الصراعُ العربي الإسرائيلي بينَ منحدر التطبيع ومنعطف المقاومة في ضوء “اتّفاق السلام” الصهيوإماراتي – عبدالله علي صبري

بالإعلانِ الأمريكيِّ في 13 أغسطُس 2020م عنْ مَا يسمى اتّفاق السلام بين الإمارات والكيان الصهيوني، وما تلته من توقُّعات بخطواتٍ مماثلةٍ يجري الترتيبُ للإعلان عنها في دول عربية أُخرى، تكونُ المنطقةُ قد انتقلت إلى طَورٍ جديدٍ من تطبيع العلاقات مع العدوّ الوجودي للأُمَّـة، فيما يشبهُ المنحدرَ الذي لا يملكُ ما يصادِفُه سوى الهرولة والسقوط.

ورغم أن العلاقاتِ الخفيةَ والعلنيةَ بين الإماراتِ والكيانِ الصهيوني كانت تُفصِحُ في كثيرٍ من مساراتها عن التطبيع شبه الكامل بين الدولتين، إلا أن وَقْــعَ الإعلان الرسمي عن الخيانة الإمارتية للأُمَّـة وللقضية الفلسطينية كان صادماً، خَاصَّةً أن الإعلانَ قد جاء من واشنطن، وفي إطار خدمةٍ دعائيةٍ لأسوأِ رئيسٍ أمريكي تعامَلَ باستهتار كبير مع العرب ومع ثرواتهم وحقوقهم وقضاياهم، وبنوع من الوقاحة غير المسبوقة في البروتكولات السياسية والدبلوماسية.

صحيحٌ أن مصرَ والأردنَ كانتا السباقتين في الخيانة والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وفي تبادل الاعتراف والتمثيل الدبلوماسي مع تل أبيب، إلا أن عواصمَ عربيةً أُخرى انتهجت خطواتٍ شبيهةً وذلك بعيد اتّفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وكيان الاحتلال 1993م، حيث رحبت المغرب وقطر وعمان وتونس بفتح مكاتبَ تجارية لإسرائيل، بعضُها لا يزال قائماً ويمارس أدوارَ الخيانة على العَلَن.

لكن في مقابلِ السقوط الأخلاقي لغالبية الأنظمة والحكومات العربية، تَشكُّلُ ما يُعرَفُ بمحور المقاومة والممانعة من دول وحركات عربية وإسلامية، أعادَ شيئاً من التوازن في مسار الصراع العربي الإسرائيلي وحالَ دونَ تصفية القضية الفلسطينية، وتصدَّى لكل الضغوط والمحاولات الرامية إلى فصل الأُمَّــة عن القضية المركزية، وما زال هذا المحورُ يخوضُ غمارَ المواجَهةِ غيرِ المتكافئة مع عدو تدعمُه قوى الهيمنة والاستكبار بالمال والسلاح، وبالغطاءِ السياسي. 

خلفيةٌ عـن الصراع العـربي الإسرائيلي:

احتلت القضيةُ الفلسطينية الأولويةَ في أجندة عددٍ من الحكومات العربية؛ وبسبب فلسطين ولأجلها خاضت الجيوشُ العربية أكثرَ من حرب خسرتها بالتوالي في 1948و1967م، وكانت حربُ 1973م هي الاستثناء، حيث انتصر العربُ عسكريًّا لأول مرة على الجيش الإسرائيلي المدعوم غربياً، إلا أن هذا النصرَ لم يستثمر على النحو المطلوب؛ وبسبب التدخل الأمريكي جنحت مصرُ إلى مسالمة الكيان الصهيوني، ودخلت المنطقةُ تحت بنود اتّفاقية كامب ديفيد، التي أَدَّت إلى تحييدِ مصر عن الصراع العربي الإسرائيلي، في الوقت الذي أمكن للاستخبارات الأمريكية الدفعُ بالآلاف من الشباب العرب إلى حرب أفغانستان، تحت لافتة الجهاد الإسلامي، لكن بعيدًا عن المعركة الحقيقية في فلسطين.

ويشاءُ اللهُ أن يأتيَ بالبديل، فقد قامت الثورةُ الإسلاميةُ في إيران 1979م، وأعلن الإمام الخميني عن مساندته للقضية الفلسطينية، وفي الوقت الذي ارتفع فيه عَلَمُ بني صهيون على سفارة إسرائيل في القاهرة، ارتفع العَلَمُ الفلسطيني على سفارة فلسطين في طهران. وحين اجتاحت إسرائيلُ لبنانَ واحتلت بيروتَ في 1982م، لم تحَرّك الدولُ العربية ساكناً، فكان على اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم أن يقاوموا الاحتلالَ الإسرائيلي، وفي هذه الأجواء تخلَّقَ حزبُ الله كحركة إسلامية مقاومة، وبدعم إيراني وسوري أمكن لحزب الله أن يحقّق نصراً عريضاً وتاريخياً على الكيانِ الصهيوني الذي وجد نفسَه في عام 2000م مجبَراً على الانسحاب من جنوب لبنان.

في فلسطين، قامت حركة حماس وفصائلُ جهاديةٌ أُخرى، وكادت الانتفاضة تحقّقُ اختراقاً كَبيراً لصالحِ القضية الفلسطينية، لولا التدخل الأمريكي الذي ضغط على العرب باتّجاه استكمال السلام مع إسرائيل، ثم الانفراد بمنظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت على اتّفاقية أوسلو 1993م مع الكيان الصهيوني، ثم وقّعت الأردن على اتّفاق وادي عربة 1994م، وجاء الدورُ على سوريا ولبنان، وفوجئت واشنطن بصلابة الموقف السوري، الذي رفض المهادنةَ والتسليمَ رغم انهيار التوازن في المنطقة دوليًّا وإقليمياً لصالح أمريكا وإسرائيل.

راهنت سوريا على حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، وراهنت المقاومةُ على الدور السوري، وكانت الجمهوريةُ الإسلامية الإيرانية حاضرةً بدورها في دعم محور المقاومة والممانعة، بينما انكشف النظامُ العربي الرسمي الذي لم يعد يتحدثُ إلا عن “السلام” مع إسرائيل كخيار استراتيجي.

وفي مقابل حركات وتنظيمات المقاومة، اشتغلت الدعوةُ الوهَّـابية ومشايخُ الفتنة على الخطر (الرافضي) و(الفارسي)، وبدأت موجةُ العداء لإيران وللشيعة، ثم لحركات المقاومة بمختلف انتماءاتها. وفي 2006م شنت إسرائيل عدوانَها على لبنان وحزب الله، كان النظامُ العربي الرسمي منحازاً إلى العدوِّ الصهيوني، بينما تعالت أصواتٌ وهَّـابيةٌ، وهي ترفُضُ الاعترافَ بحق حزب الله في الجهاد وحق المقاومة، من منطلق الخلفية المذهبية للحزب.

غير أن الذين خذلوا حزبَ الله (الشيعي) لم ينصروا حماسَ (السُّنية) عندما شنت إسرائيلُ عدوانَها على غزةَ نهايةَ 2008م، في حين كانت إيران وسوريا وحزب الله حاضرين سياسيًّا وإعلاميًّا ولوجستيًّا إلى جانب الشعب الفلسطيني، وقضيته العادلة. وهنا بات جليًّا بأن في المنطقة مشروعَين أحدهما صهيوأمريكي يدورُ في فلك إسرائيل، والآخر مقاوِمٌ وممانعٌ يدورُ في فلك القضية الفلسطينية. وكما كان على المقاومة أن تواجهَ المشروعَ الصهيوأمريكي في شِقِّه السياسي والعسكري، كان لزاماً أن تخوضَ حرباً فكريةً مع الوهَّـابية والجماعات “الإرهابية” التي تناسلت بدعم أمريكي.

في الخضم، ظهر مصطلحُ “إسرائيل السُّنية”! في مقابل “إيران الشيعية”، وأمكن للمشروع الصهيوأمريكي التمددَ أكثرَ وأكثرَ على حساب محور المقاومة والممانعة، الذي تشكَّل من قوى وحركات إسلامية ووطنية في فلسطين ولبنان، تحظى بدعمٍ من سوريا العروبة، وإيران المقاومة.

ورغم تراجُعِ الأنظمة العربية عن دعم القضية الفلسطينية كمحورٍ للصراع الوجودي مع الكيان الغاصب، إلا أن التياراتِ الشعبيّة العربية كانت حتى وقتٍ قريب تفيضُ حماسةً ودعماً للشعب الفلسطيني، ولكل حركات المقاومة، وللموقف الإيراني المؤازر لحقوق العرب، إلا أن المشهدَ تغيّر إلى حَــدٍّ كبير بُعَيْدَ انتصار المقاومة اللبنانية في أغسطُس- تموز 2006م، فمع مباشرةِ العدوان الصهيوأمريكي على لبنان، بشّرت كونداليزا رايس أصدقاءَها في المنطقة بشرق أوسط جديد، تكون الغلَبَةُ فيه لإسرائيلَ ومن يدور في فلكها.

غير أن صمودَ الشعب اللبناني ومقاومتَه الباسلة أفشل رهاناتِ العدوان، ومنح محورَ المقاومة زخماً أكبرَ كان بالإمْكَان استثمارُهُ عربياً، لولا النغمةُ الطائفيةُ التي جرى إطلاقُها وتصويبُ سهامها نحو “حزب الله” ضمن خطة أمريكية، استهدفت محاصَرةَ محور المقاومة، وإعادةَ الفرز بين دول وشعوب المنطقة على أَسَاس “طائفي”.!

ويوماً بعدَ يوم وإثر الضَّخِّ الإعلامي المتواصِل وارتهانِ غالبيةِ الحكام العرب، تغيّرت المفاهيمُ والمصطلحاتُ، وبات أنصافُ الساسة والمثقفين يرسُمون أيديولوجيا العداءِ باتّجاه إيران، بدلاً عن إسرائيلَ التي أصبحت بمثابةِ الصديقِ المأمونِ جانبُه لدى بعض العرب. وهكذا غدا الحديثُ عن مظلوميةِ وعدالة القضية الفلسطينية، جزءاً من أحلام الماضي، وبات علينا التعاطي مع منابرَ وأبواقٍ تتلفَّعُ رداءَ الواقعية، وتحشُدُ باتّجاه الوقيعة بين حركات المقاومة وحاضنتها الشعبيّة، في تراجيديا عربية تبعثُ على المرارة والأسى، وتنذرُ بمزيدٍ من الانحدار والهرولة.

داعش وأمريكا: الرهانُ الخاسر:

حين هبَّت رياحُ الربيع العربي في المنطقة، ودخلت الكثيرُ من البلدان معمعةَ الفوضى، تبين أن الإيمانَ بالقضية الفلسطينية لم يعد بتلك الحرارة التي عرفناها في العهود السابقة. وبرغم أن الإخوانَ المسلمين طالما اتخذوا من هذه القضية مدخلاً لاكتساب المزيد من الشعبيّة في الشارع العربي، إلا أنهم وقد ظنوا أن مشروعَ دولتهم بات قاب قوسين أَو أدنى، ارتدوا على أعقابهم، وتعاملوا مع الخارجِ بنوعٍ من البرجماتية المكشوفة، التي كشفت عن أقنعتهم الحقيقية، ولم تفلح في تفادي سقوطهم المريع.

وفي ظل الاضطراب الأمني والسياسي في دول ما يُعرَفُ بالربيع العربي، تمددت التنظيماتُ “الإرهابية”، وأمكن للإدارة الأمريكية صناعةُ وحشٍ جديدٍ اتخذ مسمى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في نسخة معدلة من تنظيم القاعدة الذي صنعته أمريكا تحت راية الجهاد الإسلامي، كما أسلفنا. وبالتوازي مع الأدوار الأُخرى للإخوان المسلمين في سوريا والعراق، وبدعم من السعودية وقطر وتركيا وأمريكا، فوجئ العالَمُ في 2014م بسيطرة سريعة لداعش على أجزاءٍ كبيرةٍ من العراق وسوريا، والإعلان عن دولة الخلافة من جامع الموصل.

هنا رأت واشنطن ورئيسُها باراك أوباما، أن الفرصةَ باتت مهيأةً للخروج من الشرق الأوسط، والتفرغ للمواجهة الكبرى مع الصين والحد من صعودها العسكري والاقتصادي الكبيرين، إلا أن هذه الخطواتِ التي توجت بالاتّفاق النووي مع إيران في 2015م، حركت مخاوفَ الدول الحليفة لأمريكا، وعلى رأسها السعوديةُ وإسرائيل، لتعلنَ واشنطن عن تحالُفٍ دوليٍّ لمحاربة داعش، وبتمويل خليجي، وفي ذات الوقت منحت الإدارة الأمريكية الضوءَ الأخضرَ مع كُـلّ أنواع الدعم اللوجيستي للتحالف السعودي الذي أعلن عن “عاصفة الحزم” والحربِ العدوانية على اليمن، بزعم محاربة النفوذ الإيراني.

وهكذا دخل محورُ المقاومة في منعطف صعب مخضَّبٍ بالدماء والتضحيات، ومواجهة مختلف أنواع التحديات الاقتصادية والاجتماعية. ومع تصاعد خطاب الكراهية ضد الشيعة وإيران وسوريا وحزب الله وأنصار الله، ومع ظهور سياسة الجباية مقابلَ الحماية التي أطلق لها العنانَ القادمُ الجديدُ إلى البيت الأبيض، دونالد ترامب، أدرك اليهودُ والصهاينة أن فُرصتَهم الذهبية قد سنحت، وبات بالإمْكَان الشروعُ في مخطّط تصفية القضية الفلسطينية، التي جرى الترويج لمضامينه تحت مسمى “صفقة القرن”.

غير أن المقاومةَ في سوريا والعراق لم ترضخ لهذه التحدياتِ الكبيرة، فقد خاضت ملحمةً كبيرةً باشتراك الحشد الشعبي وحزب الله، حتى أمكن لها الانتصارُ الكبير على داعش، والقضاء على دولة “الإرهاب” والخرافة في وقت قياسي. وبالموازاة أمكن لأنصار الله والقوى الوطنية في اليمن، الصمود على نحوٍ أُسطوري في وجه العدوان والحصار، والانتقال إلى مربع الهجوم وتوازن الردع، بعد أن أمكن لصنعاءَ تطويرُ قدراتها الصاروخية، على النحو الذي أزعج إسرائيل نفسها، وفرض عليها مراجعة حساباتها من جديد.

زمنُ انكشافِ الحقائق:

سمح الانتصارُ الاستراتيجيُّ لمحور المقاومة على داعش والجماعات “الإرهابية” بالكشف عن الكثيرِ من الحقائق المستترة التي عمل الإعلامُ التضليلي على حجبها والتعتيم عليها، وصرف الأنظار عن محاولات فضحها، إلا أن الحقائقَ كشفت عن نفسها وبدون رتوش في بعض الأحيان، ومن هذه الحقائق أن غالبيةَ الأنظمة العربية قد طبَّعت علاقاتِها مع الكيان الصهيوني من تحت الطاولة، وأن علاقةَ تل أبيب ببعض العواصم العربية أقوى في واقع الحال، من علاقاتِ كثيرٍ من الدول العربية مع بعضها البعض.

ولأَنَّ السعوديةَ ونظامَها يقدمُ نفسَه على أنه حامي المقدسات الإسلامية، فقد كان الحديثُ عن تطبيعٍ خفيٍّ بين الرياض وتل أبيب محل استهجان، ولم يكن يحظى بالمصداقية والتصديق لولا أن المتغيراتِ الأخيرةَ قد دفعت بآل سعود إلى التعري أمام الملأ، وبات جليًّا أن خطواتِ التطبيع بين آل سعود والكيان الصهيوني قد قطعت أشواطاً متقدمةً، وُصُـولاً إلى الحديث عن “صفقة القرن” بترتيبٍ سعودي أمريكي على حسابِ القضية الفلسطينية. ولم تكن صورةُ الصحفي الإسرائيلي من داخل الحرم النبوي الشريف والترويجُ لها إعلامياً إلا دليلٌ دامغٌ على السقوط الأخلاقي والقيمي الذي يرافقُ سيرةَ ومسارَ الكيان السعودي.

وما دامت السعوديةُ قد سلكت دربَ التطبيع في الخفاء، فما الذي يمنعُ دويلةً اصطناعيةً كالإمارات أن تفعلَ الشيءَ نفسَه، وعلى مرأى ومسمع من الجميع. ولم يأتِ الإعلانُ الرسميُّ لهذه العلاقة إلا تتويجاً لخطوات سابقة، دَلَّت على أن إرادَةَ التطبيع مع العدوّ وخيانة القضية الفلسطينية، لا علاقة لها بالمستجدات الإقليمية، التي يتذرَّعُ بها بعضُ المحللين، وهم يفسرون الخطوةَ الإماراتية الأخيرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكنُ القولُ إن التقارُبَ الإماراتي مع إسرائيل، قد تجلى في عدة محطات:

–        عقد اتّفاق تجاري في 2004م بين شركة موانئ دبي وشركة زيم الإسرائيلية للشحن.

–        زيارة وزيرة الرياضة الإسرائيلية لأبوظبي في 2018م.

–        المشاركة في مؤتمر وارسو للسلام والأمن في الشرق الأوسط، يناير2019م، بحضور ستين دولةً، منها إسرائيل.

–        زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي لأبوظبي في 2019م.

–        المشاركة في ورشة المنامة الاقتصادية 2019م، التي كانت بمثابة الترويج لصفقة القرن.

وخلال العشرية الأخيرة، داعبت أحلامُ اليقظة حكامَ الإمارات، فصورت لهم أن المالَ وحدَه يصنعُ الدولَ ويحمي العروشَ، فإذا أضيف له الحمايةَ الأمريكية، والرضا الإسرائيلي، فهذا يعني أن الأحلامَ الوردية قريبةُ المنال، وأن الدورَ الوظيفيَّ للحاكم “الكومبارس” يمكنه أن يترقى فيصبح بطلاً في فيلم “أكشن”، رديءِ السيناريو والإخراج. وهكذا رأينا هذه الأُسرةَ الحاكمةَ وكأنَّها تقودُ دولةً عظمى، فهي متواجِدةٌ بتدخُّلِها وعدوانِها العسكري في اليمن وليبيا، وبذراعها المالي والإعلامي في مصرَ والسودان، وهي مشتبكةٌ في حربٍ تجاريةٍ مع الصين وتركيا وقطر على عددٍ من الموانئ والمواقع الاستراتيجية في البحرين الأحمر والمتوسط والقرن الأفريقي.

وبهذا يصبحُ “إعلانُ السلام” بين إسرائيل والإمارات ذا وَقْعٍ كبيرٍ وتاريخيٍّ، كما يزعم ترامب. والأسوأُ أن خطوةَ التطبيع هذه تُمَهِّدُ الطريقَ أمام خطواتٍ أكبرَ، على طريقة “الدومينو” حين تتساقَطُ أحجارُها واحدةً تلو الأُخرى. وقد أعلن وزيرُ الخارجية الأمريكي بنفسه، أن جولتَه الأخيرةَ للمنطقة التي شملت إسرائيلَ وعدةَ دول عربية، تأتي في إطار بحث مسارات التطبيع مع الكيان الصهيوني. وقد رجح مراقبون أن عدة دول عربية -مثل السودان والبحرين- تتهيَّأُ بالفعل للإعلان الرسمي عن السلام مع إسرائيل على الطريقة الإماراتية.

في الإطار ذاته، كشفت وسائلُ إعلامية، أنَّ الطائرةَ الإسرائيليةَ التي ستقِــلُّ مساعدي نتنياهو وترامب إلى الإمارات –مطلعَ سبتمبر الجاري- ستعبُرُ المجالَ الجويَّ السعودي!، الأمرُ الذي يحفِّزُ الخارجيةَ الأمريكية للحديث عن “الخليج الكبير”، الذي تجري هندستُه ليكونَ في واجهة الحرب مع إيران ومحور المقاومة العربي والإسلامي، وأرضية لاستئناف الحلم الصهيوني في “إسرائيل الكبرى” التي لا سقفَ لحدودها الجغرافية والجيوسياسية.

قمرُ المقاومة وهلالُ الخيانة:

بالأمس القريب، جرى اصطناعُ مصطلحِ “الهلال الشيعي” وتسويقُه كفزَّاعةٍ طائفيةٍ في وجهِ محورِ المقاومة بشكل عام، وبما يخدُمُ الأجندةَ الإسرائيليةَ. وقد حاول الزعيمُ اللبناني، نبيه برى، المعروفُ بمدى حنكته السياسية والدبلوماسية، التخفيفَ من وَقْعِ المصطلح، حين أشار إلى القمر السُّني، الذي يتواجد فيه الهلالُ الشيعي، إلا أن التداعياتِ كانت أكبرَ من محاولة الاحتواء هذه.

اليومَ يظهرُ مصطلحُ الهلال الخليجي، ويُقصَدُ به الدولُ العربية التي تُطَبِّعُ أَو تعتزمُ التطبيعَ مع إسرائيل، في خيانة فَجَّةٍ للأُمَّـة وللقضية الفلسطينية، أما المقاومة فقد أصبحت قمراً مكتملاً. ورغم كُـلّ ما حدث ويحدث، فثمة مؤشراتٌ إيجابية تبشر بانفراجة كبيرة، تفتح باب الأمل مجدّدًا أمام استعادة الأراضي العربية المحتلّة، وتحرير المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، شرط أن يستثمرَ محورُ المقاومة -دولاً وحركاتٍ- الفرصَ المتاحة، ويعملون مع بقية القوى الدولية على إنجاز نظام دولي متعدد الأقطاب.

فالإنهاكُ الأمريكي لم تعد تخطِئُه العيون، والخساراتُ السياسية والدبلوماسية للبيت الأبيض في مجلس الأمن بخصوصِ العقوبات الأممية على إيران، ليست إلا رأس الجليد، الذي يتوقع أن يذوبَ شيئاً فشيئاً، مع استمرار التقارب الروسي- الصيني، ومقاومة الاتّحاد الأُورُوبي للسياسات الأمريكية التي لا تعترفُ إلا بمصالح واشنطن فقط.

وبإلقاء نظرة فاحصةٍ على واقع محور المقاومة، وباستخدام مفهوم “الكأس الملآن”، سنرى أن:

– سوريا قد قطعت شوطاً كَبيراً في القضاء على الجماعات “الإرهابية”، واستعادة استقرار الدولة، والتهيئة لمرحلة إعادة البناء والإعمار، دون أن تقدمَ أيةَ تنازلاتٍ للكيان الصهيوني..

– حزب الله هو الآخرُ يزدادُ قوةً رغم كُـلّ التحديات التي تمر بها لبنان، وما ارتباكُ الجيش الإسرائيلي على الحدود مع لبنان، وحالةُ الهلع الكبير التي يعيشها هذا الكيان، إلا دليلٌ على مدى قوة المقاومة اللبنانية..

– حركات المقاومة في فلسطين هي الأُخرى تشهدُ تماسكاً كَبيراً فيما بينها، وقد تنامت قوةُ الردع لدى بعض فصائلها، إلى درجة تهديدِ “تل أبيب” نفسِها، كما أن مشروعَ صفقة القرن، واعترافَ أمريكا بالقدس كعاصمة لإسرائيل، قد رفعت من وتيرة التحدي لدى الفلسطينيين في الداخل والخارج، كما دفعت على نحوٍ كبيرٍ بجهود المصالحة بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية..

– العراق هو الآخر يتحضَّرُ لمرحلةٍ ينتهي فيها التواجُدُ العسكري الأمريكي، مع إعلان البدء في انسحاب القوات الأجنبية على وقع العمليات العسكرية لقوات الحشد الشعبي..

– وفي إيران تتصاعد قوةُ الدفاع الصاروخية للجمهورية الإسلامية، وتتنامى العلاقاتُ السياسيةُ مع الدول الكبرى مثل روسيا والصين، بل إنها بصددِ توقيعِ اتّفاقية اقتصادية تاريخية مع بكين، من شأنِها وضعُ حَــدٍّ نهائي للعقوبات الاقتصادية الأمريكية، ودون تراجع عن الاتّفاق النووي، الذي يبدو أن أمريكا ستضطرُّ عاجلاً أَم آجلاً إلى العودة إليه..

– اليمنُ أَيْـضاً وبعد سِتِّ سنوات من الصمود الأُسطوري في مواجهة الحرب العدوانية، لن تكونَ بمنأىً عن الاستفادة من تعافي محورِ المقاومة، بل والإسهام على نحوٍ فاعلٍ في توجُّـهات اللاعبين الدوليين والإقليميين بشأن اليمن والصراع على موانئه وموقعِه الاستراتيجي، وبما يؤدي في الأخير إلى تعزيز وَحدةِ واستقرارِ اليمن، وانتزاعِ قرارِها السيادي بعد أن هيمنت عليه مملكةُ قرن الشيطان عقوداً طويلةً.

المصدر: المسيرة نيوز 5/09/2020