أسئلة متفرّقة حول الحالة الاقتصادية- زياد حافظ

سألنا صديق حول حال الاقتصاد اللبناني الذي أصبح ورقة سياسية في يد الأطراف المحلّية والدولية المتصارعة في لبنان وفي المنطقة.  الحالة الاقتصادية التي وصل إليها لبنان ليست مفاجئة بل نتيجة خيارات وسياسات خاطئة وعبثية ومتعمّدة.  ليس هدف هذه المقاربة شرح التطوّر التاريخي لتلك الخيارات والسياسات لأنه تمّ شرحها مطوّلا في سلسلة مقالات وأبحاث امتدت على عدّة عقود.  فمنذ بداية حقبة الطائف تم التحذير من سياسة الاستدانة الحمقاء بفوائد غير معقولة ولآجال قصيرة لا تتناسب مع غرض الاقتراض.  فارتفاع الفوائد لم يكن لتثبيت الليرة اللبنانية كما زُعم ولا لجلب الرساميل إلى لبنان حيث لم توّظّف في قطاعات إنتاجية بل فقط في سندات الخزينة التي كانت تدرّ ريعا بدون مقابل انتاجي ومع تحديد سعر الصرف وربطه بالدولار.  المهم اليوم هو الإضاءة على بعض الخيارات الممكنة التي تقارب هواجس المتابعين للشأن العام في لبنان.

من ضمن تلك الهواجس تحديد الخيارات الوطنية للخروج من أزمة الدين.  وبالفعل الخيارات للخروج من الدين محدودة بمعنى أن استمرار الدين على ما هو عليه والاستمرار بسياسة الاستدانة فقط لتمويل عجز الدولة في موازنتها العام أصبح أمرا مستحيل الاستمرار.  الغريب كان استسهال الحكومات المتعاقبة على عدم مقاربة الدين، وسياسة الاستدانة وكأنها من قدر البلاد ومن المسلّمات التي لا داعي لمناقشتها.  ويعود ذلك إلى توافق جميع مكوّنات الطبقة السياسية على عدم المساس بوضع كل حكومة تعتبر أنها غير مسؤولة عن ذلك بل هي ورثها من حكومات سابقة. لكن بعيدا عن ذلك السجال نستطيع أن نبدي الملاحظات التالية:

أولا-إعادة النظر في الدين، أي حجمه، ومدته، وكلفته، أصبحت ضرورة حيوية لبقاء الدولة فالكيان.  لم يعد من الممكن تجاهل هذه الحقيقة، كما لم يعد ممكنا الاكتفاء بتسديد الأقساط المتوجّبة على حساب المهام الأخرى التي تقع على الدولة.  فلم يعد ممكنا تحمّل عبء خدمة الدين الذي وصل إلى أكثر من 50 بالمائة من واردات الدولة والتي يضعها في حالة عجز دائم ومتجدّد.  فالتداعيات وجودية وليس فقط سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

ثانيا-وسائل معالجة الدين العام موجودة ومطروحة.  أسلوب التطبيق قد يكون بالتراضي بين الأطراف المعنية، أي الدولة، والقطاع المصرفي بشقيّه الرسمي والخاص، أو قسري.  نسعى إلى الطريقة الأولى التي تحفظ حقوق جميع الأطراف بينا الأسلوب الثاني يؤدّي إلى صراع مدمّر للبنية الاقتصادية والمالية التي يصعب الخروج منها.  لذلك نستبعد الحل القسري، الذي قد يفرضه الخارج، والذي لا داعي للبحث به وإن كان من الواجب التنبيه إلى وجوده.

الحل التفاوضي بين الأطراف المعنية يهدف إلى تحفيف عبء الدين العام على الموازنة كي لا تتجاوز خدمته، أي قسط الرأس المال والفوائد المترتبة، نسبة مئوية مقبولة من إجمالي الموازنة.  أذن، المطلوب تخفيض الفوائد لمستويات تتماهى مع الفوائد الدولية مع زيادة نقطة أو نقطتين عليها.  كما أن المطلوب هو توحيد الآجال وجعلها طويلة المدى أي لمدة 25 أو 30 سنة.  عدم الوصول إلى اتفاق يعني انهيار النظام المصرفي إذا تعثّرت الدولة في خدمة الدين.  كما أن الدين يجب أن يكون بالليرة اللبنانية لأن مبرّرات الاستدانة بعملات أجنبية غير متوفرة ولا ضرورة لها.  والحل بالتراضي يستبعد أي دور للمؤسسات الدولية التي لم يكن سجلّها في مسائل مشابهة مشجّعا سواء لمصلحة الاقتصاد الوطني أو لمصلحة الشعوب التي تتحمّل دائما عبء حلول تلك المؤسسات.  فمعالجة المشكلة الداخلية ضمن البيت الداخلي أفضل بكثير من دعوة الخارج ل “المساعدة” التي نادرا تكون كذلك!

بالتزامن مع الحل التفاوضي لا بد للحكومة المقبلة مراجعة الموازنة للوصول إلى توازن بين الواردات والنفقات.  في هذا الإطار لا نحبّذ رفع الضرائب غير المباشرة التي تحمّل عبئها الطبقات المتوسّطة والفقيرة وأصحاب الدخل المحدود.  فالزيادة لن تجبي المزيد من الواردات حيث ستؤثّر على الاستهلاك بشكل عام وبالتالي تقلّص قاعدة الواردات.  المطلوب هو عمل جدّي لوقف الهدر والنفقات غير المبرّرة وترشيد المناقصات عبر تطبيق القوانين الموجودة.  فلا داعي لقوانين جديدة بل احترام والعمل بالقوانين الموجودة. لا نفهم سياسة استئجار البنايات لبعض المرافق العامة بأسعار خيالية، كما لا نفهم تصرّف شركات الخليوي بمداخيلها التي هي واردات الدولة.  القائمة طويلة لمصادر الهدر التي تساهم في تفاقم العجز في الموازنة.  ولا نأتي بجديد عندما نطالب بترشيد الانفاق في مصلحة كهرباء لبنان.  استطاعت الحكومات المتعاقبة المستحيل، أي إغراق مؤسسة كهرباء لبنان في الدين والعجز وعدم تأمين الكهرباء، وذلك لمدة ثلاثين عام!

ثالثا-إعادة النظر في مستحقّات الدين العام وخدمته شرط ضرورة ولكن ليس شرط كفاية. فالمطلوب تحديد سياسات اقتصادية ومالية تحول دون الوقوع مرّة أخرى في مطبّات الدين العام الذي شلّ بفوائده المرتفعة العجلة الاقتصادية سواء على صعيد الدولة أو على صعيد القطاع الخاص.  سياسة الاستدانة المتبعة كانت لتكريس التحوّل من اقتصاد انتاجي وخدماتي إلى اقتصاد ريعي بامتياز واقتصاد خدماتي يمكّن الاقتصاد الريعي.  فسياسة الفوائد المرتفعة تنسف إمكانية تفعيل العجلة الاقتصادية حيث المردود للنشاط الإنتاجي قد يقلّ عن المردود الربوي المضمون عبر الفوائد المرتفعة.  فلا مبرر اقتصادي لرفع الفوائد على الأقل على طيلة الفترة الممتدة منذ 1993 حتى الساعة.   من جهة أخرى يجب مقاربة لبعض مكوّنات الدين العام كالعجز في كهرباء لبنان ما يستدعي معالجة فورية تؤمّن الكهرباء وبشكل مستدام وبأسعار معقولة لا تتجاوز كلفة الكيلو وات بضعة سنتات (5-10) بينما الحال هو أقرب ل 25 سنة.

السؤال الثاني الذي طرحه الصديق هو إمكانية إجراء تعديلات جوهرية في سياسة الاستيراد وتدخل الدولة في الاستهلاك العام لتقليص العجز في الميزان التجاري بما يعالج الخلل في ميزان المدفوعات وبالتالي الطلب على العملة الأجنبية.  هذا السؤال مركّب في بنيته وإن كان يهدف إلى نتيجة واحدة وهي تقليص الطلب على العملة الأجنبية. 

فما هي السياسات الاقتصادية المطلوبة لتحقيق ذلك الهدف؟  هذه السياسات تسبقها خيارات استراتيجية في بنية الاقتصاد وفي توجّهاته. فيما يتعلّق بالبنية فهو التحوّل إلى اقتصاد منتج وعدم الاستمرار باقتصاد ريعي.  هذا يتطلّب إجراءات اليوم ولكن مفعولها قد يكون في المستقبل وذلك لدعم ما يمكن اتخاذه من إجراءات فورية لا تشتري الوقت فحسب، بل تؤسّس إلى ثقافة اقتصادية جديدة تخفّف من الأعباء الاقتصادية.  فعلى سبيل المثال وليس الحصر إن الضغط على الليرة اللبنانية يعود من بين الأسباب إلى تفاقم العجز في الميزان التجاري لدى ميزان المدفوعات. أي بمعنى آخر هناك ضرورة لتخفيض الاستيراد الجنوني الذي كبّل الاقتصاد الوطني وزاد الضغط على الليرة اللبنانية.  فما هي إذا العوامل التي أدّت الى ارتفاع الاستيراد، وخاصة في الكماليات؟  بطبيعة الحال الفوائد المرتفعة لدى سندات الخزينة التي كانت تدرّ ريعا مرتفعا دون مقابل أو مجهود. فتخفيض الفوائد يخفف من الأرباح الناتجة لحاملي السندات.  كما أن النمط الاستهلاكي المفرط هو أحد المسببات لزيادة الاستيراد.  فالضريبة المرتفعة على الكماليات وضبط الحركة الجمركية ومنع التسيّب والهدر فيها تساهم في تخفيف ذلك الاستيراد.

كما أن سياسة الاستيراد للمواد الأساسية كالمحروقات على سبيل المثال تتمّ عبر وسطاء مقرّبين من مراكز القرار والنفوذ، وبالتالي هناك ربح غير مشروع يحقّقه الوسطاء. فالدولة تستطيع أن تستورد مباشرة من جهات مستعدّة لتقديم تسهيلات في الدفع وربما حتى بالعملة الوطنية، ما يخفّف الضغط في الطلب على عملات أجنبية بشكل عام والدولار بشكل خاص.  هذه إجراءات فورية مع نتائج سريعة بالنسبة للضغط على سعر صرف العملة.  إذن هناك مروحة من المواد يمكن الدولة استيرادها خارج دائرة الوسطاء السماسرة الذي يفرضون الأسعار التي يريدونها ويزيدون في العجز في الميزان التجاري والضغط على سعر صرف العملة.

النقطة السابقة تفتح باب النقاش حول الوسائل التقليدية في لبنان لتأمين الحاجات من الخارج.  لسنا دعاة اقتصاد ذاتي وإن كان ذلك يستحق نقاشا بالعمق بعيدا عن التسلّط الفكري الاقتصادي في الغرب الذي حرّم مفهوم الاقتصاد الذاتي على حساب “انفتاح” على التجارة بناء على نظرية ومفهوم التمايز التفضيلي أو التفوّق النسبي.  هذا يعني أن الدول المتطوّرة ستستمر في صنع السلع والخدمات المتطوّرة بينما الدول الناشئة وأو الصغيرة ستستمر في صنع الموّاد الأقل قيمة مضافة، وبالتالي تستمّر سيطرة دول الشمال على دول الجنوب!  هذا نقاش اقتصادي سياسي يستحق التفكّر به. إلاّ أن ما يهمّنا في الوقت الحاضر هو البحث عن الجهات الاقتصادية التي يمكن التعاون معها، سواء على صعيد الكلفة الاقتصادية والمالية وأو على صعيد الكلفة السياسية.  رأينا في هذا الموضوع واضح وهو التوجّه إلى الشرق.  فالأخير هو الذي ينتج السلع بأسعار مخفّضة وهو الذي يستطيع مساعدة لبنان في إعادة تأهيل بنيته التحتية التي أهملت خلال العقود الثلاثة الماضية، بل حتى العقود الخمسة الماضية إذا ما حسبنا حقبة الحرب الأهلية.  كما أن الشرق لن يفرض الشروط القسرية التي تقيّد حرّية التحرّك وتقوّض السيادة الوطنية.  الشرق هو شطر التوجّه وليس الغرب. وليس من الضروري قطع العلاقة مع الأخير. إلاّ أنه لم يعد يستطيع أن يقدّم أي شيء يذكر، لا على الصعيد الاقتصادي والمالي ولا على الصعيد السياسي.  هذا موضوع ستناقشه الحكومة الجديدة التي ستتولّى مهام الإنقاذ.  السفير الأميركي السابق للبنان جيفري فلتمان يعي أن الولايات المتحدة على وشك أن تخسر موقعها في لبنان إذا ما استمرّ الضغط العبثي على لبنان الذي سيضطر إلى تغيير وجهة قبلته السياسية والاقتصادية.

من ناحية أخرى، يمكن زيادة الصادرات التي تدرّ بالعملة الأجنبية على الاقتصاد اللبناني.  تشجيع الصادرات الزراعية والصناعية يتطلب سياسات تشجيعية في تخفيض كلفة الطاقة والتواصل، كما يتطلب فتح الأسواق الخارجية.  في هذا السياق، السوق الطبيعي للصادرات اللبنانية هو السوق المشرق العربي، أي سورية والعراق والأردن.  هذا يعني التفاهم مع الدولة السورية بغض النظر عن الرأي في سياسات الحكم فيها، للاستفادة من فتح الطريق بين سورية والعراق.  فالأخير قد يستوعب المنتجات اللبنانية بشكل كبير كما كان في السابق.  إذا، موضوع توفير النقد الأجنبي مسألة قد تأخذ بعض الوقت لكن لن تطول.

من جهة أخرى هناك ما يوازي ملياري دولار سنويا تخرج من لبنان كتحويلات لعمالة أجنبية تعمل في لبنان.  هنا يجب درس الموضوع والتخفيف من تلك التحويلات، وخاصة العائدة للخدمات المنزلية.  هذا يعنى تغييرا في نمط الحياة للأسرة اللبنانية، وقد يأخذ بعض الوقت للتأقلم مع الواقع الجديد.

لكن هناك مسألة أهم وهي ربط الليرة بالدولار والإصرار على تثبيت سعر الليرة تجاه الدولار دون أي مبرر اقتصادي، خاصة أن معظم التجارة الخارجية اللبنانية (أي الاستيراد) هو مع الصين في الدرجة الأولى ومنطقة اليورو في الدرجة الثانية.  الدولار يأتي في المرتبة الثالثة.  فدولرة الاقتصاد اللبناني تضّر وتفقد لبنان قراره السيادي ومردوده الاقتصادي محدود.  هذا بحث منفصل يفوق إطار هذه المقاربة ولكن ذكره ضروري.  المهم هنا هو إقرار أن لا ضرورة للمواطن اللبناني بحمل الدولار والتعامل اليومي في الدولار.  فواتير الخليوي، فواتير السوبرماركت، أقساط المدارس والجامعات، فواتير المطاعم إلخ، جميعها يجب أن تدفع بالليرة اللبنانية وتغريم الجهات التي تتعامل بالدولار بدلا عن الليرة اللبنانية.

أما السؤال ألأخير فيتعلّق بالخشية على الودائع من جراء طريقة معالجة الفوائد.  الخشية مشروعة، خاصة إذا تعذّر الإيفاء باستحقاقات خدمة الدين وخاصة فوائده. من هنا ضرورة ما ذكرناه أعلاه في الوصول إلى حل تفاوضي حول الدين وحجمه والفوائد.  كما نشدّد أن الفوائد المرتفعة تضرّ بتفعيل العجلة الاقتصادية بشكل عام وخاصة القطاعات الإنتاجية.  لذلك المطلوب مراجعة سياسة الفوائد المرتفعة التي تعني أيضا مراجعة الخيارات الاقتصادية والسياسات الناتجة عنها.  ربما يتطلّب كل ذلك مراجعة جذرية في ذهنية القيّمين على الأمور في الشأن المالي والنقدي. ولكن هذا حديث آخر.

 المصدر: جريدة الأخبار اللبنانية، 25/11/2019