الجهاديّة الوطنيّة في الإسلام السياسيّ الفلسطينيّ – خالد عايد

تطفو على السطح الإعلاميّ، من حينٍ إلى آخر، أنباءٌ وكتاباتٌ عن “سلفيّة جهاديّة” فلسطينيّة، بما يوحي أنّها تأتي في إطار الموجة “السلفيّة الجهاديّة” العامّة التي تجتاح المنطقةَ منذ عقود، وبلغتْ ذروتَها في تنظيمَي القاعدة وداعش التكفيرييْن الإرهابييْن. وفي ما يلي عيّنة من مثل هذه الأنباء:
– 1994: محكمة أمن الدولة الأردنيّة تحكم بالسجن 15 عامًا على أردنيّ من أصل فلسطينيّ، “منظِّر السلفيّة الجهاديّة،” أبو محمد المقدسي، وأبو مصعب الزرقاوي، في قضيّة “بيعة الإمام.”
– 2006: ظهور مجموعة “فتح الإسلام” في مخيم نهر البارد بقيادة الفلسطينيّ المدعوّ شاكر العبسي.
– 23/8/2007: شبّ حريق في مبنًى في شارع المكحول – الحمرا (بيروت)، وسُمع دويّ انفجارات داخل الشقّة تبيّن أنه ناجم عن ذخائر حربية. كما تبيّن أنّ الشقّة تعود إلى الأردنيّ الفلسطينيّ خ. ع.، ويُعتقد أنّها كانت تُستعمَل مخزنًا لتنظيم “فتح الإسلام” الإرهابيّ.
– في14/8/2009، أعلن الشيخ عبد اللطيف موسى، زعيمُ “جند أنصار الله” في قطاع غزّة، قيامَ “إمارة رفح الإسلاميّة.”
– في 12/11/2015، هزّ تفجيران انتحاريّان إرهابيّان محلّة برج البراجنة في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وأوقعا 43 شهيدًا وأكثر من 200 جريح. وسرعان ما أعلن داعش مسؤوليّتَه، كاشفًا أنّ فلسطينيّيْن نفّذاهما.
ويمكن اعتبارُ كتاب حازم الأمين، السلفيّ اليتيم،[1]نموذجًا عن الكتابات في هذا المجال، بسبب الآراء التي تضمّنها من جهة، والترويج الإضافيّ لها عبر مقالاتٍ نُشرتْ في صحف عربيّة تحت عناوينَ موحية.[2] يقول الأمين بشأن فكرة كتابه: “الكتاب يدّعي، للوهلة الأولى، أنّ للقاعدة أصلًا فلسطينيًّا، وهذا الأصل – وإنْ لم يكن وحيدًا – هو ما يفسّر ’الخروج‘ الفلسطينيّ المبكّر إلى ساحات الجهاد العالمي.”[3] وعن هذا الدور “الفلسطينيّ،” يقول: “راوحتْ مساهمةُ الشتات الفلسطينيّ في ظاهرة ’السلفيّة الجهاديّة‘ بين عوامل ومراحل كثيرة، وهي كانت السبّاقةَ إليه.” ويضيف: “وإذا كان الداعية الإخوانيّ المصريّ سيّد قُطب أوّل مَن تحدّث… عن كفر الأنظمة وأولويّةِ جهادها في ستينيّات القرن الفائت، فإنّ أوّل مَن نقل هذه الدعوة إلى مستواها العمليّ سنة 1973 كان الفلسطينيّ صالح سَرِيّة…”[4]واللافت هو محاولة الكاتب “تأصيلَ” هذه المساهمة على نحوٍ يجعلها ظاهرةً ثابتةً بثبات حال الشتات الفلسطينيّ، لا مجرّدَ طفحٍ على جسد هذه الوطنيّة في حقبة تأزّمها. فهو يقول: “وصحّ القولُ بالأصل الفلسطينيّ لذلك التنظيم الدوليّ [القاعدة] في سياق نفي ذلك عن الهويّة الفلسطينيّة، إذ إنّ نزع هذه الهويّة عن مجتمعات الشتات في سياق الاقتلاع…، ولاحقًا في سياق احتكاك الشتات بخبراتٍ اجتماعيّةٍ ودينيّة أخرى،… سهّل مهمّةَ السبق الفلسطينيّ إلى ’الجهاد العالميّ‘.”[5]
***
في ضوء ما ذكرناه، تبرز أسئلة كثيرة بشأن “السلفيّة الجهاديّة” الفلسطينيّة: ما هي حقيقتها كما تطوّرتْ منذ نحو قرن؟ ما هو الدور الفعليّ للمجموعات الفلسطينيّة والأفراد الفلسطينيّين في إطار “السلفيّة الجهاديّة” في الوطن العربيّ وخارجه؟ هل يستقيم الحديث عن رياديّة فلسطينيّة في “الجهاد العالميّ” بناءً على الدور الذي قامت به حفنةٌ من الفلسطينيّين في بعض المنظّمات التكفيريّة الإرهابيّة؟ وبأيّ حقّ يمكن اعتبارُ هؤلاء الأفراد يمثّلون “الوجهَ الفلسطينيّ،” لاسيّما أنّ الجهاد السلفيّ لم يضع عدوَّ الشعب الفلسطينيّ المباشر والرئيس (إسرائيل) على جدول أعماله؟ وهل كان الفلسطينيّون بالفعل جزءًا من ظاهرة السلفيّة الجهاديّة، أم أنّهم شقّوا مسارًا خاصًّا؟ وأيّ مستقبل لهذه الظاهرة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، سنتتبّع مسارَ العلاقة بين “الدينيّ” و”الوطنيّ” في إطار الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة منذ بداية الانتداب البريطانيّ. وسنزور أبرزَ الحركات والشخصيّات الدينيّة. كما سنعرض “القعود عن الجهاد” عند السلفيّين الفلسطينيّين في فترة صعود الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، و”الشبهات” التي أُثيرت حول الجهاديّة الفلسطينيّة.
أوّلًا : الوطنيّ والدينيّ في ظلّ الانتداب البريطانيّ
شهدت المنطقة العربيّة في عشرينيّات القرن الماضي بدايةَ موجةٍ جديدة من السلفيّة الدينيّة، انطلقتْ من مصر مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على قاعدة “إعادة دولة الخلافة” بزعم أنّ هذه الخلافة سقطتْ بسقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة. لكنّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة كانت تتأسّس في تلك الفترة على قاعدةٍ مغايرة، هي مقاومة المشروع الاستيطانيّ الصهيونيّ المدعوم من الاستعمار البريطانيّ، وإقامة الدولة العربيّة المستقلّة في “سورية الجنوبيّة” (فلسطين). وتجسّد ذلك الهدف في مجمل التعبيرات التنظيميّة، والفكريّة، والمسلّحة، مرورًا بحركة عزّ الدين القسّام، وصولًا إلى الثورة الكبرى (1936 – 1939).

أ – الأطر التنظيميّة. كانت الجمعيّات الإسلاميّة – المسيحيّة أهمّ الأطر التنظيميّة التي اتخذتْها النخبُ الفلسطينيّة في المدن، منذ سنة 1918، للتعبير عن رفضها إقامةَ “وطن قوميّ لليهود في فلسطين،” وللتأكيد على أنّ “فلسطين عربيّة” وأنّها “سورية الجنوبيّة العربيّة.”[6] وكذلك كان حال المؤتمرات الوطنيّة الفلسطينيّة السبعة التي عُقدتْ بين سنتيْ 1919 و1928.[7]
أمّا الأحزاب السياسيّة، فقد كانت جميعها أحزابًا وطنيّة، لادينيّة، تضمّ قياداتُها ممثّلين عن النخب من مسلمين ومسيحيين، وتنطلق من عروبة فلسطين ورفض المشروع الصهيونيّ والمطالبة بالاستقلال الوطنيّ. ولم يتشكّل، طوال فترة الانتداب، حزبٌ فلسطينيّ واحد على أساس دينيّ، وإنْ كان المكوِّن الإيديولوجيّ الدينيّ حاضرًا في خطابات أحزاب تلك الفترة وبرامجها. فأوّل حزب تأسّس سنة 1923، وهو الحزب الوطنيّ العربيّ الفلسطينيّ، وَضع على رأس غاياته “بقاءَ فلسطين عربيّةً لأهلها، خالصةً من كلّ حقّ ونفوذ أجنبيّ أو صهيونيّ، وهي جزء من البلاد العربيّة.”[8] وكذلك كان شأن الأحزاب السياسيّة الفلسطينيّة التي تألّفتْ في النصف الأوّل من ثلاثينيّات القرن الماضي؛ فقد كانت غاياتُها على النحو التالي:
– حزب الاستقلال العربيّ (1932): “استقلال البلاد العربيّة استقلالًا تامًّا،” و”فلسطين بلاد عربيّة، وهي جزء من سورية.”[9]
– حزب الدفاع الوطنيّ (1934): “السعي لاستقلال فلسطين استقلالًا يكفل لها السيادةَ العربيّة…”[10]
– الحزب العربيّ الفلسطينيّ (1935): “استقلال فلسطين ورفع الانتداب؛ المحافظة على عروبة فلسطين ومقاومة تأسيس وطن قوميّ لليهود؛ ارتباط فلسطين بالأقطار العربيّة في وحدة قوميّة سياسيّة مستقلّة استقلالًا تامًّا…”[11]
ومثلَ هذه الأحزاب، كان حزبُ الإصلاح العربيّ الفلسطينيّ (1935)، وحزبُ الكتلة الوطنيّة (1935).[12] بل إنّ جماعة الإخوان المسلمين نفسها (1947) اندرجتْ في إطار الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وغرفتْ مفرداتِها من خطاب هذه الحركة. فقد تصدّر مقرّراتِ الجماعة في اجتماعها الذي عُقد في حيفا في أواخر تلك السنة ما يلي: “يعلن الإخوان المسلمون تصميمَهم على الدفاع عن بلادهم بجميع الوسائل، واستعدادَهم للتعاون مع جميع الهيئات الوطنيّة في هذا السبيل.”[13]
ب – الفتاوى الدينيّة. كانت الفتاوى الدينيّة خلال فترة الاستعمار البريطانيّ لفلسطين تنصبّ على التصدّي للمشروع الصهيونيّ الاستيطانيّ. وقد صدر في هذا السياق عدد من الفتاوى “تحرِّم” بيوعَ الأراضي والسمسرة، و”تكفّر” البائعين والسماسرة.
ومن أبرز هذه الفتاوى:
– الفتوى بشأن بيوع الأراضي والسمسرة الصادرة عن المؤتمر الأول لعلماء الدين في فلسطين، وجاء في مقدّمها: “كلُّ سمسار كافرٌ ومرتدٌّ عن دين الإسلام”.[14]
– الفتوى الصادرة عن الاجتماع الدينيّ في القدس في 26/1/1935، وقد نصّت على “أنّ بائعَ الأرض لليهود في فلسطين…، والسمسارَ والمتوسّطَ في هذا البيع، والمسهِّلَ له والمساعدَ عليه…؛ كلّ أولئك ينبغي أن لا يُصلّى عليهم ولا يدفَنون في مقابر المسلمين، ويجب نبذُهم ومقاطعتُهم واحتقارُ شأنهم وعدمُ التودّد إليهم والتقرّبِ منهم!”[15]
– فتوى رئيس مؤتمر الكهنة الأرثوذكسيّ العرب، الخوري إلياس القنواتي، سنة 1935: “… إنّ مَن يبيع أرضَه أو يسهّل بيعَ الأرض لليهود إنّما يقامر بدينه وشرفه ووطنه مستدرجًا نفسَه وذراريه إلى درك الهلاك والعبوديّة والفناء…”[16]
– فتوى العلامّة المجتهد الكبير محمد الحسين آل كاشف الغطاء بشأن بائعي/ سماسرة الأرض: “… فلا أقلّ من المقاطعة البليغة وإخراجهم من حظيرة الإسلام وحوزة المسلمين وعدّهم في عداد المرتدّين ومنابذتهم في كلّ شيء فلا مناكحة ولا مصاهرة ولا معاشرة…. مع تشهيرهم في النوادي والمحافل والصحف والمجلّات باسم ’الخوارج عن الدين‘…”[17]
– فتوى العلّامة محمد رشيد رضا سنة 1935 وفيها: “إنّ مَن يبيع شيئًا من أرض فلسطين وما حولها لليهود أو للإنكليز فهو كمن يبيعهم المسجدَ الأقصى وكمن يبيع الوطنَ كلّه… وتمليكُ الحربيّ لدار الإسلام باطل وخيانةٌ لله ولرسوله ولأمانة الإسلام… مع الدعوة إلى مقاطعة هؤلاء الخونة الذين يصرّون على خيانتهم في كلّ شيء: المعاشرة، والمعاملة، والزواج، والكلام، حتّى ردّ السلام.”[18]

ج ـ حركة الشيخ عزّ الدين القسام. تكشف المرويّات[19] عن سيرة القسّام صورةَ رجل يضع الجهادَ في سبيل الوطن على رأس جدول أعمال مقاومة الاستعمار البريطانيّ والمشروع الاستيطانيّ الصهيونيّ. ومن ثمّ نراه يتّسم بعقل مستنير منفتح، يرفض التزمّت والتلهّي بالشكليّات. فهو مثلًا يردّ على فتوى الشيخ صالح العشماوي بتحريم التدخين والأعراس بحجّة أن الطبل يجمع الشياطين، قائلًا: “اعملوا عرسًا واعزموني، فحتّى الفرح يريدون إغلاقَه؟ إذا لم يتنّفس الشبابُ، فكيف سيتحمّلون المسؤوليّات الجادّة؟” وكان القسّام نفسه يدخّن. بل إنه أفتى مرّةً بتأجيل الحجّ، وتحويل نفقاته إلى شراء الأسلحة للثوّار، على أساس أنّ “الجهاد أوْلى من أداء فريضة الحجّ.”
وفي أوائل الثلاثينيّات، ظهرتْ في فلسطين – خصوصًا في جبل نابلس – عصاباتٌ “خارجةٌ على قانون” المحتلّ البريطانيّ، على رأسها أبطال شعبيّون (من أمثال أبو جلدة). ويُروى أنّ القسّام سئل سنة 1932 بشأن هذه المجموعات التي ينعتها البعض بالحراميّة وقطّاع الطرق، فأجاب: “دعهم يعملون لأنّ في عملهم رجولةً سنحوّلها في يوم من الأيّام إلى جهاد. وما دام المستعمِر يرغب في إماتة نفوسنا، فإنّ هؤلاء أقرب إلى الله وإلى حبّ الجهاد من المستكينين.”[20]
ولعلّ خطبةَ الوداع التي ألقاها عشيّة خروجه مع إخوانه إلى الثورة تشير إلى ما نسميه “الجهاديّة الوطنيّة،” تمييزًا لها عن “السلفيّة الجهاديّة” اللاحقة. فقد حفظتْ لنا ذاكرةُ يوسف الشايب، الذي استمع إلى الخطبة، آخرَ كلمات القسّام: “أيّها الناس: لقد علّمتُكم أمورَ دينكم، حتّى صار كلٌّ واحدٍ منكم عالمًا بها. وعلّمتُكم أمورَ وطنكم حتّى وجب عليكم الجهاد. ألا هل بلّغت؟ اللهمّ فاشهدْ. فإلى الجهاد أيّها المسلمون، إلى الجهاد أيّها المسلمون!”[21]
د – جماعة الإخوان المسلمين. تزامن عهدُ الانتداب في فلسطين مع ولادة موجة سلفيّة جديدة في المنطقة العربيّة، تمثّلتْ أساسًا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928 انطلاقًا من مصر. وامتدّت هذه الموجة إلى سوريّة مع تأسيس فرع الجماعة فيها سنة 1942. لكنّ “سورية الجنوبيّة” (فلسطين والأردن) ظلّت، إلى حدّ بعيد، بمنأًى عن تأثيرات الموجة السلفيّة.
في هذا الصدد، توصّلتْ دراسة موثّقة إلى أنّ “الإخوان أبدوْا اهتمامًا كبيرًا بقضيّة فلسطين خلال الثورة الفلسطينيّة الكبرى (1936 – 1939)، وأنّ بعضَ أفرادهم قد شاركوا في الثورة بشكل فرديّ.”[22]ويضيف كاتبُ الدراسة (وهو مقرّب من حركة الإخوان): “يبدو لنا أنّ الإخوان لم يؤسّسوا شُعَبًا وفروعًا لهم في فلسطين إلاّ بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية،” وأنّه “لم تكن لإخوان فلسطين قيادةٌ موحّدة حتّى نهاية حرب فلسطين عام 1948.”[23]
أيًّا كان الأمر، فإنّ وثائقَ الإخوان المسلمين أنفسِهم تنمّ عن خطاب “دينيّ وطنيّ” عامّ إذا جاز التعبير، أو هو خطاب وطنيّ صيغ بمفرداتٍ دينيّة. ومثالُ هذه الوثائق مقرّراتُ اجتماع نفر من الإخوان المسلمين في حيفا في 27 تشرين الأول 1947، حيث أعلنوا عن “تصميمهم على الدفاع عن بلادهم بجميع الوسائل…،” ووجّهوا تحيّتهم إلى “أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ ملوك العرب، ورؤساء جمهوريّاتهم وحكوماتهم والهيئة العربيّة العليا، وفضيلة الأستاذ المرشد العام، ويشكر[الاجتماع] لهم اهتمامَهم بأداء الواجب المقدّس…”[24]
***
وهكذا، نجد أنّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة خلال فترة الانتداب البريطانيّ لم تشهدْ بروزَ الخطاب الدينيّ السلفيّ، ولا ثنائيّةَ الخطابيْن الوطنيّ والدينيّ، بل ساد المحتوى الوطنيّ صفوفَ القيادات والمؤسّسات السياسيّة، واستوعب المحتوى الدينيَّ، من أجل تحقيق الهدف الوطنيّ الأسمى: إنهاء الاستعمار البريطانيّ، وإجهاض المشروع الاستعماريّ الصهيونيّ، وإنجاز الاستقلال. وقد وضعتْ ثورةُ القسّام الأساسَ لجهاديّة وطنيّة، تكتب مهمّةَ تحرير الوطن بمصطلحاتٍ دينيّة. وكان شأن الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة في ذلك شأن كافّة حركات التحرّر الوطنيّ العربيّة والعالميّة في مرحلة التحرّر من الاستعمار.
ثانيًا: “القعود” وصعود التحرير الوطنيّ (1948 – 1974)
في إثر “نكبة” 1948، تَوزّع المناضلون الفلسطينيّون على التيّارات القوميّة والوطنيّة والدينيّة واليساريّة. فهم ساهموا مساهمةً بارزةً في تأسيس كلٍّ من حركة القوميّين العرب، والحزب الشيوعيّ الأردنيّ، والحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ (راكح)، وحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ في القطر الأردنيّ، وجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وحزب التحرير الإسلاميّ. وهم، إلى ذلك، أسّسوا تنظيماتهم الفلسطينيّة المستقلّة، خارج “الخطّ الأخضر” وداخله. وفي حين كان “تحرير فلسطين” الهدفَ الوحيد لحركة فتح، وأحدَ الأهداف الرئيسة لحركة القوميّين العرب وحزب البعث، فإنّه لم يكن مدرجًا ضمن أهداف التنظيمات الفلسطينيّة الإسلاميّة أو الشيوعيّة التقليديّة.
شهدتْ تلك الفترة اتجاهيْن متعاكسيْن ومتكامليْن في الخريطة السياسيّة الفلسطينيّة:

– الاتجاه الأول: “قعود” السلفيّة الفلسطينيّة عن “الجهاد.” هكذا انخرط أتباعُها في جماعة الإخوان المسلمين في الأردن الموالية للنظام، أو في حزب التحرير الذي راح يؤجِّل “الجهاد” حتّى وجود الخليفة ويعادي النظامَ والحركات القوميّة واليساريّة معًا.
صحيح أنّ بعض الإخوان حملوا السلاحَ إلى جانب المنظّمات الفلسطينيّة خلال وجودها في الأردن، لكنّ العدد كان ضئيلًا، ويشكّل الفلسطينيّون أقليّةً فيه، ولم تتّخذ مشاركةُ الإخوان صيغةً ذات كيان مستقلّ بل كانت ملحقةً بحركة فتح، ولم تُعرف في أحراش جرش إلاّ باسم “قاعدة الشيوخ.” كما جاءت تلك المشاركة متأخّرة، وسرعان ما انتهت بخروج المقاومة من الأردن سنة 1971.
– الاتجاه الثاني: صعود التنظيمات الوطنيّة “العلمانيّة” (فتح، الجبهة الشعبيّة،…) التي اتّبعتْ نهجَ الكفاح المسلّح، لاسيّما في أعقاب هزيمة حزيران 1967. لكنّ “علمانيّة” فتح أمر نسبيّ نظرًا إلى إيديولوجيّتها الضبابيّة، وانتسابِ عددٍ ملحوظ من قادتها المؤسّسين ونواتِها الصلبة إلى خلفيّة سلفيّة قريبة من إيديولوجيا الإخوان. ومن ثمّ يمكن القول إنّ “وطنيّة” حركة فتح مثّلتْ – لاسيّما في مرحلتها الأولى – طيفًا من أطياف “الجهاديّة الوطنيّة” الفلسطينيّة التي تعود جذورُها إلى مرحلة الانتداب.
شهدتْ بدايةُ السبعينيّات من القرن الماضي جملةَ تحوّلاتٍ حدّدت التطوّرَ اللاحق للحركة الوطنيّة الفلسطينيّة. وكان تبنّي “البرنامج المرحليّ” من جانب المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ سنة 1974 بمثابة بداية النهاية لـ”الوطنيّة الجهاديّة” بصيغتها الفتحاويّة، وبداية تكوّن جهاديّة وطنيّة من نوع جديد.
ثالثًا: بذور الجهاديّة الوطنيّة المستجدّة (1974 – 1987)
شهدتْ هذه المرحلة تطوّريْن بارزيْن في ما يعني موضوعَنا: 1) بداية تراجع “فتح” والتيّار الرئيس في منظّمة التحرير عن هدف “التحرير” (بتبنّي “البرنامج المرحليّ”)، ثمّ خروج منظّمة التحرير من لبنان في أعقاب الاجتياح الإسرائيليّ سنة 1982، وانتقال مركز ثقل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة إلى الداخل. 2) بروز تيّار “السلفيّة الجهاديّة” عربيًّا، وبخاصّةٍ في مصر وسورية. وقد نشأتْ أفكارُ هذا التيّار من رحم التزاوج بين سلفيّة الإخوان بحسب مفهوم سيّد قطب لـ”الحاكميّة” و”الجهاد،” وبين السلفيّة الوهّابيّة في الجزيرة العربيّة في سياق “الطفرة النفطيّة.”[25] وتزامن بروزُ هذا التيار مع ما شهدتْه فلسطينُ، في الوطن وفي المنفى، من مخاض سلفيّ جهاديّ خاصٍّ بها، عبّر عن نفسه من خلال أفراد ومجموعات صغيرة، ووَلّد في أواخر الثمانينيّات تيّارًا عريضًا تجسّد في “حركة الجهاد الإسلاميّ في فلسطين” و”حركة المقاومة الإسلاميّة” (حماس). وقد فسح هذا التزامن المجالَ واسعًا أمام الخلط بين نوعيْن متمايزيْن من “الجهاد،” وأمام إلصاق تهمة الإرهاب بـ”الجهاد” الفلسطينيّ لمجرّد أنّ “أفرادًا” فلسطينيّين انخرطوا في بعض مجموعات “السلفيّة الجهاديّة.” وأبرزُهم: صالح سَرّية وعبد الله عزّام.
أ – صالح سَرّية و”تنظيم الفنّيّة العسكريّة.” في أوائل سبعينيّات القرن الماضي، تشكّل في مصر “تنظيم الفنّيّة العسكريّة،” ولعلّه أوّلُ تجسيد منظّم لـ”السلفيّة الجهاديّة” في المنطقة العربيّة. وفي سنة 1974، قام التنظيم بمحاولة مسلّحة بالسكاكين للسيطرة على مقرّ الكلّيّة الفنّيّة العسكريّة، تمهيدًا للاستيلاء على الحكم في مصر. وقد انتهت المحاولة بالفشل وباعتقال رؤوس التنظيم، ومن بينهم الأردنيّ من أصل فلسطينيّ صالح عبد الله سريّة.
لئن كانت دراسةُ هذا التنظيم تخرج عن إطار بحثنا الحاليّ، فإنّ ما يعنينا هنا هو دورُ صالح سريّة، وهو دور يُستنَد عليه (وعلى مشاركة فلسطينيٍّ آخر في “الجهاد” المصريّ هو محمد سالم الرحال) في الحديث عن سلفيّة جهاديّة فلسطينيّة. فعلى مستوى التنظير، يَعتبر البعض أنّ التنظيم اعتمد في أدبيّاته الرئيسة على أفكار صالح سريّة، لاسيّما كتابه رسالة الإيمان، القائل “إنّ الجهاد هو الطريق الوحيد لإقامة الدولة الإسلاميّة.” كما يُعتبَر سريّة “الضلع الأكبر” في التنظيم و”المدبّر الأساس” لعمليّة الفنيّة العسكريّة.[26]
لكنّ سريّة لم يصل مصر إلاّ سنة 1971، بعد أن تقلّب في الفكر والسياسة بين الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلاميّ وجبهة التحرير الفلسطينيّة وعضويّة المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ. وهو تعرّف، لدى وصوله مصرَ، إلى المرشد العامّ لجماعة الإخوان المسلمين المصريّة حسن الهضيبي، وإلى عدد ممّن سبق أن أسّسوا مجموعاتٍ سريّة منذ سنة 1968، متأثّرين بأفكار سيّد قطب. أيْ إنّ فكرة التنظيم كانت ناضجةً في صفوف السلفيّة الجهاديّة المصريّة، وأنّ سريّة (كما محمد الرحّال) كان طارئًا أكثرَ ممّا كان أصيلًا، وأنّرسالة الإيمان التي وضعها إنّما كانت صدًى فحسب لكتاب قطب معالم في الطريق وسواه أكثرَ ممّا كانت تأسيسًا لـ”الجهاد” المصريّ.

وفي النهاية، فإنّ سريّة والرحّال لم يؤسّسا حركةً فلسطينيّةً من أيّ نوع، بل انتهى الأول على حبل المشنقة سنة 1976، وذهب الثاني إلى مستشفى أمراض نفسيّة وعقليّة في الأردن. وفي المقابل، كان طالبان فلسطينيّان سلفيّان آخران، هما فتحي الشقاقي وعبد العزيز عودة، يدرسان في مصر في الآونة نفسها، ويتلمّسان طريقًا جهاديّةً مغايرة ستتّضح معالمُها ويكون لها شأنُها لاحقًا.
ب – عبد الله عزّام. وُلد عزّام سنة 1941 في قرية سيلة الحارثيّة الفلسطينيّة لأسرةٍ فلّاحيّةٍ بسيطة. انضمّ إلى جماعة الإخوان بتأثيرٍ من أحد أساتذته في المدرسة. تعرّف في سورية إلى عدد من قادة الإخوان، أثناء دراسته في جامعة دمشق، التي نال منها شهادةَ الليسانس في الشريعة سنة 1966. ثمّ انخرط لفترة وجيزة في “الجهاد الوطنيّ” من خلال مشاركته في مجموعة “الشيوخ” المسلّحة تحت كنف حركة فتح قبيْل خروج المقاومة الفلسطينيّة من الأردن سنة 1971. وفي مصر، تأثّر بأفكار سيّد قطب الجهاديّة، أثناء دراسته في جامعة الأزهر، التي حصل منها على شهادة الدكتوراه في أصول الفقه سنة 1973.
اشتغل في التدريس في جامعة الملك عبد العزيز بجدّة حتّى سنة 1979، ويُعتقَد أنه التقى خلال تلك الفترة بأسامة بن لادن، الذي كان طالبًا مسجَّلًا في الجامعة بين سنتيْ 1976 و1981.
انتقل عزّام سنة 1981 للتدريس في جامعة إسلام أباد في باكستان. وسرعان ما غادرها إلى بيشاور، الأقرب إلى الحدود مع أفغانستان، وأنشأ فيها “مكتب الخدمات” سنة 1984 لتنظيم استقبال المتطوّعين الأجانب وتدريبهم وإلحاقهم بـ”المجاهدين” الأفغان. وفي بيشاور، التقى بنَ لادن، وبدأ العملُ المشترك بين الاثنين في مجال دعم “الجهاد الأفغانيّ.”
سنة 1979، في إثر دخول الجيش السوفييتيّ أفغانستان، أصدر عزّام – مع عدد من الشيوخ – فتوى ضمّنها في كتابه الدفاع عن أراضي المسلمين أهمّ فروض الأعيان، وأكّد مضمونَها في الوصيّة (1986)، ومفادُها أنّ الجهاد “فرضُ عينٍ على كلّ مسلم في الأرض…” وأنّ “الناس كلّهم آثمون الآن بسبب ترك القتال، سواء كان القتالُ في فلسطين أو في أفغانستان أو أيّ بقعةٍ من بقاع الأرض التي ديستْ من الكفّار ودُنّستْ بأرجاسهم.”[27]
لكنّ الخلاف دبّ بين عزّام وبن لادن عندما قرّر الأخير أن يركّز معظمَ جهوده على العمل العسكريّ داخل أفغانستان. وكان الخلاف يدور حول نقطتين، كما يقول حذيفة (نجلُ عزّام):[28] تجميع الشباب العرب في منطقة واحدة في أفغانستان (هي جلال آباد)، والتركيز على الجانب العسكريّ على حساب الجوانب الأخرى. وتعمّق الخلافُ بعد خروج الجيش السوفييتيّ من أفغانستان؛ ففي حين كان بن لادن وأيمن الظواهري يعتقدان أنّ “الأولويّة” هي للجهاد ضد الحكومات العربيّة والولايات المتّحدة، كان عزّام يرى أنّ فلسطين هي التي يجب أن تكون قِبلةَ المجاهدين المسلمين.[29]
اغتيل عزّام في باكستان سنة 1988. قيل إنّ “القاعدة” هي المسؤولة على خلفيّة الخلاف بينها وبينه بشأن أولويّات الجهاد (وهو ما ينفيه المقرَّبون منه ويستنكرونه)؛ وقيل إنّ الموساد هو المسؤول على خلفيّة دخول عزّام على خطّ الانتفاضة الأولى.
وهكذا، تشير سيرةُ عزّام إلى وجود اتجاهيْن متلازميْن في فكره وسلوكه: سلفيّ جهاديّ، وجهاديّ وطنيّ. وأيًّا كان الأمر فقد ظلّ يمثّل ظاهرةَ “الأفراد المنعزلين،” لا المجموعات الفلسطينيّة المنظّمة؛ بل إنّ المجموعة التي تسمّت باسمه سنة 2004 (كتائب الشهيد عبد الله عزّام) لم تكن حركةً فلسطينيّة، كما سنرى أدناه.
***
ما يفوق الأهميّةَ الشخصيّةَ لأيٍّ من أولئك الأفراد هو أنّ الساحة الفلسطينيّة كانت منذ أوائل السبعينيّات تموج بحَراكٍ فكريّ وسياسيّ، بتلوينات دينيّة ووطنيّة ويساريّة. فإلى جانب “حركة أبناء البلد” القوميّة اليساريّة (1972 – …)، نشأ تنظيمُ “أسرة الجهاد” (1979) الذي اتُّهم أعضاؤه بحيازة أسلحة ومتفجّرات وإشعال النيران في ممتلكات يهوديّة، وحُكم على زعيمه (فريد أبو مخّ) بالسجن 10 أعوام. كما نشأتْ “سرايا الجهاد” (1986) من تيّار “الإسلام الثوريّ” داخل حركة فتح (كان من بين أبرز قادتها حمدي سلطان وأبو حسن القاسم ومروان كيالي، وقد اغتيل الثلاثة في قبرص سنة 1988). ونشأتْ في أواخر السبعينيّات “حركةُ الجهاد الإسلاميّ – كتائب الأقصى” (بقيادة إبراهيم سربل)، و”حركةُ الجهاد الإسلاميّ – بيت المقدس” (بقيادة أسعد بيوض التميمي)…
بيد أنّ التنظيمات “الجهاديّة” المذكورة كانت قصيرةَ العمر، ومحدودةَ الانتشار والتأثير، وانتهت باستشهاد بعض قادتها أو اعتقالهم أو نكوصهم. لكنّها كانت تشكّل جزءًا من مخاض طويل، يؤذن بصعود “الجهاديّة الوطنيّة.” ففي سنة 1981، تأسّست حركةُ الجهاد الإسلاميّ في فلسطين، ثم في سنة 1987 تأسّست حركةُ المقاومة الإسلاميّة (حماس).

أ – حركة الجهاد الإسلاميّ في فلسطين. تلخِّص السيرةُ السياسيّة للمؤسّس الشهيد د. فتحي الشقاقي مسيرةَ حركة الجهاد الإسلاميّ في فلسطين. طالب الثانويّة الشاب فتحي كان ذا ميولٍ ناصريّة، كما كان معظمُ أبناء جيله. وهو مثلهم هزّته نكسةُ الـ67 من الأعماق، فأخذ يبحث عن سبيلٍ آخر. ولوهلةٍ وجد ضالّتَه في جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي ذهب إلى جامعة الزقازيق فيها لدراسة الطبّ. لكنّه سرعان ما خرج سنة 1974 على نهج الجماعة بحثًا عن “جهاديّةٍ” ما، في وقتٍ كانت الجماعة تمرّ بمرحلة “التأسيس الثانية” في ظلّ “الرئيس المؤمن” أنور السادات، وكانت رحِمُها تتمخّض عن أجنّةٍ سلفيّةٍ جهاديّةٍ شتّى. وبعد أعوام من التفاعل والحوار بينه وبين نظرائه في مصر وفلسطين، خصوصًا قطاع غزّة، وغيرهما (بينهم الشيخ عبد العزيز عودة ورمضان شلّح وبشير موسى)، تأسّست الحركة سنة 1981.
في ما يأتي الخطوطُ العريضة لمنهج الحركة الفكريّ، كما يظهر في نظامها الأساسيّ، وفي مقاطع من مفهوم المؤسّس الشهيد لـ”مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة” في العمل الجهاديّ.
إنّ النظام الأساسيّ لحركة الجهاد (أقرّه مؤتمرُها العامّ الأوّل سنة 1992) هو، كما ميثاق حماس، مشبعٌ بمفردات الخطاب الدينيّ السلفيّ المعتاد، لكنّه أكثرُ منه تحديدًا ووضوحًا في ما عنى التعريف والأهداف والوسائل. فالمادّة الثانية تعرِّف الحركة بأنّها “حركة إسلاميّة جماهيريّة مجاهدة مستقلّة، الإسلامُ منطلقُها، والعملُ الجماهيريّ الثوريّ والجهادُ المسلّح أسلوبُها، وتحريرُ كامل فلسطين من الاحتلال الصهيونيّ هدفُها.” وتنصّ المادّة الثامنة على الآتي: “وحدة القوى الإسلاميّة والوطنيّة على الساحة الفلسطينيّة، واللقاء في ساحة المعركة، شرط أساسيّ لاستمرار وصلابة مشروع الأمّة الجهاديّ ضدّ العدو الصهيونيّ.”[30]
ويعطينا الشقاقي مزيدًا من التحديد والوضوح لـ”مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة”: “على كلّ أجنحة الحركة الإسلاميّة، وعلى جماهير الأمّة في كلّ مكان، أن تمدّ خطًّا مستقيمًا من قلب جبهتها المتقدّمة في معركة النهضة وفي كلّ إقليم من أقاليم الوطن الإسلاميّ نحو المركز: القدس.” ويرى أنّ “الحركة الإسلاميّة مطالبة اليوم أن تعطي فلسطينَ خصوصيّتَها (المنسيّة) وأن تؤكّد على مركزيّتها” من دون أن تنسى لحظة أنّ “إحداث البعث الإسلاميّ في كلّ الأرض غايتُها القصوى.” وهو يؤكّد أنّ “علاقةً تبادليّةً (جدليّة) واضحة وأكيدة هي التي تربط بين القضيّة الفلسطينيّة وتلك الأهداف والمهمّات” الخاصّة بـ”الحركة الإسلاميّة المعاصرة.”[31]
2- حركة المقاومة الإسلاميّة (حماس). نشرت الحركةميثاقَها في 18 آب 1988، أيْ بعد نحو تسعة أشهر من انطلاق انتفاضة 1987. وكان الميثاق مشبَعًا بالآيات القرآنيّة وبمفردات الخطاب الدينيّ السلفيّ المعتاد لدى جماعة الإخوان. فهو يستشهد في مقدّمته بقول “الإمام الشهيد” حسن البنّا: “ستقوم إسرائيل وستظلّ قائمة إلى أن يُبطلها الإسلامُ كما أبطل ما قبلها.” وتنصّ المادّة الثانية أنّ حماس “جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين.” وشعار الحركة كما حدّده ميثاقُها هو”الله غايتها، والرسولُ قدوتها، والقرآنُ دستورها، والجهادُ سبيلها، والموتُ في سبيل الله أسمى أمانيها.”[32]
أوّل ما يتبادر إلى الذهن لدى قراءة ميثاق حماس هو غياب مفاهيم “السلفيّة الجهاديّة” كما تبلورتْ ابتداءً من الربع الأخير من القرن العشرين، وكان سيّد قطب من بين أبرز مؤسّسيها، لاسيّما مفهوم “الحاكميّة،” وكلّ المفاهيم المشتقّة منها والمرتبطة بها: الولاء والبراء، الجاهليّة الجديدة، التكفير والهجرة،… ومن أجل فهم ذلك الغياب، تنبغي الإشارة إلى أنّ هذه المفاهيم غيرُ ذات صلة بوضع الشعب الفلسطينيّ الرازح تحت الاحتلال الصهيونيّ.
لكنّ عددًا من موادّ الميثاق ينطوي على مفاهيم سلفيّة جهاديّة كامنة، أو يمكن تأويلُها كذلك. ففي المادة 9 من “الأهداف” مثلًا، لم يُذكر “تحريرُ فلسطين” صراحةً، بل “منازلة الباطل وقهره ودحره، ليسود الحقّ، وتعود الأوطان، وينطلق من فوق مساجدها الأذانُ معلنًا قيامَ دولة الإسلام…” وتتبعها مباشرةً المادة 10 التي تنصّ أنّ حركة حماس “سندٌ لكلّ مستضعف، ونصيرٌ لكلّ مظلوم، بكلّ ما أوتيتْ من قوة… في هذا المكان وفي كلّ مكان يمكنها أنْ تصل إليه وتؤثّر فيه.” ولعلّ هذا هو سبب الالتباس المتعلّق بتورّط حركة حماس، المثير للجدل واللغط، في سيناء المصريّة ومخيّم اليرموك في سوريّة.

في الأول من أيّار 2017، أعلن رئيسُ المكتب السياسيّ لحركة حماس خالد مشعل وثيقة المبادئ والسياسات العامّة، وذلك في مؤتمر صحافيّ في الدوحة.[33] تعيدالوثيقة تعريفَ الحركة وأهدافَها المنصوص عليها فيميثاق 1988 على نحوٍ يَنزع عن الحركة علاقتَها السابقة بجماعة الإخوان، ويحصر الهدفَ بـ”تحرير فلسطين”: “حماس هي حركة تحرّر ومقاومة وطنيّة، فلسطينيّة إسلاميّة، هدفُها تحريرُ فلسطين ومواجهةُ المشروع الصهيونيّ، مرجعيّتُها الإسلامُ في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها.”
وتنصّ البنودُ الأخرى على مواقف عامّة تغصّ بها أدبيّاتُ الفصائل الفلسطينيّة، لكنّ ما يسترعي الانتباهَ فقرةٌ تتعلّق بـ”الموقف من الاحتلال والتسوية السياسيّة.” فبعد أنْ تؤكّد هذه الفقرة أنْ لا تنازل عن أيّ جزء من فلسطين، تعتبر حماس “أنّ إقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة كاملة السيادة، وعاصمتُها القدس، على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أُخرجوا منها، هي صيغة توافقيّة وطنيّة مشتركة.”
وإذا أضفنا إلى هذه الفقرة من الوثيقة فقراتٍ أخرى فإنّنا سنجد أنفسَنا أمام ميثاق جديد “ينسخ” ميثاق 1988. إنّوثيقة 2017 تعني عمليًّا: 1) انضمامَ حماس إلى الخطّ الذي مثّله “البرنامجُ المرحليّ” لسنة 1974 (المسمّى بغير وجه حقّ “برنامج الإجماع الوطنيّ”). 2) تأصيلَ “تجاوز” الحركة لاتفاق أوسلو ولسلّة الاتفاقات المرتبطة به، والتعاطي “الواقعيَّ” مع منتجات هذه الاتفاقات المتمثّلة في “النظام السياسيّ الفلسطينيّ” القائم – بعد أنْ ظلّ هذا التعاطي وذلك التجاوزُ ممارسةً عمليّةً منذ نحو عقدين من دون تأصيل إيديولوجيّ.
وبذلك تكون حماس قد نفت عن نفسها أيَّ شبهةٍ “سلفيّة جهاديّة،” وشكّلتْ في الوقت نفسه القطبَ “البراغماتيّ” (ذا النزوع الدينيّ) المنافسَ للقطب الفتحاويّ (ذي النزوع غير الدينيّ) الماضي في نهج “التسوية السياسيّة” بأيّ ثمن.
3- وإلى جانب حركتَي الجهاد وحماس، يمكن اعتبارُ “الحركة الإسلاميّة – الجناح الشماليّ في فلسطين الـ48” حركةً تنتمي إلى “الجهاديّة الوطنيّة” في ظلّ الظروف الخاصّة لفلسطينيّي 48. وتعود جذورُ هذه الحركة إلى سبعينيّات القرن الماضي، لكنّ الحركة السلفيّة التقليديّة بقيادة عبد الله نمر درويش انشقّت في إثر توقيع اتفاق أوسلو سنة 1993، إذ تبلور الجناحُ الشماليّ (بقيادة رائد صلاح) رافضًا ذلك الاتفاق، ورافضًا الاشتراكَ في انتخابات الكنيست. وفي المقابل، نشأ الجناح الجنوبيّ “المعتدل” بقيادة إبراهيم صرصور.
***
وفي الإجمال، يمكننا أنْ نعزو صعودَ ظاهرة الجهاديّة الوطنيّة الفلسطينيّة إلى جملة عوامل، أبرزُها: 1) تراجعٌ التيّار الرئيس في م. ت. ف. بقيادة فتح عن هدف التحرير، وتوجّهُه نحو “التسوية السياسيّة.” 2) خروجُ فصائل المقاومة الفلسطينيّة من لبنان سنة 1982، وما رافقه من انتقال مركز العمل الوطنيّ الفلسطينيّ إلى الداخل، حيث كانت بذورُ الجهاديّة الوطنيّة تنمو وتتحوّل تدريجيًّا إلى حركات وازنة. 3) استفادةُ السلفيّة التقليديّة الفلسطينيّة، خصوصًا في قطاع غزّة، من سياسة “التساهل” الإسرائيليّة إزاء نشاطها في فترة “القعود عن الجهاد” – وهي سياسةٌ كان هدفُها الإسرائيليّ تشجيعَ بروز قيادة فلسطينيّة “معتدلة” بديلة.
مع الوقت، حوّلت الجهاديّةُ الوطنيّةُ قطاعَ غزّة إلى معقلٍ رئيسٍ لها، خصوصًا بعد أن تمكّنتْ من دحر الاحتلال الإسرائيليّ سنة 2005. والحقّ أنّ تميّزَ القطاع بجملة من الخصائص البنيويّة (وجود نحو مليونيْ نسمة، معظمُهم من اللاجئين الذين اقتُلعوا من ديارهم سنة 1948، ويعيشون في رقعةٍ لا تزيد مساحتها عن 365 كيلومترًا مربّعًا، وبنِسب بطالةٍ وفقرٍ مدقع تزيد الآن عن 40%) كان عاملًا جاذبًا لتيّارات المقاومة بمختلف مشاربها، ومن بينها الجهاديّة الوطنيّة.
خامسًا: شبهات حول الجهاديّة الفلسطينيّة
في فترة صعود حركتيْ الجهاد وحماس، طفت على السطح الإعلاميّ مجموعاتٌ فلسطينيّة، أو يشارك فيها فلسطينيّون، وهي تُحسَب على التيّار “السلفيّ الجهاديّ.” فاختلط الحابلُ بالنابل، على نحوٍ جرى استغلالُه لإثارة شبهاتٍ حول منظّمات فلسطينيّة ذات توجّهٍ دينيّ ولدمغها بالإرهاب.
توزّعتْ تلك الأسماءُ من الأشخاص والمجموعات على مجمل خريطة وجود الفلسطينيّين:
– قطاع غزّة: “جيش الإسلام،” عبد اللطيف موسى و”جند أنصار الله،” “جيش الأمّة – أهل السنّة والجماعة،” “جلجلتْ،” “سيوف الحقّ،”…
– فلسطين 48: “أنصار الله في بيت المقدس – الناصرة.”
– لبنان: شاكر العبسي و”فتح الإسلام،” “كتائب الشهيد عبد الله عزّام،”…
– الأردن: عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي)، عمر محمود عثمان (أبو قتادة الفلسطيني)، “جماعة التوحيد،” “جماعة الإصلاح والتوحيد،” “جيش محمّد،”…
– سوريّة: “أكناف بيت المقدس.”
– سيناء: “شورى المجاهدين،”…

كانت معظمُ هذه الأسماء والمسمّيات بمثابة سحابة صيف عابرة في السماء الفلسطينيّة. ففي الأردن مثلًا، انطوت صفحةُ الجماعات السلفيّة الجهاديّة المذكورة (التي برز فيها أشخاص من أصل فلسطينيّ). وكان أبو محمّد المقدسي قد تشارك مع أبي مصعب الزرقاوي في تأسيس “جماعة التوحيد” (“بيعة الإمام”)، وقد فكّكت الأجهزةُ الأمنيّة الأردنيّة هذه الجماعة سنة 1996، وقدّمتْ 13 متّهمًا من أعضائها إلى محكمة أمن الدولة، وحُكم على المقدسي والزرقاوي بالسجن خمسة عشر عامًا، لكنْ أُطلق سراحهما بعفو ملكيّ سنة 1999. وفي حين غادر الزرقاويّ الأردن إلى باكستان فأفغانستان، فقد “فضّل” المقدسي البقاءَ في الأردن، مشيرًا إلى أنّ آماله وطموحاته الحقيقيّة كانت تتمثّل في “نقل الدعوة والعمل بها إلى غرب النهر، أيْ إلى فلسطين.”[34]لكنْ لم ترِدْ أيُّ أنباء، في ما بعد، عن “نقل الدعوة” إلى فلسطين، بل تواترتْ أنباءٌ عن دور يتجاوز “مناصرة ومناصحة” المقدسي للجماعات السلفيّة الجهاديّة إلى دور صلة وصل ووساطة بين النظام الأردنيّ وتلك الجماعات (كما حصل مثلًا لدى وقوع الطيّار معاذ الكساسبة في أسر تنظيم داعش).
ولئن آلت معظمُ المجموعات الصغيرة والأفراد المذكورين أعلاه إلى مهاوي النسيان، فإنّ بعضَها ترك في الذاكرة بصماتٍ سودًا لا تزول آثارُها بسهولة. ونتوقف أمام ثلاثة نماذج عن هذه الأخيرة:
أ- كتائب الشهيد عبد الله عزّام. لم يبرز فيها اسمُ أيّ فلسطينيّ، وإنْ تسمّت باسم الفلسطينيّ عزّام. فهي تأسّستْ على يد السعوديّ صالح القرعاوي بعد خمسة عشر عامًا من اغتيال عزّام. وفي سنة 2010، تولّى قيادةَ المجموعة ماجد الماجد (سعوديّ أيضًا)، بعد أن كان انضم إلى “فتح الإسلام،” وألقى الجيشُ اللبنانيّ القبض عليه سنة 2014 ، ومات في السجن. أمّا الناطق الإعلاميّ بلسان الكتائب (الذي أعلن مسؤوليّتها عن التفجير قرب السفارة الإيرانيّة في بيروت سنة 2012) فهو اللبناني سراج الدين زريقات.
ب – فتح الإسلام. ارتبط اسمُ هذه المجموعة باسم قائدها المفترض، الأردنيّ من أصل فلسطينيّ، شاكر العبسي، وبمخيّم نهر البارد الفلسطينيّ. لكنْ ثمّة ما يشير بقوّة إلى أنّ العبسي لم يكن القائدَ الفعليّ للمجموعة، وأنّ أكثريّة أعضائها لم يكونوا فلسطينيّين، وأنّ قيادتها كانت في أيدٍ غير فلسطينيّة (مثل السوريّ محيي الدين عبد الحيّ عبّود، واللبنانيّ صدّام الحاج ديب، والسعوديّ عبد الرحمن اليحيا، واللبنانيّ من أصل سوريّ محمد علي عمر، والسوريّ محمد ح.).[35] وأيًا كان الأمر، فإنّ مخيّم نهر البارد لم يكن “بيئةً حاضنةً” لهذه الجماعة، بل كان ضحيّتَها الأولى.
– “جند أنصار الله” في غزّة. مجموعة صغيرة ذات توجّه سلفيّ جهاديّ، موالية لتنظيم القاعدة. تأسّستْ سنة 2008 في قطاع غزّة، وتزعّمها الشيخ عبد اللطيف موسى (الملقب بأبي النور المقدسي). في 14/8/2009 أعلن موسى من مسجد ابن تيمية في رفح إقامة “إمارة رفح الإسلاميّة.” وفي صباح اليوم التالي هاجمت أجهزةُ أمن حركة حماس المسلّحين المتحصّنين داخل المسجد، وأسفر الهجوم عن مقتل موسى وأحد مرافقيه وتصفية المجموعة.
الخلاصة
كما “الفدائيّ” رمزٌ فلسطينيّ للتصالح بين “الدينيّ” و”الوطنيّ،” كذلك هي الجهاديّة الوطنيّة الفلسطينيّة.
منذ بداية الانتداب البريطانيّ لفلسطين قبل نحو قرن، ظلّ التحرّرُ الوطنيّ قطبَ الرحى للمقاومة الفلسطينيّة بمختلف مشاربها. وقد أفلحتْ هذه المقاومة في حلّ مسألة ثنائيّة “الوطنيّ” و”الدينيّ” لمصلحة التحرير. ولم تقف السلفيّةُ الفلسطينيّة في وجه هذا الإجماع الوطنيّ، وتَراوحَ سلوكُها بين “القعود عن الجهاد” وبين “الجهاديّة الوطنيّة.” وفي كلّ الأحوال، لا نجد لديها انشغالًا بالقضايا الفقهيّة الخاصّة بالسلفيّة الجهاديّة، ولا وجود في قاموسها للمفردات السائدة في أدبيّات تلك السلفيّة (مثل الحاكميّة، التكفير، الولاء والبراء، الكفر البواح، والشرك الصراح،…).
ولقد برزتْ ظاهرةُ الجهاديّة الوطنيّة مكوّنًا أساسيًّا من مكوِّنات المقاومة الفلسطينيّة مع نشوء حركة الجهاد الإسلاميّ في فلسطين منذ أواخر سبعينيّات القرن الماضي، من خارج الإطار الإيديولوجيّ لجماعة الإخوان المسلمين، وانطلاقًا من مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة للحركة الإسلاميّة. ثمّ تأكّدتْ هذه الظاهرة بتأسيس حماس سنة 1988، التي وُلدتْ من رحم جماعة الإخوان، لاسيّما في قطاع غزّة.
وقد سبقتْ هذه الظاهرةَ الجهاديّةَ الوطنيّة، ورافقتْها، أسماءٌ “سلفيّة جهاديّة” لأشخاص فلسطينيّين وتسميات لمجموعات صغيرة عُدّت فلسطينيّة، ما ألصق بهذه الظاهرة شبهاتٍ هي بريئةٌ منها. لكنّ هذه الأسماء والتسميات كانت جميعُها هامشيّةً، وكانت المجموعات بمعظمها فلسطينيّةً بالاسم فقط، وانتهت إلى الاندثار بسرعة، ولم تجد لها في أيّ يوم حاضنةً شعبيّةً فلسطينيّة، بل كان من بينها ما جلب الوبالَ على الشعب الفلسطينيّ.

إنّ خصوصيّة ظاهرة “الجهاديّة الوطنيّة” ليست خصوصيّة فلسطينيّة تميّزها من سلفيّات جهاديّة عربيّة، بل هي تعود إلى طبيعة مرحلة النضال الفلسطينيّ، التي كانت ولا تزال مرحلة تحرّر وطنيّ. وكان مثلُ هذه الظاهرة جليًّا لدى سائر الشعوب العربيّة إبّان مرحلة التحرّر الوطنيّ التي اجتازتها. وتجسّدت الجهاديّة الوطنيّة في ثوراتٍ تعدّدتْ أشكالُها، لكنّها توحّدت في هدف التحرّر من الأجنبيّ تحت راية دينيّة: الثورة المهديّة في السودان سنة 1881؛ وثورة عمر المختار في ليبيا وثورة عبد الكريم الخطابي في المغرب في عشرينيّات القرن الماضي؛ …
كما كان لظاهرة “الجهاديّة الوطنيّة” مقابلٌ موضوعيّ وإيديولوجيّ لدى شعوب أخرى في سياق كفاحها ضد الاستعمار الأجنبيّ، وقد تمثّل خصوصًا في “لاهوت التحرير” في أميركا اللاتينيّة، لكنْ مع فارقٍ أساس: لا نجد لدى الجهاديّة الوطنيّة الفلسطينيّة بُعدًا طبقيًّا منحازًا إلى الفقراء بصورة صريحة كما نجده لدى لاهوت التحرير.
في مرحلة التحرّر من الاستعمار، خاض الفلّاحون وسائرُ الطبقات الشعبيّة ثوراتٍ مسلّحةً في مختلف البلدان المستعمَرة، لكنْ بقيادة نخب سياسيّة واجتماعيّة برجوازيّة تابعة ذات صبغة دينيّة. وفي حركة المقاومة الفلسطينيّة المعاصرة، بما فيها المكوِّن الجهاديّ الوطنيّ، حلّ محلَّ الفلّاحين لاجئو المخيّمات، الذين كانوا بمعظمهم فلّاحين أو بدوًا في فترة الاحتلال البريطانيّ.
منذ نحو عقديْن، تحوّل قطاعُ غزة، على خلفيّة التطوّرات السياسيّة وبخصائصه “البنيويّة” المشار إليها أعلاه، إلى المعقل الأساس للجهاديّة الوطنيّة الفلسطينيّة. وقد سبق للقطاع أن شكّل قواعدَ رئيسةً لأطيافٍ أخرى في مراحل مختلفة من النضال الفلسطينيّ: حركة القوميين العرب، والنواة الأولى المؤسِّسة لحركة فتح والحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ، في خمسينيّات القرن الماضي؛ الجبهة الشعبيّة برمزها “جيفارا غزّة” في أواخر الستينيّات وأوائل السبعينيّات. ومن المرجَّح أن تستمرّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بمعقلها الغزّيّ ومعاقلها الأخرى (حتى لو انكفأ أحدُ مكوّنات الجهاديّة الوطنيّة)، أيًّا كان لونُ الراية التي تتصدّر مسيرةَ هذه الحركة، ما دامت رايةَ تحرير
[1] حازم الأمين، السلفيّ اليتيم: الوجه الفلسطينيّ للجهاد العالميّ والقاعدة (بيروت: دار الساقي، 2011).
[2] مثلًا: الحياة، 5/12/2010؛ “السلفيّ اليتيم لحازم الأمين: دراسة للنفوذ الفلسطينيّ في الحركات السلفيّة الجهاديّة،” موقع “صحفي” نقلًا عن القدس العربيّ، 3/2/2011؛ عبد الله الرشيد، عكاظ، 25/3/2017 ، ” السلفيّ اليتيم.. من اخترع الجهاديّة العالمية؟”.
[3] الأمين، مصدر سبق ذكره، ص 10.
[4] المصدر نفسه، ص 11 و20.
[5] المصدر نفسه، ص 10.
[6] أنظر مثلًا: أكرم زعيتر، وثائق الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة 1918 – 1939: من أوراق أكرم زعيتر، إعداد بيان نويهض الحوت (بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، 1984)، ص 1- 2، 22، 31 – 32.
[7] المصدر نفسه، ص 14-17، 42.
[8] الحوت، القيادات والمؤسسات السياسيّة في فلسطين 1917- 1948 (بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، 1986)، ص 721.
[9] زعيتر، مصدر سبق ذكره، ص 361؛ الحوت، مصدر سبق ذكره، ص 735.
[10] الحوت، ص 742.
[11] المصدر نفسه، 743.
[12] المصدر نفسه، ص 747-748.
[13] المصدر نفسه، ص 794.
[14] المصدر نفسه، 739.
[15] زعيتر، مصدر سبق ذكره، ص 388 وما يليها.
[16] الحوت، مصدر سبق ذكره، ص 742.
[17] المصدر نفسه، 741.
[18] المصدر نفسه.
[19] أنظر مثلًا: علي حسين خلف، ” تجربة عزّ الدين القسّام: مدرسة جامع الاستقلال ( 1922- 1935)،شؤون فلسطينيّة (بيروت)، العدد 126، أيار/ مايو 1982، ص 89- 91.
[20] خلف، مصدر سبق ذكره، ص 90.
[21] حمّودة، المصدر نفسه، ص 70.
[22] محسن محمد صالح، التيّار الإسلاميّ في فلسطين وأثره في حركة الجهاد، 1917 – 1948(الكويت: مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، 1989)، ص 438 – 439.
[23] المصدر نفسه، ص 441، 445.
[24] أنظر نص المقررات في : الحوت، مصدر سبق ذكره، 794.
[25] خالد عايد، ” صعود تنظيم داعش وانحداره: مقاربة بديلة – تناسل الأطياف السلفيّة،” في: التقرير الإستراتيجيّ 2015- 2016 (بيروت: المركز الاستشاريّ للدراسات والتوثيق، 2017)، ص 181 – 196.
[30] راجع ملف ” حركة الجهاد الإسلاميّ في فلسطين،” إعداد: خالد عايد، مجلة الدراسات الفلسطينيّة، المجلد 10، العدد 37، شتاء 1999، ص 94 – 126، والمصادر المثبتة هناك.
[31] المصدر نفسه.
[32] “مقتطفات من ميثاق حركة المقاومة الإسلاميّة (حماس)،” مجلة الدراسات الفلسطينيّة، المجلد 4، العدد 13، ص 146 وما يليها.
[33] نص الوثيقة في موقع حركة حماس على الانترنت.
[34] محمد أبو رمان وحسن أبو هنية، الحلّ الإسلاميّ في الأردن: الإسلاميّون والدولة ورهانات الديمقراطيّة والأمن (عمّان: مؤسّسة فريدريش إيبرت ومركز الدراسات الاستراتيجيةّ في الجامعة الأردنيّة، ط 2، 2014)، ص 295 – 301.

المصدر: العربية نت 29-03-2019