التشبيك في الوطن العربي: ضروراته وعقباته – زياد حافظ

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر

 مقدمة

في البداية نود أن نشكر مؤسسة محمد عابد الجابري على الدعوة الكريمة التي وجهتها لنا للمشاركة في هذه الندوة حول “الكتلة التاريخية” التي تضمّ المكوّنات السياسية الرئيسية في الوطن العربي يتكّلم عنها بإسهاب الزملاء الأخوة الكرام المشاركون فيها.

أثرنا أن نستذكر البيتين للشاعر التونسي ابي القاسم الشابي، اللذين طالما رددناهما في المدارس وطالما تمّ استذكارهما في شوارع العواصم العربية المنتفضة لنؤكّد إيماننا وقناعاتنا المبنية على العلم والتاريخ والجغرافيا وعلى غريزة البقاء أن لا سبيل لهذه الأمة إلاّ بقيام دولتها القومية الوحدوية بغض النظر عن شكلها الدستوري. هذا هو منطلق مقاربتنا، فنحن من حاملي مشروع نهضة الأمة العربية بكافة مكوّناتها السياسية والثقافية الذي يعبّر عنه المشروع النهضوي العربي. فالمشروع النهضوي العربي يحمل في أهدافه الستة هدف الاستقلال الوطني والوحدة والمشاركة الشعبية والتنمية المستديمة والعدالة الاجتماعية والتجدّد الحضاري. وهذه الأهداف تتطلّب جهود جميع أبناء الأمة العربية وبالتالي تظافر القوى السياسية التي تكوّن المشهد السياسي العربي على تنوّعه الذي يثري الأمة إذا ما انكبّت الجهود على تحقيق الأهداف أو يدمّر الأمة إذا ما اختلفت وغرقت بالهويات الفرعية العبثية والقاتلة وتصارعت على السلطة. وبما أن التحدّيات التي تواجه الأمة بشكل عام وكل قطر بشكل خاص تحدّيات مشتركة في معظمها كمشروع التنمية والعدالة الاجتماعية والتجدّد الحضاري والاستقلال الوطني وأخيرا وليس آخرا الوحدة، فلا بد من تشكيل قدرة سياسية على مواجهة كل التحدّيات المشتركة بين الأقطار والخاصة بكل قطر. هذه هي أرضية طرح “الكتلة التاريخية” الذي أطلقتها أدبيات محمد عابد الجابري ومركز دراسات الوحدة العربية والمؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي.

وليست صدفة أن تكون المؤسسة الداعية لهذه الندوة حول “الكتلة التاريخية” مؤسسة تحمل اسم محمد عبد الجابري. كما انها ليست صدفة أن يكون أمينها العام الأخ

العزيز الأستاذ خالد السفياني ألأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي والمنسّق الحالي للمؤتمر القومي الإسلامي والذي نحيّيه على جهوده المتعدّدة والفاعلة في مواجهة التطبيع مع الكيان الصهيوني إضافة إلى نصرة فلسطين، ومهامه الجديدة في مؤسسة محمد عابد الجابري. وأخيرا ليست صدفة أننا كمشاركين في هذه الندوة كنّا تحمّلنا سابقا المسؤولية كأمين العام للمؤتمر القومي العربي إضافة غلى العضوية في المؤتمر القومي الإسلامي وفي لجنة المتابعة بين المؤتمرين. كما أننا ما زلنا مساهمين في نشاطات مركز دراسات الوحدة العربية الذي أطلق عام 2010 في ذكرى قيام الوحدة بين سورية ومصر “المشروع النهضوي العربي”1 الذي نحمله اليوم. إذن، التكلّم عن الكتلة التاريخية التي تضمّ كافة تيّارات السياسية في الأمة وفي مقدمّتها التيّار القومي العربي والتيّار الإسلامي السياسي إضافة إلى التيّار اليساري والتيّار الليبرالي هو امر طبيعي عندنا يعكس ضرورة ترسيخ تلك الفكرة ضمانة لبقاء الأمة. والكتلة التاريخي لا تلغي التباينات في الفكر إلاّ أنها تتفّق على سلّم أولويات الصراع مع العدو الصهيوني ومن يتحالف معه وضد التدخّلات الخارجية لتفتيت أمّتنا العربية. وقد نكتفي بذلك في هذه المرحلة حتى تتحرّر فلسطين أن شاء الله عن قريب. فالمسألة عندنا مسألة متى وليست مسألة إذا. فعندنا هنا مسألة وجود وليست مسألة “استراتيجية سياسية” فقط أو ترف فكري. كما أنها هي خلاصة لنقاش علمي وبالعمق أجراه مركز دراسات الوحدة العربية عام 19882 ضمّ مفكرّين وباحثين وناشطين من كل مكوّنات التيّارات السياسية العربية نتج عنه إيجاد المؤتمر القومي العربي (1990) وفيما بعد المؤتمر القومي الإسلامي (1994).

لن نسترسل في مقاربة الخلفيات والأسباب لطرح فكرة “الكتلة التاريخية” فهي موضوع الندوة وسيتكلّم عنها الأخوة الزملاء. إلاّ أننا سنركّز على البعد الاقتصادي لتلك الفكرة التي تجسّدها مفاهيم عدّة أهمّها “التكامل” أو “التشبيك” أو “الانصهار” الاقتصادي كما سنوضّح الفرق بين بعض المصطلحات المذكورة. غير أن الفكرة الأساسية التي نطرحها من خلال هذه المداخلة هي أن التشبيك الاقتصادي للوصول إلى الانصهار الاقتصادي بين الدول العربية هو التجسيد العملي وليس المجرّد لواقع الكتلة التاريخية. فلا كتلة تاريخية تستطيع أن تستمر إن لم تترجم على الأرض بعامل اقتصادي يرسّخ قواعد العمل العربي المشترك في مواجهة التحدّيات المشتركة. كما أن التشبيك لن يقوم إلاّ بتوافق الكتلة التاريخية. وهنا نشدّد أن التحدّيات المشتركة ليست فقط على الصعيد الأمة ككل بل أيضا داخل كل قطر. فمعالجة التحدّيات على صعيد الأمة يساهم في معالجة التحدّيات داخل القطر. لكن العكس ليس بالضروري صحيحا، أي نستبعد إمكانية مواجهة التحدّيات الخاصة بكل قطر بعيدا على الأفق القومي. وأن خطر الانزلاق نحو مفهوم “القطر أولا” يؤدّي في آخر المطاف إلى طريق مسدود قطريا وقوميا ولا يخدم إلاّ الكيان الصهيوني العدو

الوجودي للأمة العربية والاسلامية. واستبعاد إمكانية تحقيق تنمية قطرية خارج الإطار القومي ليس موقفا مزاجيا أو عاطفيا بل يستند إلى وقائع مادية تستدعي بحثا معمّقا ومفصّلا قد يكون خارج إطار المساحة الممكنة في هذه المداخلة. لكن سنقاربها بشكل مقتضب عندما نجيب على السؤال: لماذا التشبيك؟ غير أن الجامع المشترك الملموس لتلك “الكتلة التاريخية” هو البعد الاقتصادي الذي يساهم في تثبيت مفهومها.

فما هو ذلك “الملموس”؟ في رأينا هو التشبيك الاقتصادي، وهو شرط ضرورة لتمكين وتثبيت “الكتلة التاريخية”. فإذا كانت “الكتلة التاريخية” مكوّنة من مختلف التيّارات السياسية والاجتماعية في مختلف المجتمعات العربية فإن هذه المكوّنات تتحرّك في أقطار جغرافية تتحكّم فيها المكوّنات الاقتصادية. فالشرائح الاجتماعية والسياسية مرتبطة ارتباطا عضويا بما يشكّل سبل لقمة العيش ومن بعد ذلك الأمن الغذائي ثم الاجتماعي ثم السياسي وأخيرا الثقافي. فكيف يمكن أن نتصوّر كتلة ما خارج إطار يؤمّن لها وسائل البقاء ثم الارتقاء؟ وكيف يمكن تصوّر حالة انصهار اقتصادي يبدأ بالتشبيك خارج إطار الكتلة التاريخية؟ فالكتلة التاريخية هي التي ستقوم بما يلزم لتحقيق التشبيك والانصهار الاقتصادي.

هذه الوسائل لن تتوفّر إلاّ عبر التنمية الاقتصادية، والأخيرة لن تتحقّق إلاّ عبر التشبيك بين الأقطار. فما هو إذن، التشبيك الاقتصادي ولماذا التشبيك وليس التكامل المعهود في مختلف الأدبيات الاقتصادية والسياسية؟

أولا. في المفاهيم وتوضيح المصطلحات

ليس هدفنا هنا إجراء مقاربة للنظريات الاقتصادية حول التكامل وأو التشبيك كي لا يضيع موضوعنا الأساسي أي الكلام عن المضمون الاقتصادي للكتلة التاريخية. لكن لاحظنا أن العديد من الأدبيات السياسية والاقتصادية تتكلّم عن “التكامل” الاقتصادي دون تحديد مضمونه. فمن الناحية النظرية الاقتصادية يكون مضمون التكامل مبنيا على التخصّص حيث يصبح التنافس الطريق إلى التكامل عبر ما يُسمّى بالتفوّق النسبي لكل قطر أو بلد في إنتاج السلع والخدمات التي يمكن أن ينجزها. غير أن هذه المفاهيم إذا ما طُبّقت على أرض الواقع العربي فهذا يعني أن الأقطار العربية ستدخل في متاهات “التخصّص” و”التنافس” دون تحقيق أي تكامل. فمضمون التكامل يحمل مفهوم “سدّ النواقص” بين الأقطار وبين القطاعات وبين المهارات. لكن ما نتكلّم عنه يختلف في الهدف حيث نسعى إلى توسيع الرقعة الاقتصادية عبر توسيع الأسواق لتمكين التجارة البينية بين الدول العربية. فالنظرية الاقتصادية للتكامل الاقتصادي مبنية على فرضيات قد لا تكون منسجمة مع الواقع العربي (وحتى الدولي في رأينا) وبالتالي يصعب علينا القبول بنتائج وتوصيات النظرية كما هي مألوفة.

فنظرية التكامل الاقتصادي المبنية على التخصّص والتنافس شكّلت الغطاء “العلمي” للاستعمار الاقتصادي في القرن التاسع عشر أو الهيمنة الاقتصادية عبر العولمة في القرن الحادي والعشرين. والاقتصاد في رأينا ليس إلاّ السياسة ولكن بلغة الأرقام. بل نقول أكثر من ذلك، فإن النظريات الاقتصادية التي تُدرّس في الجامعات تعكس فكرا

سياسيا واضحا سواء كان النموذج الليبرالي أو اليساري الماركسي. فجميع النظريات التي شكّلت قاعدة “السياسات” الاقتصادية عبّرت عن رؤية وموقف سياسي من القضايا التي تقاربها. فنظرية الريع الاقتصادي (1817)3 على سبيل المثال التي أوجدها دافيد ريكاردو (1772-1823) هو لتبرير فرض الضرائب على مالكي العقارات التي ارتفعت قيمتها بشكل قياسي بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرضه نابليون على المملكة المتحدة. ونظرية كينز (1883-1946) في الانفاق الحكومي كان للخروج من الكساد الكبير الذي عمّ العالم الغربي في الثلاثينات من القرن الماضي كما برّر برامج إعادة إعمار الدول المتضررة من الحرب العالمية الثانية كفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا. أما اليوم فالنظرية النيوليبرالية التي روّج لها فريدريتش فون هايك (1889-1992) وميلتون فريدمان (1912-2006) تبرّر ظاهرة العولمة والهيمنة الأحادية للشركات الكبرى العابرة للدول لإنهاء “التاريخ” أي السياسة التي نظّر لها الباحث فرنسيس فوكوياما4! أما تطوير نظرية الانصهار الاقتصادي فيعود إلى أعمال جاكوب فاينر (1892-1970) وبلا بلاسا ((1928-1991. والنظرية تقول أن الانصهار الاقتصادي يأتي بالتدرّج عبر سبع مراحل: مساحات تجارية تفضيلية، تجارة حرّة، وحدة جمركية، سوق مشترك، وحدة اقتصادية، وحدة نقدية، انصهار كامل. التقييم السريع للتجارب العربية لتلك المراحل تفيد بأن في ظل دولة التجزئة التي فرضها المستعمر وقبلتها نخب حاكمة، فليس بإمكان تحقيق أي نجاح لأي من هذه المراحل. نشير إلى إفشال الوحدة الجمركية بين لبنان وسورية، إلى جعل مشروع السوق العربية المشتركة حبرا على ورق، إلى محدودية التنسيق الاقتصادي بين “تجمّعات” إقليمية كمجلس التعاون الخليجي، والاتحاد المغربي الخ.

أما بالنسبة للتكامل الاقتصادي المبني وفقا للنظرية الاقتصادية على التخصّص والتنافس فذلك يعود لنظرية ريكاردو5. فمبدأ “التخصّص” الذي شجّعه ريكاردو في نموذجه الاقتصادي أدّى إلى “ضرورة” تخصّص المملكة المتحدة في تصنيع الأقمشة، أي السلع الصناعية، بينما البرتغال يكتفي بإنتاج النبيذ وفقا لنظرية التفوّق النسبي للبرتغال في إنتاج النبيذ وإن كان باستطاعة البلدين إنتاج السلعتين! هذا يعني بالنسبة للغربيين أو دول “الشمال” أن تكون لها حصريا مهّمة الإنتاج الصناعي بينما دول الجنوب تنحصر مهمّتها في استخراج المواد الأوّلية دون أي تصنيع أو تحويل لتلك المواد وتكتفي بتصديرها لدول الشمال التي هي تحوّلها وتصنّعها ثم تعيد تصديرها إلى دول الجنوب. وهذا ما فعله المستعمر البريطاني في مصر عبر تفكيك مصانع القطن ورميها في جزر السيشل وفرض سياسة زراعة القطن وتصديرها إلى المملكة المتحدة. القيمة المضافة تبقى في دول الشمال بينم دول الجنوب تكتفي بقيمة مضافة متدنية غير كافية لإطلاق عملية تنمية شاملة أو حتى جزئية. فمصيره التبعية الاقتصادية الدائمة للدول الشمال أو الغرب!

استمرّ ذلك الوضع حتى بعد الحرب العالمية الثانية عندما انتفض اقتصادي من الجنوب، من الارجنتين بالتحديد، واسمه راوول بريبيش (1901-1986) حيث اعتبر أن شروط التبادل التجاري هي لمصلحة دول الشمال وليست لدول الجنوب خاصة أن أسعار السلع المصنّعة في ارتفاع وسعر المواد الخام والزراعية في هبوط6. الفجوة الاقتصادية بين دول الشمال والجنوب تتفاقم وهذا ما أكدّته أبحاث الاقتصادي الروسي الأصل فاسيلي ليونتييف. لذلك يصبح تطبيق ذلك النموذج في الدول العربية وصفة للمزيد من الانقسام والتشرذم وعدم التعاون. فمن يحدّد قطاعات التخصّص وعلى أي قاعدة؟ وهل هناك استعداد للقبول بذلك التقسيم للعمل؟ أسئلة لم تجب عليها النظرية الاقتصادية، ناهيك أن تلك النظرية مبنية على فرضيات ليست بالضرورة واقعية أو صحيحة، ولا حتى في الدول المتقدمة، وبالتالي لا نرى أي مبرّر لسلك ذلك المسار على الأقل في مرحلة بناء الاقتصاد العربي الموحّد. فمن يفرض “التخصّص” هو الأقوى فقط لا غير ومن هنا نفهم هدف النظريات والسياسات الاقتصادية في الغرب، والتي تمّ تصديرها إلى دول الجنوب بما فيها الدول العربية، فهي نظريات مغرضة تخدم فقط من يملك القوّة.

أضف إلى ذلك فإن تلك النظريات مبنية على فرضيات خاطئة وأو غير واقعية ما يجعل استنتاجاتها تتطلّب مراجعة جذرية وهذا ما لم يقم به معظم الاقتصاديين العرب7. وهذه النظريات، ومن ثمّة السياسات، مبنية على الرؤية الرأسمالية لتقسيم العمل بين الدول ما يؤسّس لهيمنة الدول المتقدّمة اقتصاديا (بسبب الاستعمار أولا وأخيرا) على الدول “الناشئة” وإن كانت تلك الدول من أعرق المجتمعات البشرية! ففي القرن التاسع عشر كانت الدول المستعمرة تفرض قراراتها، وفي القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين فرضت الدول الغربية قراراتها على الدول أقلّ نموّا وقدرة على المواجهة. أما اليوم فميزان القوى يتغيّر وبالتالي هناك ضرورة لمراجعة كافة المفاهيم والنظريات والسياسات الاقتصادية “الموروثة” من الحقبة الاستعمارية القديمة والجديدة.

ومفهوم التكامل مغرض حيث يعتبر أن التعاون هو فقط لسد الثغرات أو النقص بينما التعاون يجب أن يهدف إلى توسيع الرقعة الاقتصادية والأسواق لتحقيق استثمارات أكبر وكبح البطالة والاستفادة من وفورات الحجم التي تخفّض كلفة الإنتاج. لذلك نعتقد

أن المصطلح الأصح هو التشبيك بشكل عام وخاصة في مجالات البنى التحتية كسكك الحديد، وأنابيب النفط والغاز والمياه، وشبكات الكهرباء، والتواصل في مرحلة أولى. والتشبيك ليس هدفا قائما بحد ذاته وإن أخذ أنجازه عقدا من الزمن أو أكثر. بل هو خطوة نحو دمج الاقتصادات المعنية في بوطقة واحدة، وهذا هو معنى مصطلح “” integration الذي تُرجم بشكل غير دقيق بمصطلح “تكامل”. ومصطلح “integration” مصطلح رياضي عكسه هو “derivation” أي اشتقاق. والترجمة الأصح لمصطلح “integration” بالمعنى الرياضي هو التفاضل وليس التكامل كما هو معهود في الأدبيات الاقتصادية العربية. ومصطلح “تكامل” هو complémentarité”” بالفرنسية أو ”“complementarity باللغة الإنكليزية وليس” .“intégration لكن القصد هنا، وبغض النظر عن الاجتهادات في الترجمة، هو توحيد الاقتصادات من وحدات اقتصادية مستقلّة بل منفصلة عن بعضها البعض إلى وحدة اقتصادية تشمل كافة المكوّنات الاقتصادية في الوطن العربي. وهذا ينسجم مع تطلّعاتنا في المشروع النهضوي العربي حيث الوحدة هي أحد أهدافه إن لم يكن في رأينا الهدف الأول أو صاحب الأرجحية. وهذه الأولوية نقاش آخر خارج إطار بحثنا هنا وإن كانت الدافع الأساس لمقاربتنا.

فالتشبيك خطوة أولى لتصحيح الإرث الاستعماري. فالاقتصادات العربية بشكل عام حافظت على الإرث الاستعماري الذي حرص خلال فترة الاحتلال للأقطار العربية على منع التواصل الجغرافي بين الأقطار وداخلها. فسكك الحديد (على محدودية رقعتها) مثلا كانت اتجاهاها من الجنوب نحو الشمال، أي من مواقع استخراج المواد الخام إلى المرافئ للتصدير ولنقل جنود الاستعمار إلى الأماكن الاقتصادية الاستراتيجية. كانت شبكات التواصل محدودة بين مختلف المدن ومرتبطة بشكل عضوي مع الساحة الجغرافية للإنتاج والتصدير.

ما زال الوضع الاقتصادي العام في الدول العربية مبنيا على إنتاج سلعة أو سلعتين استراتيجيتين كالنفط أو الغاز أو الفوسفاط أو القطن أو الثمر، أو الاستفادة من قطاع خدماتي يطغى عليه طابع الاحتكار، أو ممر استراتيجي بحري أو برّي ينتج الريع. ولذلك ارث تاريخي يعود إلى ما قبل ظهور الإسلام حيث مصدر الثروة كان اقتناص مجهود الغير بالقوّة، فكانت ثقافة الاثراء عبر الغنيمة ومن بعد ذلك الريع، او بالتراضي فكانت التجارة. فقبيلة قريش على سبيل المثال استطاعت أن تؤمّن حمايات للقوافل في الجزيرة العربية وبالتالي أن تجني أرباحا ريعية مقابل تلك “الحمايات”. والانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي ليس بالسهل لا على الصعيد الاقتصادي البحت ولا على الصعيد السياسي حيث الاقتصاد الإنتاجي يتطلّب نظاما سياسيا مبنيا على المسائلة والمحاسبة بينما الاقتصاد الريعي يعفي النخب الحاكمة من تلك المسائلة والمحاسبة. فالمستفيد من الريع لا يمكن أن يحاسب من يوزّع الريع طالما المستفيد لم يساهم في إنتاجه! فدور المؤسسات للدولة العربية المعاصرة هو تقاسم “الغنيمة” أو الريع وفقا لسّلم أولويات يحدّدها مركز القرار لصالح من يدور في فلكه أو يدعم بقائه.

والانتقال إلى اقتصاد إنتاجي لا يمكن في الظروف الدولية والإقليمية القائمة أن يتم ضمن الحدود السياسية للدول العربية كما ورثتاها من حقبة الاستعمار. والتجربة التاريخية لعدد من الأقطار تدلّ على ذلك (مصر، الجزائر، العراق، سورية مثلا). فلا بد من رقعة اقتصادية واسعة لتبرير الاستثمار في مشاريع اقتصادية مكلفة ولكن ضرورية لتمكين البنية الاقتصادية من تنمية مستدامة. هذه هي إحدى نتائج الدروس لحقبة الدولة القطرية بعد الاستقلال الظاهري عن الاستعمار.

إذن، نعتقد أن المطلوب في هذه المرحلة التكلّم عن التشبيك الاقتصادي للوصول إلى اقتصاد موحّد على مدى ساحة الوطن العربي.

ثانيا-لماذا التشبيك؟

بعد هذه التوضيحات المبدئية حول المصطلحات والمفاهيم نحاول الإجابة على السؤال التالي: لماذا التشبيك؟ وكما أشرنا أعلاه فإن التشبيك من وجهة نظرنا هي الخطوة الأولى نحو توحيد الاقتصادات العربية. لقد أشرنا في عدد من الأبحاث والمداخلات أن الاقتصادات العربية تواجه طريقا مسدودا سواء بالنسبة للبنية الاقتصادية القائمة أو بالنسبة للسياسات المتبعة من قبل النخب الحاكمة. وبالتالي هناك مصلحة الأمن القومي العربي والمنافع الاقتصادية الناتجة عن التشبيك فلا بد إذن من مراجعة التوجّه الاقتصادي في البنى والسياسات نحو أفق قومي لا يلغي الخصوصيات القطرية ولا يتناقض مع مقتضيات الأمن القومي العربي الذي من شروطه الأساسية توحيد الاقتصادات. فلا أفق للاقتصاد القطري بعيدا عن التوجّه القومي. فنحن نعيش في زمن الكيانات الكبرى الناتجة في كثير من الأحيان عن تكتّلات جغرافية وسياسية واقتصادية. هذا ما أكّدته الرؤية الاستشرافية القومية التي أصدرها مركز دراسات الوحدة العربية8. وأكبر دليل على ذلك هو المأزق المستمر في الاقتصاد القطري منذ حصول الدول القطرية على استقلالها من الدول المستعمرة. فالمحاولات لبعض الأقطار لبناء اقتصاد وطني مستقل اصطدم بالمصالح الاستعمارية وامتداداتها في مختلف المجتمعات العربية. فلا تجربة مصر في الخمسينات والستينات من القرن الماضي والتي شكّلت نموذجا ما زال صالحا في رأينا بالنسبة لريادة القطاع العام مع بعض التعديلات، ولا تجربة العراق التي دمرّتها حروب أشعلها المستعمر بالتواطؤ مع بعض الدول العربية تلاها احتلال للعراق، ولا تجربة الجزائر، ولا حتى تجربة سورية استطاعت أن تتخطى المجابهة مع المستعمر القديم والجديد. ففي دولة التجزئة ضعف بنيوي بينما في الوحدة قوّة.

أضف إلى كل ذلك الأزمات المزمنة والبنيوية التي تواجه دولا عدّة كتونس والمغرب ولبنان والأردن والسودان وموريتانيا ودول القرن الإفريقي وحتى دول الخليج خير دلائل على محدودية الأفق القطري. كما ان خطة المستعمر القديم والجديد كانت تستهدف تلك الاقتصادات ومنعها من وصول إلى حدّ تستطيع أن تصون استقلالها

السياسي. فسياسة الإفقار المتلازمة مع سياسة التجهيل عبر برامج تربوية غير صالحة علميا وثقافيا لزمننا هذا تهدف إلى منع الوصول إلى استقلال القرار السياسي العربي. الابتزاز الذي تمارسه بعض الدول النفطية لشراء ولاءات سياسية لا تخدم الشعوب بل مصالح خارجية هو خير مثيل على ما نقوله. ومنذ احتلال العراق يحرص المستعمر على ألاّ تنمو العلاقات الاقتصادية بين العراق ودول الجوار بما يخلق واقعا ماديا وحدويا يصعب تفكيكه إذا ما قام. فالغرب بشكل عام يعمل وينجح حتى الآن لاستدامة التخلّف والفقر في المجتمعات العربية التي تحكمها نخب لا تستطيع أو لا تريد مواجهة المستعمر القديم أو الجديد وذلك رغم وجود الثروات والإمكانيات الهائلة.

هنا لا بد لنا من التوقف والتأمل في الإجابة على سؤال محدّد: كيف يكون حال العرب لو توحدّوا بشكل عام ولو نسقّو سياساتهم الاقتصادية. نقدم هنا بعض الأرقام استخرجناها من التقرير الاقتصادي الموحد لصندوق النقد العربي والتي تجعلنا نقدّر ما هو حجم الوطن العربي وما نخسره إذا ما استمرّ الوضع القائم. فالمساحة الجغرافية للوطن العربي هي 13,3 مليون كم ما يجعله في المرتبة الثانية في العالم بعد الاتحاد الروسي. أما على صعيد السكان، فالوطن العربي يأتي في المرتبة الثالثة مع 400 مليون مواطن وراء الصين (1,3 مليار) والهند (1,0 مليار). والوطن العربي يحتوي على ثروات نفطية وغازية ومائية وزراعية قد تجعله قوّة اقتصادية في العالم يُحسب لها حساب إذا ما تحقّقت الوحدة أو بالحد الأدنى التشبيك. وعلى صعيد الناتج الداخلي فهو في المرتبة السابعة مع 2,3 تريليون دولار وفقا لتقديرات التقرير الموحّد للصندوق النقد العربي الموحّد9 الذي يمكن أن يتضاعف بالتشبيك الاقتصادي وصولا إلى الوحدة أو الانصهار الاقتصادي. وإذا توحدّت الجيوش العربية من عدّة وعتاد فليس هناك من قوّة في العالم تستطيع هزم الجيش الموحّد أو حتى زعزعة استقرار الوطن العربي أو فرض إملاءات لا يقبلها العرب. فالوطن العربي يملك إذن، عناصر القوّة10 التي قد تمكّنه من أخذ مكانته في مجمع الأمم لو توحّد العرب وتأدية رسالته في إنتاج معرفة تستفيد منها شعوب العالم كما فعل أجدادنا.

من جهة أخرى عملت الدول المستعمرة القديمة والجديدة على وضع اليد على ثروات الأمة عبر تشجيع النخب الحاكمة على اتباع سياسات اقتصادية تكرّس البنية الريعية للاقتصاد العربي وتكرّس التبعية للخارج. فنظرية الانفتاح الاقتصادي تجاه الخارج عبر عنوان “استجلاب الرساميل” لتمويل التنمية القطرية التي لا يمكن للمدخرات الوطنية والعربية أن تقوم بها ادعاء باطل من قبل المؤسسات الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي على سبيل المثال وكما تروّجه كلّيات الاقتصاد في الغرب ومن يدور في فلكها. فتمويل توسيع قناة السويس عام 2014 خير أمثولة على ذلك حيث استطاعت الحكومة المصرية تأمين تمويل بقيمة 6 مليارات دولار في فترة وجيزة من المدخرات الشعبية دون اللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية، وهذا ما أقلقها حيث استقلالية

القرار الوطني مرفوضة من قبلها11! لذلك نبدي الحذر الشديد من التوجّهات الدولية والغربية فيما يتعلّق بقضايا التنمية والتمويل وخاصة تلك التي تروّج الاستدانة الخارجية ضمن صفقات لا يغيب عنها الشبهة. فأحد مظاهر تلك المحاولات وهم “الشراكة” مع كتل سياسية اقتصادية كالشراكة مع الاتحاد الأوروبي أو المشاريع المشبوهة كالشراكة المتوسطية التي تهدف إلى إدخال الكيان الصهيوني في وسط الجسم العربي أي بين دول شمال وجنوب البحر المتوسط، أو عبر “علاقات ثنائية مميّزة” مع الدول المستعمرة قديما وجديدا حيث المنافع المتبادلة تميل بشكل كاسر للدول الصناعية المتقدمة على اقتصادات الدول العربية. فهذه “الشراكة” لا يمكن أن تكون متكافئة بين أطراف اقتصادية غير متكافئة في الأصل وكل ذلك هو لتقليص أو حتى منع نمو العلاقات البينية في التجارة بين الدول العربية إلا ضمن أطر محدودة جدّا. وبالمناسبة، نشير هنا إلى الإصرار لدى المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي على عدم تسمية الدول العربية كمجموعة دول عربية بل كدول مجموعة شرق الأوسط وشمال إفريقيا ((MENA لإدخال الكيان الصهيوني ضمن المجموعة. وللأسف أصبحت بعض النخب الحاكمة في الوطن العربي تدعو إما “لتطمين” الكيان او لفتح علاقات ضد “العدو الإيراني” وتناسي أولوية القضية الفلسطينية وتتناسى حتى التعاون الاقتصادي العربي بل تفرض العقوبات على بعضها البعض!

لذلك تصبح الكتلة التاريخية لمواجهة كافة التحدّيات التي تواجه الأمة عملا وجوديا وليس مجرد توجّهات وتمنّيات. وبما أن ذلك الهدف يتطلّب مجهودا كبيرا فلا بد من تحديد مراحل لتحقيق ذلك الهدف. أولى هذه المراحل هي التشبيك. وهذا أمر طبيعي لأننا نعيش في عصر العلاقات الشبكية خاصة بعد الثورة التكنولوجية المستمرة في التواصل والمواصلات والاحتساب. فليست صدفة أن تكون الوثبة الجديدة للصين عبر إطلاق مبادرة الحزام الواحد الطريق الواحد الذي يهدف إلى ربط الصين بغرب أوروبا عبر إعادة الاعتبار لطريق الحرير. فعصرنا هو عصر الاتصال (connectivité/connectivity) أو حتى الاتصال الفائق (hyperconnectivity) وهذا ما يرعب الغرب الذي يرى حتمية خروج دول الجنوب عن سيطرته الذي مارسه خلال قرنين خاصة خلال الحقبة الاستعمارية وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية. فالدول المستعمرة (بكسر الميم) خرجت من الباب مكرهة لتعود من الشبّاك بسبب تواطؤ النخب الحاكمة في دول الجنوب التي أوجدتها.

فما هي أشكال التشبيك إذن؟ للتشبيك عدّة أوجه. الوجه الأول هو في ربط البنى التحتية للأقطار العربية كسكك الحديد وخطوط الكهرباء والمياه والنفط والغاز والطرق السريعة وطبعا المواصلات. ويواكب هذا ضمان حرّية نقل المواطنين والبضائع وإلغاء التعريفات الجمركية بين الدول العربية. الوجه الثاني هو في ربط السياسات

الاقتصادية والمالية. هذا يعني اتخاذ موقف من املاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومصرف الاستثمار الأوروبي إضافة إلى الوكالات التابعة لدول الغرب كصندوق التعاون الفرنسي ووزارة الخزينة الأميركية إلخ. والتنسيق في السياسات النقدية والمالية ضرورة لمواكبة برامج التنمية داخل كل قطر ولتجنّب التضخم المالي والكساد الاقتصادي ولدعم العلاقات الاقتصادية العربية-العربية سواء كانت ثنائية أو جماعية. الوجه الثالث للتشبيك هو التنسيق في برنامج الأولويات في المشاريع التنموية كبرامج التعليم مثلا التي تشكّل القاعدة الاستراتيجية لبناء الأجيال الجديدة من المهارات والابداع. الوجه الرابع للتشبيك هو توحيد المواقف في السياسة الخارجية في المواقف والملفّات المشتركة. والوجه الخامس هو التنسيق في المواقف الأمنية والعسكرية. لكن ما يهمّنا في هذه المداخلة هي الأوجه الثلاثة الأولى وإن كانت لا تنفصل عن البعد السياسي المتمثل في الوجهين الأخرين. فهذه قائمة على سبيل المثال وليست حصرية، فيمكن إضافة أشكال أخرى إذا ما لزم الأمر.

أما نتائج التشبيك فهي عديدة. أولا، هناك النتائج التوظيفية المباشرة التي ستخلق فرصا للعمل وتخفّف من أعباء البطالة المتفشّية سواء كانت بطالة معلنة أو مبطّنة. والبطالة تشكّل البيئة الحاضنة للمشاريع المشبوهة التي تدمّر المجتمعات العربية كما شهدناها في العقود الماضية. كما أن التشبيك يخلق دينامية عمل مشترك ليست موجودة حتى الآن أو إن وجد ذلك العمل فهو محدود الفعّالية. نتيجة ثالثة هي دعم سياسات إعادة الاعتبار إلى المناطق الريفية والتخفيف من الضغط السكّاني على المدن. أضف إلى ذلك فالتشبيك يدعم مقاومة التصحّر لمناطق ريفية يمكن استصلاحها واستخدامها. هذه بعض نتائج التشبيك التي يمكن تعدادها في كل مشروع يُطرح ويُنفّذ.

ما لفت نظرنا ونحن في إطار إعداد هذه المداخلة شحّ الدراسات والمعلومات حول التنسيق العربي وكأنها من المحرّمات. فمن يحاول البحث عبر المحرّك البحثي غوغل سواء في اللغة العربية أو الإنكليزية أو الفرنسية يلاحظ مثلا تغييب أعمال لبيب شقير حول تجربة الوحدة العربية. محرّكات بحثية أخرى كبين مثلا تعرضه ولكن عدد الأبحاث المنشورة محدود جدا. العبرة هنا أنه يبدو من غير المستحّب إن لم نقل من الممنوعات أو المحرّمات الكلام حول الوحدة الاقتصادية أو التنسيق أو التعاون العربي الجدّي، فتكتفي النخب الحاكمة بالقرارات الفضفاضة الانشائية دون تنفيذ فعلي. ويعود هنا الفضل لمركز دراسات الوحدة العربية في التمسّك في هذا الملف أولا عبر هدف المركز وثانيا عبر نشر الدراسات حول التجارب الوحدوية بما فيها دراسة الدكتور لبيب شقير (1986-1926) وإن كنّا نتمنّى المزيد منها 12.

ثالثا-كيف يكون التشبيك عربيا وإقليميا؟

إذا ما اعتبرنا أن التشبيك هو الوجه الآخر للكتلة التاريخية فإن الأخيرة تشمل أيضا دول الجوار المباشر للوطن العربي. ونقصد هنا في المشرق العربي كل من تركيا والجمهورية الإسلامية في إيران. أما في شمال إفريقيا فالمطلوب إعادة تأهيل العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار كالسنغال ومالي وصولا إلى نيجيريا واثيوبيا. فهذه الدول لها موروث ثقافي وتاريخي مشترك مع الحقبة العربية الإسلامية خلال أكثر من ثلاثة عشر قرن. كما أن دولا عربية عدّة دعمت حركات التحرّر في العديد من الدول الإفريقية لا سيّما جنوب إفريقيا. نذكّر بالدوائر الثلاث التي أوردها جمال عبد الناصر في “فلسفة الثورة”13، والتي تضم إضافة إلى الدائرة الإسلامية الدائرة الإفريقية. كان ذلك مفهومه للكتلة التاريخية آنذاك وما زالت صحيحة اليوم. لكن نعي بوضوح أن التشبيك العربي-العربي مرفوض غربيا فما بال التشبيك مع دول الجوار! بعض الدول العربية تقوم بالأسف دور المنفّذ للرغبات الغربية وذلك على حساب مصلحة الشعوب العربية. فالضغوط التي يخضع لها لبنان لعدم التنسيق (فما بال التشبيك) مع سورية في قضية النازحين ورفض العروض الإيرانية في موضوع الكهرباء والتشبيك مع محطّات انتاج الكهرباء نووية خير مثال على ذلك. كما أن اعتراض الولايات المتحدة على التنسيق بين العراق وسورية وكبح توجّه الأردن نحو التنسيق الاقتصادي مع سورية مثل آخر. لكن تلك الاعتراضات تؤكّد صحّة وضرورة ذلك التشبيك أولا لأن الغرب يعترض عليه وثانيا لأنه يشكّل حلاّ لمشاكل كانت حتى الساعة مستعصية.

والتشبيك الاقتصادي يبدأ في القطاعات التي تستوجب استثمارات كبيرة في البنى التحتية إلاّ أن كلفتها قد تفوق قدرة كل بلد على حد سواه، فيجب أن تصبح مشتركة كي تستفيد منها جميع الدول وما يجعل التشبيك حلاّ معقولا لإيجاد تلك البنى ومن ناحية الكلفة. فشبكة سكك الحديد التي تربط شمال الدول بجنوبها وغربها بشرقها خير مثال على ذلك. نذكّر هنا أن ما ساهم في تكريس وتثبيت وحدة الولايات المتحدة هو شبكة سكك الحديد14. لقد أشار المؤتمر القومي العربي في مذكّرة للقمة الاقتصادية لملوك وأمراء ورؤساء الدول العربية15 التي انعقدت في بيروت في مطلع هذا العام إلى سلسلة من المشاريع للتشبيك. تشبيك الشبكات الكهربائية مثلا في الكتل الجغرافية الأربع: بلاد الشام والرافدين؛ بلاد الجزيرة العربية؛ بلاد وادي النيل والقرن الإفريقي؛ وبلاد المغرب العربي. فالنفط والغاز العربي هما أولاّ وأخيرا لشعوب الوطن العربي وليس لحكّامة أو عائلات الحكّام. من جهة أخرى فأن الاستثمار بالطاقات البديلة

كالطاقة الشمسية والرياح والطاقات المتجدّدة بشكل عام قد تخفّف من الاتكال على المحروقات وتساهم في تخفيف تلوّث البيئة.

أما القائمة الأولية لمشاريع التشبيك على سبيل المثال فهي:

المشروع الأول هو بناء السكك الحديدية التي تربط بين أقطار الأمة وتساهم في نقل المواطنين العرب والبضائع التي تنتجها لتنمية التجارة البينية بين الأقطار والتي ما زالت ضعيفة حتى الآن. فمعظم التجارة الخارجية العربية تصدّر سلعها إلى الخارج وتستورد معظم حاجياتها منه دون التركيز على الأسواق العربية. صحيح أنه سبق للجامعة العربية إقرار السوق العربية المشتركة (1957) لكنها ظلّت حبرا على ورق بسبب غياب الإرادة السياسية للنخب الحاكمة وبسبب هيكلية الاقتصاد لهذه الأقطار التي تركّز على الريع كمصدر أساسي لإنتاج الثروة كما أشرنا في أبحاث عدة.

المشروع الثاني هو تشبيك شبكات الطاقة بين كافة الأقطار.

المشروع الثالث هو تشبيك قنوات وأنابيب المياه بين كافة الأقطار.

المشروع الرابع هو تشبيك أنابيب النفط والغاز بين كافة الأقطار.

المشروع الخامس هو خطوط المواصلات السلكية واللاسلكية.

المشروع السادس إنشاء اسطول عربي لنقل البضائع العربية.

المشروع السابع توحيد خطوط الطيران العربي وسائر وسائل النقل البرّية

يمكن إضافة مشاريع أخرى كما يمكن الاكتفاء بمشروع واحد كبداية للعمل من أجل استنهاض العمل الوحدوي.

توضيحات. تشبيك سكك الحدد العربية وربط المغرب العربي بالمشرق العربي وبجنوب الجزيرة العربية وبلاد واد النيل والقرن الإفريقي هو الهدف الاستراتيجي الاقتصادي الوحدوي. كلفة الكيلومتر من السكّة الحديدية حوالي مليون دولار. طول شبكة سكك الحديدية المطلوبة قد تصل إلى 20،000 كيلومتر أو أكثر أي بكلفة 20 مليار دولار تقريبا. شبكة السكك الحديدية تساهم في ربط الأواصر الجغرافية للوطن العربي وتساهم في رفع مستوى التجارة البينية بين الدول العربية التي ما زالت متدنية وفقا للتقرير الاقتصادي الموحّد الصادر عن صندوق النقد العربي. فالشبكة تساهم في فتح الأسواق للسلع العربية ما يتيح الفرصة للمزيد من الاستثمارات. كما أن الشبكة تنقل المواطنين من قطر إلى قطر وداخل كل قطر فتساهم في التخفيف من النزوح إلى المدن وما يرافق ذلك من ضغط إسكاني وسكاني على البنى التحتية في المدن. ويتلازم مع ضرورة نقل المواطنين بين الأقطار العربية إلغاء التأشيرات بين الدول العربية.

أما التشبيك في قطاع الطاقة الكهربائية، فإن كلفة إنتاج ميغاوات واحد من الكهرباء يكلّف حوالي المليون دولار. إن الطاقة الكهربائية المحتاجة للوطن العربي يجب أن

تلبّي النمو السكّاني والتقديرات المتداولة تفيد بأن الوطن العربي بحاجة لتوليد طاقة إضافية تبلغ 227 ألف ميغاوات بحلول 2035 أو حوالي 230 مليار دولار من استثمارات كبيرة جدّا لا يمكن توفيرها إلاّ بالتنسيق أو الشراكة العربية-العربية.

كما هناك حاجة ملحّة للاستثمار في برامج التربية لتأهيل المواطن العربي للعيش في عصر التكنولوجيا. وهذا التأهيل شرط ضرورة لتحقيق التشبيك فالانصهار. ولكن قبل كل ذلك يجب محو الأمية، الذي وصل إلى ما يوازي أكثر من 19 بالمائة من إجمالي سكّان الوطن العربي لعام 2015، وذلك خلال فترة عشر سنوات لتمكين ذلك التأهيل. وإذا اعتبرنا معيار كلفة الأمية في الوطن العربي ما يوازي 0،5 بالمائة من الناتج القومي فإن الكلفة تصبح ما يوازي 23 مليار دولار سنويا. فالأمية تحدّ من التوظيف أو الاستخدام وبالتالي تساهم في تفشّي البطالة، وتحدّ من الإنتاجية في العمل فلا يزيد الناتج الداخلي كما يجب، وتحدّ من اقتناص الفرص، وأخير تحدّ من التمكّن من التكنولوجيات الحديثة. أما على الصعيد الاجتماعي فإن الأمية تنعكس على ضعف قراءة الإرشادات الصحّية، وتساهم في تفاقم الجريمة، وتحدّ من الوصول إلى الرفاهية. فمهما كانت كلفة محو الأمية فإن كلفة استمرارها أكثر من كلفة محوها. بالمقابل، تفيد دراسات عديدة أن محو الأمية يؤدّي إلى رفع الدخل الفردي بنسبة 6 بالمائة عمّا هو عليه الآن. كما أن على البرامج التربوية إعادة تأهيل التراث الفكري العربي في الفلسفة والعلوم إضافة إلى الأدب لتثبيت قواعد المعرفة العربية وللغرف في كنوز التراث الذي ما زال معظم العرب يجهله.

الاستثمار في البحوث العلمية عبر تخصيص على الأقل ما يوازي 5 بالمائة من الناتج الداخلي كي تتحقّق المنظومة المعرفية والتجدّد الحضاري من جهة، وتحقيق الاختراقات التكنولوجية التي تشكّل أساس الاقتصاد المعاصر. امّا اليوم، فنسبة الانفاق على البحوث العلمية يكاد يصل إلى 0،4 بالمائة من الناتج الداخلي. كما ندعو إلى الاستثمار في التكنولوجيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المصغّرة (نانوتكنولجي) على سبيل المثال وليس الحصر. وأخيرا وليس آخرا ندعو إلى الاستثمار في القطاع الزراعي واستصلاح الصحاري وتحلية المياه وذلك لتمكين الأمن الغذائي للوطن العربي.

رابعا-عوائق التشبيك

عوائق التشبيك الاقتصادي لا تختلف في الجوهر عن التي تعادي الوحدة16! فإذا كانت الأخيرة على الصعيد الشعبي ممكنة يل مقبولة أن لم تمكن مرغوبة فإن النخب الحاكمة تنظر إلى ذلك بالريبة لأنها لا تستطيع حينئذ اللعب على التناقضات بين مكوّنات الدول

العربية لتكرّس هيمنتها على مقدّرات البلاد. لكن هذا لا يعني أنها لن تستفيد من التشبيك بل تصبح مهمة مروّجي التشبيك توضيح تلك المنافع.

وهناك نوعان من العوائق التي قد تحول دون تحقيق التشبيك. النوع الأول هو موضوعي ويعود إلى بنية الاقتصادات العربية وطبيعة الحكم العربي إضافة إلى واقع التدخّلات الخارجية التي لا يمكن أن تقبل بوحدة العرب. “فبالنسبة للبنان يشكل احتمال تشبيك لبنان اقتصاديا مع الجوار ومع دول الشرق الكبير انطلاقا من سورية خطرا جديا على منظومة الهيمنة الغربية الصهيونية في المنطقة ولذلك يتحول خبر صغير عن وفد صيني في البقاع وعن عقد روسي في الشمال إلى قضية امن قومي اميركي تثيرها سفيرة الولايات المتحدة مع بعض المسؤولين مرفقة بجرعات من التهديد العدائي الذي حفظ في الكواليس”17. أما على الصعيد الذاتي فهناك أصحاب المصالح الضيّقة داخل كل قطر التي ترى أن التشبيك قد يهمّشها أو يقضي على مصالحها إضافة إلى ضعف النخب المؤمنة بالتشبيك والانصهار الاقتصادي وحتى فكرة الوحدة العربية. لكن هذا يدلّ على قصر نظر تلك النخب أو أصحاب المصالح الضيّقة فلا بد من التأكيد على المنافع التي سيحصلون عليها من خلال التشبيك وإن كانت بأشكال مختلفة عمّا كانت عليه. ما نريد تأكيده هو أن المصلحة هي مصلحة الجميع وبالتالي على الجميع العمل من أجل تحقيق الانصهار الاقتصادي بدءا بالتشبيك.

فعلى صعيد البنى الاقتصادية لقد أشرنا أعلاه إلى الطبيعة الريعية للاقتصادات العربية. في الحقيقة، ليست لدى العرب ثقافة لإنتاج الثروة عبر المجهود الفردي أو الجماعي. بالمقابل، لدى العرب ثقافة متقدّمة في توزيع الثروة بينما الغرب ثقافته مبنية على إنتاج الثروة. فعند العرب ثقافة الغنيمة أي اقتناص مجهود الغير بالقوة أو الربح التجاري التي هي أيضا اقتناص مجهود الغير ولكن بالتراضي أو ثقافة الريع التي لا ترتكز إلى مجهود فردي أو جماعي. قدمنا منذ عدّة سنوات بحثا18 حول طبيعة الاقتصاد الريعي العربي وعلاقته بالفساد والفئوية التي هي مظلّة للقبلية والعشائرية والطائفية والمذهبية والمناطقية والقطاعية. والريع هو المردود الذي يأتي دون مجهود بل فقط بمجرد ملكية إما وسيلة إنتاج أو احتكار سلعة أو خدمة لا يمكن المجتمع الاستغناء عنها. فالفساد والفئوية تغذّيان الاقتصاد الريعي كما أن الأخير ينتعش بالفساد والفئوية. وهنا تكمن الصعوبة في التحوّل من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي الذي يساهم في تحويل البنية السياسية. نستطيع أن نسترسل أكثر في توضيح معالم البنية الريعية للاقتصادات العربية غير أن المساحة المتاحة في هذا البحث محدودة. فالاقتصادات الريعية ليست محصورة بالدول النفطية بل تشمل جميع الدول كما أوضحناه في الدراسة المذكورة. يكفي أن نشير إلى الأدبيات المتزايدة التي تشير إلى

الريع وتندّد به في مختلف الدول العربية. والشعارات المندّدة للفساد والتبعية التي يرفعها المتظاهرون في الميادين والشوارع العربية تؤكّد ما نقول. فالفساد والتبعية توئمان والريع هو ما يغذّيهما. وقد اشارت بعض الدراسات19 أن أولوية النخب الحاكمة هي توزيع الثروة وليس في تحديد مصادرها ومن هنا كانت الركيزة للفساد المتفشّي في الدول. النظام الريعي يتنافى مع المسائلة والمحاسبة بينما الاقتصاد الإنتاجي لا يستقيم إلاّ مع المسائلة والمحاسبة. لذلك نرى مشكلة كبيرة في الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي لما يجب أن يرافق كل ذلك من تغيير في البنى السياسية وترسيخ قاعدة المسائلة والمحاسبة. والصعوبة لا تعفينا من مسؤولياتنا في التركيز على ضرورة تغيير طابع الاقتصاد العربي من طابع ريعي إلى طابع إنتاجي. غير أن الأمور تسير بشكل لم تتصوّره النخب الحاكمة أو حتى المعارضة لها. فالجماهير تتحرّك وقد تفرض ذلك التغيير وإن ما زلنا في بداية الطريق المحفوف بالمخاطر والمطبّات.

من ضمن الإشكاليات التي ستواجه التوجّه نحو التشبيك العلاقة غير الطبيعية بين الأنظمة الحاكمة ودوائر القرار السياسي والاقتصادي الخارجية. فالسياسات النيوليبرالية المتبعة منذ السبعينات من القرن الماضي وصلت إلى طريق مسدود. وما زال تأثير سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي متحكّما بسياسات الحكومات العربية كي تحظى على تمويل يزيد من تبعيتها لتلك المؤسسات فالخارج. فسياسة الاستدانة الخارجية التي تشجّعها تلك المؤسسات هي امتداد لسياسات الإدارات المتتالية في الولايات المتحدة كما أوضحها أحد منفّذي تلك السياسات20. من جهة أخرى نشير إلى النقد اللاذع لسياسات الصندوق والبنك الدولي الصادر عن “ابن المؤسسة” الاقتصادي البارز الحائز على جائزة نوبل (2001) في الاقتصاد جوزيف يوجين ستيغلتز21 يشرّح فيها السياسات الخاطئة للصندوق والبنك المروّجة للعولمة والتي أدّت إلى إفقار الدول التي اتبعتها.

أما على صعيد العوامل الذاتية فالنظام الريعي القائم أفرز طبقة من المنتفعين من أصحاب الاحتكارات غير الطبيعية التي يوفّرها النظام السياسي القائم. وعلينا أن نعترف أن الكثيرين من النخب العربية الحاكمة لم تعد تؤمن بضرورة بذل أي مجهود لتحقيق ذلك بسبب تضاربها مع مصالحها الضيّقة. بالمقابل، فإن النخب المؤمنة بالوحدة إما مهمّشة أو إما عاجزة عن ترويج فكرة الوحدة والانصهار الاقتصادي.

فعلى سبيل المثال فإن أزمة النقص في الكهرباء في لبنان خير دليل على ما نقول. فأصحاب المولدّات الكهربائية والمستوردون الكبار للفيول لتشغيل المولدّات وما لهم من “حمايات” سياسية يقفون في وجه تأهيل الطاقات الإنتاجية للكهرباء. وهم أيضا من يعارضون التشبيك مع كل من سورية والعراق والجمهورية الإسلامية في إيران.

وتتطابق مصالحهم مع توجّهات الإدارة الأميركية التي ترى بريبة أي تقارب بين لبنان وسورية والعراق، فما بالك مع الجمهورية الإسلامية في إيران! يقول المثل العامي أن الديك على مزبلته صيّاح. التشبيك قد يحولّهم من ديوك إلى دجاج فقط ويأخذ مزبلتهم!

هذه القوّى ستثير بشكل قوّي مسألة “السيادة” الوطنية في وجه التشبيك الذي قد يحدّ من السيادة الوطنية. فالعمل المشترك يأخذ مصالح الغير بعين الاعتبار وقد يعتبر البعض أن التنازلات المتبادلة هي انتقاص من السيادة. هذه مشكلة حقيقية لا يمكن تجاهلها. فمن ضمن الشعارات المرفوعة ضد مؤسسات الاتحاد الأوروبي هو انتقاص السيادة الوطنية. بالمقابل نعتبر أن الحساسيات بين الدول الغربية التي تحكّمت بعلاقاتها الحروب في ماض لم يكن بعيدا ليست بنفس الحدّة بين الأقطار العربية وإن كان العديد من النخب الحاكمة يشجّع على ذلك (فالحرب على اليمن وسورية من قبل دول عربية خير مثال على ذلك). فالتفاوت في الثروات الطبيعية فوق وتحت الأرض بين الدول العربية التي أوجدها المستعمر الأوروبي من حوافز تقويض العمل العربي المشترك.

لكن وللإنصاف، هناك نمط من التعاون (ليس مثاليا في رأينا) قد حصل بالفعل ويحصل بشكل متزايد وهو في حركة رؤوس الأموال العربية التي أصبحت تنتقل بسهولة أكبر بين الأقطار العربية بينما تستمر القيود على حركة العمالة العربية بين الأقطار. وهذا يعني أن المال أو الرأس المال أهم من العمل! فالانفتاح على الاستثمار في معظم الدول أدىّ إلى تزايد في الحركة الاستثمارية العربية بين الأقطار العربية وإن كانت نسبة تلك الاستثمارات لمجمل الاستثمارات العربية خارج الوطن العربي صغيرة. وتُقدّر الاستثمارات العربية من ودائع واستثمارات مباشرة خارج الوطن العربي بأكثر من ثلاثة ألاف مليار دولار بينما الاستثمارات العربية في الوطن العربي لم تتجاوز خمس مائة مليار دولار معظمها في قطاع الطاقة. وهذه الاستثمارات العربية (خارج قطاع الطاقة) محصورة في قطاعات غير منتجة كالاستثمار العقاري بكافة أشكاله (فنادق ومنتجعات ومراكز تجارية) أي استثمارات لا تؤدي إلى التراكم الرأس المالي وإن أدّت إلى تفعيل قطاعات تابعة كقطاع الإسمنت وبعد العمالة. كما أن الطابع الأساسي لهذه الاستثمارات هو الريع الذي يبقي الاقتصاد القطري منكشفا وتابعا لمراكز قرار خارجية. فالاستثمارات المطلوبة في رأينا هي للقطاعات الإنتاجية من السلع وحتى من الخدمات التي تأتي بقيمة مضافة متزايدة. فعلى سبيل المثال وليس الحصر إن الاستثمار في قطاعات المعرفة العلمية هي التي ستوّلد القيمة المضافة. ونذكّر أن أساس الثروة في التاريخ الاقتصادي لدول الغرب كان ملكية الأرض في القرن الثامن والتاسع عشر بينما أصبح الرأس المال مصدر الثروة في القرن العشرين. أما في قرن الحادي والعشرين فإن مصدر الثروة هو المعرفة وأساس المعرفة هو العلم. إن حجم الاستثمارات العربية في البحوث العلمية ضئيل جدا إن لم يكن غائبا. ويشير الدكتور أنطوان زحلان في مؤلفاته العديدة على ضرورة السيطرة على المعرفة. حتى الآن ما زال التعاون في البحث العلمي بين الأقطار العربية وحتى الخارجية محدودا للغاية إن لم نقل معدوما!

أما الوجه الآخر لحركة رؤوس الأموال العربية فهو الاستثمار في المؤسسات المالية القائمة وخاصة تلك الاستثمارات التي مصدرها الريع النفطي. والقطاع المالي العربي بشكل عام مولج بتدوير الفوائض المالية الناتجة عن الريع النفطي. وهنا أيضا شكوك في جدوى تلك الاستثمارات التي لا تساهم في تكوين الرأس المال أو الزيادة في القيمة المضافة للنشاط الاقتصادي.

إن العمل التعاوني العربي ما زال محدود الآفاق بسبب بنية الاقتصاد العربي الذي يرتكز على توزيع الريع بدلا من إنتاج الثروة وبالتالي يغيّب القرار السياسي لدفع المزيد من التعاون. لكن وللأنصاف لا بد من الإقرار بأن الجهود المشتركة لم تتوقف لإقامة نوع من التجمع الاقتصادي بين الأقطار العربية. فكمية القرارات التي صدرت، والتزايد في الأجهزة المؤسسة التي أنشئت للإشراف على التجمّع الاقتصادي ما زالت مستمرة. لكن العبرة كانت وما زالت في التطبيق وترجمة العمل القانوني والمؤسسي إلى واقع متجذر في البنية الاقتصادية العربية. ومن المعالم المشرقة ما تّم إنجازه في دول مجلس التعاون العربي وإن كانت اقتصادات تلك الدول مبنية على الريع المالي النفطي كما أشار إليه الدكتور خيرالدين حسيب في افتتاحية22 بمناسبة مرور خمسين سنة على الوحدة بين مصر وسوريا. طبعا، هناك انتكاسات كبرى حصلت فيما بعد في موقف جامعة الدول العربية من سورية وتجميد عضويتها وما تلاه من تجميد العلاقات اقتصادية. لكن في رأينا، هذه محطّات عابرة لن تصمد أمام الضرورة الوجودية للتعاون فالتشبيك فالانصهار فالوحدة. كما لا بد من الإشارة إلى المؤسسات التي تمّ إنشائها كالصناديق الإنمائية العربية أي كل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي (1967) وصندوق النقد العربي (1976). أما الصناديق الوطنية فهي الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية (1961) وصندوق ابوظبي للتنمية (1974) وإن كانت قطرية أساسا فإن مداخلاتها الإٌنمائية تؤثر إيجابا على شد أواصر التعاون العربي. أضف إلى ذلك ما يعرف اليوم بالصناديق المالية السيادية التي أصبحت لاعبا أساسيا في الحقل الاستثماري العالمي. ولعل أهم ما يميّز هذه الصناديق هو رسملتها بصورة تسمح لها بالقيام بالعمل المنوط بها بصورة فاعلة. وهذه الصناديق تستطيع أن تساهم في رأس مال المشاريع العربية المشتركة كمشاريع الطاقة أو مشاريع بنيوية مشتركة كربط شبكات الكهرباء بعضها ببعض. لكن المطلوب هو القرار السياسي.

خامسا-المطلوب

ما هو مطلوب هو إعادة نظر شاملة من قبل النخب الحاكمة في السياسات الاقتصادية أولاها تفعيل القرارات المتخذة بشأن العمل العربي المشترك. نسترجع هنا بعض ما جاء في مذكرة المؤتمر القومي العربي للقمة الاقتصادية العربية المذكورة سابقا. كما

أن المطلوب إقناع تلك النخب بمنافع ومكاسب الانصهار الاقتصادي وهذه مهمة في غاية الصعوبة والحساسية.

فعلى صعيد الحكومات هناك سلسلة من السياسات التي يجب أن تتغير فورا. أولى هذه السياسات هي سياسة العقوبات الاقتصادية المفروضة بشكل غير قانوني بالنسبة لميثاق جامعة الدول العربية وخلافا لمبدأ الأخوة والتكامل والواحدة. فقرار العقوبات على كل من سورية واليمن وقطر ولبنان ومنع محطّات تلفزيون عربية من الاستفادة إما من نايل سات أو عربسات، هي غير أخلاقية وغير قانونية وتؤذي الشعوب. فالخلافات بين الحكومات العربية لا يجب أن تنجر على الشعوب. وفي السياق نفسه، إن تعليق عضوية سورية في جامعة الدول العربية وهي من الدول المؤسّسة، منافية لميثاق الجامعة، ومنافية لروح التضامن والتكامل والوحدة ناهيك أنها غير أخلاقية في المرتبة الأولى. فلا عملية تنمية أو تعاون أو تشبيك يمكن أن تجري في المشرق العربي وسورية خارجها ليس فقط لدورها ومكانتها الاستراتيجية فحسب بل ايض لما يمكن أن تقدّمه للأمة وهي تدفع ثمن حماية كرامة الأمة العربية. وأخيرا، يجب التنديد بسياسات تلحق الضرر والأذى بدول شقيقة كتمويل السد في اثيوبيا من قبل بعض الدول العربية نكاية بمصر وشعبها.

السياسات التنموية المحصورة ضمن القطر بحجة السيادة الوطنية يجب أن تخضع إلى مراجعة حيث البعد القومي يتوازن مع الظرف الوطني. التخطيط، الذي ندعو إلى إعادة اعتباره يجب أن يحمل في طيّاته البعد القومي. فعلى سبيل المثال، إن تشبيك البنى التحتية، وخاصة في قطاع الطاقة، ضرورة لترشيد الاستثمارات الكبيرة التي تتطلّبها تلك البنى لجعل الكلفة المتوسّطة أقل ولتوسيع رقعة السوق لها. كما أن التنسيق في السياسات التي ستؤدّي إلى تفعيل التجارة البينية بين الأقطار تطلّب التخطيط له. فالبعد القومي إذن لمشروع التنمية يرتكز إلى سياسة التخطيط.

يجب إعادة الاعتبار إلى سياسة مقاطعة البضائع الصهيونية التي تتوغّل في عدد من الدول العربية تحت ستار شركات وهمية خارج الكيان بينما هي فعليا هي واجهتها. فهناك شركات صهيونية مقنّعة تعمل في قطاع التواصل والمواصلات العربي مما يشكّل تهديدا مباشرا للأمن القومي العربي

كما يجب تجنّب السياسات النيوليبرالية التي تروّجها المؤسسات المالية الدولية وفي مقدّمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وهذه السياسات تعتمد “التقشّف” في الانفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية والمساعدات العينية في دعم السلع الأساسية التي يحتاجها المواطنون وذلك تحت ذريعة “التوازن” المالي. لكن في الحقيقة الغرض المطلوب هو تقليص إن لم يكن إخراج القطاع العام من الدورة الاقتصادية عبر “الخصخصة” التي تفيد الاوليغارشيات المحلّية والدولية. كما أن هذه السياسات تهدف إلى “تهيئة” المناخ الملائم للاستثمارات الخارجية الخاصة لتقود النشاط الاقتصاد الوطني، أي بمعنى آخر، تسليم الاقتصاد للمستثمر الخارجي الذي في معظم الأحيان يكون من الشركات العابرة للقارات والمتعددّة الجنسية. كما أن هذه

السياسات تهدف إلى تكريس قوّامة المؤسسات المالية في الاقتصادات الوطنية وذلك على حساب القطاعات الإنتاجية. كما أنها تؤدّي إلى تمركز النشاطات الاقتصادية في القلّة فتساهم في تنمية الاحتكارات واصطناع الندرة وتفاقم الفجوات الاقتصادية والاجتماعية. والسياسات النيوليبرالية تؤدّي في آخر المطاف إلى فقدان الاستقلال الوطني عبر التبعية للخارج كما أنها تساهم في تعميق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية في القطر.

لذلك يجب إعادة الاعتبار للقطاع العام وترشيده لأنه مؤهل لحمل هموم المواطنين أكثر من القطاع الخاص. ويتلازم هذا التأهيل مع عودة ثقافة التخطيط المركزي الذي يحدّد السياسات الوطنية المطلوبة. كما يجب مراجعة سياسات التقشّف التي تؤدّي إلى البطالة والتفقير واليأس. وما يحصل في دول الغرب من حركات شعبية احتجاجية على تلك السياسات خير دليل على فشل السياسات النيوليبرالية المعتمدة. وفي وطننا، يصبح الأردن مثالا على كل ذلك.

والإصلاح الاقتصادي المطلوب يختلف عن برامج “إعادة الهيكلة” التي تروّجها المؤسسات الدولية. نقصد بالإصلاح الاقتصادي تحويل الاقتصاد العربي من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي من جهة وإلى توازن بين القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة والإنشاءات والخدمات. وذلك الإصلاح يتطلّب مشاركة المكوّنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مما يعني ضرورة إجراء إصلاح سياسي يؤمّن تلك المشاركة الفاعلة والفعّالة.

ويجب أيضا تجنّب تمويل المشاريع الاستثمارية عبر الاستدانة الخارجية. فخلافا لترويج المؤسسات المالية الدولية فإن المدّخرات الوطنية في الدول العربية تكفي إلى حدّ بعيد مستلزمات التمويل. وإذا كان لا بد من تمويل خارجي فعليه أن يكون من مصادر صديقة يهمّها نجاح المشروع الاستثماري. كما أن صيغة مشاريع التي تعتمد مبدأ “بناء، إدارة، فتحويل” والمعروف بالإنكليزية بمبدأ “بي، أو، تي” يمكن اعتمادها أيضا. لكن الأولوية يجب أن تكون للمدخّرات الوطنية.

أما على صعيد المنظمّات والهيئات الشعبية والمنتديات الثقافية العربية فهناك مهام أساسية لترويج فكرة التشبيك والانصهار الاقتصادي التي ستضغط على النخب الحاكمة. بما أن المبادرة التي نطرحها آتية من هيئة شعبية فمن الطبيعي والضروري إيجاد الآلية الشعبية المناسبة. نقترح في مشروع سكّة الحديد مثلا الذي هدفه ربط الأمة من المحيط إلى الخليج إنشاء أربع هيئات عليا في كل من دول الاتحاد المغربي (المغرب، موريتانيا، الجزائر، تونس، وليبيا)، دول وادي النيل والقرن الإفريقي (مصر، السودان، ايريتريا، جيبوتي، الصومال)، دول الجزيرة العربية (اليمن، عمان، المملكة، الإمارات، قطر، البحرين، والكويت)، دول بلاد الرافدين وبلاد الشام (لبنان، سورية، العراق، الأردن، فلسطين).

ومهمة الهيئة العليا الإقليمية لسكك الحديد التنسيق بين الهيئات القطرية التي ستتولى المهام التالية:

أولا-تعبئة الطاقات العربية لخدمة المشروع؛ وثانيا، إعداد دراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمشروع على الأقل بخطوطه العريضة؛ وثالثا، إعداد خطة التمويل بين رأس مال يكتتب ودين داخلي عربي طويل الأجل؛ ورابعا، إعداد الخطة الترويجية الشعبية لبث الوعي بين شعوب الأقطار والضغط على النخب الحاكمة لتحقيق المشروع؛ وخامسا، إعداد جدول زمني يحدّد المراحل لتحقيق المشروع وربط المجهود المبذول بالنتائج المحققة.

الهيئة القطرية قد تضم أعضاء الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي والقومي الاسلامي من الأقطار المعنية وأعضاء المؤتمر القومي العربي الراغبين في المشاركة في النشاط، وذلك هو تجسيد عملي للكتلة التاريخية. فهناك طاقات تقنية مميّزة في كل قطر ترغب وتستطيع أن تقدّم شيئا ما لتحقيق المشروع، بالتعاون مع الهيئات الشعبية والمنتديات القائمة في كل قطر. ومهامها هي ترسيخ الوعي وتوضيح منافع الانصهار الاقتصادي لجميع فئات المجتمعات العربية. كما أن مهامها وضع خطط عمل على كافة المستويات الإقليمية والقطرية في آن واحد ودراسة الإمكانيات والسبل لتحقيق الأهداف المرحلية ومراجعة كل مرحلة عند استحقاقها.

من أعمال الهيئة القطرية إبلاغ الهيئة العليا الإقليمية التي تقوم بدورها التنسيق مع الهيئات الإقليمية الأخرى.

نعتقد أن هذه الألية لكل مشروع قد تحقّق الأهداف التالية: أولا، الانتقال من حقبة طرح الأفكار إلى حقبة العمل الفعلي؛ ثانيا، تعبئة الطاقات البشرية العربية وبث الوعي الوحدوي فيها؛ ثالثا، الضغط المباشر وغير المباشر على النخب الحاكمة للقيام بواجبها تجاه المشروع.

سادسا-انشاء مركز عربي لدراسات التشبيك العربي والإقليمي

هذه الأفكار والمقترحات تقودنا إلى ضرورة إنشاء مركز عربي لدراسات التشبيك العربي والإقليمي. فكما قام مركز دراسات الوحدة العربية لمقاربة المشهد العربي بشكل علمي ودراسة الوحدة وقضاياها من ناحية علمية فإن عملية التشبيك تتطلّب عملا مماثلا. تقديرات أوّلية تفيد أن ميزانية إقامة وتشغيل ذلك المركز تتطّلب استثمارا سنويا لن يتجاوز ما يوازي 300 ألف دولار. يمكن مناقشة ذلك الاقتراح إذا وجد المجتمعون الأمر مناسبا.

المصدر: ورقة قدّمت في ندوة “الكتلة التاريخية” نظّمتها مؤسسة محمد عابد الجابري في الرباط في 26-27 نيسان/ابريل 2019