التشرّد البيئي: نزوح نحو 200 مليون نسمة بحلول عام 2050- نادين شروف

 

يشكّل النزوح أو الهجرة من منطقة إلى أخرى، حالة طبيعيّة لطالما لجأ إليها وإعتمدها الإنسان، لأسبابٍ متعددّة تصب أهدافها في خانة تحسين حياته ومستوى معيشته. إلاّ أنّه في الآونة الأخيرة، ظهرت الكثير من العوامل، التي جعلت من هذه الهجرة أو النزوح، حالة قسريّة غير إختيارية، تجبر الإنسان على ترك حياته وإنتقاله إلى مكانٍ آخر.

تندرج أسباب الهجرة والنزوح، في العادة تحت خانة الظروف الإقتصادية الأمنيّة أو الإجتماعية، ولكن مع التغيرات التي طرأت على حياة البشر، أضافت حالات جديدة تستوجب الهجرة، بحيث ظهر ما يسمى “التشرد البيئي”.

 نزوح شخص واحد كل ثانية

في هذا الإطار، يبلغ عدد الذين يعيشون قسراً خارج بلدانهم ، وفقاً لتقديرات منظمة الهجرة العالمية  في الوقت الحالي، أكثر من 250 مليون شخص، ويرتفع هذا الرقم إلى بليون إذا لحظنا المهاجرين والنازحين داخل وطنهم. ولهذه الهجرة العديد من الأسباب منها القديم ومنها الجديد، بحيث تشير تحليلات الحروب الأهلية، على مدى السنوات السبعين الماضية أن 40 في المئة منها، على الأقل، كانت ترتبط بالسيطرة والنزاع حول الموارد الطبيعية، مثل الأرض والمياه والمعادن والنفط. كما أن النمو السكاني يزيد من أعداد الناس، الذين يسكنون المناطق الهامشية والمتردية بيئياً. ويضاف إلى هذا كله الكوارث الطبيعية التي تدفع أكثر من 26 مليون شخص للنزوح عن ديارهم كل عام، أي ما يقارب نزوح شخص واحد كل ثانية. لكن الجديد في الأمر، هو الهجرة لأسبابٍ بيئيّة، إذ من المتوّقع أن يصل عدد النازحين لأسباب بيئية فقط، بحلول عام 2050 إلى نحو 200 مليون نسمة، وهذا يعني أنه في عالم يبلغ تعداد سكانه تسعة بلايين شخص، فإن شخصاً من بين كل 45 سيضطر لترك دياره لأسباب بيئية، خاصةً في مناطق الجزر المنخفضة.

قضية عالمية

يعتبر التشرّد البيئي حالة عالمية، تعاني منها معظم الدول الغنيّة والفقيرة على حد سواء، وإن كان يوجد بعض المناطق الأكثر تأثراً بهذه الحالة. وفي هذا السياق، توّصل تقرير جديد للبنك الدولي إلى أنه بحلول عام 2050، قد تؤدي الآثار المتردية لتغير المناخ في ثلاث مناطق مكتظة بالسكان في العالم، إلى إنتقال أكثر من 140 مليون شخص داخل حدود بلدانهم. ويحذّر التقرير الذي صدر حديثًا، تحت عنوان “التصور العام: الإستعداد للهجرات الداخلية الناجمة عن تغير المناخ”، والذي يحلّل هذه الظاهرة الحديثة والمشاريع القادمة حتى 2050، بالتركيز على المناطق التالية – أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية – من أنّه ما لم يتم إتخاذ إجراءات مناخية وإنمائية عاجلة، فإن هذه المناطق الثلاث يمكن أن تتعامل مع ما يزيد عن 140 مليون مهاجر داخلي، بسبب تغير المناخ . كذلك سيضطر هؤلاء الناس إلى الإنتقال بسبب الجفاف، وقصور المحاصيل، وإرتفاع مستويات البحار، وزيادة العواصف.

جهود عالميّة

تفصيلياً، وكما يذكر التقرير فمن المتوّقع أن يكون لدى جنوب آسيا 40 مليون مهاجر مناخ داخلي، وتساهم بنغلاديش بثلث هذا العدد.  بالإضافة إلى أنّه يمكن لأفريقيا جنوب الصحراء، أن يكون لديها 86 مليون مهاجر داخلي. في الجهة المقابلة ووفقاً لأسوأ سيناريو بالتقرير، فمن المتوقع أن يكون لدى أمريكا اللاتينية، 17 مليون مهاجر داخلي بسبب تغير المناخ بحلول عام 2050. في المقابل فإن هذه الأرقام قابلة للتغيّر، إلاّ أنّ الأمر يحتاج إلى بعض الخطوات العمليّة، إذ يوضح التقرير أنّه مع تضافر العمل، بما في ذلك الجهود العالمية لخفض إنبعاثات غازات الدفيئة، والتخطيط القوي للتنمية على المستوى القطري ، يمكن خفض هذا السيناريو الأسوأ بشكل كبير، بنسبة تصل إلى 80% أو 100 مليون شخص.

على المستوى العربي

عانت بعض الدول العربيّة ولا تزال، من الحروب وعدم الإستقرار الأمني، الأمر الذي يجعل من التشرد البيئي واقعاً ملموساً . وفي هذا الإطار، ووفق تقرير أصدره المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، عن آثار تغيّر المناخ على البلدان العربية، فإنّ موجات النزوح والتهجير، التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بسبب الحروب والنزاعات، ليست إلا عيّنة صغيرة لما يمكن أن يحصل، حين تضرب الآثار الكاملة لتغيّر المناخ. يضيف التقرير هذا التغيير يشمل نزوح الملايين، من المناطق الساحلية بسبب إرتفاع البحار، والهروب من المناطق الزراعية نحو المدن بسبب الجفاف، وإنعدام سبل إنتاج الغذاء، مما يستدعي وضع خطط للتأقلم ومواجهة الأوضاع المنتظرة.

تتغيّر حياة الناس بسرعة قصوى، وتتغير معها الكثير من الثوابت، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا التغيير نحو الأفضل، أو أن تكون تداعياته إيجابيّة. ففي مقابل الإيجابيات هناك الكثير من السلبيّات، التي تجعل من هذا التطوّر نقمة وليس نعمة.

GreenArea.me أبريل 4, 2018