العقوبات السياسية وجدواها على لبنان- زياد حافظ

في مقاربتنا لسياسة العقوبات المتبعة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران والجمهورية العربية السورية وصلنا إلى خلاصة أن جدوى تلك السياسات محدودة. صحيح أنها مؤلمة للشعبين الإيراني والسوري ولكنّها لم تؤثّر في عزيمة الدولتين على مقاومة سياسة الهيمنة الغربية وعدم الرضوخ للإملاءات التي تريد فرضها كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. أما الوضع في لبنان فهو أكثر تعقيدا وإن كانت النتيجة في آخر المطاف ستكون مشابهة لما حصل في الجمهورية الإسلامية في إيران والجمهورية العربية السورية، أي فشل سياسة العقوبات لإقصاء حزب الله والمقاومة من السلطة ومن الدورة الاقتصادية.

التعقيد يعود إلى البنية السياسية القائمة في لبنان حيت التوازنات الدقيقة بين المكوّنات السياسية تخضع لضغوط واهتزازات قد تطيح بالتركيبة برمتها فيختفي لبنان ككيان سياسي. فالانقسامات الحادة في لبنان حول المقاومة هي البيئة الحاضنة لسياسة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة. وهذه الانقسامات لا تعني أن أكثرية اللبنانيين منقسمون حول المقاومة وحزب الله. فالانتخابات النيابية الأخيرة أفرزت مرّة أخرى أكثرية تؤيّد المقاومة وأكثرية نيابية لم تكن موجودة في السابق. لكن لبنان لا يُحكم بعقلية أكثرية وأقلّية بل بتوافق عام لا يؤدّي بالضرورة إلى أجماع بل إلى اتفاق على الحد الأدنى. كان ذلك صحيحا في السابق وهو صحيح اليوم وربما في الغد إذا ما استمرّ النظام اللبنانية على ما هو عليه.

صحيح أن العقوبات لم تطال إلاّ حزب الله والمؤسسات التابعة له وبعض الشخصيات اللبنانية المؤيّدة للمقاومة وبعض المصارف بتهم ملفّقة كما تبيّن فيما بعد ومحطّات إعلامية لكنها لم تطال الدولة وأجهزتها، حتى الآن! فالسياسة المتبعة سابقا من قبل الولايات المتحدة هي تجفيف مصادر تمويل المقاومة على حد زعمها ومعاقبة البيئة المؤيّدة لها كما تبيّن في المضايقات التي فرضت على تلك البيئة من تعقيدات في التحويلات المالية إلى الملاحقة القضائية في بعض الأحيان إلى طرد البعض من الدول التي يعملون فيها، وكل ذلك اعتقادا بأن البيئة الحاضنة للمقاومة ستنتفض عليها وهذا لم يحصل والأرجح أنه لن يحصل في المستقبل القريب أو البعيد. والولايات المتحدة ليست بحاجة إلى فرض عقوبات تشمل الجميع فهي تستهدف القوى المتحالفة مع المقاومة لتغذية الانقسامات لتفعل مفعولها. كما أن العقوبات أتت في مرحلة متأخرة لمسار الانهيار الاقتصادي الذي قاده النظام المصرفي في لبنان مدعوما من طبقة سياسية استفادت من سياسة الانهيار المبرمجة منذ 1993 لتستفيد من ضعف موضوعي انتجته الحالة الاقتصادية والمالية في المناعة والتحصين المعنوي والسياسي.

العقوبات المحدودة لم تؤد إلى تراجع ملموس في الاقتصاد اللبناني المنهار منذ قبل الشروع بالعقوبات. فالاقتصاد الوطني منهار قبل تلك العقوبات وبالتالي “القيمة المضافة” لها محدودة. لكن التهديد بالعقوبات منذ فترة منع الطبقة السياسية من اتخاذ إجراءات جذرية تصحّح المسار الاقتصادي والمالي كما أنها شكّلت حصانة لبعض النافذين في القطاع المصرفي وبين الطبقة السياسية. خطورة العقوبات لا تكمن فيما حقّقته بل في منع اتباع الطبقة السياسية نهجا مختلفا كالتوجّه إلى الشرق وتخفيف التبعية لدول الغرب سياسيا واقتصاديا وماليا علما أن هذا هو الخيار الصحيح في المرحلة الراهنة. كما أن مشاركة لبنان في إعادة بناء المنطقة وخاصة سورية خارج إطار الغطاء الأميركي ستجعل لبنان يتلقّى الغضب الأميركي والغربي.

العقوبات على بعض الشخصيات اللبنانية هدفها ردع باقي السياسيين من اتخاذ إجراءات جذرية ليست فقط على الصعيد الاقتصادي بل في الخيارات السياسية وخاصة فيما يتعلّق بالصراع مع الكيان الصهيوني. فهدف الإدارة الأميركية كان وما زال وسيستمر في حماية الكيان قبل أي اعتبار آخر. مصلحة لبنان ليست لا أولوية ولا حتى محطّة انتباه عند الأميركيين. والسياسيون اللبنانيون يعرفون ذلك ولكن رؤيتهم للأمور، وبنية عقلهم وثقافتهم، تمنعهم من تقييم التغيير في موازين القوّة الاستراتيجية التي تميل إلى مصلحة المحور المناهض التي تقوده الولايات المتحدة. وبالتالي ينصاعون للمفعول المعنوي للعقوبات التي يمكن أن تفرض عليهم وإن كانوا من خدم مصالح الولايات المتحدة طيلة حقبة الطائف.

المفارقة الأساسية بين المشهد الإيراني والسوري من جهة والمشهد اللبناني هو أن تردّي الأوضاع الاقتصادية في لبنان من صنع السياسيين اللبنانيين وليس نتيجة لحرب ما أو لعقوبات خارجية. الجمهورية الإسلامية في إيران محاصرة منذ انتصار ثورتها وسورية محاصرة وتحت العقوبات منذ 1979. رغم ذلك صمدت الدولتان. أما في لبنان، وهو المستفيد عبر التاريخ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من مأسي دول الجوار فإن الازدهار الاقتصادي الزائف زال بسبب الفساد البنيوي والمؤسسي القائم في لبنان. نتائج التهديد بالعقوبات حصلت عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها من الأوروبيين والعرب دون فرضها لإرباك الطبقة الحاكمة. وفي حالة الانهاك الاقتصادي والاجتماعي في لبنان يكون هدف التهديد بالعقوبات تقديم تنازلات للكيان فيما يتعلّق بترسيم الحدود البحرية على سبيل المثال أو التطبيع وفقا لحالة بعض الدول العربية. هذه الضغوط تحظى بموافقة بعض الأطراف اللبنانية والمرجعيات الخاصة بها التي تعتقد أن الخروج من دائرة الصراع مع الكيان هو خشبة الخلاص وذلك تحت عنوان الحياد. فهذا هو العقل الذي اعتقد أن واقع لبنان سيتحسّن إذا ما خرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان بعدما أن استفادوا من الأموال التي تدفّقت على لبنان بسبب وجودها. وهو نفس العقل الذي اعتبر الوجود السوري عائقا على لبنان بعد فرض الاستقرار بعد الحرب الأهلية. واليوم هذا العقل يعتبر أن المقاومة عبء على لبنان وإن قامت بتحرير الجنوب وردع الكيان الصهيوني. لكن لم تحصل الولايات المتحدة على ما تريده حتى الآن بسبب صمود المقاومة وصلابة رئيس الجمهورية وتياّره وحلفاء المقاومة في لبنان.

التهديد بالعقوبات على لبنان يهدف إلى منع لبنان من الخيارات التي ستؤمّن استقلاله السياسي والاقتصادي. الانكشاف البنيوي تجاه الخارج هو كعب أخيل للاقتصاد اللبناني وبالتالي أي تلاعب بسعر صرف الليرة يؤثّر بشكل مباشر ليس فقط على رفاهية اللبناني بل على بقائه كما يعتقد البعض. فثقافة الريع تفشّت على حساب الإنتاج. لبنان قبل الحرب الأهلية كان في طريقه إلى تنويع بنيته الاقتصادية عبر نمو وتنمية القطاعات الإنتاجية أي القطاع الزراعي والصناعي والسياحي. حقبة الطائف نسفت ذلك التوجه وركّزت على القطاع المالي والعقاري واستندت إلى الريع الذي وفّرته سندات الخزينة بفوائد مرتفعة ما جعلت الاستثمار في القطاعات الإنتاجية تتراجع. لسنا هنا في موضع تقييم ما حصل من سياسات عبثية أضرّت بإمكانية صمود لبنان وكرّست انكشافه ليس فقط الاقتصادي بشكل عام ولكن أيضا انكشافه الغذائي عبر استيراد المواد الغذائية من دول كان لبنان يصدّر لها منتوجاته! ما يهمّنا هو مقاربة سياسة العقوبات وتأثيرها على الخيارات التي يجب أن تتخذها الحكومة اللبنانية المرتقبة.

فمواجهة العقوبات ستكون صعبة في جو الانقسام الحاد بين القوى السياسية اللبنانية. كما أن الاعلام اللبناني التابع لأجندات أميركية وخليجية يساهم في تأجيج الانقسام وبالتالي يزيد في صعوبة تأمين جبهة داخلية متراصة في مواجهة العقوبات. والانقسام منع حتى الساعة تغيير الخيارات والسياسات المتبعة للتحوّل من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي وإلى استقلالية وسيادة في القرار. ما زالت بعض النخب السياسية لا تنظر إلى العقوبات كعدوان على لبنان يطال جميع اللبنانيين وليس فقط على فئات محدّدة والتي تعتبرها خصومها في الأساس. عدم وجود الحس الوطني لدى تلك الطبقة يسهّل قبولها بالعقوبات كأمر واقع. تساهلت النخب عندما طالت العقوبات بعض المصارف وبعض محطّات الإرسال وكأنها غير معنية. اليوم تطال العقوبات بعض رموز تلك الطبقة وليس هناك من ضمانة أن حلفاء الولايات المتحدة بمنأى عن تلك العقوبات. لم تتعظ تلك النخب أن مسايرة الولايات المتحدة هي حماية غير موجودة، بل على العكس هي استسلام للمزيد من التبعية والتنازلات والتحقير والاذلال. لم تتعظ تلك النخب بما حصل لرموز أهم منها كشاه إيران وفردينان ماركوس وأغسطو بينوشي وزين العابدين و”الكنز الاستراتيجي” حسني مبارك. فهي التي تخلّت عمّن خدمها ب “إخلاص تام” فماذا يمكن يا تُرى أن يحل بمن يطيع الإملاءات الأميركية؟

لكن هذا الواقع يحمل في طيّاته بذور فشل ذلك الرهان لعدّة أسباب. السبب الأول هو الضعف البنيوي الأميركي في تنفيذ مخطّطات لا تستطيع تحمّل نتائجها المرحلية فما بالك عن النتائج النهائية. ما نقصده هو قدرة الولايات المتحدة في الاستمرار في سياسة العقوبات القصوى محدودة لأن المعادلات الاستراتيجية في العالم قد تغيّرت وتجلّت في العزلة المتزايدة للولايات المتحدة في المحافل الدولية ما يؤثّر على فعّالية العقوبات الأحادية.

من جهة ثانية ستقود هذه العقوبات إذا ما استمرّت في لبنان في منع تشكيل وزارة وفي المزيد من الضغوط المالية على لبنان إلى انهيار ليس فقط للاقتصاد اللبناني بل أيضا للمنظومة السياسية والاقتصادية التي تتماهى مع السياسات الأميركية. فالنظام المصرفي على سبيل المثال يتماهى مع السياسات الأميركية وهناك مسؤولون في بعض المصارف كانوا يزايدون على مندوبي وزارة الخزينة الأميركية في موضوع محاصرة المقاومة في لبنان. هذه المصارف مهدّدة بسبب سوء إداراتها لمحفظاتها المالية في الحد الأدنى وفي التآمر على المودعين في الحد الأقصى. وبالتالي لا بد من إعادة هيكلة القطاع بعد الإطاحة بالمسؤولين عنه عاجلا أم آجلا. صحيح أن المسؤولين في هذه المصارف هرّبوا أموالهم إلى الخارج ولكن سيخسرون الأدوات التي من خلالها بنوا ثرواتهم والأدوات التي يمكن استخدامها لمحاصرة المقاومة. أي بمعنى آخر، فإن الخاسر الأكبر في تطبيع العقوبات قد تكون المصارف اللبنانية وبالتالي ركيزة الاقتصاد الريعي والداعمة للطبقة السياسية الخاسر الآخر وذلك منذ بداية حقبة الطائف. فهل الولايات المتحدة مستعدّة لتلك الخسارة التي لن يكون بإمكانها التعويض عنها في لبنان؟

فسلاح العقوبات سلاح ذو حدّين. من جهة يؤلم المجتمع اللبناني ويزيد من الضيق الاقتصادي والمالي وما يرافقه من تراجع في الأوضاع الاجتماعية وتزايد الفوضى والفتنة والعنف، لكن من جهة أخرى تخسر الولايات المتحدة أدواتها وبالتالي مصالحها في لبنان. وبما أن الطبيعة لا تحب الفراغ فإن قوى أخرى ستملئ الفراغ. وهذه القوى ستكون في موقع مقاومة الهيمنة الأميركية في المنطقة. فسياسة العقوبات تقدّم على طبق من ذهب وبكلفة منخفضة إمكانية احتواء لبنان من قبل قوى مناهضة للولايات المتحدة. فكلفة تحريك الاقتصاد اللبناني قد لا تتجاوز ما يوازي عشرة مليارات دولار يمكن توفيرها من جهات عدّة تستطيع تحمّل ذلك العبء مقابل المكاسب الاقتصادية والمالية وقبل كل شيء المكاسب السياسية عبر الدخول إلى لبنان وما يمثّله من الناحية الاستراتيجية.

انهيار الوضع في لبنان سياسيا واقتصاديا له تداعيات مباشرة على سورية. النظام المصرفي في لبنان مسؤول مباشر عن تدهور سعر الصرف الليرة السورية كما هو مسؤول مباشر عن تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية. والسؤال الذي يمكن طرحه هو هل يستطيع محور المقاومة وخاصة كل من المقاومة في لبنان وسورية السماح بتدهور الوضع إلى ما يمكن أن يهدّد ديمومة الكيانين؟ فماذا يمكن للمقاومة ان تفعل في مواجهة ذلك وهي المستهدفة الأولى من تلك العقوبات؟ كما أن سورية ليست بمنأى عما يحصل في لبنان والتداعيات الأمنية الممكنة لذلك الانهيار فهل ستقف مكتوفة الأيدي تجاه ذلك الأمر؟ صحيح أن العقوبات لا تمسّها بشكل مباشر ولكن تمس ببيئتها الحاضنة وبيئة القوى المتحالفة معها. فهل انهيار الدولة كمؤسسات سيؤدّي إلى اتخاذها قرارات جذرية تتجاوز الأطر الدستورية التي احترمتها حتى الآن والتي حرصت على حمايتها؟

المصدر: الكاتب، 27/12/2020