أصلو فلسطيني- روني ألفا

أشعر بشيئ من الخجل من أهلِنا في المخيّمات الفلسطينيَّة. بوخز في تلافيف الضمير. تحوّلت لا مبالاتنا إلى ما يشبه الخطيئة. نحنُ لَم نتذوّق طعم التهجير خارج وطننا. لم تُفتَح بطون أمهاتنا ونسائنا الحوامل بالسكاكين في حدائق بيوتنا. لم تُجرف بيوتنا بالكاتربلر ولم يصطادنا المستوطِنون ببنادِق مزوّدة بنواضير. لَم نسقط يوماً كالعصافير. لَم نُذبَح كالحَمام. لَم نُدهَس تحت مجنزرات الدبابات. نحن اصطدنا بعضنا.
حربنا المشؤومَة ضدكم في بلدنا كانت بهدف واحد. ألا تكون الحرب إلى جانبكم في بلدكم. نحن وإياكم يومَها تحوّلنا إلى أدوات. تبادَلنا أفعال النّحر. عزّزونا بحقد تاريخي لنمحي الجغرافيا. أبقوا لنا في مخزون الذاكِرَة ” حرب المخيّمات “. وجع المخيّمات ما عاد يَعنينا. وجعٌ صارَ خارِج يومياتِنا. كم يؤلِمُ الوجَعُ الذي لا تبصِرهُ عينٌ ولا تسمعه أذُن.
نحتفِل معكم بأسبوع فعاليات انتفاضَة العَودَة. على مدى سنوات ربّتنا دولتنا على الإشمئزاز من الغيتوهات التي تختَنِقونَ فيها. نشأنا في غرف مكيّفة. نشأتم تحت الإترنيت. زوّادتنا كانت ممتلئة. مريولنا مكوي. زوادتكم فلسطين. مريولكم علَمُها. انتفضنا بالأحجار الكريمة. انتفضتم بحجارة الأزقّة. تدرَّبنا على نسيانِكم. تدرّبتم على تذكّر كنيسة القيامَة والمسجد الأقصَى. تركناكم على المعونة الدولية. لم يُسقِط أي منّا قرشاً واحداً لكم في قجّة عروبتنا. حوّلناكم إلى شعب مخيمات وأنتم شعب أعظم وطن في العالم. أكلنا من خيراتكم. أَكَلْنا مَن أطعَمَنا. بنيتم لنا اقتصاداً. بادلناكم بالعَقَق.
من طرف اللسان نادى البعض بحق عودتكم. لم يرموا حجراً واحداً على العدو. رماه بعضنا بالورود والأرز. استقبلوهم بالزغاريد. أدلجونا. يقصفوننا دائماً عندما نكتب عن وجعكم بشعار ” طريق فلسطين تمرّ في جونيه “. و ” لا تنسَ! الفلسطيني عدوّك “. صارت فلسطين تهمة بدل أن تصير قضيّة. ” أصلو فلسطيني “. كأنه تحذير.
خوّفونا بالوطن البديل. لو يعرفون أي وطنٍ هُجِّرتُم منه لَبَكوا. عن كل تفاهاتنا نقدّم اعتذاراً علنيّاً. قلوبنا أكثر برودة من القطب الشمالي. قاحلة كصحراء نيفادا والربع الخالي.
لو تتوجه باصات مدارسنا المكيّفة يوماً واحداً في السنة إلى مخيّماتكم. نشاط لا صفّي يعيدنا إلى عروبتنا. لا بأس أن نبكي بين الفينة والفينة على ما فعله بكم وحوش الحضارة.
أنتم الكرماء والعظماء.لا تنسوا وجهتكم. قريباً وتذهبون سيراً على الأقدام إلى فلسطين. ستشربون من عيون مائِها. ستعصرون زيتونها. ليس المهم الموعد. الوعد هو الأهم.
لن تقوى أي سلطة على الأرض مهما عتت وتجبّرت أن تنسيكم أنكم من فلسطين وإلى فلسطين تعودون. العدو يا أهلنا صار أكثر هشاشة من ورقة محارِم مستعملة. إذا انقطعت الحجارة أرموه بأضرحة الشهداء. نحييكم من قلب الحصار. من زرنيخ قانون العمل الذي يسمّم حياتكم بنعومة. من عنصرية بعضنا المقيتة. من مشاهد قتلكم يتابعها جيل مسطّح على اليوتيوب كأنه يلعب النينتاندو. مِن الأونروا التي أفقروها ليمعنوا في تجويعكم.
نحييكم مِن الرضّع في مخيّماتكم. من الخبز المحمّص تتناولونه قرباناً على مذبح العودة. من مفاتيح الحديد التي تذكّركم بأبواب بيوتكم الجميلة. إحرَصوا على فَركِها باستمرار فلا تصدأ. أبواب فلسطين تنتظرها بفارِغ الصّبر.
نخجل من عجزنا على فتح بيوتنا الصغيرة أمام كل فلسطيني يحلم بمدفأة. بكوب حليب في صباحات هذا الوطن. في أسبوع فعاليات انتفاضَة عودتكم دعونا على الأقل ننتفض على تقصيرنا. نخاطبكم بالأرخص. بالحبر. حبذا لو يدلّنا أحدكم على مخاطبتكم بالأغلى.


اللقاء الاعلامي العربي المقاوم/  الأربعاء 25-9-2019