إيران بين الأمس واليوم- اسماعيل النجار

بلاد فارس، إيران، أمبراطورية آل بهلوي ألتي إستَمَرَّت لمئات السنين وكانت إستبداديةً وفَردِيَة القرار بحكمها، لم يكن فيها مؤسسات حُرَة ولا برلمان ولا إنتخابات ولا ديمقراطية، نظامها كانَ قائماً على التعيين حتى عهد السُلالَة القاجارية، التي جَرَت في عهدها أول إنتخابات برلمانية في البلاد عام 1906 على أثر ثورَة السيد البهبهاني والسيد الطبطبائي التي أجبرتهم على إجرائها وصنع اول برلمان في بلاد فارس العريقة.

بعد ذلك حصلت ثورات عِدَة بائت جميعها بالفشل بسبب عمق النظام الملكي وتجذرَهُ في حُكم البلاد وإبتعاد المعارضين  المثقفين والمفكرين اللذين قادوا تلك الثورات عن العقيدَة الإسلامية الأصيلَة وفكرها النبيل والعمل ضمن بيئَة إسلامية خالصة يتعارض فكرها الإسلامي مع الشيوعي واليساري اللذين عملوا لمصلحتهِما مما تسببَ بفجوَة بينهما أفشلت ثوراتهم.ىبالرغم من أن رجال الدين الوازنين كانوا في مقدمَة كل تلك الثورات، إلَّا أنهم كانوا بعيدين عن دائرَة القرار لذلك كان الفشل رفيق أي ثورة إذا أسميناها كذلك أو إنتفاضة جَرَت في جميع أنحاء البلاد.

تَنَبَّهَ علماء الدين والمراجع متأخرين إلى ذلك، وأن مشاركتهم في الصفوف الخلفية بإتخاذ القرار كانت سبباً رئيسياً بفشل كل الإنتفاضات التي قاموا بها رغم أنهم كانوا في الصفوف الأمامية في المواجهات التي كانت تجري في الشارع. فقرروا جمع شملهم ولَم الصفوف وبدأوا بالإتصال بكافة المثقفين والمفكرين الملتزمين إسلامياً  وتداعوا إلى التكاتف ووقفوا خلف قيادة الإمام الخميني العظيم الذي قادَ الثورة البيضاء عام 1962 على أثر تشريع قانون يمنع تجريم الدبلوماسيين الأميركيين على الأراضي الإيرانية!

هنا تطورت الثورة وأصبحَت ثورة كُبرَى. وفي العام 1963 كانت الثورة مستمرة سالت خلالها دماء كثيرة هَزَّت عرش الأمبراطور وأدخلت الرعب إلى قلبه، قمعها شاه إيران بالقوَة العسكرية وتَمت السيطرة عليها. لكنها لَم تخرج خاسرَة لأنها كرَّست الثقة بين الشعب وقيادة الثورة التي كانَ يتزعمها الإمام {قُدِّسَ سِرُه}.

ورغم سَجن الإمام الخميني ونفيهُ إلى الخارج إلَّا أن حاجز الخوف قد إنكَسر لدى الناس، وإستَمَرَ خطباء الجمعه بالعمل على تعبئَة المجتمع من خلال المساجد والخُطَب واللقاءآت السياسية السريَة والضخ الإعلامي الكثيف فيما بينهم وإيصال صوت الإمام المَنفي من خلال الرسائل الشهرية التي كان يرسلها الى طهران سراً.

في ذلك الوقت كانَ شاه إيران يلقَى دعماً بريطانياً أميركياً كبيراً ومتواصلاً وكانت علاقته بإسرائيل متينة جداً،

لقد كانوا يحضُّونه على قمع الثورات بقوة الجيش والسافاك، فجَرَت إعتقالات واسعه في جميع أنحاء البلاد وتم تعذيب المعتقلين وصدرت أحكام ظالمة بحقهم وجَرَت إعدامات وسط الساحات، كانت حافزاً للمجتمع الإيراني من أجل العمل أكثر فأكثر وبشكل أقوَى من أجل إسقاط هذا النظام الديكتاتوري الظالم.

كان نظام الشاه يومها يُعتبر شرطي منطقة الخليج العربي وكانَ قاسياً مع دُوَل مجلس التعاون التطبيعي لم يرحمهم يوماً. رغم ذلك كانَ ملوك وأمراء دُوَل هذا المجلس إذا طلبوا موعداً لزيارة الأمبراطور الإيراني كانوا ينتظرون أشهراً للقائه وعندما يحين الموعد كانوا يحملون له الهدايا ويقبلون يديه عندما يلتقون بهِ، بدأً من ملك السعودية إلى أصغر أمير.

شاه إيران المتغطرس كانَ كثير اللوم وكثير التهديد والوعيد لهم ولم يتجرأوا يوماً بالرَد عليه! بنفس الوقت كانَ الشاه يستجدي عطف واشنطن ولندن وتَل أبيب كما كان دائماً مطئطاً رأسه أمام سفرائهم عندما كانَ  يستقبلهم ويجلس صاغراً أمامهم كالعبد الذليل.

كانت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا تنهبان ثروات الأمبراطورية الإيرانية من نفط وغاز وغير ذلك، وتضعان سقفاً لنشاطاتها مسموح لها العمل  تحته إن كان بتطوير ملفها النووي أو صناعاتها الثقيلة من دون أن يتجرَّأ شاه إيران بالإعتراض أو قول كلمة لا بوجه أيٍ منهم! لقد كان ممنوعاً على إيران القيام بتصنيع الأسلحَة أو شرائها إلا من هاذين البلدين أميركا وبريطانيا.

في العام 1979 قادَ الإمام الخميني العظيم ثورة إستَمَرت لأشهر إنتصر فيها الإمام وشعبه وأنتهت  بتأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية وكانت الأولى في العالم، فكانت أول خطوَة قام بها النظام الإيراني الجديد هيَ طرد سفراء أميركا وبريطانيا وفرنسا واقتلاع علم الكيان الصهيوني عن سطح سفارته ورفعَ بدلاً منه العلم الفلسطيني بعد تحويل المبنى الى سفارة لدولَة فلسطين والتي كانت الأولى في العالم أيضاً.

أنتزعت إيران الجديدة عصا الشاه الإيراني التي كانَ يهدد بها دول الخليج الجارَة والتي أعطته إياها واشنطن ولندن، وبدأ الإمام الخميني يهدد بها إسرائيل. فأنقلَب المشهد وأصبَحَ تعاطي الجمهورية الإسلامية مع دول الخليج مَبني على حُسن الجوار والأخوية الإسلامية، وأصبحَت رحيمة معهم بعكس ما كان يتعامل معهم شاه ايران السابق محمد رضا بهلوي. {على قول رحماء في بيننا أشداء على الكفار،} منطلقين من روحية القرآن الكريم وحُسن الجوار.

لكن السعوديَة إنقلبَت على اعقابها وتمردَت بوجه النظام الإيراني الإسلامي الجديد بعدما كانت تركع تحت اقدام الشاه، وبدأت بالتحريض عليه جنباً إلى جنب مع الشيطان الصهيوني، والشيطان الأكبر ولَم يَكُن الأمر غريباً بالنسبة الى الجمهورية الإسلامية، لأن هناك فرقاً كبيراً بين مَن كانَ القرآن الكريم دستوره ومرجعهُ وتحكمهُ أخلاقيات أل البيت الكرام وأولويات التحدي مع الأعداء الحقيقيين، وبين مَن هوَ بالأصل متأسلِم ذات فكر مُتصَهين وعقيدة تكفيرية منحرفة تتبعان أجهزة المخابرات البريطانية الأميركية التي صنعتها وتعمل بتوجيهاتها تعادي مَن يعادونه وتَتَودَّد لِمَن يريدونه. ولأنهم لَم ينطلقوا بوصولهم إلى أمجاد حكمهم من خلال ثورة دينية أو منطلق وطني بَل وصلوا اليه تنصيباَ من مندوبين ساميين كانوا يمثلون الإحتلال والإستعمار.

رغم الحرب الكونية التي إستمرت ثماني سنوات على الجمهورية الفتيَة إلَّا أنها صَمَدَت وإستمَرَّت بتطوير نفسها بعد إن تحررت من أعباء العبودية للغرب وأصبحَت دولَة الإستقلال والحرية الحقيقة التي يُعَبِّر فيها المواطن وعالم الدين المسلم  والمسيحي واليهودي وكل القوميات عن أرائهم من دون خوف أو قيود مفروضة،

وتمثلوا في البرلمان خير تمثيل وأصبحَ يعيش الجميع مواطنين سواسية من دون أي تفريق ديني أو مذهبي بينهما.

خلال واحد وأربعين عام من عمر الجمهورية الإسلامية ورغم الحصار الغربي المطبق عليها إلَّا أنها قفزت قفزة نوعية في عالم الصناعة والزراعة والتطور الإقتصادي والنانو تكنولوجي وصناعة الأسلحة لسَد حاجاتها والإكتفاء الذاتي من السلاح والذخائر والتكنولوجية العسكرية بسبب تمنُع جميع دول العالم من بيعها السلاح وبسبب العقوبات الأميركية الظالمة المفروضة عليها. فأصبحت وبالرغم من لُئم الحصار وقساوتهِ واحدة من بين أهم الدول الصناعية السبع في العالم الذي أذهلته وأرعبتهُ بتقدمها العسكري والتكنولوجي فتطورت في صناعة المدمرات الحربية والغواصات الصغيرة والمتوسطة واليوم بدأت بإنتاج غواصة ضخمة متطورَة ستوضع في الخدمة عام 2022 واصبحت الأولى في عالم الزوارق الصغيرة السريعة المسلحة والحوامات البحرية الضخمة والمتقدمة التي تمتلكها دولتان فقط هي أميركا وبريطانيا وأصبحت ايران الدولة المُصَنِّعَة الثالثة لها على مستوى العالم.

صَنَّعت الجمهورية الإسلامية المقاتلات الحربية المتطورة الخفيفة والكبيرة والطوافات الهجومية والمقاتلة وأفتتحت خط إنتاج صناعة الطائرات المدنية بمواصفات عالمية، ناهيكَ عن الدبابات وعالم الرادارات والصواريخ وأنواع مختلفة من الآليات العسكرية والأعتدَة والآليات الثقيلة.

في المجال النووي كانَ للجمهورية الإسلامية مكانها العالي والرفيع بين دوَل العالم المتقدمة في هذا المجال، حيث وصلت الى اعلى مستوى بقدرتها على التخصيب وانتاج الكعكة الصفراء التي أخافت الأعداء من امتلاكها القنبلة النووية.

أما في مجال الطب البشري وصناعة الأدوية والأجهزة والمعدات الطبية حَلَّقَت إيران عالياً بين النسور حيث أصبحت قِبلَة الكثيرين لتلقي علاج العيون وزرع الكبد والخلايا الجذعية وعلاج أمراض السرطان والأطراف الصناعية واليوم أجرَت اول تجربة لها للقاح مضاد حيوي ضد فايروس كورونا على الإنسان.

تميزَت ايران بقدرتها العالية على منافسة كل دول العالم في صناعة الادوات المنزلية والخزفية والسيراميك والسجاد والتطور الزراعي والحيواني، وإنتاج الكافيار الممتاز وحياكة السجاد.

كل ذلك انجزته إيران الإسلام ضمن طوق سياسي وإقتصادي فرضته عليها واشنطن وحلفاؤها على مدى حياتها بإمكانيات بسيطة جداً. ماذا لو لم يكن هناك حصار؟ من المؤكَد لكان العالم قد رأىَ العَجَب.

مع كل هذا التطور الإيراني كانت السعودية ودوَل مجلس التعاون الخليجي الست التي تبلغ ميزانية دُوَلِهم مجتمعه ما يزيد عن الفي مليار دولار سنوياً لا زالو يستوردون نصل السكين من الغرب ولَم يستطيعوا أن يثقبوا إبرَة! ولا زالوا يتبارَون بسباق الجمال والخيول. يقيمون َمهرجانات أجمل ناقة وأجمل عنزة ويعتمدون على الحماية الأميركية ويدفعون أموالهم للغرب جِزيَة ويشترون السلاح منهم بمئات المليارات ويسخرون اموالهم في خدمة أميركا وإسرائيل لقتل المسلمين وتدمير دُوَلهم وإضعافها!

لقد بلغَ مع هؤلاء القَوم {السيل الذُبَىَ} وتم تأديبهم في لبنان وسورية والعراق واليمن وسيتم تأديبهم مجدداً بإذن الله. هذه الدُوَل الذليلة لا تسمح لشعوبا بالتعبير عن أرائهم ويتبعون معهم سياسة القمع والإعتقال والإعدامات السريَة والنشر بالمناشير. كما تمارس السعودية والإمارات سياسة الإستقواء على الدوَل الإسلامية والعربية الضعيفة مادياً وعسكرياً وتفرض عليهم التطبيع مع اسرائيل والعداء لإيران.

بالخُلاصة إن قيام دَولَة إسلامية على ارض إيران دستورها القرآن الكريم وأخلاقياتها محمدية أصيلة يحكمها رجال صادقين أشِدَّاء بحكمَة علي بن أبي طالب، وشجاعة العباس وقرارهم علوي حسيني لا يعطون أعدائهم بيدهم إعطاء الذليل ولا يقرون لهم إقرار العبيد. ونسائها فاطميات وزينبيات بهم فصل الخطابة بالملمات، كما لسيدهم ومولاهم الولي الفقية الكلمة الفصل إذا ثارَ البركان لا يأبهون لإستكبار ولا يخضعون له. حُكماً هي دولة عظيمة كريمة موفقَة بتوفيق الله ومُسدَّدَة منه جَلَّ جلاله جائت بإرادته وأنتصرَت بنصره وأعزها بعزه لكي تكون النواة الأولى لدولة الحق الكُبرى التي ستعم العالم ويحكمها صاحب العصر والزمان {عج} بإذن الله.

المصدر: وكالة أنباء براثا، 30/12/2020