصار الله وحلفائهم والحراك الجنوبي الذي يطالب بالانفصال وشباب الثورة الرافضين للمبادرة الخليجية

– الواقع الإقليمي والدولي الذي لا يزال يشهد تحولا كبيرا ظهر فيه العنصر العسكري مثلما حصل في سوريا وليبيا

– احداث مصر2013  والثورة المضادة التي كانت السعودية والإمارات جزء منها وشريك رئيسي في التخطيط لها.

الواضح الذي كان ملموس أن الرياض كانت تبحث في اليمن عن بديل قوي وحليف جديد بدلا عن صالح وبدون تقييم اختارت عبد ربه منصور هادي كرئيس للفترة الانتقالية وأرادت تقويته بانتزاع تيار حليف له على حساب صالح وبالتالي تشظية حزب المؤتمر الشعبي العام ، استخدام هيكلة الجيش لهذا الحليف الجديد استمالة جناح من حزب الإصلاح يقوده على محسن الأحمر، تقريب فصيل من الحراك الجنوبي ليصبح حليف لهادي في المحافظات الجنوبية، تمكين سلطة هادي أدوات سياسية وعسكرية دفعه للترويج لشكل جديد للدولة اليمنية يقوم على أساس نظرية الأقاليم واليمن الإتحادي، خلف هذه التركيبة الجديدة تقف أيضا الولايات المتحدة الأمريكية والدول العشر التي كانت مشرفة على الحوار الوطني  والفترة الإنتقالية، مع عدم الالتفاف مطلقا إلى الفترة غير صالحة واستمرار الإحتجاجات التي يقودها أنصار الله.

إن تكلفة البحث السعودي عن حليف قوي بديل لصالح، وتجاوز الواقع المتغير واستخدام أدوات ضعيفة قادها إلى أن تتفاجأ بثورة جديدة يقودها أنصار الله الحوثيين ومعهم قبائل اليمن أو معظمهم أسقطت المنظومة التي تركبها السعودية وتحاول نقلها من فترة انتقالية إلى حالة دائمة  على نحو كامل في 21 سبتمبر 2014، بعد هذا التاريخ كان كل من كانت الرياض تحاول تثبيتهم في الحكم  يبحثون عن مكان آمن  في السعودية وفي الامارات وفي قطر وفي تركيا، وهي من المفارقات الكبيرة في التأريخ اليمني السياسي، لقد رفع الحوثيون شعار رفض الوصاية ونفذوه تماما.

ومرة أخرى أخطأت السعودية حين اعتقدت أن هذه الحالة الجديدة في اليمن يمكن إزالتها بحرب عسكرية واستخدام القوة وتجميع تحالف عربي واقليمي ودولي  والاستعانة بالولايات المتحدة الامريكية التي هي الأخرى ترفض ما حصل في اليمن من تغيير.

 ومن الغريب أن السعودية لم تستمر طويلا في البحث عن بدائل، التفكير في سلوك جديد يتناسب من اليمن المتغير، ذهبت فورا إلى اختيار الحرب، عنوان هذه الحرب العدوانية التي بدأتها في 26 مارس 2015 إعادة حاكم ضعيف هرب من الحرب اسمه عبد ربه منصور هادي مع كل المعطيات التي تقول أن هذا الرجل لا يمكن أن يكون حليفا قويا، ليس الأداة المناسبة، ليس لديه مكون سياسي شمالا وجنوبا، ليس لديه جيش وليس لديه ما يجعله يقف على أرض صلبة.

الآن وبعد هذه الحرب التي فشلت ونحن على أعتاب دخول العام السادس منها، تقف السعودية دون شركاء اقليميين وآخرهم الحليف الإماراتي الذي أعلن مؤخرا سحب قواته من اليمن، والاستناد على القوة العسكرية والسياسية التي كونتها الامارات في المحافظات الجنوبية اليمنية، أقصد هنا الانتقالي الجنوبي، هذا الأخير أيضا كان أقوى بكثير من الشرعية المزعومة ويناهضها ولا يبدو مستقبلا أن يكون هناك اتفاق على الرغم من المحاولات السعودية، من الملاحظ أن الرياض نفسها لا تريد أن تخسر الانتقالي أيضا لاعتبارات كثيرة واحدة منها أنها تحتاج، فجزء من حلقات العجز أن السعودية دون حليف قوي في اليمن، مستقبل السعودية هنا انتهى.

المصدر: رأي اليوم، 12 فبراير 2020