آفاق المستقبل في الولايات (غير؟) المتحدة في ظل الثقة المفقودة- زياد حافظ

في البداية نقرّ أننا لم نتفاجأ بما حصل ولن نتفاجأ بالتطورات المرتقبة للحدث.  فما شاهده الأميركيون والعالم اجمع يوم الأربعاء في 6 كانون الثاني/يناير 2021 من مظاهرة سلمية مؤيّدة للرئيس دونالد ترامب (بغض النظر عن الرأي بالرجل)، تحوّلت فيما بعد إلى اعمال شغب كانت ذروتها اقتحام مقر الكونغرس الأميركي وسقوط امرأة ضحية إطلاق رصاص من قبل شرطة الكونغرس، فهذا المشهد اختزل حالة التدهور التي وصلت إليه الولايات الأميركية المتحدة التي قد لا تكون متحدة بعد ذلك. العديد سيسارع إلى الإشارة أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات ودستور وقانون وديمقراطية عريقة إلخ لكن ما حصل في ذلك اليوم هو نقض لكل ذلك.  فالمتظاهرون قالوا بشكل واضح أنهم لم يعودوا مؤمنين بالمؤسسات التي حكمت عمر الجمهورية. وهؤلاء ليسوا أقلّية مزعوجة من واقع الحال بل يمثّلون ما يقارب نصف الناخبين، أي نصف الشعب.  وبغض النظر عن أحقّية احتجاجاهم إلاّ ان حجمهم لا يمكن تجاهله.

فالتشكيك بالانتخابات انجر على أهم ميزة للنظام الجمهوري القائم وهي التمثيل الديمقراطي للمكوّنات المجتمع الأميركي.  والتشكيك لم ينحصر فقط في عملية الانتخاب بل أيضا انجر إلى المؤسسة التشريعية حيث اقتحام الكونغرس لغرفتيه شكّل سقوط الثقة بتلك المؤسسة.  وما يؤكّد على ذلك ردة فعل القيادات في الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري برفض المظاهرة واعتبراها اعتداء على المؤسسات الدستورية بدلا من الاعتراف بضرورة معالجة الخلل القائم على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.  والتشكيك يطال أيضا الجسم القضائي الذي رفض ان ينظر في مزاعم تحريف قوانين الانتخاب في عدد من الولايات التي استهدفتها الآلة الحزبية الديمقراطية خلال السنوات الأربع الماضية.  ليس موضوعنا أحقية الادعاءات أو مواقف المتظاهرين بل مقاربة أبعاد الحادثة التي شهدها العالم.

الملاحظة الأولى هي اهتزاز مكانة الولايات المتحدة في العالم.  ما نقلته الشاشات أكّدت سقوط نظرية استثنائية الولايات المتحدة التي كانت نخبها تعتبرها أساس سلوكها الخارجي تجاه الشعوب والحكومات والأمم في العالم.  فما حصل لا يختلف عما حصل ويحصل في مجمل الدول التي تشهد تناقضات عميقة بين النخب الحاكمة والشعوب الغاضبة على أداء حكّامها.  فالولايات المتحدة أصبحت دولة كغير الدول! وبالتالي كل محاضراتها حول حقوق الشعوب بالتظاهر ضد حكومات تناهض سياسات الولايات المتحدة سقطت عبر الإخفاق الداخلي في معالجة المطالب لنصف الشعب الأميركي على الأقل.  ومن الواضح أن حكومات وشعوب العالم لم تعد لتتقبّل الوعظات الأميركية التي عليها أن تبدأ بتكنيس داخل منزلها.

الملاحظة الثانية هي أن ردود فعل النخب الحاكمة من ديمقراطيين وجمهوريين بالتنديد باقتحام مقر الكونغرس تدلّ على أنها منقطعة عن الواقع الشعبي.  وصفت بعض القيادات المتظاهرين بالعصابات والمتمرّدين والانفصاليين والفتنويين والارهابيين (thugs, insurrectionists, separatists, seditionists, terrorists).  فكل من يعارض الحكم القائم في الولايات المتحدة سينعت بشتّى النعوت.  ووسائل التواصل الاجتماعي برهنت أنها جزء من النخب الحاكمة عندما أقدمت تويتر وفاسبوك وانستغرام على أقفال حساب الرئيس الأميركي الذي حمّلته مسؤولية التظاهرة والشغب.  هذه هي نفس وسائل التواصل التي تقفل مواقع كل من يعارض سياسات الولايات المتحدة في الوطن العربي بحجة أن المعترضين على تلك السياسات يخالفون “النظم القائمة التي تحفظ السلم الأهلي”!

الملاحظة الثالثة هي دور الاعلام الشركاتي المهيمن الذي نفخ طيلة ذلك النهار نفس الحقد والكراهية تجاه الرئيس الأميركي الذي قد يستحق بعض ذلك.  لكن الخطورة تكمن أن نصف أميركا تؤيّد الرئيس الأميركي الذي سيترك البيت الأبيض في 21 كانون الثاني.  الاعلام المهيمن أصبح جزءا لا يتجزأ من المنظومة الحاكمة ويساهم في تعميق الانقسام الداخلي عبر وصف نصف الشعب الأميركي بالمنبوذين لأنهم ناصروا الرئيس الأميركي.

الملاحظة الرابعة هو دور الشرطة وقوى الأمن والاستخبارات في عدم الجهوزية لمواجهة التظاهرة التي حصلت.  هناك من يقول إن الشرطة “متواطئة” مع ترامب لأن خطاب قيادات الحزب الديمقراطي كانت وما زالت معادية للشرطة التي تتهمها بالعنصرية وكبح المظاهرات الاحتجاجية السلمية ضد العنصرية.  هذا التحليل لا يستقيم مع الواقع لأن الشرطة في مدينة واشنطن هي تحت إمرة عمدة المدينة ولا دور للبيت الأبيض في ذلك.  أضف إلى ذلك أن حوالي 80 بالمائة من سكّان المدينة من الجالية الإفريقية الأميركية وكذلك عمدة المدينة التي هي من أقطاب الحزب الديمقراطي.  فلا أساس للاعتقاد أن التواطؤ كان لخدمة ترامب.  بل العكس، قد يكون التواطؤ للطخ سمعة التظاهرة ووصفها بالتمرّد والعصيان كما سارع رئيس كتلة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ شاك شومر بوصفها.  من جهة أخرى كانت العمدة متحفّظة على استدعاء الحرس الوطني حتى ساعة متأخرة من التظاهر مما يفرض أحد احتمالين: الاحتمال الأول ان المظاهرة كانت سلمية وبالتالي لا داعي لتوريط الحرس الوطني، والاحتمال الثاني هو العلم المسبق بأن هناك من سيتسلل إلى المظاهرة لإجهاض “سلميتها”. كما يمكن التساؤل عن دور مكتب الاستخبارات الاتحادية (أف بي أي) الذي يرصد كل التحرّكات والتظاهرات قبل أن تقوم.  فهل “فاجأها” المنحى الذي اتخذته التظاهرة أم كانت على علم وغضّت النظر عنها؟

الملاحظة الخامسة هي التضخيم الإعلامي لأعمال العنف والشغب.  ما شاهدناه طيلة ذلك اليوم هو سلمية التظاهرة حتى الوصول إلى أدراج الكونغرس.  شاهدنا “اقتحام” الكونغرس الذي لم يكن بذلك العنف الذي أراد البعض تصويره وإن كان انتهاك حرمة الكونغرس بحد ذاته عملا كبيرا لرمزيته.  كما لم نشهد إلاّ بعض الاشتباكات داخل حرم الكونغرس ولم نشهد “الدمار” الذي قيل إنه خلّفتها التظاهرة.  ولم نشهد عملية اخراج بالقوة للمتظاهرين إلاّ لبعضهم والذين اكتفوا بالتصوير الاستذكاري لوجودهم ثم خرج معظمهم تلقائيا.  كما لم تثبت الوقائع أن المتظاهرين كانوا من حملة السلاح وأن السلاح الذي أُطلق ناره هو سلاح شرطة الكونغرس وليس من المتظاهرين.  فهناك عملية مدروسة لتضخيم التظاهرة ولشيطنتها ونزع أي شرعية عنها ولتبرير فيما بعد لسياسات تحدّ من حرّيات المواطنين. لم تكن ثورة ولا انتفاضة بل احتجاجا أقل عنفا من الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة في الصيف الماضي وكذلك في عدد من المدن الأميركية والتي برّرها الاعلام والقيادات للحزب الديمقراطي بأنها طبيعية ومشروعة!

الملاحظة السادسة هي أن معظم المتظاهرين من العرق الأبيض ما يدلّ عن المزاج الموجود في المجتمع الأميركي.  ومعظمهم من الطبقات الوسطى وليسوا من أتباع الأحزاب والتجمّعات العنصرية البيضاء.  ومحاولات دمجهم مع تلك المجموعات ستساهم في تعميق الانقسام بدلا من ترميم الهوة بين مختلف المكوّنات.

وأخيرا، شاهدنا علم الكيان الصهيوني يحمله بعض المتظاهرين ما يدلّ على أن التكوين المجتمعي لتلك التظاهرة متعدد وليس لفئة واحدة.  الانجيليون الجدد جزء من القاعدة الصلبة لترامب وبالتالي من الطبيعي أن يدعموا الرئيس الأميركي.  ولكن ظهور ذلك العلم الصهيوني يثير حفيظة الأميركيين الذين يتظاهرون ضد تورّط الولايات المتحدة في حروب خارجية وإن كانت “دفاعا” عن الكيان الصهيوني.

بناء على ذلك ماذا يمكن أن يحصل فيما بعد؟  بعض العقول الحكيمة داخل الحزبين تعي خطورة ما حصل ولكنّها ليست في موقع السلطة والقرار.  خطاب الرئيس المنتخب وخطاب رئيس الكتلة الديمقراطية في الحزب الديمقراطي يدلّ على مزاج يريد المواجهة ويتنكّر لعمق الانقسام.  والانقسام هو بين النخب وبين الشعب وليس بين الأحزاب كما يزعمون. والنخب هم في الأساس الدولة العميقة بمكوّناتها المتعددة. أما الشعب فهو المجتمع العميق والكفة ستميل حتما للمجتمع عندما يصبح التناقض بين النخب والقاعدة تناقضا استراتيجيا وحتى وجوديا.  فبدلا من الدعوة للوقوف عند خطورة الحدث تكلّموا عن الاعتداء على الديمقراطية والمؤسسات ولم يقاربوا السبب الحقيقي للغضب بل اختزلوه في حقد الرئيس الخاسر.  التنكّر لعمق الغضب في الداخل هو الذي سيحول دون نزع فتيل الانفجار.  المتظاهرون عبّروا عن سخطهم تجاه المؤسسات الدستورية وما زالت النخب تتكلّم عن حماية تلك المؤسسات دون مقاربة الأسباب.

لكن إذا تعمّقنا في المشهد داخل الحزب الديمقراطي نرى مدى الفجوة بين القيادات والقاعدة اشعبية والقاعدة الشابة داخل الكونغرس.  فالقيادات التقليدية كنانسي بيلوزي وشاك شومر حريصة على “التعامل” مع القيادات التقليدية للحزب الجمهوري كميتش مكونل، لكن لا يريدون التعامل مع قاعدتهم.  وهذه القاعدة تريد التغيير الجذري في أداء الحكومة عبر الاستثمار في البنى التحتية والبيئة والضمان الصحي وعدم التسامح مع الأوليغارشية المالية والتكنولوجية التي تسيطر على نخب الحزب وبالتالي على السياسات.  ليس واضحا كيف سيتعامل الرئيس المنتخب مع تلك القاعدة داخل الكونغرس وخارجه.   كما ليس واضحا إذا ما كان الشعب الأميركي مستعد لتلك الإجراءات الجذرية التي تطالب بها القاعدة الشابة للحزب الديمقراطي.

الخيارات الممكنة للرئيس المنتخب محدودة جدّا.  إما الانكفاء على صعيد المشهد الخارجي والاهتمام بإعادة بناء الدولة والاقتصاد والمجتمع، وإما الاستمرار بالوضع الحالي والتعرض لتشظّي الدولة الأميركية.  الأسابيع الأولى لولاية بايدن ستوضح أي من الخيارين ستتخذها آفاق المستقبل في الولايات (غير؟) المتحدة في ظل الثقة المفقودة

زياد حافظ*

*باحث وكاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

في البداية نقرّ أننا لم نتفاجأ بما حصل ولن نتفاجأ بالتطورات المرتقبة للحدث.  فما شاهده الأميركيون والعالم اجمع يوم الأربعاء في 6 كانون الثاني/يناير 2021 من مظاهرة سلمية مؤيّدة للرئيس دونالد ترامب (بغض النظر عن الرأي بالرجل) تحوّلت فيما بعد إلى اعمال شغب كانت ذروتها اقتحام مقر الكونغرس الأميركي وسقوط امرأة ضحية إطلاق رصاص من قبل شرطة الكونغرس، فهذا المشهد اختزل حالة التدهور التي وصلت إليه الولايات الأميركية المتحدة التي قد لا تكون متحدة بعد ذلك. العديد سيسارع إلى الإشارة أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات ودستور وقانون وديمقراطية عريقة إلخ لكن ما حصل في ذلك اليوم هو نقض لكل ذلك.  فالمتظاهرون قالوا بشكل واضح أنهم لم يعودوا مؤمنين بالمؤسسات التي حكمت عمر الجمهورية. وهؤلاء ليسوا أقلّية مزعوجة من واقع الحال بل يمثّلون ما يقارب نصف الناخبين، أي نصف الشعب.  وبغض النظر عن أحقّية احتجاجاهم إلاّ ان حجمهم لا يمكن تجاهله.

فالتشكيك بالانتخابات انجر على أهم ميزة للنظام الجمهوري القائم وهي التمثيل الديمقراطي للمكوّنات المجتمع الأميركي.  والتشكيك لم ينحصر فقط في عملية الانتخاب بل أيضا انجر إلى المؤسسة التشريعية حيث اقتحام الكونغرس لغرفتيه شكّل سقوط الثقة بتلك المؤسسة.  وما يؤكّد على ذلك ردة فعل القيادات في الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري برفض المظاهرة واعتبراها اعتداء على المؤسسات الدستورية بدلا من الاعتراف بضرورة معالجة الخلل القائم على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.  والتشكيك يطال أيضا الجسم القضائي الذي رفض ان ينظر في مزاعم تحريف قوانين الانتخاب في عدد من الولايات التي استهدفتها الآلة الحزبية الديمقراطية خلال السنوات الأربع الماضية.  ليس موضوعنا أحقية الادعاءات أو مواقف المتظاهرين بل مقاربة أبعاد الحادثة التي شهدها العالم.

الملاحظة الأولى هي اهتزاز مكانة الولايات المتحدة في العالم.  ما نقلته الشاشات أكّدت سقوط نظرية استثنائية الولايات المتحدة التي كانت نخبها تعتبرها أساس سلوكها الخارجي تجاه الشعوب والحكومات والأمم في العالم.  فما حصل لا يختلف عما حصل ويحصل في مجمل الدول التي تشهد تناقضات عميقة بين النخب الحاكمة والشعوب الغاضبة على أداء حكّامها.  فالولايات المتحدة أصبحت دولة كغير الدول! وبالتالي كل محاضراتها حول حقوق الشعوب بالتظاهر ضد حكومات تناهض سياسات الولايات المتحدة سقطت عبر الإخفاق الداخلي في معالجة المطالب لنصف الشعب الأميركي على الأقل.  ومن الواضح أن حكومات وشعوب العالم لم تعد لتتقبّل الوعظات الأميركية التي عليها أن تبدأ بتكنيس داخل منزلها.

الملاحظة الثانية هي أن ردود فعل النخب الحاكمة من ديمقراطيين وجمهوريين بالتنديد باقتحام مقر الكونغرس تدلّ على أنها منقطعة عن الواقع الشعبي.  وصفت بعض القيادات المتظاهرين بالعصابات والمتمرّدين والانفصاليين والفتنويين والارهابيين (thugs, insurrectionists, separatists, seditionists, terrorists).  فكل من يعارض الحكم القائم في الولايات المتحدة سينعت بشتّى النعوت.  ووسائل التواصل الاجتماعي برهنت أنها جزء من النخب الحاكمة عندما أقدمت تويتر وفاسبوك وانستغرام على أقفال حساب الرئيس الأميركي الذي حمّلته مسؤولية التظاهرة والشغب.  هذه هي نفس وسائل التواصل التي تقفل مواقع كل من يعارض سياسات الولايات المتحدة في الوطن العربي بحجة أن المعترضين على تلك السياسات يخالفون “النظم القائمة التي تحفظ السلم الأهلي”!

الملاحظة الثالثة هي دور الاعلام الشركاتي المهيمن الذي نفخ طيلة ذلك النهار نفس الحقد والكراهية تجاه الرئيس الأميركي الذي قد يستحق بعض ذلك.  لكن الخطورة تكمن أن نصف أميركا تؤيّد الرئيس الأميركي الذي سيترك البيت الأبيض في 21 كانون الثاني.  الاعلام المهيمن أصبح جزءا لا يتجزأ من المنظومة الحاكمة ويساهم في تعميق الانقسام الداخلي عبر وصف نصف الشعب الأميركي بالمنبوذين لأنهم ناصروا الرئيس الأميركي.

الملاحظة الرابعة هو دور الشرطة وقوى الأمن والاستخبارات في عدم الجهوزية لمواجهة التظاهرة التي حصلت.  هناك من يقول إن الشرطة “متواطئة” مع ترامب لأن خطاب قيادات الحزب الديمقراطي كانت وما زالت معادية للشرطة التي تتهمها بالعنصرية وكبح المظاهرات الاحتجاجية السلمية ضد العنصرية.  هذا التحليل لا يستقيم مع الواقع لأن الشرطة في مدينة واشنطن هي تحت إمرة عمدة المدينة ولا دور للبيت الأبيض في ذلك.  أضف إلى ذلك أن حوالي 80 بالمائة من سكّان المدينة من الجالية الإفريقية الأميركية وكذلك عمدة المدينة التي هي من أقطاب الحزب الديمقراطي.  فلا أساس للاعتقاد أن التواطؤ كان لخدمة ترامب.  بل العكس، قد يكون التواطؤ للطخ سمعة التظاهرة ووصفها بالتمرّد والعصيان كما سارع رئيس كتلة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ شاك شومر بوصفها.  من جهة أخرى كانت العمدة متحفّظة على استدعاء الحرس الوطني حتى ساعة متأخرة من التظاهر مما يفرض أحد احتمالين: الاحتمال الأول ان المظاهرة كانت سلمية وبالتالي لا داعي لتوريط الحرس الوطني، والاحتمال الثاني هو العلم المسبق بأن هناك من سيتسلل إلى المظاهرة لإجهاض “سلميتها”. كما يمكن التساؤل عن دور مكتب الاستخبارات الاتحادية (أف بي أي) الذي يرصد كل التحرّكات والتظاهرات قبل أن تقوم.  فهل “فاجأها” المنحى الذي اتخذته التظاهرة أم كانت على علم وغضّت النظر عنها؟

الملاحظة الخامسة هي التضخيم الإعلامي لأعمال العنف والشغب.  ما شاهدناه طيلة ذلك اليوم هو سلمية التظاهرة حتى الوصول إلى أدراج الكونغرس.  شاهدنا “اقتحام” الكونغرس الذي لم يكن بذلك العنف الذي أراد البعض تصويره وإن كان انتهاك حرمة الكونغرس بحد ذاته عملا كبيرا لرمزيته.  كما لم نشهد إلاّ بعض الاشتباكات داخل حرم الكونغرس ولم نشهد “الدمار” الذي قيل إنه خلّفتها التظاهرة.  ولم نشهد عملية اخرج بالقوة للمتظاهرين إلاّ لبعضهم والذين اكتفوا بالتصوير الاستذكاري لوجودهم ثم خرج معظمهم تلقائيا.  كما لم تثبت الوقائع أن المتظاهرين كانوا من حملة السلاح وأن السلاح الذي أُطلق ناره هو سلاح شرطة الكونغرس وليس من المتظاهرين.  فهناك عملية مدروسة لتضخيم التظاهرة ولشيطنتها ونزع أي شرعية عنها ولتبرير فيما بعد لسياسات تحدّ من حرّيات المواطنين. لم تكن ثورة ولا انتفاضة بل احتجاجا أقل عنفا من الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة في الصيف الماضي وكذلك في عدد من المدن الأميركية والتي برّرها الاعلام والقيادات للحزب الديمقراطي بأنها طبيعة ومشروعة!

الملاحظة السادسة هي أن معظم المتظاهرين من العرق الأبيض ما يدلّ عن المزاج الموجود في المجتمع الأميركي.  ومعظمهم من الطبقات الوسطى وليسوا من أتباع الأحزاب والتجمّعات العنصرية البيضاء.  ومحاولات دمجهم مع تلك المجموعات ستساهم في تعميق الانقسام بدلا من ترميم الهوة بين مختلف المكوّنات.

وأخيرا، شاهدنا علم الكيان الصهيوني يحمله بعض المتظاهرين ما يدلّ على أن التكوين المجتمعي لتلك التظاهرة متعدد وليس لفئة واحدة.  الانجيليون الجدد جزء من القاعدة الصلبة لترامب وبالتالي من الطبيعي أن يدعموا الرئيس الأميركي.  ولكن ظهور ذلك العلم الصهيوني يثير حفيظة الأميركيين الذين يتظاهرون ضد تورّط الولايات المتحدة في حروب خارجية وإن كانت “دفاعا” عن الكيان الصهيوني.

بناء على ذلك ماذا يمكن أن يحصل فيما بعد؟  بعض العقول الحكيمة داخل الحزبين تعي خطورة ما حصل ولكنّها ليست في موقع السلطة والقرار.  خطاب الرئيس المنتخب وخطاب رئيس الكتلة الديمقراطية في الحزب الديمقراطي يدلّ على مزاج يريد المواجهة ويتنكّر لعمق الانقسام.  والانقسام هو بين النخب وبين الشعب وليس بين الأحزاب كما يزعمون. والنخب هم في الأساس الدولة العميقة بمكوّناتها المتعددة. أما الشعب فهو المجتمع العميق والكفة ستميل حتما للمجتمع عندما يصبح التناقض بين النخب والقاعدة تناقض استراتيجيا وحتى وجوديا.  فبدلا من الدعوة للوقوف عند خطورة الحدث تكلّموا عن الاعتداء على الديمقراطية والمؤسسات ولم يقاربوا السبب الحقيقي للغضب بل اختزلوه في حقد الرئيس الخاسر.  التنكّر لعمق الغضب في الداخل هو الذي سيحول دون نزع فتيل الانفجار.  المتظاهرون عبّروا عن سخطهم تجاه المؤسسات الدستورية وما زالت النخب تتكلّم عن حماية تلك المؤسسات دون مقاربة الأسباب.

لكن إذا تعمّقنا في المشهد داخل الحزب الديمقراطي نرى مدى الفحوة بين القيادات والقاعدة اشعبية والقاعدة الشابة داخل الكونغرس.  فالقيادات التقليدية كنانسي بيلوزي وشاك شومر حريصة على “التعامل” مع القيادات التقليدية للحزب الجمهوري كميتش مكونل لكن لا يريدون التعامل مع قاعدتهم.  وهذه القاعدة تريد التغيير الجذري في أداء الحكومة عبر الاستثمار في البنى التحتية والبيئة والضمان الصحي وعدم التسامح مع الأوليغارشية المالية والتكنولوجية التي تسيطر على نخب الحزب وبالتالي على السياسات.  ليس واضحا كيف سيتعامل الرئيس المنتخب مع تلك القاعدة داخل الكونغرس وخارجه.   كما ليس واضحا إذا ما كان الشعب الأميركي مستعد لتلك الإجراءات الجذرية التي تطالب بها القاعدة الشابة للحزب الديمقراطي.

الخيارات الممكنة للرئيس المنتخب محدودة جدّا.  إما الانكفاء على الصعيد المشهد الخارجي والاهتمام بإعادة بناء الدولة والاقتصاد والمجتمع، وإما الاستمرار بالوضع الحالي والتعرض لتشظّي الدولة الأميركية.  الأسابيع الأولى لولاية بايدن ستوضح أي من الخيارين ستتخذها، لأن إمكانية معالجة الوضع الداخلي لا يستقيم مع متطلّبات السياسة الخارجية التي تريد الحفاظ على هيمنة لم تعد مقبولة في العالم.  فإما الانكفاء وإما  الاندثار.

المصدر: الكاتب، 7/01/2021